أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوخنا أوديشو دبرزانا - غابة ومرايا وشتاء حائر















المزيد.....


غابة ومرايا وشتاء حائر


يوخنا أوديشو دبرزانا

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 03:04
المحور: الادب والفن
    


منذ شهر أو أكثر كان وحيداً في هذه الغابة ومهرجان الالوان مستمراً في عرضه ايذاناً ببداية تعريتها . الأعشاب بادٍ عليها الوهن هاماتها الهزيلة منحنية والأوراق الصفراء والحمراء والبنية المتفاوتة في درجات تلونها تراقصها بعبث نسمات رغماً عنها . نهاية الرقصة استلقاء بوهن على صدر العشب الأشيب . نهايات الخريف تثقل خطى الزائر إنها مدعاة للتأمل و ممارسة رياضة روحية غير التي يمارسها الرهبان .
هنا على المنعطف شجرة ميتة بشموخ وغصن منها ممتد يشبه يد انسان مفجوع ممدودة إلى السماء مناجياً الله مستفسراً عن قهر أو فاجعة ألمت به ولسان حاله صرخة لماذا يا الله ؟ على المنحدر شجرة أخرى بكامل شبوبيتها مكسورة لم تمت ولم تنفصل عن جذعها مسنودة بأغصان جارتها عندها تذكر الاخوة الأزيديين الناهين عن مساس أو إيذاء الشجر لأن للاشجار روحاً تتألم إنها مخلوقات مثلنا . من ذلك الإيمان الازيدي استنبط تفسيره لذلك الغصن ذراع تلك الشجرة الميتة الممدود للسماء و تلك الشجرة الساندة غصناً لجارتها الذي يئن شبه منفصل ، ذلك الغصن ما زال مورقاً و مطمئناً لمسنده تذكر حنانيا مقولة الإعراب الحضن الذي يضمك هو امك . لذا قد تكون المهاجر الملاذ الآمن للمضطهدين في أوطانهم لكن أي حضن مهما كان دافئاً لن يكون بديلاً عن حضن الأم . هذا الغصن سيعيش إنه غير منفصل عن امه ومسنود من جارتها أما قناعة حنانيا تقول إن من يكفر اخوتنا ((الازيديين)) هو الكافر. إنهم أقرب الناس إلى الله لأنهم يتوخون أذية أي مخلوق . بعد حين ستتعرى الغابة كلياًً ويكون المدى مكشوفاً للرؤية وما أشبه غربة الإنسان بالشتاء حيث تتعرى بعض النفوس كما تتعرى اغلب الاشجار في الشتاء تتكشف الغابة عن حقيقتها وفي الغربة يظهر الناس على حقيقتهم . الغربة تدع الناس على سجيتها عارية الوجوه ولو أن بعض الساسة ودعاة العقائدية من شرقنا الرائع اللعين المهاجرة إلى الدول الامبريالية ممن كانوا يحلفون في أوطانهم بقبر أم لينين وروزا لوكسمبورغ وبعض المُقَدسينَ لعفلق وعبد الناصر وغيرهم من أعداء الغرب . في الغربة لَونوا وجوههم بمساحيق العهر السياسي بشتى أشكاله واضحوا مغالين في الدعوة للأفكار والتنظيمات السياسية التي كانوا يحاربونها في أوطانهم .
