|
|
لماذا الحرب الأمريكية الإيرانية؟
شوكت جميل
الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 07:41
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
بداءةً كلمةٌ لا بد أن تقال: أما أن النظام الإيراني هو حكمٌ ثيوقراطي قمعي تسلطي فهذا حق، لا ينكره إلا أحمقٌ أو مغرض، و أما و أن الشعب الإيراني حقيق بنظامٍ و حياة أفضل ، فهذا حقٌ أيضا، لا يزورُّ منه إلا عنصري أو رجعي، أما و أن امريكا قد حركت آلتها العسكرية المخيفة لهذه الأسباب، فهو الفرية الكبرى التي لا يرددها سوى البلهاء؛ أمريكا لم تكن يوما السامري الصالح، و ليس منتظرا منها أن تكون كذلك، بل و ليس منتظرا من دولة أيا كانت، فإذا كان حريّا بنا أن نتبع هذه السيرة كأشخاص، فليس على الدول و قادتها أن يتبعوها، إنما يتبعون مصالح الدولة و الأمة....و الحروب في عصرنا، بل في كل عصر، تنشب لأسباب مادية صارمة تخص جغرافيا المكان، و لأسباب تخص جغرافيا الموارد، و لأسباب تخص جغرافيا السكان. وسنعرض في مقالنا هذا، لأحد الأسباب و حسبنا من جغرافيا الموارد في الحرب الأمريكية الإيرانية، مصدر الطاقة(النفط و الغاز على الأخص)، و ارتباطه بالدولار، و دوره الرئيس في حربنا تلك، مدللين على أن أسباب الحروب لا تكمن في أدمغة الناس و أفكارهم بل بالأحرى في أمعائهم و ما يدبون عليه من أرضٍ صلبة.
تفسير الموقف الأمريكي : ............................ أما إيران فتملك ثاني أكبر احتياطي للغاز في كرتنا الزرقاء بعد روسيا؛ فتكون بذلك الدولة الفردة القادرة على كونها بديلا أستراتيجيا لروسيا في تزويد أوروبا بالغاز. فيما ترى واشنطن أن اندماج الغاز الإيراني مع الغاز الروسي (أو حتى التنسيق بينهما) سيخلق "أوبك للغاز" قادرة على خنق الاقتصاد الغربي بالكامل، و منها لم تألُ أمريكا جهدا في منع تصدير الغاز الإيراني: لضمان بقاء أوروبا معتمدة على الغاز المسال الأمريكي (LNG)، وهو ما يحقق مكاسب اقتصادية هائلة لأمريكا ويقوي تبعية أوروبا لها و عدم امتلاكها الحرية الكاملة لسيادة قرارها لأنها لا تملك طاقتها بل رهينة للإرادة الأمريكية، و هي الخطة الأمريكية منذ مشروع مارشال الذي كان يزور منه ديجول القائد الفرنسي، و الذي تبنى شركة النفط الفرنسية(توتال)،بينما أعتمدت جل الدول الاوربية على شركات النفط الأمريكية، هذا مكن ديجول من اتخاذ نهجا مستقلا نسبيا عن الإرادة الأمريكية، فيما لم يكن في وسع جيرانه ذلك قط، و لعلنا نتذكر كيف أدان ديجول الحرب الأمريكية على فيتنام، و فرض حظر عسكري على إسرائيل بعد حرب 67،و لعل ماكرون كان يحاول أن يقتفي أثره، أو كان هذا في ذهنه و هو يرفض الحرب الأمريكية على إيران، و من ثم رماها بعدم الشرعية و مخالفة القانون الدولي، و سنأتي على ذكر ذلك في موضعه. نجحت وشنطن قبلا من إفشال مشروع "خط أنابيب الصداقة" وهو مشروع كانت إيران تسعى عبره لتصدير الغاز إلى العراق وسوريا ثم إلى أوروبا عبر المتوسط، مما كان سيمنح إيران نفوذاً سياسياً هائلاً في قلب القارة العجوز. و مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، باتت أوروبا في حاجة ماسة و حيوية للغاز، و منها لم تجد وشنطن بدا من إشعال الحرب، فتحول بين طهران و صورة المنقذ" لأوروبا"؛ لأن ذلك سيكسو إيران حصانة سياسية طاغية؛ فأي من دول أوروبا سيجرؤ حينها على معارضة إيران إذا كان دفء بيوتها بيد طهران، و محبس الغاز بيد فارسية! أما ثالثة الأسافي أن إيران قد وقعت فعلا اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع الصين لتزويدها بالطاقة. و ترى الولايات المتحدة من جانبها أن تدفق الغاز والنفط الإيراني إلى الصين هو "وقود" لنمو المارد الصيني منافسها اللدود و الذي يهدد الهيمنة الأمريكية عالميا و يقض مضجعها. من ناحية أخرى تعي أمريكا تمام الوعي، أن تحرير تجارة الغاز الإيراني يعني إكتظاظ خزينة طهران بمئات المليارات من الدولارات ، مما يعني تمويلاً لا ينضب لحلفائها في المنطقة )حزب الله، الحوثيين، إلخ). لذا، كانت بغية الحرب التجفيف من المنبع، أعني تجفيف منابع الثروة قبل أن تتحول إلى قوة عسكرية ضاربة. هذا كان عن الطاقة ذاتها، فماذا عن ممرات توصيلها و تجارتها؟ : إيران تطل على مضيق هرمز، وهو أهم شريان لتجارة النفط عالمياً؛ لذا ليس من قبيل الصدفة إذن، أن تهدف أمريكا إلى ضمان عدم قدرة إيران على استخدام "سلاح النفط" أو إغلاق المضائق كأداة ضغط دولية، و بدهي أن يغدو تأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ضد التهديدات المرتبطة بحلفاء إيران (مثل الحوثيين) من أولوياتها. و ثمة هاجس آخر تشفق منه أمريكا أشد الاشفاق. إذ ترهب تشكل حلف (شرقي) منافس، و أن تتحول إيران إلى قاعدة كبرى للنفوذ الصيني والروسي في المنطقة. و من ثم عمدت إلى عزل إيران لمنعها من أن تكون "جسراً" يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط ضمن مشاريع مثل "الحزام والطريق"، ناهيك أن يولد تكامل عسكري وتقني متطور بين طهران وموسكو وبكين. أما من جهة عناصرها التابعة و حلفائها، فالولايات المتحدة تلتزم بحماية حلفائها في الخليج لضمان استمرار تدفق النفط واستقرار النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار. الصراع مع إيران يهدف إلى إثبات أن واشنطن هي "المظلة الأمنية الوحيدة" والموثوقة في المنطقة، مما يمنع هذه الدول من التوجه شرقاً، و لسنا في حاجة للقول ، أن أمريكا تعتبر تقزم إيران هو الضمان الأساسي لبقاء إسرائيل كقوة مهيمنة في المنطقة و بجوارها أقزام الخليج أو "البقرات الحلوب" بتعبير ترامب. تفسير الموقف الأوربي ................................. نلاحظ ما يشبه الانقسام في الموقف الأوربي: فطائفة من الدول تدين الحرب و تندد بها، وأخرى تمدحها و تغبطها، بيد أن لا الطائفة الأولى من الملائكة و حمائم السلام، و لا الثانية من ناعقات الدم و الخراب...إن هي إلا" الطاقة" الراسبة أسفل موقف كل منهم، و القادرة وحدها على تفسير هذا التناقض!: أما إيطاليا و أسبانيا و النرويج و تتزعمهم فرنسا فيما يظهر فمن المنكرات المنددات، أما التشيك و رومانيا و بولندا و دول البلطيق فمن الشاكرات المادحات، و رغم التناقض الظاهري فإن الطاقة و الحاجة إليها، و علاقتها المشتبكة هي المفسرة لموقف كلٍ منهم. تسعى دول شرق أوربا التي تدعم الحرب بصفة عامة (و التي كانت تعتمد كلياً على الغاز الروسي) لتكون "مركزاً" (Hub) لتوزيع الغاز المسال الأمريكي في أوروبا. فدعمها للموقف الأمريكي يعزز من فرصها في الحصول على صفقات طاقة تفضيلية واستثمارات أمريكية في البنية التحتية للطاقة. تأمل دول شرق أوروبا في الحصول على تكنولوجيا عسكرية أمريكية متطورة بأسعار مخفضة أو عبر منح عسكرية كمكافأة على موقفها السياسي الداعم للعمليات العسكرية كما تسعى إلى كسر "الهيمنة" الفرنسية الألمانية،إذ تستخدم دول شرق أوروبا تحالفها الوثيق مع واشنطن لرفع ثقلها السياسي داخل الاتحاد الأوروبي ومنافسة المحور "الباريسي-البرليني" الذي يميل دائماً للتهدئة والاستقلالية عن واشنطن. و رداً على ارتماء دول الشرق في الحضن الأمريكي، أطلق ماكرون وميرز "مجموعة توجيه نووي" (Nuclear Steering Group) تهدف لإشراك دول مثل بولندا في تدريبات الردع النووي الفرنسي. الهدف هو طمأنة هذه الدول بأن أوروبا قادرة على حماية نفسها دون الحاجة للاعتماد الكلي على واشنطن. فيما