أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - شوكت جميل - نداء إلى العمال الأمريكيين:لينين















المزيد.....



نداء إلى العمال الأمريكيين:لينين


شوكت جميل

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 07:59
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


لينين كان مفكراً فذاً و مادياً جدلياً لا يضاهي، و مع هذا كان تكتيكياً لا يشق له غبار؛ إذ لم تكن لديه أي خيالات أو أوهام في إمكانية نمو الثورة الروسية الاشتركية الوليدة الضعيفة نموا صحيا و هي معزولة في بلد زراعي شبه متخلف، كتلك الأوهام التي تلبست ستالين أو تلبسها، ففرض سياسة الستار الحديدي بغية نجاح الثورة في بلدٍ واحد مع بقاء المراكز الراسمالية المتقدمة صناعيا و الكاسرة المنقضة سليمة معافاة كما هي، جاهلا -أو عامدا لست أعلم حقا_بأبسط التحاليل الماركسية التي تتنبأ بفشل مثل هذه التجربة! فيما ان الثورة الأكثر ترجيحا للنجاح هي الثورة على المستوى العالمي و من المراكز الرأسمالية المحورية...و جانباً اعتقد أن سيرة ترامب قد أسقطت كل أوراق التوت أمام المواطن الامريكي الحر"حقا" عن سياسة دولته، و لعل الفرصة لم تكن مواتية كما هي الآن، لقوى اليسار الامريكي للتحرك.... يقول لينين :
(إننا نراهن على حتمية الثورة العالمية؛ بيد أن ذلك لا يعني أننا نعول على اندلاعها في تاريخ محدد وقريب. [...] فنحن ندرك يقيناً أن الثورات لا تأتي بكلمة من أمر، ولا وفقاً لخطط مُعدة سلفاً.

إننا نعلم أن الظروف وحدها هي التي دفعت بنا—نحن بروليتاريا روسيا—إلى الطليعة، وأننا قد بلغنا هذه المرحلة الجديدة من الحياة الاجتماعية للعالم لا لسموٍّ فينا، بل بسبب الطبيعة الرجعية المتفردة التي اتسمت بها روسيا. ولكن، وإلى أن تنفجر شرارة الثورة الدولية، قد تظل الثورات في البلدان المنفردة عرضة لجملة من الانتكاسات الخطيرة وحالات الإطاحة بها(.(أ)
لينين كان على وعيٍ تامٍ بأن الولايات المتحدة كانت هي حجر الزاوية في شرارة الثورة الاشتركية آنذاك، كما هي الأخطر الأكبر في آن، و أحسب أنها ما برحت كذلك إلى يومناهذا ، بالطبع مع بعض التغيرات الثانوية، ليس المقام لسردها الآن.......

لقد اعتمد لينين في خطابه إلى العمال الامريكيين نبرةً اتسمت بالصدق والصراحة والانفتاح؛ حيث كشف عن المشكلات و لانتكاسات والنقائص العديدة التي اعترت الثورة، وفي الوقت ذاته، أشار إلى طاقاتها الكامنة غير المحدودة، وإلى النفاق الدنيء لأولئك الذين سعوا إلى تلطيخ وجهها بالدماء، قائلاً): لِتَصرخ الصحافة البورجوازية الفاسدة بملء فيها أمام العالم أجمع، عن كل خطأ ترتكبه ثورتنا ؛ فنحن لا يفت في عضدنا تعثرنا أو أخطاؤنا. إن الناس لا يتحولون إلى قديسين بمجرد اندلاع الثورة؛ فالطبقات الكادحة التي عانت لقرون من القهر والاضطهاد، والرزوح قسراً تحت وطأة الفقر والوحشية والجهل، لا يمكنها أن تتجنب الأخطاء وهي تصنع ثورة. [...]
إن كل خطأ يُرتكب في سياق هذا العمل—هذا العمل الدؤوب والمخلص الذي تنهض به عشرات الملايين من العمال والفلاحين البسطاء لإعادة تنظيم حياتهم برمتها—إن كل فشلٍ من هذا النوع لهو أثمن من آلاف وملايين النجاحات "القانونية" التي حققتها الأقلية المستغِلّة؛ تلك النجاحات القائمة على الاحتيال وتضليل الكادحين. فمن خلال هذه الأخطاء وحدها، سيتعلم العمال والفلاحون كيف يبنون الحياة الجديدة، وكيف يتدبرون شؤونهم بمعزل عن الرأسماليين؛ وبهذه الطريقة فقط سيشقون لأنفسهم سبيلاً—عبر آلاف العقبات—نحو الاشتراكية المنتصرة).

و هاك رسالته، و لربما كانت أوقع الآن عمّا كانت عليه.
...........................................................................................

رسالة إلى العمال الأمريكيين
كُتبت في: 20 أغسطس 1918. نُشرت لأول مرة: جريدة "برافدا"، العدد 178، 22 أغسطس 1918.