من الغابة عاد مباشرة إلى المكتبة العامة في البلدة التي يقطنها إنها مكتبة غنية جداً متعددة الاقسام والنشاطات مركز ثقافي متميز جلس في قاعة المطالعة المفتوحة طولها يتجاوز المئة مترا وبعرض عشرين . إنه يفضل الجلوس دائماً على طاولة انفرادية مطلة على الحديقة الغناء التي يتوسطها نصب لشهداء اليهود . إنه جدار بلوري صقيل مُقَطَع بفواصل ببعد متساو يعكس بعد حلول العتمة ملامح الرواد المتجاوز عددهم المئة من طلاب وبحاثة وكتاب وقراء . كل منهمك فيما يعنيه ، الصمت سيد الموقف . بشغف ينتظر حلول المساء والعتمة . إن رهبة ذلك الامتداد البلوري الصقيل يعيده إلى سنينه الأولى وذكرى صالونات الحلاقين ذات الطراز القديم في مدينة الحسكة حيث تتواجه بعرض الحائط المرايا المقطعة بالتساوي . كان مأخوذاً ومعجباً برؤية ملامحه ورقبته في عدد لامتناه من الصور قص شعره في تلك كان مختلف عما كان يتعرض له في القرية ويا ويلاه عندما لا يكون غير عمه وماكينته المتآكلة الأسنان من مخلفات خدمته في الجيش الانكليزي . هذا بكفة وشكل القََصة وموديلها بكفة أخرى . كثيراً ما كانت الخاتمة على يد والدته و الحلاقة على الصفر و رأس أقرع . لكن هنا في هذه المكتبة على هذا البلور وعلى هذا الامتداد بطول القاعة وعرضها يرى وجهه من خلال وجوه متعددة ، ألوان بشرة مختلفة أناس متآلفين بالصمت والغايات من أجناس مختلفة التي قبالته تبدو يهودية محافظة من لباسها المتميز وعلى الطرف الأيسر منها يقف شاب حليق الشارب ملتح بزي باكستاني يطالع كتاباً وعلى طاولة أخرى شابين أحدهما ذو ملامح أفريقية وزميله قد يكون من أصول أوروبية وهو آشوري من سوريا وعلى يمينه امريكية من اصول افريقية وعلى طاولة أخرى فتاتين من حمص كان قد تعرف عليهن سابقاً إحداهن اليوم مع زميلتها الاوكرانية . إنها حقاً غابة بشرية هنا في هذه القاعة يتجلى جمال الإنسان بصمته .
بعد حين توقف عن الكتابة ووقف يتطلع على الحديقة إنه يوم الاربعاء والفرقة الموسيقية تجهز الاتها استعداداً للعزف فهذا من برامج هذه المكتبة ليوم الاربعاء تحديداً . سمع همسة بالعربية ((عمو )) التفت وإذ بابنة حمص المحجبة التي تعرف عليها سابقاً مع زميلتها الاوكرانية تقول له همساً أتدري في أي يوم من الاسبوع نحن ؟ رحب بها وأجاب إنه الأربعاء . ضحكت و قالت إنه عيدنا نحن ((الحماصنة)) ولانه عيدنا الفرقة ستعزف لنا وسنرقص على انغامها إنها من فرق الغناء الريف الأميركي سألها و هل سترقصين ايضاً ؟ أجابت وبلغة محببة ولما لأ ؟ و كي لا يخدشا الصمت . توجها إلى ركن خاص للمحادثة هناك طالبته مشاهدتها وإبداء الرأي برقصتها وماذا إن علم أباك ؟ أجابت بابتسامة سأعرفك عليه ، أبي هو صديقي وهو من شجعني على دراستي في علم النفس الاجتماعي . نعم أنا محجبة لكنني لست منقبة . هكذا كن بعض الأمهات في سوريا إنه كحجاب الراهبات . سألها ماذا لو فرض عليك النقاب أجابت أبي لن يفرضه ابداً و تأكد إني سأمزقه ولن أبالي فأنا في بلد حريتي مصانة وكنت سأمزقه حتى لو كنت في سوريا . إن شاء الله قريباً سأعود إلى سوريا وادعو السوريات لتمزيقه . لكن لماذا يا (عمو) حنانيا تفترض ذلك رغم أني أود تعريفك بأهلي ؟ فكان جوابه يا ابنة أخي أعرف الكثير من الأصدقاء من بلداننا من مسلمين ومسيحيين يحاولون فرض بعض التقييد على أبنائهم وبالأخص البنات من خلال بعض الممارسات الطقسية رغم أن المسيحيين يبدون أخف وطأة . إنه الحرص على الابناء من إغراءات الانحراف المتاحة في هذا البلد ظناً منهم أن الدين ملاذاً آمناً . وسألته مقاطعة وما رأيك انت يا عم ؟ أجاب إن العلاقة الاسرية ووعي الاباء هي الاساس في بناء الشخصية وطبعاًً قد يكون للدين في نهجه التهذيبي دوراً ولكن لابد من التمييز بين الناحية الايمانية ومن المظاهر الايمانية واعتقد أن بعضهم يرى في ذلك التقييد ولو من خلال المظاهر الإيمانية الحفاظ على الموروث الأخلاقي لشرقنا . وشخصياً تبقى مقولة جبران هي الاصدق :أبناؤكم ليسوا لكم أبناؤكم أبناء الحياة . وقد يتحول ذلك التقييد إلى التمرد عليه . أما جوابها كان بمنتهى الحصافة والحكمة بقولها الأخلاق لا تؤطر ولو أنها مؤطرة في بلداننا الأصلية ومحددة في أجسادنا وتحديداً لجنسنا وأضافت تأكد الغربة ستكشف معدن الجميع أي كان معتقده وقد تكون بعض مظاهر التدين أقنعة مزيفة . أنا مفتخرة بابي أنه صديقي وهو من شجعني على قراءة ما يعرفني على نفسي وعلى ذاتنا الانسانية . دعنا من الحديث وتعالى وانظر كيف سترقص (( الحومصية )) قالتها ضاحكة لفظتها كما يحلو للحماصنة لفظها . كانت رائعة بتموجات قامتها الممشوقة متمايلة بتناسق مع الألحان وكأنها زنبقة تواكب النسمات في رقصة انفرادية ضمن المجموعة وفي رقصة الفالس على إيقاع ألحان شتراوس شاركها شاب ذو ملامح اوروبية ، حقاً كانا رائعين . بعد الرقصة تقدمت نحوه مستفسرة عن ادائها ولم تنتظر جوابه وإنما أردفت تأكد يا عم هكذا كان أبي يراقصني قبل مغادرتنا الوطن أبي كان عازفاً على عدة آلات وكان في بيتنا جهاز بيانو .
الشتاء داهمنا باكراً هذه السنة الثلج استعمر الغابة والغابة هنا هي بديلاً عن (( شاغورة صيدنايا )) تلك الصومعة الموحية بالرهبة التي كان يحج إليها كلما تواجد في دمشق لم يكن متديناً بقدر ما كانت تلك الصومعة مانحة له الراحة لنفسه المتعبة كما كانت يوماً تلك الجزيرة في نهر الخابور المحاذية لبستانهم قبل أن يسرق النهر وأحيانا نزلة جبل (( الحمى )) المشرف على ذلك النهر وتلك القرى الآشورية المستلقية بهدوء ووئام على كتفيه تلك القرى التي كانت تحاكي الحب والجمال .
أثناء جولاته في الغابة في الفصول السابقة كثيراً ما شاهد شخصاً ذو وجود شبه دائم بعيداً عن مسالك المشاة عاملاً شبه أريكة من أخشاب الأغصان الميتة لم يكن أحد مبال وكذلك حنانيا إلا في هذا الشتاء حين نقل الضغط الجوي المنخفض حديثه بالسريانية راداً على مكالمة . لم يكن الصوت غريباً على مسمعه لكنه لم يكن يتذكر لمن يكون .
يقول حنانيا : ترددت في البداية لكني تجرأت بالاقتراب منه وبصوت عال مسموع و بالسريانية خاطبته آمن الضروري أن ترفع الصوت ؟ بخطى وئيدة تقدمت نحوه مردد السؤال ذاته . التفت رجل الغابة بتثاقل وبصوت مبحوح قال أهذا أنت يا حنانيا ؟ نعم أنا ، كانت المفاجأة أنه صديق عتيق إنه أوجين . سأله حنانيا أهذا أنت وتشغل هذا المكان في كل الفصول ؟ أجاب نعم لذا أنا أدير ظهري للمارة تلافياً لمثل هكذا لقاء ولكن ما أدراك شغلي المكان في كل الفصول ؟ أجاب حنانيا لأني زائر دائم وأضاف أتعني إني زائر غير مرغوب به ؟ أجاب اوجين و بابتسامة صادقة على محياه أما أنت وأمثالك فلا ولو أني أفضل أن يكون أوجين مع أوجين .
