أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أدهم مسعود القاق - حاضر الحكومة السورية المتعثّر بين الذاكرة الأليمة والنسيان النشط















المزيد.....


حاضر الحكومة السورية المتعثّر بين الذاكرة الأليمة والنسيان النشط


أدهم مسعود القاق

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 08:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



ورثت الحكومة الانتقالية في سوريا عن نظام الأسد البعثي مجتمعًا مفككًا ودولة فاسدة ومعزولة ووطنًا مستباحًا؛ إذ لجأ الناس إلى ولاءات أولية (طائفية وعشائرية وإثنية...) باتت الأكثر خطرًا على الدولة، كما أنّ الشَّلل بادٍ في الأنشطة المدنية، إضافة إلى انتشار الفساد في مؤسسات الدولة الرسمية، فضلًا عن انتهاكات صارخة للسيادة الوطنية، بل واحتلال أجزاء من الأرض، واستمرار فرض العقوبات الاقتصادية الدولية، مما أدّى لوجود بيئة مناسبة تغذّي حالات التفكك والفساد والقهر، فظهرت انتهاكات إجراميّة لحقوق الإنسان طالت معظم أبناء المجتمع السّوري..! والسؤال: كيف يمكن لهذه الحكومة أن تخرج السوريين -بصفتهم ضحايا- من الأنفاق المعتمة التي وضعتهم فيها سلطة النظام البائد؟
منذ 29/1/2025 ذكر الرئيس أحمد الشّرع تصورًا عن مسارات لنجاح المرحلة الانتقالية؛ مركّزًا على حماية السلم الأهلي ومحاسبة مجرمي نظام الأسد المخلوع، والعمل على وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، وتشييد مؤسسات دولة كفوءة ونزيهة، وبناء اقتصاد متين وتنمية مستدامة، كما أعلن عن تشكيل حكومة شاملة تقود السوريين في أثناء المرحلة الانتقالية لتصل معهم إلى انتخابات حرة ونزيهة وإقرار دستور دائم.. وتبعه خطابات النصر ومنها ما ذكره المتحدث باسم إدارة العمليات العسكرية عن حل دستور 2012 ومجلس الشعب ومؤسسات النظام الساقط وأحزاب الجبهة وتفكيك الفصائل الثورية ودمجها في مؤسسات الدولة الجديدة، وبالفعل صدر الإعلان الدستوري المؤقت بصفته مرجعية قانونية للمرحلة الانتقالية في 13/3/2025، وانعقد مؤتمر الحوار الوطني، ولعلّ في انفتاح دمشق للمجتمع العربي والإقليمي والدولي واستقبالها للضيوف المتوافدين ما كان يبشّر بالخير، إذ انبثق عن تلك الزيارات والمفاوضات الكثير من الآمال والرغبات لإنقاذ سورية من حالة التماوت التي تعيشها، بل أفضت إلى تفهّم وتفاهم لضرورة الإسهام بالتمويلات المالية اللازمة للنهوض بمؤسسات الدولة المنهارة.. نحن الآن في نهاية أيلول، نشهد اختيار أعضاء مجلس نوّاب لملء الفراغ التشريعيّ مؤقتًا، تزامنًا مع وصول الرئيس أحمد الشرع لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تُرى.. بعد نحو 10 أشهر من يوم النصر ما الذي أنجزته الحكومة الانتقالية من مهام المرحلة الانتقالية ومتطلباتها؟