أيها الرفاق! لقد عرض عليّ رفيقٌ من البلاشفة الروس، ممن شاركوا في ثورة 1905 وعاش في بلادكم سنوات طوال، أن ينقل إليكم رسالتي هذه. وقد قبلتُ مقترحه هذا بغبطة بالغة؛ ذلك لأن العمال الثوريين الأمريكيين مدعوون اليوم للعب دور بالغ الأهمية بوصفهم أعداءً لا يساومون للإمبريالية الأمريكية، وهي الإمبريالية الأحدث عهداً، والأشد قوة، الأحدث انضماماً إلى تلك المذبحة العالمية التي تخوضها الأمم من أجل تقاسم أرباح الرأسمالية.
في هذه اللحظة بالذات، يقلب أصحاب المليارات الأمريكيون—تجار العبيد المعاصرون—صفحة مأساوية استثنائية في التاريخ الدامي للإمبريالية المسعورة، وذلك عبر مباركتهم (سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، معلنة أم متخفية بنفاق) لتلك الحملة المسلحة التي أطلقتها الإمبريالية الأنجلو-يابانية الغاشمة بهدف خنق أول جمهورية اشتراكية.
إن تاريخ أمريكا الحديثة والمتمدنة قد استُهل بواحدة من تلك الحروب التحررية العظيمة والثورية حقاً، وهي حروب قليلة النادرة إذا ما قورنت بالكم الهائل من حروب الغزو التي أشعلتها—مثلما هي الحرب الإمبريالية الراهنة—مشاحنات الملوك والإقطاعيين والرأسماليين حول تقاسم الأراضي المغتصبة أو الغنائم الحرام. لقد كانت تلك هي الحرب التي شنها الشعب الأمريكي ضد اللصوص البريطانيين الذين اضطهدوا أمريكا وأبقوها في عبودية استعمارية، تماماً كما لا يزال هؤلاء "المتمدنون" من مصاصي الدماء يضطهدون ويستعبدون مئات الملايين في الهند ومصر وكافة أصقاع الأرض.
لقد مضى قرابة قرن ونصف منذ ذلك الحين. وأثمرت الحضارة البورجوازية كل ثمارها المترفة. و ارتقت أمريكا الصدارة بين الأمم الحرة والمثقفة في مستوى تطور القوى المنتجة للمسعى الإنساني الجماعي، وفي تسخير الآلات وعجائب الهندسة الحديثة. بيد انها في نفس الوقت، غدت واحدة من أبرز الدول في عمق الهاوية التي تفصل بين حفنة من أصحاب المليارات المتصلفين الغارقين في الأوحال والترف، وبين ملايين الكادحين الذين يعيشون دوماً على شفا الإملاق. إن الشعب الأمريكي، الذي قدم للعالم مثالاً في خوض حرب ثورية ضد العبودية الإقطاعية، يجد نفسه اليوم في المرحلة الرأسمالية المتأخرة من "عبودية الأجر" لصالح حفنة من المليارديرات، ويجد نفسه يؤدي دور السفاحين المأجورين الذين خنقوا الفلبين عام 1898 بدعوى "تحريرها"، ويخنقون اليوم الجمهورية الاشتراكية الروسية عام 1918 بدعوى "حمايتها" من الألمان.(ب)
بيد أن سنوات الذبح الإمبريالي الأربع لم تمر هباءً؛ فقد كشفت الحقائق الدامغة والجلية خداع الشعوب الذي مارسه أوغاد المجموعتين اللصتين: البريطانية والألمانية. إن نتائج هذه السنوات الأربع قد كشفت النقاب عن القانون العام للرأسمالية في تطبيقها على الحرب بين اللصوص لتقاسم الغنائم: فالأغنى والأقوى هو من ربح واغتصب النصيب الأكبر، بينما تعرض الأضعف للنهب والتعذيب والسحق والخنق.
لقد كان لصوص الإمبريالية البريطانية هم الأقوى من حيث عدد "العبيد المستعمرين". ولم يفقد الرأسماليون البريطانيون شبراً واحداً من أراضيهم (أي الأراضي التي اغتصبوها عبر القرون)، بل استولوا على كافة المستعمرات الألمانية في أفريقيا، واغتصبوا بلاد ما بين النهرين وفلسطين، وخنقوا اليونان، وشرعوا في نهب روسيا.
أما لصوص الإمبريالية الألمانية، فقد كانوا الأقوى تنظيماً وانضباطاً في جيوشهم، لكنهم كانوا الأضعف من حيث المستعمرات؛ فخسروا كل مستعمراتهم، لكنهم نهبوا نصف أوروبا وخنقوا أكبر عدد من الدول الصغيرة والأمم الضعيفة. فيا لها من "حرب تحرير" عظيمة من كلا الجانبين! ويا لبراعة لصوص المجموعتين، الرأسماليين الأنجلو-فرنسيين والألمان، ومعهم أذنابهم من "الاشتراكيين-الشوفينيين" الذين انحازوا إلى "بورجوازيتهم الوطنية"، في الدفاع عن "أوطانهم"!
لقد كان أصحاب المليارات الأمريكيون، ربما، الأغنى على الإطلاق، والأكثر أماناً من الناحية الجغرافية، وقد ربحوا أكثر من الجميع؛ إذ حولوا كافة البلدان—حتى أغناها—إلى بلاد تدفع لهم الجزية، واغتصبوا مئات المليارات من الدولارات. وكل دولار من هذه الدولارات ملوث بالأوحال: أوحال المعاهدات السرية بين بريطانيا وحلفائها، وبين ألمانيا وأتباعها، معاهدات تقاسم الغنائم، ومعاهدات "المعونة" المتبادلة لاضطهاد العمال وملاحقة الاشتراكيين الأمميين. كل دولار ملوث بقذارة عقود الحرب "المربحة" التي جعلت الغني أكثر ثراءً والفقير أكثر فاقة في كل بلد. وكل دولار ملطخ بالدماء—من ذلك المحيط من الدماء الذي سفكه عشرة ملايين قتيل وعشرون مليون جريح في تلك الحرب "النبيلة والمقدسة" لتقرير من من اللصوص، البريطاني أم الألماني، سيحظى بالقدح المعلى من الغنيمة.

