|
|
فانكا لتشيخوف(من حكايا الكريسماس)
شوكت جميل
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 10:09
المحور:
الادب والفن
فانكا لأنطون تشيخوف لم يبت،فانكا جوكوف، الصبي ذو التسع سنوات، في فراشه قبل ليلة الكريسماس؛ فقد أُرسلوا به منذ ثلاثة أشهر ليتمرس صبياً عند الإسكافي ألياخين، لم ينم فانكا بل تصَّبر حتى مضى صاحب الورشة و عمالها لصلاة الصباح، فتناول من خزانة سيده محبرةً، وقلمًا بريشةٍ صدئة، وفرد أمامه ورقة مجعدة، وشرع في الكتابة. و قبل أن يخط حرفاً، تلفت مرارا برهبة صوب النوافذ و الأبواب، و رفع ناظريه إلى الأيقونة الكابية التي يعلوها السواد و على جانبيها الأرفف المكدسة بالنعال، ثم تنهد تنهيدة ممضة... ما زالت الورقة مبسوطة أمامه على المقعد، فركع فانكا على ركبتيه: :(جدّي الحبيب، قسطنطين مكاريتش، أكتب لك هذه الرسالة. أهنئك بعيد الميلاد وأتمنى لك كل الخير من عند الله، تعلم أني يتيم الاب و الام، و ما عاد لي سواك أنت يا جدّي). رفع فانكا عينيه نحو النافذة المظلمة، حيث تتلألأ انعكاسات شمعته المهتزة، وتخيل جدّه ، الحارس الليلي لدى عائلة جيفاريف. كان جده شيخاً قصير القامة، قليل الجرم، بيد أنه فائر النشاط والرشاقة على غير المعهود، و هو في حوالي الخامسة والستين من عمره، طلق الوجه دائماً، وعيناه ثقيلتان من السكر أحيانًا. نهاراً مثواه المطبخ نائما أو مثرثرا مع الخادمات، و يمضي ليله كله طوافا حول إقطاعيه سادته، متدثراً معطفاً ثقيلا من فرو الخراف، و ديدنه القرع بمقرعته على صفيحة يحملها، و دوماً ما يتبعه رفيقاه مطأطئيا الراس: كلبته العجوز كاشتانكا و كلبه الفتي فيون، أما فيون فقد لقب كذلك لسواد شعره و تمطي جسمه كالنمس، و كان لطيفا و مهذبا إلى درجة غير مألوفة، و يرمق بودٍ بالغٍ من ألفه من الناس و من لم يألفه من الغرباء، و رغم هذا لم يكن أهلا للثقة من أحد؛ إنما كانت تلك خطتة يخفي تحتها أشد اللؤم و الغدر، فلم يباريه أحد في عض ساق أحدهم خلسة، أو التسلل إلى الخزين أو السطو على دجاج الفلاحين!فكادوا أن يكسروا رجليه الخلفيتين غيرة مرة، و علق مرتين، وعادته أن يضرب ضربا مبرحا كل أسيوع.. لكنه كان ينجو بحياته كل مرة. كان فانكا يتذكّر جدّه واقفا عند البوابة، يرمق نوافذ الكنيسة الألقة الحمراء، يدب الأرض بأحذيته الثقيلة، ويطرق بمطرقته وصفيحته معلقة على خصره، و يفرك يديه الباردتين، ويبتسم بسخرية طريفة، و يسعل سعال شيخٍ كبير، و حينا يقرص الخادمة و حينا يقرص الطباخة. ويعرض على الخادمات : ألا ترغبن في الأستنشاق قليلا؟ مقدماً صندوق نشوقه،فيستنشقن و يعطسن، فيقهقه العجوز في صخبٍ و خيلاء : ( بعمق و إلا لصق بأنوفكن)، حتى الكلاب تأخذ نصيبها: كاشتانكا تعطس و تزور مستأة،أما في ون فيرفض باحترام و يهز ذيله،كان الطقس رائعًا، صافيًا وصقيعًا، والقرية كلها، أسطح المنازل البيضاء، أدخنة المداخن، الأشجار المغطاة بالصقيع، والثلوج المتراكمة، كل ذلك واضحًا تحت السماء المليئة بالنجوم، ودرّب التبانة يتلألأ كما لو أنه قد فركت بالثلج احتفالًا بالعطلة. تنهد فانكا، غمس قلمه في الحبر، و واصل الكتابة: :(الليلة الماضية ضربني سيدي، سحبني