بداية لا بدّ من التذكير بالتحديّات المركّبة والمعقّدة أمام إرث النظام الساقط، وبأنّ مهام الحكومة الانتقالية، تتطلب من السوريين جهودًا متضافرة، سلطة وشعبًا، جماعاتٍ وأفرادًا، داخلًا وخارجًا، عابرين الولاءات العشائرية والطائفية والإثنية والفصائلية؛ لترسيخ شرعية اُستمدت من مشاركة قادة الحكومة المسلّحة في ثورة دامت نحو 14 سنة وأسقطت نظام البعث الأسدي، فضلًا عما يشبه الشرعية الشعبية التي ظهرت بُعيد يوم النصر، إضافة إلى الشرعية المستمدة من المجتمع الدولي، لاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية، ولعلّ هذه الشّرعية ثلاثية الأبعاد هي الشرط الأولي -المتحقّق فعلًا- لولوج الحكومة الانتقالية في عملية بناء الدولة، ويتبع هذا الشرط: تسيّدها على كامل الأراضي السورية، وصولًا إلى إقرار دستور عصريّ دائم، كما تتوّج هذه المرحلة بإجراء انتخابات ديمقراطية تتيح التوسّع في تطبيق لا مركزية إدارية وخدمية للمحافظات السورية، والسؤال: ما هي السبل التي يجب اتباعها لضمان نجاح المرحلة الانتقالية المتسمة مفاهيمها بالكونية والمتعلقة بوحدة سوريا وبناء مؤسسات الدولة الخبيرة وضمان السلم الأهلي ومحاكمة المعتدين على الضحايا السوريين وتجريمهم وإجراء التحقيقات والتعويضات على المتضررين، والشروع في التنمية الاقتصادية المستقلة والمستدامة والتأهيل والتعليم والتدريب والصحة؛ لضمان نجاح التحّوّل الديمقراطي الذي تتطلبه هذه المرحلة؟
تعدّ عملية بسط سلطة الحكومة الانتقالية على كامل الأراضي السورية شرطًا لازمًا للبدء في المرحلة الانتقالية، وهذه السيطرة لن تتمَّ إلّا ببناء جيش حديث وجهاز أمن عصري ينفردان في الاستحواذ على السلاح، ثمّ يبتعدان عن التدخل بشؤون سياسة بناء الدولة الناشئة، التي لابدّ أن يتصدى لها خبراء وتقنيون يعملون في السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية والإعلامية والثقافية المنفصلة عن بعضها بعضًا، كما يترتب على الحكومة الانتقالية أن تشرع في إقامة تحالفات واسعة بين السوريين مسقطة أية إيديولوجيا من شأنها إلغاء مكوّن من حساباتها، والارتقاء بالذات الفاعلة فوق أي فكر يلغي الآخر ويكفّره، وتستلزم هذه الفترة التأسيسية تفعيل منظمات المجتمع المدني، لاسيّما مجالس الإدارة المحلية، وإعادة السياسة للمجتمع السّوري، علاوة على الشروع الفوري في ملاحقة المجرمين المنفلتين منذ بداية حكم الأسد الأب، وحتى هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ سوريا ومحاسبتهم أمام محاكم عادلة وعلنية.
ما يزالُ السوريون يعيشون في حالة مترديّة، بل مأساوية على كافة الصعد الخدمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ويشعرون بالخوف من تفتيت وطنهم وتحوّل دولتهم إلى دولة فاشلة! ومن هنا يحق لهم التساؤل عن مصيرهم وعن أسباب تعثّر الحكومة الانتقالية في درب التحوّل الديمقراطي وعن قدراتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها؟!