كان حصار المضروب على إيران بل و فرض العقوبات المشددة على نفطها و مصادر الطاقة مضرا لشركات فرنسية كبرى (مثل توتال ورينو وستيلانتيس)، لها استثماراتها الضخمة في إيران. تهدف فرنسا للحفاظ على إمكانية العودة لهذه الأسواق مستقبلاً. كما تسعى فرنسا (خاصة في عهد ماكرون) لترسيخ "السيادة الأوروبية"، وترفض الانقياد التلقائي خلف السياسات الأمريكية التي قد تضر بالمصالح الأوروبية المباشرة. و حقيقة الأمر أن الغاز الأمريكي وحده لا يكفي لسد احتياجات أوروبا بالكامل. تعتمد فرنسا وأوروبا أيضاً بشكل كبير على قطر (التي تمد أوروبا بنحو 8-13% من احتياجاتها). أي حرب مع إيران تعني تهديداً مباشراً لمضيق هرمز، مما قد يؤدي لتوقف صادرات الغاز القطري، وهو ما سيخلق عجزاً عالمياً لا تستطيع أمريكا تعويضه فوراً. ثمة نقاش داخلي في فرنسا وأوروبا حول مخاطر استبدال "الارتهان لروسيا" بـ "الارتهان لأمريكا". و لاح كالمستجير من الرمضاء بالنار، لذا فإن فرنسا تسعى دائماً لتنويع مصادرها (الجزائر، النرويج، نيجيريا، قطر) والحفاظ على توازن دبلوماسي يضمن استقرار جميع هذه المصادر. و لقد سببت التوترات العسكرية في توقف بعض الإنتاج القطري وتوقف الملاحة عبر هرمز، مما أثبت لفرنسا و الأوربيين أن الاعتماد على الغاز الأمريكي وحده "مقامرة" غير كافية لحماية أمن الطاقة الأوروبي، و هو من الأمور التي لا تؤخذ بخفة و لكن لتاريخ التبعية و إلإذعان الأوربي الطويل ، منذ خطة مارشال تجنبت باريس وبرلين الدخول في صدام مباشر مع إدارة ترامب والتي هددت بقطع التجارة مع الدول المعارضة مثل إسبانيا، واكتفتا بالتأكيد على أنهما "لم يشاركا في الضربات الهجومية الأولى" مع استمرار التنسيق الاستخباراتي.
أخيرا الصراع ليس على "من يبيع الغاز"، بل على "من يتحكم في مفاتيح الطاقة" التي تحرك المصانع والجيوش في العالم... ........................................ بيت القصيد يقول نيتشه (رغم تحفظي): "إن ما هو أضعف يدفعه خضوعه إلى أن يخدم ما هو أقوى، لإقناع نفسه بأنه سيد ما هو أضعف منه؛ هذه هي المتعة الوحيدة التي لا يودُّ التخلي عنها"
#شوكت_جميل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نداء إلى العمال الأمريكيين:لينين
-
القومية شيطاناً أم ملاكاً ؟!
-
فانكا لتشيخوف(من حكايا الكريسماس)
-
عسس
-
ضرورةٌ وحشية
-
رسالة لمبرمجي الذكاء الصناعي
-
الذرائعية إله الرأسمالية و مطيتها!
-
الجدلية كما أفهمها
-
قطر و سمكة الرماد!
-
أصل الفلسطينيين و اليهود جينياً (حوار مع A.I)
-
القبلة النكراء
-
نبيٌّ و بوق
-
الوعي عند ماركس و فاعليته
-
الميلاد(الثائرُ يولد مصلوباً)
-
لَومُ الخِرَاف
-
حديث إلى العمّال(1)
-
حديث إلى العمال (2)
-
حديث إلى العمّال
-
ليست ريَّا الأيام_ عزرا بَوِند
-
ومضة النفق_ لعزرا بَوِند
المزيد.....
-
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشلّ آسيا.. ذعر الطاقة
...
-
وكالة الطاقة: حرب إيران تسبب -أكبر اضطراب في إمدادات النفط-
...
-
DW تتحقق: تضليل وتزييف في حرب إيران
-
من يربح من نار الحرب؟ أسرار المال خلف الصراع مع إيران
-
توقف تصدير الأسمدة .. حرب إيران ترفع أسعار المواد الغذائية
-
هجمات إيرانية مستمرة على الخليج.. هل تحمي القواعد الأمريكية
...
-
مراسل فرانس24 بالعراق: ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات على مقرات
...
-
هجوم أوكراني على محطة نفط روسية ولقاء مرتقب بين زيلينسكي وما
...
-
هل يدفع الغرب الثمن الأكبر لحرب إيران؟
-
-نقض الغزل-.. كيف يحذرنا القرآن من إبطال العمل بعد إتقانه
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|