من شعري إلى الفناء، وضربني بقالب الأحذية الخشبي، لأنني أثناء هدهدتي لطفله في المهد غفوت عن غير قصد، و هذا الأسبوع أمرتني سيدة الدكان بتنظيف سمكة رنجة، فبدأت من ذيلها، فتملكها الغضب وأمسكت برأس السمكة و دعكت بها وجهي. أما العمال فيسخرون مني و يرسلونني إلى الحانة لجلب الفودكا، ويجعلونني أسرق خيار السيد، و هو يقذفني بما تصل إليه يداه. أما الطعام ، ففي الصباح خبز، وفي الغداء عصيدة، وفي المساء خبز مجددًا. أما الشاي أو شوربة الملفوف، فللسادة و حسب. أما المنام ففي المدخل خارجا ،أما إذا بكى الطفل فلا نوم لي، بل أظل أؤرجح المهد... جدي العزيز، أرجوك خذني إلى قريتنا،ما عدت أحتمل... أركع لك، وسأصلي لله إلى الأبد، خذني من هنا وإلا سأموت...). و زم فانكا شفتيه و مسح عينيه بقبضة يده المتسخة بالهباب، وانهمرت دموعه :(سأجهز لك تبغك، سأصلي لله من أجلك، وإذا حدث أي خطأ، فاضربني كما تضرب الكلاب. وإذا كنت تعتقد حقًا أنني لن أجد عملاً، فسأطلب من راعي الكنيسة العمل منظفا للأحذية، أو سأعمل بدل فديكا راعياً للغنم. جدي العزيز، لا أستطيع تحمل هذا أكثر، ، ليس أمامي سوى الموت... أردت الهرب إلى قريتي سيرا، لكن ليس لدي أحذية و الصقيع أمامي، وعندما أكبر سأرعاك و أطعمك ، ولن أدع أحدا يمسك، وعندما تموت سأصلي لك كما أصلي لأمي بيلاجيا.... أما موسكو، فهي مدينة كبيرة، كل البيوت لنبلاء، ما أكثر الخيول، و ما من أغنام، والكلاب ليست شرسة. الأطفال لا يسمح لهم بالطواف في عيد الميلاد ، لا يُسمح لأحد بالغناء ضمن الجوقة، ورأيت مرة في واجهة متجر صنانير تباع بخيوطها على أعمدة ، كلها للبيع، ولكل نوع من الأسماك، مريحة للغاية. وكان هناك صنارة واحدة يمكنها صيد سمكة شيت بوزن بود. وهناك متاجر لبنادق كتلك التي لسادتنا، وأعتقد أنها تكلف مئة روبل لكل واحدة. وفي محلات الجزارين هناك طرائد و دجاج بري وأرانب،و لا يقول صاحب المحل من اصطادها أو من أين هي. جدي العزيز، وعندما يضع السادة أشجار الكريسماس، خذ جوزة ذهبية وضعها في صندوقي الأخضر. و أسال الآنسة أولغا إغناطيفنا وقل إنها من أجل فانكا). تنهد فانكا بشدة، وحدق مرة أخرى في النافذة. تذكر أن جده لطالما ذهب إلى الغابة لأجل شجرة عيد الميلاد وقد صحب حفيده معه ، يا لها من أوقات سعيدة! الصقيع كان يطرقع فرحا و كذا جده يطرقع فرحا و مثلهما كان يفعل فانكا نفسه. ثم قبل قطع شجرة عيد الميلاد، كان جده يشعل غليونه، يأخذ نفسا طويلا من التبغ، ويسخر من فانكا الصغير المجمد… الأشجار الصغيرة، ملفوفة بالصقيع، تقف بلا حراك، تنتظر أيها سيموت أولاً. فجأة، يقفز أرنب من مكان ما ويجري عبر الكثبان الثلجية…فلا يملك جده إلا أن يصيح:: اقبضوا عليه، اقبضوا عليه، اقبضوا عليه! آه، أيها الشيطان قصير الذيل)) عندما قطعت الشجرة، جرّها جده إلى منزل السيد، وهناك بدأوا بتزيينها. انشغلت الآنسة، أولغا إغناطيفنا، صديقة فانكا الكبرى، أكثر من غيرها بذلك. عندما كانت والدة فانكا، بيلاجيا، لا تزال حية، وكانت خادمة في المنزل، كانت أولغا إغناطيفنا تملؤه بالحلوى، وتعلمه القراءة والكتابة والحساب حتى المئة، وحتى رقصة الكوادريل. عندما ماتت