لم تستطع هذه الحكومة بسط سيطرتها على الأراضي السورية كلّها، ولعلّ الأسباب الرئيسة تكمن فيما تركته سلطة النظام الساقط من حالة تشرذم في المجتمع وتوظيف الولاءات الأولية؛ لترسيخ سلطة نظام الحكم الجائرة والفاسدة، وإذا كان النظام البائد استمر في حكم سوريا لأكثر من نصف قرن مذيقًا شعبنا مرارة الموت والتغييب والاعتقال والتهجير، فإن هذا الشعب لم يلمس لدى النظام الجديد تغيّرًا دراماتيكيًا على صعيد المجتمع، وما يتطلع إليه ثورة على أحوال القهر والتخلف في المجتمع عن طريق فهم طبيعة الثورات العلمية المتلاحقة ومواكبتها عبر المثاقفة مع الشعوب المتحضّرة، وهذا لا يمنع الرجوع إلى الأصول لفهم ماضٍ مفعم بالحاضر، وفق المناهج الحداثية وما بعدها من دون الانغلاق الماضوي الذي يظهر في فكر بعض أصحاب القرار في حكومتنا الانتقالية وسلوكهم، إذ تجدهم يقدّسون الماضي والنصّ القديم على حساب فهم الواقع وتحليله من أجل تغييره، وإنْ كانوا يقرّون بضرورة استخدام المنجزات الحضارية المعاصرة لفظًا، إلّا أنّهم يرفضون العقل التجديدي الذي يبدع هذه المنجزات متناسين أنّ الإسلام هو في أصله ثورة على القديم الفاسد، وجبُّ للماضي القبيح، وقطع كلّ العلائق المنافية للحقائق، وفق ما ذكره شكيب أرسلان؛ ومن ثَمَّ يرفض هؤلاء الماضويين مبادئ الشكّ والتجريب والبحث والمغامرة الكفيلة بالوصول إلى درب التحضّر والتقدّم، بل يصرّون على أسلمة المعرفة التي عارضهم فيها عزيز العظمة، حينما فهم المعرفة مجمعًا للتصورات العقلانيّة في الواقع العربي الراهن التي لا تسمح بانغلاق الأمم على تواريخها، وكَشَفَ عن خطاباتهم السياسية التي تحمل سمات الدروشة الدينية محذّرًا من خطورتها.
تزداد الإشكاليّة تعقيدًا حين يُهمَل الإرث الثقيل (الماضوي والحداثوي) وتُغفل تبعاته على الحاضر، ومن مخاطر تلك الغفلة توجه كثير من أصحاب المناصب الحكومية الجدد لشيوخ الدين والطوائف والعشائر والأعيان المحليين وأمراء الجماعات المسلّحة للتعاون معهم وإهمال أصحاب الفاعليات المدنية، الذين ما انفكوا يبحثون عن سبل الوصول إلى أصحاب القرار السياسي للإسهام في عملية بناء الدولة الناشئة من دون طائل، ويتساءل المرء إن كانوا يخشون من القوى المدنية والديمقراطية ومن دفاعها عن حقوق الإنسان التي اكتسبتها في ميادين الثورة السلميّة، هذا السلوك الماضوي أدى إلى إضعاف قوى المجتمع المدنية وإقصائها عن الفعل المجتمعي والسياسي في كثير من الحالات، فسادت روح الأقلويات المقيتة وقويت لدرجة أضحت تطالب بالاستقلال على الطريقة الدون كيشوتية.. ولعلّ هذه الطريقة انسحبت إلى أذهان أصحاب القرار حين ارتكزوا على فزعات العشائر لإخماد صراع بين عشائر البدو والدروز؛ لتنتهي إلى الأحداث المأساوية في السويداء بانتهاكات جسيمة رعاها بعض قادة الأمن العام الرُعناء، وما انفك بعض مسؤولي إدارة الحكومة يهدّدون بتلك الفزعات سيئة الذكر من دون تقدير أو حساب لحجم الدماء التي من الممكن أن تُراق على مذبح الطائفية والعشائرية.