أوجين لديه ما يلزم لبقائه النهار بكامله في الغابة بعيداً عن الناس والضوضاء لكنه رأى في حنانيا واحداً ممن كان ينتظرهم ممن كانت لديه رغبة في البوح إليهم عما يعانيه كان في حاجة لمن يثق به. يقول لم أكن أتوقع أن أرى ممن كنت أرغب في لقائه من أصدقائي من المهاجرين ، أما أن التقي بك في الغربة وفي هذا المكان بالذات فهذا إيحاء الهي رغم إيماني بالله وشكي في كرمه ورحمته . إن رحمته تتجلى فقط في العقل الذي وهبه لنا ولو أنه في هذا الذكاء المفرط اصبح نقمة أكثر مما يكون نعمة هذه الحروب وما يبدعه من عتاد للقتل ناهيك عن التفسيرات والتأويلات العقلية والفلسفية للأفكار والمعتقدات المتصادمة كلها تجعل من الحيوانات المفترسة ارحم من الانسان على أخيه الإنسان . أردف ضاحكاً تعالى إلى عالمي في حقيبتي هذه (( ساموفار)) صغير يعمل على الفحم أو الحطب ومعي شاي وبعض الجبن والخبز وكذلك قهوة ، هنا أمضي نهاري بعيداً عن الناس بعضهم يظن أني من المشردين سأله حنانيا وماذا عن زوجتك وعائلتك ؟ أجاب بتنهيدة هنا أنا بعيد عن المشاحنات اليومية ، زوجتي كانت منتظرة أن يبلغوها وفاتي في العمل ربما ستستفيد أكثر من عائدات الوفاة وأردف ضاحكاً ذلك الحب الذي كنا محسودين عليه تلاشى هنا أضحيت في نظرها مجرد بغل للحراثة أو جر العربات وماذا عن الأولاد ؟ أجاب بعد صمت آه تلتها زفرة تنم عن أنين روح مشروخة ، تلك التربية التي عهدتموها بهم هنا سقطت . أعقب حنانيا صدقاً كنتم وأبنائكم مضرب مثل ؟ تأوه قائلاً العمل سرقني منهما ، دوامي الليلي كان وبالاً وتذمر زوجتي من وضعنا المادي رغم عمل كلينا جعلهم ينحرفون مما دفعهم إلى أحضان المتربصين من الاوغاد زوجتي لا تقتنع بمقولة القناعة كنز لا يفنى . الآن ابنتي تعالج من الإدمان في مصح خاص وأبني ما زال سجيناًً بتهمة فعلة منسوبة إليه من أقرب الناس إلي ممن يمارسون الاتجار بالممنوعات ويقيناً أنه بريء . هذه حالي حبذا لو بقيت في ذلك الوطن و مت فيه مرة واحدة بدل أن أموت في اليوم ألف مرة وأني احسدك يا حنانيا أنك من دون أولاد . مع ذلك يا حنانيا تبقي حالي أفضل من صديقنا الأرمني كيفورك سأل حنانيا وماذا عنه ألم تسمع أن زوجته داست على أمومتها وليس فقط في خيانته مع زوج شقيقته ذلك الوغد الذي خان اخوة المصاهرة المقدسة ، لقد تخلت عن طفلتيها هاربة معه . كيفورك عاد الآن مع طفلتيه إلى أرمينيا . أجاب حنانيا حبذا لو لم التق بك مع ذلك حاول أن تكون قريباً مع بنتك وولدك ربما ستعيدهما إلى رشدهما أجاب اوجين تأكد هذا ما أقوم به إننا في تواصل دائم لكني في الظرف الحالي احاول اكون لنفسي متجافياً الناس ، تأكد رغم محبتي وثقتي بك لم أشأ أن التقي بك رغم رؤيتي لك في بعض الأحيان . أجاب حنانيا أن الشتاء والضغط الجوي المنخفض وهاتفك قادني اليك . هذا من حسن حظي أن التقي لمن أرتاح له ولم يمانع أوجين من دعوى حنانيا لتناول كأس نبيذ سويا في بار قريبة مشترطاً أن تكون لمرة واحدة مضيفاً يمكننا جلب مشروبنا في المرات القادمة متمنياً إليه باللقاءات الدائمة في المكان ذاته . أيد حنانيا الاقتراح . قال أوجين تأكد ياعزيزي حنانيا في هذه الغابة وفي غربتنا سيطوينا الزمن لقد ألا تتفق معي أن قلوبنا تحجرت واضحى الحب زائفاً ؟ في غربتنا ستمحى ذاكرتنا وذلك أقسى أنواع الإبادات الوجودية كما قال احد الكتاب .