بيلاجيا، وضعوا اليتيم فانكا في المطبخ مع جده، ومن المطبخ أُرسل إلى موسكو للعمل عند ألياخين صانع الأحذية. و يعود فانكا إلى كتابته : (تعال بسرعة، يا جدي العزيز، أرجوك من أجل المسيح خذني من هنا. ارحم يتيماً فقيراً، فهنا يضربونني، وأنا جائع جداً، وحزين جداً بما هو فوق، أبكي طوال الوقت. ذات يوم ضربني السيد على رأسي بالنعل ؛ سقطت على الأرض، و بالكاد عدت إلى الحياة. حياتي شقاء، أسوأ من حياة أي كلب… أرسل تحياتي لأليونا، لتيغور الأعمى، والسائق، ولا تدع أحداً يأخذ الهارمونيكا خاصتي. أنا، حفيدك إيفان جوكوف، أنتظر مجيئك، يا جدي العزيز) طوى فانكا ورقته إلى أربعة، ووضعها في ظرف اشترى الليلة الماضية بكوبك واحد. فكر قليلاً، غمس القلم في الحبر، وكتب العنوان: ( إلى القرية،إلى جدي) ثم حك رأسه، وفكر مرة أخرى، وأضاف (قسطنطين مكارفيتش)،و وضع قبعته مسرورا لأن أحدا لم يقاطعه أثناء الكتابة ، وبدون أن يلبس معطفه الصوفي، خرج إلى الشارع بأكمام قميصه فقط.. أخبره البائع في محل الجزارة، الذي استفسر منه الليلة الماضية، أن الرسائل توضع في صناديق البريد، ومن هناك تُنقل عبر الأرض كلها على متن عربات خيول بحوذية من صبية سكرانين و أجراس رنانة،. هرع فانكا إلى أول صندوق بريد، ووضع رسالته الثمينة في الشق.. ما هي إلا ساعة، و فانكا غارق في نوم عميق مغلفاً بالآمال،. وفي أحلامه رأى موقدًا، وجده جالس بجانبه وقدماه متدلّيتان حافيتان، يقرأ رسالة للطباخات، وفيون يتمشي حول الموقد هازا ذيله. ....................................................................................................... نقله عن الإنجليزية بتصرف / شوكت جميل
#شوكت_جميل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عسس
-
ضرورةٌ وحشية
-
رسالة لمبرمجي الذكاء الصناعي
-
الذرائعية إله الرأسمالية و مطيتها!
-
الجدلية كما أفهمها
-
قطر و سمكة الرماد!
-
أصل الفلسطينيين و اليهود جينياً (حوار مع A.I)
-
القبلة النكراء
-
نبيٌّ و بوق
-
الوعي عند ماركس و فاعليته
-
الميلاد(الثائرُ يولد مصلوباً)
-
لَومُ الخِرَاف
-
حديث إلى العمّال(1)
-
حديث إلى العمال (2)
-
حديث إلى العمّال
-
ليست ريَّا الأيام_ عزرا بَوِند
-
ومضة النفق_ لعزرا بَوِند
-
الاستنتاج المنطقي_لعزرا بوند
-
مساء / لريشتاد الدنجتن
-
الوصم تمهيداً للتطهير_من أوراق أدولف هتلر
المزيد.....
-
بابا نويل في غزة.. موسيقى وأمل فوق الركام لأطفال أنهكتهم الح
...
-
من تلة في -سديروت-.. مأساة غزة تتحوّل إلى -عرض سينمائي- مقاب
...
-
بالصور.. دول العالم تبدأ باستقبال عام 2026
-
-أبطال الصحراء-.. رواية سعودية جديدة تنطلق من الربع الخالي إ
...
-
الانفصاليون اليمنيون يرفضون الانسحاب من حضرموت والمهرة
-
سارة سعادة.. فنانة شابة تجسد معاناة سكان غزة عبر لوحاتها وسط
...
-
متاهات سوداء
-
الصور الفوتوغرافية وألبوماتها في نصوص الأدب والشعر
-
-السرايا الحمراء- بليبيا.. هل يصبح المتحف رسالة تصالح في بلد
...
-
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي: ادعاء روسيا استهداف أوكراني
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|