وبينما حطم اللصوص الألمان الأرقام القياسية في الفظائع الحربية، حطم البريطانيون الأرقام القياسية ليس فقط في عدد المستعمرات التي اغتصبوها، بل أيضاً في دقة نفاقهم المقزز. ففي هذا اليوم بالذات، تنشر الصحف البورجوازية الأنجلو-فرنسية والأمريكية، بملايين النسخ، الأكاذيب والافتراءات حول روسيا، مبررة بنفاق حملتها الافتراسية ضدها بزعم رغبتها في "حماية" روسيا من الألمان!
ولا يتطلب دحض هذه الكذبة الحقيرة والشنيعة كلمات كثيرة؛ إذ يكفي الإشارة إلى حقيقة واحدة معروفة. ففي أكتوبر 1917، بعد أن أطاح العمال الروس بحكومتهم الإمبريالية، اقترحت الحكومة السوفيتية—حكومة العمال والفلاحين الثوريين—علانيةً سلاماً عادلاً، سلاماً بلا ضم للأراضي أو تعويضات، سلاماً يضمن تماماً حقوقاً متساوية لجميع الأمم؛ وقد قدمت هذا المقترح لجميع الدول المتحاربة.
لكن البورجوازية الأنجلو-فرنسية والأمريكية هي التي رفضت قبول مقترحنا، بل ورفضت حتى التحدث إلينا بشأن سلام شامل! إنهم هم من خانوا مصالح جميع الأمم، وهم من أطالوا أمد المذبحة الإمبريالية!
لقد رفضوا المشاركة في مفاوضات السلام مراهنين على إمكانية جر روسيا مرة أخرى إلى الحرب الإمبريالية، وبذلك أطلقوا العنان للرأسماليين الألمان—الذين لا يقلون افتراساً—لفرض "سلام بريست" القاسي القائم على الضم والنهب!
إنه لمن الصعب تخيل شيء أكثر قرفاً من ذلك النفاق الذي تلوم به البورجوازية الأنجلو-فرنسية والأمريكية روسيا الآن على "معاهدة بريست". إن الرأسماليين في تلك البلدان الذين كان بإمكانهم تحويل مفاوضات بريست إلى مفاوضات عامة من أجل سلام شامل هم أنفسهم "المتّهمون" لنا الآن! إن كواسر الإمبريالية الأنجلو-فرنسية، الذين تربحوا من نهب المستعمرات وذبح الأمم، قد أطالوا أمد الحرب لعام كامل تقريباً بعد "بريست"، ومع ذلك "يتهموننا" نحن البلاشفة، نحن الذين اقترحنا سلاماً عادلاً على جميع الدول، نحن الذين مزقنا ونشرنا وفضحنا أمام الملأ تلك المعاهدات السرية الإجرامية التي أُبرمت بين القيصر السابق والرأسماليين الأنجلو-فرنسيين.
إن عمال العالم أجمع، أياً كان البلد الذي يعيشون فيه، يحيوننا، ويتعاطفون معنا، ويصفقون لنا لأننا كسرنا الحلقة الحديدية للقيود الإمبريالية، والمعاهدات الإمبريالية الدنيئة، والسلاسل الإمبريالية—لأننا نفذنا إلى الحرية، مقدمين في سبيل ذلك أبهظ التضحيات—ولأننا، كجمهورية اشتراكية، رغم ما تعرضت له من تمزيق ونهب على يد الإمبرياليين، بقينا خارج الحرب الإمبريالية ورفعنا راية السلام، راية الاشتراكية ليشهدها العالم أجمع.
ولا عجب أن تعادينا "العصابة الإمبريالية الدولية" لأجل ذلك، وأن "تتهمنا"، وأن يلحق بها كافة أذناب الإمبرياليين، بما في ذلك "الاشتراكيون الثوريون اليمينيون" و"المناشفة". إن الكراهية التي يبديها كلاب الحراسة هؤلاء للبلاشفة، وتعاطف العمال الواعين في العالم، يقنعاننا أكثر من أي وقت مضى بعدالة قضيتنا.
إن الاشتراكي الحقيقي لن يغيب عنه أننا، من أجل تحقيق النصر على البورجوازية، ومن أجل انتقال السلطة إلى العمال، ومن أجل إطلاق شرارة الثورة البروليتارية العالمية، لا يمكننا ولا يجب علينا أن نتردد في تقديم أثقل التضحيات، بما في ذلك التضحية بجزء من أراضينا، وتحمل الهزائم القاسية على يد الإمبريالية. إن الاشتراكي الحقيقي هو من يثبت بالأفعال استعداده لأن يقدم "بلده" أعظم التضحيات ليعطي دفعة حقيقية لقضية الثورة الاشتراكية.
من أجل "قضيتهم"، أي من أجل الهيمنة العالمية، لم يتردد إمبرياليو بريطانيا وألمانيا في تدمير وخنق بلدان بأكملها، من بلجيكا وصربيا إلى فلسطين وبلاد ما بين النهرين. فهل يجب على الاشتراكيين أن ينتظروا في "قضيتهم"—قضية تحرير الكادحين في العالم أجمع من نير رأس المال، ونيل سلام شامل ودائم—حتى يجدوا طريقاً بلا تضحيات؟ هل يجب أن يخشوا بدء المعركة حتى يضمنوا "نصراً سهلاً"؟ هل يجب أن يضعوا سلامة وأمن "أوطانهم" التي صنعتها البورجوازية فوق مصالح الثورة الاشتراكية العالمية؟ إن الأوغاد في الحركة الاشتراكية الدولية الذين يفكرون بهذه الطريقة، أولئك الأذناب الذين يتمرغون في وحل الأخلاق البورجوازية، مدانون ثلاثاً.
إن جوارح الإمبريالية الأنجلو-فرنسية والأمريكية "يتهموننا" بعقد "اتفاق" مع الإمبريالية الألمانية. يا لهم من منافقين وأوغاد وهم يفترون على حكومة العمال بينما يرتعدون فرقاً من التعاطف الذي يبديه نحوهم عمال "بلدانهم"! لكن نفاقهم سيُكشف؛ فهم يتظاهرون بعدم رؤية الفرق بين اتفاق يعقده "الاشتراكيون" مع البورجوازية (الوطنية أو الأجنبية) ضد العمال، وبين اتفاق يعقد لحماية العمال الذين هزموا بورجوازيتهم، مع بورجوازية من "لون وطني" معين ضد بورجوازية من لون آخر، لكي تتمكن البروليتاريا من الاستفادة من التناقضات بين مجموعات البورجوازية المختلفة.