في اللقاء الثاني بادره حنانيا قائلا إن لدي لك قصة أجاب اوجين هات ما عندك أجاب حنانيا اليوم تناقلت الأخبار أن أبناء مجموهة من دعاة التقوى والسائرين على نهج السلف الصالح تم اعتقالهم لممارستهم تجارة ما كانوا يحاربونه في أوطانهم الأصلية مبررين ذلك أن تلك المواد لم يرد ذكرها في كتابهم السماوي وكأن صفة الأرهاب الموسومين بها غير كافية. رد اوجين تأكد يا صديقي هنا كلنا ( بالهوى سوى ) . نحن أبناء ذلك الشرق الرائع اللعين أحوج ما نكون الى ثورة منهجية على مسلماتنا الخاطئة ألا ترى أن ذلك التخلف شتت شملنا وسبب تخلفنا . حينها تذكر حنانيا كلمة تلك الطالبة الحمصية المهاجرة الغربة ستكشف معادننا . المال أصبح هاجساً المال أصبح للبعض هو الحياة لم يعد يُنظَر عليه كوسيلة في الحياة ، لقد أضحت الحياة ملعب كرة القدم الأمريكية والدولار تلك الكرة كل يحاول الاستحواذ ولو بالعراك والمطاحنات و الركض والمراوغة والقفز و الالتفاتات المهم النتيجة تحقيق ذلك الهدف وأخوتنا المسلمين مقولتهم : المال والبنون زينة الدنيا ومن لم يتمكن بالحلال إن هذه الأرض خصبة لمحصول الحرام أيضاً لكن الأمر يتوقف على كل وقناعاته ومقاومة الإغراءات.
في اللقاءات التالية أصبح حنانيا أيضاً يجلب ما يلزم من مأكولات ومشروب وطاولة صغيرة وكراسي قابلة للطي وطبعاً قنينة عرق الريان .أما الاحاديث كانت تأخذ مناحي متعددة وعن واقع الحال وما عايشاه و يعيشونه في هذا الخليط الغير متجانس من البشر . روى حنانيا تجربته ويومه الأول في العمل حيث سلمت له عربة جمع القمامة في المعمل و استهزاء أحد عمال التنظيفات منه مما ذكره في يومه الأول من دورة الأغرار في الجيش حين استقبله طلاب الضباط في الكلية بالسخرية والاستهزاء وبالاخص من اللباس المدني وتسريحة شعره ، طبعاً هذا لم يدم طويلاً حيث عمل بجد في لم القمامة فنقل إلى القسم الخاص باختصاصه على آلات الخراطة والتسوية ، لكن الصدمة كانت أن الأمراض البشرية هي واحدة في كل زمان ومكان ، الحسد والنميمة والمحسوبيات لكنها تمارس من قبل بعضهم وبالأخص المسؤولين منهم بذكاء و تحاشي الاصطدام بالقوانين الناظمة حيث يحسب لها حساب وبالأخص التنمر وعدم المساواة والتحرش الجنسي الجسدي لكن الإنسان يبقى هو هو في كل زمان ومكان وأضاف هنا عدت كما كنت في الجيش أحاول الحكم على السلوكيات من خلال ملامح الوجه وشكل الحيوان الذي كنت أعزو الشبه إليه . نعم هنا القوانين الوضعية الناظمة للحياة والعلاقات بين الناس صارمة وعادلة لكن هناك دوماً خبثاء منهم من يقفز من فوقها ومنهم من يعبر من تحتها . ونحن القادمون من دول ذات الانظمة القمعية الفاسدة نبقى ملبوسين بالخوف على اللقمة علاوة على رجل الأمن المعشعش في مخيلتنا . علق اوجين على ذلك نعم يا أخي لقد مررت بتجربة مريرة تركت بصماتها على نفسيتي فخسرت بعضاً من خصالي التي كنتَ تعرفها اضحت صفة الجبان لابسة كياني فاليك الحكاية كنت سعيداً لاني بعد شهر من وصولي حظيت بعمل يمكنني من استئجار مسكن وسد حاجياتنا والتأمين الصحي لكن بعد ثمانية أشهر وفي لحظة تحضير نفسي للذهاب للعمل تلقيت مكالمة لمراجعة مكتب شؤون العاملين لاني مفصول عن العمل والسبب سوء تفاهم وقع في أيام سابقة بيني وبين أحد الزملاء لتنمره علي . تأكد يا أخي أثناء تلك المكالمة أحسست بصعقة شلت كل حواسي . طبعاًً حظيت بعد أيام بعمل أفضل من حيث الوظيفة والمردود المادي لكن قررت السكوت على كل المظالم وتجنب المشاحنات وبالاخص كوننا في ذلك العمل كما في تلك المكتبة خليط غير متجانس من البشر وبعض حامل معه أمراض مجتمعه ففي أثناء الاستراحة احياناً نكون أكثر من ثمانية وكل من بلد .