وفي هذا السياق، ارتكزت الحكومة في بناء الجيش والأمن العام على تجميع الفصائل والعشائر مع إهمال الضباط المنشقين عن جيش النّظام الساقط، أولئك الذين يعرفون ما لا يعرفه الآخرون بكيفية بناء جيش عصريّ وجهاز أمن حديث، مما تسبب في بقاء الكثير من العناصر والجماعات المنفلتة خارج الجيش والأمن العام وداخله، التي ارتكبت جرائم في شمال شرق سوريا والساحل والجنوب -وربما في غيرها- متماهية مع عصبوية الإثنية والطائفة الإجرامية المتفشيّة، ومع جرائم نظام الأسد الساقط.، هذه الفصائل المسلحة تقوم بجرائمها وتعدياتها وكأنها لم تتبع دورات تدريبية في الكلية العسكرية التي أسستها هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا عام 2021، ومن الجدير بالذكر قبول الحكومة السورية -في الوقت الحالي- بنصيحة توماس باراك المبعوث الأمريكي القاضية بضرورة استعانتها بالجيش التركي من أجل بناء وتحديث الجيش السوري، وبالفعل سارعت في إرسال آلاف المتدربين من السوريين إلى تركيا وقواعدها على الأراضي السورية بقصد التأهيل والإعداد لبناء جيش عصريّ، كان ذلك من نحو شهر أو يزيد، ولكن هذا التصرّف يصبح ارتهانًا للأتراك إن لم يرافقه تفعيل دور الضباط السوريين المنشقين أو الخبراء الذين لم تلوّث أياديهم بدماء السوريين وبأموالهم، للمشاركة في بناء هذا الجيش، ليمنحوه سمات الوطنية السورية المنفتحة نحو الإسلام والعروبة التي بدأ تكوّنها منذ مطلع القرن العشرين، وهكذا نستطيع القول إنّ الحكومة الانتقالية عجزت عن ضبط حركة الميليشيات المسلحة الفصائلية والطائفية والإثنية المنفلتة ونزع السلاح منها لتبسط سيادتها؛ حتى تتحقق الأرضية المناسبة للشروع في بناء الدولة بالمرحلة الانتقالية، التي لابدّ أن يستعيد المواطن السوري فيها شعوره بالأمن والأمان والاستقرار والحد الأدنى من الكفاية المعيشية والخدمية.
ومن جانب ثانٍ، فإنّ دعوات الانقسام والخروج عما هو وطني والتعصّب للانتماءات الأولية، والاقتتال الداخلي يلزم السوريين والحكومة بالإسراع في كشف حقائق الجرائم التي ارتكبت في أثناء الحرب سابقًا وحاضرًا، ولعلّها تأخّرت في إنشاء لجان الحقيقة والمصالحة الفعّالة، التي يُناط بها جمع الشهادات والوثائق ومتابعتها، وإن كانت قد شكّلت بعضها إلّا أنّ شعبنا لم يلمس جدية في أعمالها، كما قصّرت في تشكيل لجان تقوم بالإجراءات القانونية والإدارية وتوصيف الجرائم وتعريف الضحايا والمعتدين، ولم تسعَ نحو التعويضات بهدف إرضاء أطراف الصّراع جميعها، وبما يتسق مع مفهوم النسيان النشط -كما عبّر عنه نيتشه- الهادف إلى تحرير الحاضر من أعباء الماضي لصنع مستقبل مختلف، والذي لا يستقيم إلّا باعتراف المعتدي أمام الضحايا وقبوله المثول أمام القضاء والتزامه بتنفيذ الأحكام فيه، بما فيها دفع التعويضات لضحاياه، ومن ثمّ تبدأ عملية تفعيل التقليل من تأثير الذاكرات المُهانة والموجعة وتفعيل فعل النسيان النشط وثقافته بين الجماعات والأفراد وصولًا إلى نشر ثقافة التسامح والغفران التي لا بديل عنها للخروج من أحوال الدمار والموت.
إذن، بدأ التعثّر يظهر أكثر وأكثر، وقد تكون الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها السوريون، واستمرار المعيشة المذلّة وسوء الخدمات أو تعطيلها من الظواهر التي لا تحتاج إلى إثبات؛ إذ لم تقدّم الحكومة خطة اقتصادية ذاتية للحد من حالات الفقر والفساد والفوضى المنتشرة ولتحقيق نموٍ اقتصاديّ مستقلٍ ومستدام، وإنما حصرت أعمالها الاقتصادية بالبحث عن شركات عالمية متعاونة مع تجار من فلول النظام السابق وفاسديه للوصول إليها، وهكذا.. بعد هذه الشهور من عمر الحكومة نجد انتشار الفساد وشراء الذمم والرشاوى والسمسرة في شيوع الاستثمارات أو بيع أو تأجير أبنية ومشاريع تشكّل جزءًا من البنية التحتية للدولة ومن الأصول العقارية أيضًا، مما قلب مزاج الناس الإيجابي الذي ظهر في الأسابيع الأولى بعد يوم النصر في 8-12-2024، فعاد السوريون لأحوال البؤس والفقر والقلق وعدم الاطمئنان لحياتهم وفقدان الثقة بالحكومة المخوّلة بقيادة المرحلة...