في واقع الأمر، يدرك كل أوروبي هذا الفرق جيداً، وكما سأبين بعد قليل، فقد حظي الشعب الأمريكي بـ "مثال" صارخ على ذلك في تاريخه الخاص. فهناك اتفاقات وهناك "اتفاقات" (بالمعنى السلبي)، أو كما يقول الفرنسيون: "هناك حطب وهناك حطب" (fagots et fagots).
عندما صب لصوص الإمبريالية الألمانية قواتهم في فبراير 1918 ضد روسيا العزلاء التي سُرح جيشها، والتي اعتمدت على التضامن الأممي للبروليتاريا قبل أن تنضج الثورة العالمية تماماً، لم أتردد لحظة في عقد "اتفاق" مع الملكيين الفرنسيين. فقد أحضر لي النقيب سادول، وهو ضابط فرنسي كان يتعاطف لفظياً مع البلاشفة ولكنه كان فعلياً خادماً مخلصاً للإمبريالية الفرنسية، الضابط الفرنسي "دي لوبرساك"، الذي قال لي: "أنا ملكي، وهدفي الوحيد هو تأمين هزيمة ألمانيا". فأجبته: "هذا أمر بديهي" (cela va sans ---dir---e). لكن هذا لم يمنعني البتة من عقد "اتفاق" مع دي لوبرساك بشأن خدمات معينة كان خبراء المتفجرات من الضباط الفرنسيين مستعدين لتقديمها لنا عبر تفجير خطوط السكك الحديدية لعرقلة الغزو الألماني. هذا مثال على "اتفاق" سيباركه كل عامل واعٍ، اتفاق يصب في مصلحة الاشتراكية. لقد تصافحنا، أنا والملكي الفرنسي، رغم علمنا أن كلاً منا يود لو يشنق "شريكه"، لكن مصالحنا تلاقت لفترة مؤقتة. ففي مواجهة الزحف الألماني الضاري، استخدمنا المصالح المضادة والمفترسة لإمبرياليين آخرين، وذلك خدمةً لثورة روسيا والثورة الاشتراكية العالمية. وبهذه الطريقة خدمنا مصالح الطبقة العاملة، وقوينا البروليتاريا، وأضعفنا البورجوازية العالمية، ولجأنا إلى تكتيكات المناورة والخدعة والانسحاب، وهي أساليب مشروعة وضرورية في كل حرب، انتظاراً للحظة التي تنضج فيها الثورة البروليتارية في الدول المتقدمة.
ومهما استشاطت قروش الإمبريالية الأنجلو-فرنسية والأمريكية غضباً، ومهما افتروا علينا، ومهما أنفقوا من ملايين لرشوة الصحف "الاشتراكية الثورية اليمينية" والمنشفية، فلن أتردد ثانية واحدة في عقد "اتفاق" مماثل مع لصوص الإمبريالية الألمانية إذا تطلب هجوم القوات الأنجلو-فرنسية على روسيا ذلك. وأعلم يقيناً أن تكتيكي هذا سيباركه البروليتاريون الواعون في روسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا—باختصار، في العالم المتمدن أجمع. إن مثل هذه التكتيكات ستسهل مهمة الثورة الاشتراكية، وتعجل بها، وتضعف البورجوازية الدولية، وتقوي موقع الطبقة العاملة التي تلحق الهزيمة بالبورجوازية.
لقد لجأ الشعب الأمريكي إلى هذه التكتيكات منذ زمن بعيد لمصلحة ثورته. فحين خاض حربه التحريرية العظمى ضد المضطهدين البريطانيين، كان يواجه أيضاً المضطهدين الفرنسيين والإسبان الذين امتلكوا جزءاً مما يُعرف الآن بالولايات المتحدة. وفي حربه الشاقة من أجل الحرية، عقد الشعب الأمريكي أيضاً "اتفاقات" مع بعض المضطهدين ضد آخرين، بهدف إضعاف الطغاة وتقوية أولئك الذين يقاتلون بأسلوب ثوري ضد الاضطهاد. استفاد الشعب الأمريكي من الصراع بين الفرنسيين والإسبان والبريطانيين؛ بل وقاتلوا أحياناً جنباً إلى جنب مع قوات المضطهدين الفرنسيين والإسبان ضد البريطانيين؛ فهزموا البريطانيين أولاً ثم حرروا أنفسهم (جزئياً عن طريق الفدية) من الفرنسيين والإسبان.
إن العمل التاريخي ليس "رصيف شارع نيفسكي" (شارع مستقيم ومهد)، كما قال الثوري الروسي الكبير "تشيرنيشيفسكي"(2):( فالثوري لن يوافق على ثورة بروليتارية "بشرط" أن تسير بسهولة وسلاسة، وأن يكون هناك عمل مشترك منذ البداية بين بروليتاريي مختلف البلدان، وأن تكون هناك ضمانات ضد الهزائم، وأن يكون طريق الثورة عريضاً وحراً ومستقيماً، وألا يكون من الضروري أثناء المسير نحو النصر تحمل أفدح الخسائر، أو "الانتظار في حصن محاصر"، أو شق الطريق عبر ممرات جبلية ضيقة ووعرة وخطيرة. إن من يشترط ذلك ليس ثورياً، ولم يحرر نفسه من تحذلق المثقفين البورجوازيين؛ وسوف ينزلق حتماً إلى معسكر البورجوازية المضادة للثورة.
يردد هؤلاء السادة ما تقوله البورجوازية، فيلوموننا على "فوضى" الثورة، وعلى "تدمير" الصناعة، والبطالة ونقص الغذاء. يا لنفاق هذه الاتهامات القادمة ممن دعموا الحرب الإمبريالية أو عقدوا "اتفاقاً" مع "كيرنسكي" الذي واصل تلك الحرب! إن هذه الحرب الإمبريالية هي السبب في كل هذه المصائب. والثورة التي ولدتها الحرب لا يمكنها تجنب الصعوبات والمعاناة الرهيبة التي خلفتها تلك المذبحة الرجعية الطويلة. إن لومنا على "دمار" الصناعة أو "الإرهاب" هو إما نفاق أو تحذلق بليد؛ فهو يكشف عن عجز عن فهم الشروط الأساسية للصراع الطبقي الضاري الذي يرتفع إلى أقصى درجات الحدة التي تسمى "الثورة".