وبعد لقاءات عديدة لا حظ حنانيا أن أوجين مقتصد في الحديث محاولاً تجنبه قدر الإمكان ومفرطٌ في الشراب لكنه كان مرتاحاً لوجود حنانيا . حنانياً لم يكن فضولياً ولا متثاقلاً فلم يستفسر منه عما يعانيه . مرت أيام و أوجين غائب عن الموقع لم يشأ حنانيا الأ ستفسار من أي من المعارف . بعد ما يقارب الشهر رآه يتجول في الغابة ضمن محيط ركنه و أريكته تقدم صوب حنانيا حين لاح له ، تعانقا وقال لحنانيا مررت على المكتبة مرات عديدة للقائك وكنت متوقعاً لقائك هنا . كان طليق اللحية و الشحوب بادياً عليه ورائحته تنم عن عدم اغتساله لفترة طويلة قال لحنانيا لن أطيل معك كثيراً سأدعك لوحدك كي تمارس رياضتك أما أنا لن أعود إلى هذا المكان لكن مر بين فترة وأخرى مر على هذا الموقع ولقد حددت مكاناً معيناً لأني سأترك لك يوما رسالة اوافيك بها عن عنواني الجديد ، لقد وجدت لنفسي موقعاً وغابة أخرى أرجوك لا تسألني أين هي . أوجين لا يود الالتقاء بغير أوجين . سأنتظر أبنائي لأني سبب شقائهم وتعاستهم . لعنة الله على تلك دقائق المتعة تلك واخيراً الساعة التي غادرت فيها الوطن .
طلب منه حنانيا ابلاغه العنوان عبر الهاتف لكن رد اوجين لقد قررت من اليوم وصاعدا عدم التواصل مع أي وهاتفي سأعتبره ملغياً من حياتي فقط سادعه للتواصل مع أبنائي إلى حين الاطمئنان عليهم وهوذا رجائي الوحيد من الله إن كان ما زال رحيماً كما يقال . إني سبب تعاستهم . إني أتذكر مقولة فيلسوفنا أبن المعرة في جناية الآباء على الابناء أما أنت أمل أن تكون عند حسن ظني وثقتي بك أن يبقى هذا سراً وأنت بالذات الوحيد الذي يحلو لي مصارحته ومجالسته أنت لست مجرد مستمع انت تعيش حالة وجدانية مع محدثك
مرت أيام وشهور وبين الفينة والفينة يزور الركن ومن دون أن يجد الرسالة وأصبح يقصد غابات أخر ربما يلتقي به في إحداها لكن اللقاء المرجو تم في موقف سيارات المكتبة حيث كان أوجين في أنتظار حنانيا لاعطائه الرسالة طالباً منه عدم قراءتها الآن .
شاهد الارتباك على حنانيا قالها ضاحكاً نعم لم يخب ظني بك تأكد ليست رسالة وداع ولا فيها وصية منتحر أقرأها بعد خمسة أيام دعني أرتب أموري وفي الرسالة عنواني ورقم هاتفي . دعني أذهب فابنتي تنتظرني في مكان ما سأبلغك بكل جديد ودعته على أمل اللقاء قريباً
طال لحنانيا انتظار اليوم الخامس ليتسنى له قراءة الرسالة وأخيراً تم ذلك . الرسالة كانت جد مقتضبة و استغرب على هذا الإجراء والحرص وتأجيل القراءة ، كان الممكن أن يوافيه شفهياً بكل ما ورد فيها . هذا ما جاء في الرسالة : لقد حدثت أبني عنك سأودع عندك بعض المال لتزوره بين الفينة والفينة ولا أظنك تخيب ظني بك وإخلاصك ، أنا سعيد إني استعدت أبنتي العائدة إلى رشدها شكراَ لله و الأطباء والعاملين في ذلك المركز. إنها معي إننا نحاول الأبتعاد عن الناس ولا تريد أن تعلم حتى أمها بذلك . إنها ملبوسة بالخوف من الناس ، من الشوارع ومن الازقة . أرجوك دون الرقم وأحرق الرسالة و اتصل معي على هذا الرقم متى أتيحت لك فرصة السفر والقيادة لأكثر من ساعتين سنكون متواجدين في إحدى الغابات البعيدة سأوافيك بالعنوان حين اتصالك وختمها بشكره وتحياته .