كما زادت الأوضاع سوءًا لعدم اهتمام الحكومة الانتقالية بإعادة المهجّرين من الخارج وفي الداخل إلى مواطنهم الأصلية وبيوتهم، مما أضعف -كثيرًا- ثقتهم بسياسة حكومة رفعت شعارات خاوية من المعنى تماهيًا مع سياسة البنك الدولي، وإرضاء لشروط اتفاق واشنطن القاضي بتصغير حجم الحكومة وجعل التنمية البشرية استثمارًا لزيادة الربح من غير الاهتمام بالجانب الاجتماعي للعدالة.
ثمّ يجد المتابع، كيف تعاملت الحكومة الانتقالية مع نظام الإدارة المحلية، الذي يمثّل نوعًا من مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة، بل قد يكون هذا النظام بوابةً لحلّ مشكلة اللامركزية الضرورية لحكم سوريا، وأنوُهُ إلى أنّ دستور 2012 لسوريا أقرّ في المادة 131 منه "تطبيق مبدأ لا مركزية السلطات والمسؤوليات" فقد حلّت الحكومة الانتقالية المجالس المحلية، واستعاضت عن أعضائها بآخرين ليسوا بكفاءة السابقين الإدارية ولا بخبراتهم العملية، وكذا الأمر فعلوه مع النقابات والاتحادات؛ مرتكزين في حججهم على فساد تلك المؤسسات من دون تبيان طبيعة الفساد والفاسدين ومن دون تفعيل محاكمات لهم، ومن مظاهر افتقادهم للموضوعية -في هذه السياق- تسريح كثير من العاملين أو الموظفين أصحاب الكفاءات الإدارية والعلمية والمهنية، والتعثر في تأمين الرواتب، وقد سمعت منهم تباهييهم بأعداد المسرّحين من أعمالهم أو المطرودين من وظائفهم من دون دراية بالبدائل لا على صعيد الخبرات ولا بوجود قوانين لتأسيس الجديد، مما زاد في شلل حركة مؤسسات الدولة وتركها عُرضة للإهمال والفساد من جديد، ولابدّ من التنويه إلى أنّ أحد أهم متطلبات المرحلة الانتقالية الحفاظ على مكتسبات الفئات الاجتماعية، التي تحصّلت عليها من الحكومات السابقة، ومن تلك الإجراءات التعسفية المنوه عنها أعلاه تنكّر للمكتسبات وتجاوز على شروط إنجاز التحوّل الديمقراطي.
ومن أخطر ما يعيشه السوريون اليوم هو فقدان الثقة بالانتماء للوطن، ونكوصهم نحو الانتماءات الفرعية لطلب حماية أسيادها: شيوخ الطوائف والعشائر والميليشيات والإثنيات وأمراؤها، وليس أدلّ على ما نسوقه إلّا المشكلات المستعصية مع قوات قسد في شمال شرق سوريا والساحل غرب سوريا، والجنوب في السويداء، التي أفضت إلى طلب الحماية الخارجية، وربما وصل الأمر إلى ما هو أسوأ، لاسيّما بعد الانتهاكات الخطيرة في السويداء، التي ارتكبت بمعرفة قادة الحملة العسكرية من الأمن العام الذين ما يزالون مستعدين لارتكاب حماقات في مواجهات عسكرية عبثية مع قلة من فلول النظام والخارجين عن القانون، ولكن النتيجة ارتكاب جرائم بحق المدنيين الأبرياء.
سؤالنا هل نحن نمرّ بتجربة تشبهُ تجربة تركيا أو سنغافورة كما صرّح به مسؤولون في الحكومة، أو نحن نكرر تجربة العراق البائسة المصنّفة في أدبيات السياسة المتعلقة بالتحول الديمقراطي على أنها من أفشل التجارب؟ إذ استحالت دولة العراق إلى شرذمات وبؤر فساد؛ ناشرةً في مجتمعه الجهل والخوف، علاوة على هيمنة شيوخ المكونات العشائرية والطائفية على مقدرات العراقيين، مما أفسح المجال لانتشار الفساد والفقر والقهر والانفلات الأمني.