حتى حين "يعترف" هؤلاء المتهمون بالصراع الطبقي، فإنهم يقصرون اعترافهم على الأقوال؛ وفي الواقع، ينزلقون باستمرار إلى الطوباوية "التوافقية" و"التعاون" الطبقي؛ ففي العصور الثورية، اتخذ الصراع الطبقي دائماً وحتماً شكل "الحرب الأهلية"، والحرب الأهلية لا يمكن تصورها دون دمار شديد، وإرهاب، وتقييد للديمقراطية الشكلية لصالح هذه الحرب. وحدهم القساوسة الورعون—سواء كانوا مسيحيين أو "مدنيين" من اشتراكيي الصالونات والبرلمانات—هم من يعجزون عن رؤية وفهم هذه الضرورة. وحده "الرجل داخل الغلاف" (3) هو من ينفر من الثورة لهذا السبب بدلاً من الاندفاع إلى المعركة بأقصى درجات الحماس والتصميم في وقت يطالب فيه التاريخ بحل أعظم مشكلات البشرية عبر الصراع والحرب.
إن للشعب الأمريكي تقاليد ثورية تبناها أفضل ممثلي البروليتاريا الأمريكية، الذين أعربوا مراراً عن تضامنهم التام معنا نحن البلاشفة. تلك التقاليد هي حرب التحرير ضد البريطانيين في القرن الثامن عشر، والحرب الأهلية في القرن التاسع عشر. فمن بعض النواحي، إذا نظرنا فقط إلى "تدمير" بعض فروع الصناعة والاقتصاد الوطني، كانت أمريكا في عام 1870 وراء ما كانت عليه في 1860. ولكن أي متحذلق أو أحمق ذاك الذي ينكر، بناءً على هذه الأسباب، الأهمية العالمية التاريخية والتقدمية والثورية للحرب الأهلية الأمريكية (1863-1865)؟
يدرك ممثلو البورجوازية أنه من أجل الإطاحة بعبودية الزنوج وحكم ملاك العبيد، كان الأمر يستحق خوض سنوات طويلة من الحرب الأهلية، والخراب العميق والدمار والإرهاب الذي يصاحب كل حرب. ولكن الآن، عندما نواجه المهمة الأعظم بمالا يقاس، وهي الإطاحة بـ "عبودية الأجر" الرأسمالية وحكم البورجوازية—الآن، لا يستطيع ولا يريد ممثلو البورجوازية والمدافعون عنها (وكذلك الاشتراكيون الإصلاحيون الذين أرعبتهم البورجوازية) أن يفهموا أن الحرب الأهلية ضرورية ومشروعة.
إن العمال الأمريكيين لن يتبعوا البورجوازية. سيكونون معنا، من أجل الحرب الأهلية ضد البورجوازية. إن تاريخ العالم كله وحركة العمال الأمريكية يعززان قناعتي بذلك. كما أتذكر كلمات أحد القادة المحبوبين للبروليتاريا الأمريكية، "يوجين دبس"، الذي كتب في (نداء العقل)(4)مقالا "متى سأقاتل" (نهاية 1915): إنه يفضل أن يُعدم رمياً بالرصاص على أن يصوت لصالح اعتمادات هذه الحرب الإجرامية الرجعية؛ وإنه لا يعرف سوى حرب واحدة مقدسة ومشروعة من منظور بروليتاري، وهي: الحرب ضد الرأسماليين، الحرب لتحرير البشرية من عبودية الأجر.
لست مندهشاً أن يقوم "ويلسون"، رئيس المليارديرات الأمريكيين وخادم القروش الرأسمالية، بإلقاء "دبس" في السجن. فلتكن البورجوازية وحشية مع الأمميين الحقيقيين! فكلما زادت شراستهم ووحشيتهم، اقترب يوم نصر الثورة البروليتارية.
يُلام علينا الدمار الذي سببته ثورتنا... ومن هم المتهمون؟ إنهم أتباع البورجوازية، تلك البورجوازية التي دمرت خلال سنوات الحرب الإمبريالية الأربع الثقافة الأوروبية برمتها تقريباً، وانحدرت بأوروبا إلى البربرية والوحشية والمجاعة. هذه البورجوازية تطالبنا الآن بألا نقوم بثورة فوق هذه الأنقاض، وسط هذا الحطام الثقافي الذي صنعته الحرب، ومع شعب أصابته الحرب بالوحشية. يا لإنسانية وعدالة البورجوازية!
ويتهمنا خدمهم باللجوء إلى الإرهاب... لقد نسيت البورجوازية البريطانية عام 1649، ونسيت البورجوازية الفرنسية عام 1793. لقد كان الإرهاب عادلاً ومشروعاً عندما لجأت إليه البورجوازية لمصلحتها ضد الإقطاع، لكنه أصبح شنيعاً وإجرامياً عندما تجرأ العمال وفقراء الفلاحين على استخدامه ضد البورجوازية! كان الإرهاب مشروعاً عندما استُخدم لاستبدال أقلية مستغِلة بأخرى، وأصبح مجرماً عندما بدأ استخدامه للإطاحة بكل أقلية مستغِلة، ولمصلحة الغالبية العظمى الحقيقية!
لقد ذبحت البورجوازية الإمبريالية الدولية عشرة ملايين رجل وشوهت عشرين مليوناً في حربها "هي". فإذا كانت حربنا، حرب المظلومين والمستغلين ضد الظلم والاستغلال، ستؤدي إلى سقوط نصف مليون أو مليون ضحية في جميع البلدان، فستقول البورجوازية إن الضحايا السابقين مبررون، بينما هؤلاء الأخيرون مجرمون.
لكن البروليتاريا ستقول شيئاً مختلفاً تماماً.
الآن، وسط أهوال الحرب الإمبريالية، تتلقى البروليتاريا درساً حياً وصارخاً عن الحقيقة العظمى التي علمتها كل الثورات، وهي أنه لا يمكن لأي ثورة أن تنجح ما لم يتم سحق مقاومة المستغلين. عندما استولينا نحن العمال والفلاحين الكادحين على سلطة الدولة، أصبح من واجبنا سحق مقاومة المستغلين. نحن فخورون بأننا نفعل ذلك، ونأسف لأننا لا نفعله بحزم وتصميم كافيين.