حنانيا حرصاً على الأمانة والثقة والسرية التي توخاها صديقه أقنع زوجته بالسفر إلى الولاية التي تقيم فيها شقيقتها وفي اليوم التالي من سفر الزوجة اتصل بأوجين . سر أوجين باتصال حنانيا زوده بعنوان موقع الغابة وافاده بنوعية ولون السيارة التي استأجرها إنها بمثابة بيت متنقل مجهزة لكل المتطلبات والاحتياجات . كان يركنها ليلاً في مواقف معينة من البلدات القريبة ويقضيان النهار في الغابات بعيداً عن الناس . وصل حنانيا إلى الموقع بعد ساعتين كان اللقاء حميمياً حتى من الابنة أيضاً . بعد أن أعدت فيرجين القهوة . سأله أوجين إن كان على استعداد وقادر وراغباً في مساعدته .أجاب حنانيا لا داعٍ للسؤال وإلا لما أنا هنا وتأخري الاتصال بك والمجيء كان حرصي على السرية فتمكنت من إقناع زوجتي بالسفر لتلافي أي سؤال أو أستفسار عن غيابي ولكن كم ستطول هذه حالة عدم الاستقرار والعيش في كرفان متنقل ؟ أجاب أوجين ضاحكاً أدع الجواب لعزيزتي فيرجين . تكلمت وبعض التلعثم في كلامها بعقلانية بدأت كلامها بشكره على مساعدتهم وأفادت أنهما قررا العودة إلى الوطن وكذلك شقيقها اميل سيلتحق بهما وبعد الاستقرار في الوطن ستتصل هي بوالدتها وتطلب منها الالتحاق بهم ولا يريدان الآن الطلب منها ذلك خوفاً من إفساد مخططهم واردفت والان الدور لأبي : نعم الآن سأعطيك سيولة نقدية وكذلك ازودك بوكالة خاصة لحساب مصرفي خاص محتفظاً به لأبنائي أما زوجتي تركت لها معاشي ومعاشها التقاعدي وقد تواصلت مع اصدقاء في الوطن لكننا لن نذهب إلى الجزيرة نحاول أن نكون بعيدين عن ناسنا سنوافيك محل اقامتنا وعلى الأغلب ستكون في بلدات الساحل السوري أو في وادي المسيحيين . نحن كل أمورنا جاهزة فقط كنا في انتظارك لنقوم بالحجز وتحديد يوم السفر وكي لا يكون لك أي إحراج يمكنك مشاركة زوجتك ضحك حنانيا وقال صدقاً هذا كل ما كنت اود طلبه منكم وتأكد أني سأزور أميل مرة في الاسبوع وسيكون بمثابة ابني . ودعاه بعناق
أما في المطار كان الوداع حميمياً حينها قالت فرجين لم أكن أعرف أن للرجال سخاء في الدموع

يوخنا اوديشو دبرزانا

مكتبة سكوكي 2 نيسان 2026



#يوخنا_أوديشو_دبرزانا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دولة((اسلاموية))بشراكم مولانا - رسالة الى الامام متولي شعراو ...
- من سوريا الاسد جوراً الى سوريا الشرع شرعًاً
- نبالة صندوق البويا وحقارة قلم الاعلام !
- ضيعتي مرقد الشمس
- تأليه الإنسان وإسقاط الإله
- الأخوة الأكراد والرهانات الخاسرة
- رسالة مفتوحة الى معالي وزير الثقافة السوري الموقر
- القائد أحمد الشرع والي أم أمير ؟
- بين بيريس وبوش هل من شرق متوسطي جديد؟
- انا كنت سيد عقلي هذا ما يقوله فيودورس
- كنت سيد انا كنت سيد عقلي هذا ما كان يقوله فيودورس
- تنهيدات ذلك العصفور الدوري المشاكس
- سالم عابر حائر !
- نواطير الكلاب
- وكانا يسرقان الحمير
- من ماراثون الدراجات الى ماراثون الاعلام وعلامة النصر المنكسة ...
- حنانيا المتخاذل
- ممن الأعتذار ؟ من المشانق أم من أردوغان ؟


المزيد.....




- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...
- رحيل حياة الفهد.. بيوت العرب تودع -سيدة الشاشة الخليجية- وحز ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوخنا أوديشو دبرزانا - غابة ومرايا وشتاء حائر