على الرغم من الشرعية التي اكتسبتها الحكومة الانتقالية في سوريا والتي تبعها تأييد جماهيري لافت، نجد أنفسنا -بعد نحو عشرة أشهر- أمام فشل السلطة في بسط سيطرتها على كافة أرض سوريا ومكوناتها، وذلك لعدم قدرتها على تنظيم أو مصادرة السلاح الموجود مع فصائل خارجة على سلطة الحكومة، إن كانت من ميليشيات أسهمت بالقتال ضد نظام الأسد البعثي أو من مجموعات تكوّنت من الطوائف والإثنيات المختلفة، ومن ثمَّ لم تحتكر هذه الحكومة قوة القمع اللازمة؛ لتثبّت مركزية السلطة في عملية التحوّل الديمقراطي، والعمل على إخراج القوى الخارجية، والسير في بناء الدولة المدنية التي تحمي المجتمع من أية انتهاكات، وتمنع الاعتداء على النظام العام، وتكفل حياة المواطنين، وتؤمّن متطلبات عيشهم الكريم.
ومن نافل القول، إنّ ما وُصف آنفًا، شجّع فصائل وطوائف وعشائر وإثنيات على ممارسة العنف خارج دوائر القانون والسلطة، وإذا استمرت هذه الحالة المزرية، فقد يصيب المجتمعَ السوريّ نكوصٌ عمّا راكمه من قيم وسلوك بميادين الثورة السورية العظيمة في أثناء أربعة عشر عامًا، وقد يضعنا -إذا استمر هذا التردي- في أتون حرب أهلية تدمّر بنية المجتمع الاجتماعية والسياسية السورية، التي تكوّنت خلال أكثر من مئة عام، وتهدّد تنوع الثقافات وتشيطن الاختلاف، وهذا ليس مستغربًا حين يدرك المرء خطورة بقاء السلاح بأيدي طوائف وعشائر وفصائل يلجأ إليها أبناؤها للحماية مهملين انضوائهم تحت راية دولة معاصرة ترعى وطنًا حرًا ومواطنة حقّة في الشورى والعدالة والمساواة والحرية والكرامة.
من جانبٍ مختلف، فإنّ الحكومة لم تسع إلى تفعيل السياسة بالمجتمع وبناء علاقات اجتماعية تقوم على أسس ديمقراطية، فقد كان من الممكن إحياء الانتخابات في الاتحادات والنقابات والمجالس المحلية بدلًا من التعيينات الارتجالية، التي أوصلت كثيرين من قليلي الخبرة وبعض الفاسدين إلى مناصب سياسية وإدارية تسيء لبناء الدولة أكثر مما تخدمها، وعلى الرغم من حماس الكثير للبرلمان المزمع انتخاب أعضائه؛ ليملأ الفراغ التشريعي ويسن القوانين، ولكن يُخشى من أسلوب انتخابات البرلمان المتبعة -حاليًا- أن تكرّس سلطة هذه الحكومة، وأن تبتعد عن أهداف المرحلة الانتقالية المحصورة بتهيئة الظروف لانتقال الدولة الفاشلة من أحوال الاستبداد والطائفية والفساد إلى نظام ديمقراطي معاصر يرتكز لدستور وانتخابات حرة، وينجز تنمية ذاتية معاصرة، ويبني مجتمعًا حديثًا، ويحمي أرض الدولة وسيادتها ويكفل حق المواطنة، بدلًا من الولاءات الخارجية التي تيسرها طوائف وجماعات عابرة لحدود سوريا الوطن.