نحن نعلم أن المقاومة الشرسة للثورة الاشتراكية من قبل البورجوازية أمر حتمي في جميع البلدان، وأن هذه المقاومة ستزداد مع نمو الثورة. البروليتاريا ستسحق هذه المقاومة؛ وخلال النضال، ستنضج أخيراً للنصر والسلطة.
لتصرخ الصحافة البورجوازية الفاسدة للعالم أجمع عن كل خطأ ترتكبه ثورتنا. نحن لا ترهبنا أخطاؤنا؛ فالناس لم يصبحوا قديسين لمجرد أن الثورة بدأت. الطبقات الكادحة التي تعرضت للاضطهاد والجهل لقرون لا يمكنها تجنب الأخطاء أثناء قيامها بالثورة. وكما أشرت سابقاً، لا يمكن وضع جثة المجتمع البورجوازي في تابوت ودفنها؛ فجثة الرأسمالية تتعفن وتتحلل بيننا، وتلوث الهواء وتسمم حياتنا.
مقابل كل مئة خطأ نرتكبه وتصرخ به البورجوازية وأذنابها، يتم إنجاز 10,000 عمل عظيم وبطولي، وهي أعمال أعظم لأنها بسيطة وغير واضحة في الحياة اليومية لمصنع أو قرية نائية، يقوم بها أشخاص غير معتادين على الصراخ بنجاحاتهم للعالم.
ولكن حتى لو كان العكس هو الصحيح—رغم علمي ببطلان هذا الافتراض—حتى لو ارتكبنا 10,000 خطأ مقابل كل 100 فعل صحيح، فستبقى ثورتنا عظيمة ولا تقهر في عيون التاريخ العالمي؛ لأنها المرة الأولى التي لا تقوم فيها الأقلية أو الأغنياء وحدهم، بل الشعب الحقيقي والغالبية العظمى من الكادحين، ببناء حياة جديدة بأنفسهم، وبحل أصعب مشكلات التنظيم الاشتراكي من خلال تجربتهم الخاصة.
كل خطأ يُرتكب في سياق هذا العمل، الذي يقوم به عشرات الملايين من العمال والفلاحين البسطاء، يعادل آلاف الملايين من النجاحات "القانونية" التي حققتها الأقلية المستغِلة في خداع الكادحين. فمن خلال هذه الأخطاء فقط سيتعلم العمال والفلاحون بناء الحياة الجديدة، وسيتعلمون الاستغناء عن الرأسماليين؛ وبهذه الطريقة فقط سيشقون طريقهم—عبر آلاف العوائق—إلى الاشتراكية المنتصرة.
تُرتكب الأخطاء في سياق العمل الثوري من قبل فلاحينا، الذين ألغوا بضربة واحدة الملكية الخاصة للأرض، وهم الآن يتغلبون على صعوبات هائلة ويصححون أخطاءهم بأنفسهم، ويحلون عملياً أصعب مهام تنظيم الحياة الاقتصادية الجديدة ومحاربة "الكولاك" (الفلاحين الأغنياء المستغلين) وتوفير الأرض للكادحين.
وتُرتكب الأخطاء من قبل عمالنا، الذين أمموا في بضعة أشهر أكبر المصانع، ويتعلمون من خلال العمل اليومي الشاق المهمة الجديدة المتمثلة في إدارة فروع كاملة من الصناعة، واضعين لبنة لبنة أسس روابط اجتماعية جديدة وانضباط عمل جديد.
وتُرتكب الأخطاء من قبل "السوفييتات" الخاصة بنا، والتي أُنشئت منذ عام 1905؛ فالسوفييتات هي نوع جديد من الدولة، نوع أعلى من الديمقراطية، وشكل من أشكال الدكتاتورية البروليتارية، ووسيلة لإدارة الدولة بدون البورجوازية وضدها. ولأول مرة، تخدم الديمقراطية الشعب والكادحين، وكفت عن كونها ديمقراطية للأغنياء كما لا تزال في جميع الجمهوريات البورجوازية.
ليخرج المتحذلقون أو المحشوة عقولهم بالتحيزات البرلمانية برؤوسهم في حيرة بشأن سوفييتاتنا، وبشأن غياب الانتخابات المباشرة مثلاً. هؤلاء الناس لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً خلال هزات 1914-1918. إن الجمع بين الدكتاتورية البروليتارية والديمقراطية الجديدة للكادحين—بين الحرب الأهلية والمشاركة الشعبية الواسعة—لا يمكن تحقيقه بضربة واحدة، ولا يتناسب مع الأنماط البالية للديمقراطية البرلمانية الروتينية. إن ملامح عالم جديد، عالم الاشتراكية، تنهض أمامنا في شكل "الجمهورية السوفيتية". ولا عجب أن هذا العالم لا يولد جاهزاً، ولا ينبثق كما انبثقت "مينيرفا" من رأس "جوبيتر".
إن الدساتير البورجوازية القديمة كانت تتشدق بالمساواة الشكلية وحق التجمع؛ لكن دستورنا السوفيتي البروليتاري ينبذ نفاق المساواة الشكلية. عندما أطاح الجمهوريون البورجوازيون بالعروش، لم يهتموا بالمساواة الشكلية بين الملكيين والجمهوريين. وعندما يتعلق الأمر بالإطاحة بالبورجوازية، فوحدهم الخونة أو الحمقى من يطالبون بمساواة شكلية في الحقوق للبورجوازية. إن "حرية التجمع" للعمال والفلاحين لا تساوي فلساً واحداً طالما أن أفضل المباني مملوكة للبورجوازية. لقد صادرت سوفييتاتنا جميع المباني الجيدة من الأغنياء ونقلتها للعمال والفلاحين لجمعياتهم واجتماعاتهم. هذه هي حريتنا في التجمع—للكادحين! وهذا هو معنى ومحتوى دستورنا السوفيتي الاشتراكي!
ولهذا السبب نحن جميعاً على قناعة راسخة بأنه مهما كانت المصائب التي قد تواجهها جمهوريتنا السوفيتية، فإنها لا تقهر.
إنها لا تقهر لأن كل ضربة توجهها الإمبريالية الهائجة، وكل هزيمة تلحقها بنا البورجوازية الدولية، تستنهض فئات جديدة من العمال والفلاحين للنضال، وتعلمهم وتصقلهم وتولد بطولة جماعية جديدة.
نحن نعلم أن المساعدة منكم قد لا تأتي قريباً، أيها الرفاق العمال الأمريكيون...
________________________________________
نحن نعلم أن المساعدة منكم قد لا تأتي قريباً، أيها الرفاق العمال الأمريكيون؛ ذلك لأن الثورة في مختلف البلدان تتطور بأشكال متباينة وبإيقاعات متفاوتة (ولا يمكن للأمر أن يكون بخلاف ذلك). ونحن نعلم أنه على الرغم من نضوج الثورة البروليتارية الأوروبية بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة، إلا أنها قد لا تندلع، رغم كل شيء، في غضون الأسابيع القليلة القادمة. إننا نراهن على حتمية الثورة العالمية، لكن هذا لا يعني أننا من السذاجة بحيث نراهن على مجيئها الحتمي في تاريخ محدد وقريب. لقد شهدنا ثورتين عظيمتين في بلادنا، عام 1905 وعام 1917، ونحن ندرك أن الثورات لا تُصنع بطلبات مسبقة أو بموجب اتفاقات. نحن نعلم أن الظروف هي التي دفعت بفصيلنا الروسي من البروليتاريا الاشتراكية إلى الطليعة، ليس بسبب جدارتنا، بل بسبب التخلف الاستثنائي لروسيا؛ وندرك أنه قبل اندلاع الثورة العالمية، قد تتعرض جملة من الثورات المنفصلة للهزيمة.
ورغم ذلك كله، فإننا على قناعة راسخة بأننا لا نُقهر؛ لأن روح البشرية لن تحطمها المذبحة الإمبريالية، بل إن البشرية هي التي ستنتصر عليها. وكانت بلادنا هي أول من كسر قيود الأشغال الشاقة التي فرضتها الحرب الإمبريالية. لقد تكبدنا خسائر فادحة وهائلة في كفاحنا لكسر هذه القيود، لكننا كسرناها. لقد تحررنا من التبعية الإمبريالية، ورفعنا راية الكفاح من أجل الإطاحة التامة بالإمبريالية ليشهدها العالم أجمع.
إننا الآن أشبه ما نكون في "قلعة محاصرة"، ننتظر الفصائل الأخرى للثورة الاشتراكية العالمية لتهب لنجدتنا. هذه الفصائل موجودة بالفعل، وهي أكثر عدداً من فصيلنا، وهي تنضج وتنمو وتكتسب مزيداً من القوة كلما استمرت فظائع الإمبريالية. إن العمال ينفصلون عن خائنيهم الاجتماعيين—أمثال غومبرز، وهندرسون، ورينودل، وشايدمان، ورينر. وببطء ولكن بثبات، يتبنى العمال تكتيكات البلاشفة الشيوعيين، ويزحفون نحو الثورة البروليتارية، التي هي وحدها القادرة على إنقاذ الثقافة المحتضرة والبشرية التي تشرف على الهلاك.
باختصار، نحن لا نُقهر، لأن الثورة البروليتارية العالمية لا تُقهر.
ن. لينين 20 أغسطس 1918
________________________________________
الهوامش
[1] نُظم إرسال هذه الرسالة إلى أمريكا بواسطة البلشفي م. م. بورودين، الذي كان هناك مؤخراً. ومع التدخل العسكري الأجنبي والحصار المفروض على روسيا السوفيتية، واجه الأمر صعوبات جمة. سُلمت الرسالة إلى الولايات المتحدة عبر ب. إ. ترافين. وجلب معها دستور جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية ومذكرة الحكومة السوفيتية إلى الرئيس ويلسون التي تطالب بوقف التدخل. وقد ضمن الصحفي والاشتراكي الأمريكي الشهير جون ريد نشر كل هذه الوثائق في الصحافة الأمريكية.
في ديسمبر 1918، ظهرت نسخة مختصرة قليلاً من الرسالة في مجلة "الصراع الطبقي" بنيويورك وأسبوعية "العصر الثوري" في بوسطن. أثارت الرسالة اهتماماً واسعاً وأعيد نشرها مرات عديدة في الصحافة البورجوازية والاشتراكية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وكان لها دور فعال في دعم وتطوير الحركة العمالية والشيوعية في أمريكا وأوروبا، وساعدت العمال المتقدمين على إدراك طبيعة الإمبريالية.
[2] يقتبس لينين هنا من مراجعة "تشيرنيشيفسكي" لكتاب الاقتصادي الأمريكي هـ. تش. كاري، حيث كتب تشيرنيشيفسكي: "مسار التاريخ ليس ممهداً مثل رصيف شارع نيفسكي؛ فهو يمر عبر حقول، إما غبارية أو طينية، ويخترق المستنقعات أو الأحراش. وأي شخص يخشى أن يتغطى بالغبار أو يلطخ حذاءه بالطين، لا ينبغي له أن ينخرط في النشاط الاجتماعي".
[3] الرجل داخل الغلاف: شخصية من قصة للكاتب الروسي "تشيخوف" تحمل العنوان نفسه، وهي تجسد الشخص البورجوازي الصغير ضيق الأفق الذي يرتعب من المبادرة والأفكار الجديدة..أي المرتعب المنعزل.
[4] نداء إلى العقل (Appeal to Reason): صحيفة اشتراكية أمريكية تأسست عام 1895، كانت تحظى بشعبية هائلة بين العمال. مقال "دبس" المشار إليه ظهر فيها بتاريخ 11 سبتمبر 1915، وعنوانه كما أورده لينين من الذاكرة غالباً هو "متى سأقاتل".
(أ) هذا ما حدث فعلا في عهد ستالين لنفس الاسباب ، و تحولت الثورة لنظام قمعي تسلطي.
(ب) لك أيها القاريء العزيز ان تضيف فنزويلا كمثال راهن.



#شوكت_جميل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القومية شيطاناً أم ملاكاً ؟!
- فانكا لتشيخوف(من حكايا الكريسماس)
- عسس
- ضرورةٌ وحشية
- رسالة لمبرمجي الذكاء الصناعي
- الذرائعية إله الرأسمالية و مطيتها!
- الجدلية كما أفهمها
- قطر و سمكة الرماد!
- أصل الفلسطينيين و اليهود جينياً (حوار مع A.I)
- القبلة النكراء
- نبيٌّ و بوق
- الوعي عند ماركس و فاعليته
- الميلاد(الثائرُ يولد مصلوباً)
- لَومُ الخِرَاف
- حديث إلى العمّال(1)
- حديث إلى العمال (2)
- حديث إلى العمّال
- ليست ريَّا الأيام_ عزرا بَوِند
- ومضة النفق_ لعزرا بَوِند
- الاستنتاج المنطقي_لعزرا بوند


المزيد.....




- تصاعد الاشتباكات في إيران واتهامات باستخدام القوة وقطع الإنت ...
- ترامب يتوعد طهران -بالضرب بشدة- إذا قتلت المتظاهرين
- إيران: اتساع رقعة الاحتجاجات وانقطاع الإنترنت.. وترامب يهدد ...
- مجموعة -حنظله- السيبرانية تکشف هوية ضابط رفيع في الموساد وهو ...
- The Current Situation in Venezuela: A Government in Charge, ...
- اعتصام وإضراب عن الطعام بقصبة تادلة: حوار مع المناضل محمد ال ...
- الإعلان عن إطلاق الحملة الإعلامية لإنقاذ الأسرى في سجون الاح ...
- الحزب الشيوعي السوداني يدين بأشدّ العبارات التدخل الأمريكي ا ...
- النطق بالحكم في قضية فصل القيادي العمالي هشام البنا 3 مارس ا ...
- رؤيتنا: مواجهة العدوان الامبريالي على فنزويلا.. واجب كل الثو ...


المزيد.....

- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - شوكت جميل - نداء إلى العمال الأمريكيين:لينين