أخيرًا وليس آخر، فإنّ المرحلة الانتقالية التي تعقب الحروب والأزمات تعيد بناء الدولة ارتكازًا على شرعية سلطتها السياسية وبسط هيمنتها على الأرض السورية عن طريق جيش وأمن عصريين، وتفعيل لجان الحقيقة والمصالحات ومحاسبة الجناة، وإقامة أوسع التحالفات، وإعادة السياسة المغتالة إلى المجتمع وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني، ووضع خطة تنمية ذاتية لتحسين الخدمات ومستوى معيشة المواطنين في الداخل والمهجّرين بالخارج، وصولًا إلى عقد اجتماعي يكلّل بدستور يحدّد الحقوق والواجبات، ويلزم الحاكم والمحكوم بتنفيذ بنوده، ويستلزم ذلك السعي الحثيث نحو ديمقراطية تشاركية، استعدادًا للولوج في عملية الانتخابات الديمقراطية التمثيلية، وهذا يستدعي الشفافية والوضوح في توصيف الأحوال التي يمرّ بها المجتمع والدولة.
نحن السوريين، نعيش -الآن- ظروفًا عسيرة صعبةً، ونسير في طرق متوعّرة، مما يستدعي تضافر جهود شعبنا مع مؤسسات الحكومة الانتقالية الحالية ومع منظمات المجتمع المدني والأهلي للخروج إلى النّور وتلمس طريق بناء مجتمع حديث يقوم على نظام ديمقراطي ودولة مدنية عصرية.
د. أدهم مسعود القاق
دمشق 5/12/2025



#أدهم_مسعود_القاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا بعد عام من يوم النصر 2025/12/8
- الناقد البصير محمد عبد الحميد خليفة، الذي يتعامى عن عطائه ال ...
- محمد عبد الحميد خليفة، الناقد البصير الذي يتعامى عن عطائه ال ...
- تعدّد التيمات وتضافرها في رواية زنزانة حي الدقاقين لأسامة شا ...
- تفوق الأطفال على الكبار والأمل بالخلاص لدى يعقوب الشاروني
- أدب المقاومة في فكر السيد نجم وإبداعه
- رحيل شيخ المؤرخين عبد الله حنا عن دنيانا البائسة
- استعارة الموت الكبرى بين الواقع والفانتازيا في رواية الموت ع ...
- خالد خليفة في عالم آخر
- دكتور ظريف حسين وداعًا أيها المفكر الحر
- عبد الرحيم الكردي، روحك باقية في ضمائر محبيك
- منتهى الأطرش، سلامًا على روحك الطاهرة.. صوتك راسخ في ذاكرة ا ...
- الموت يجدّد اجتياحنا.. وداعًا دكتور فياض سكيكر
- وفاة الأديب السوريّ وليد إخلاصي منتصبًا كنخلة وسط دمار مدينت ...
- خسارة جديدة أضيفت للكيان الثقافي العربيّ بوفاة الروائيّ الفذ ...
- كفى قهرًا أيّها الموت وفاة أستاذنا عفيف سعيد ابن جرمانا في ر ...
- الدكتور هاني عبيد، شهيد كلمة الحق والدفاع عن الحرية والكرامة
- رواية مجنون الحكم بين إجرام الطاغية الحاكم بأمر الله وسمو ال ...
- إدارة جيل الألفيّة الإدارة التشاركية، للدكتورة: هانم العيسوي ...
- شهيد الإقصاء، لطف الله مزهر، ومسيرة الكفاح المتعثّرة


المزيد.....




- -ارتفاع أسعار الوقود يدمّر بلادنا-.. تصريحات ترامب عن النفط ...
- خلف عباءات -مولانا-.. رحلة تصميم معقدة لشخصية تيم حسن
- متحدث عسكري إيراني: أمريكا وإسرائيل استهدفتا أحد بنوكنا.. وس ...
- بين النفي الرسمي وتأكيدات الاستخبارات.. ما هي حقيقة إصابة مج ...
- حريق حافلة في سويسرا يوقع 6 قتلى و4 جرحى على الأقل
- السودان يُطالب واشنطن بتصنيف -الدعم السريع- منظمة إرهابية
- ثوران بركان كيلاويا في هاواي وقذف نوافير حمم بارتفاع 300 متر ...
- بيروت تحت القصف الإسرائيلي: غارات تستهدف قلب العاصمة والنازح ...
- فون دير لاين: حرب إيران تكلف الأوروبيين فواتير بالمليارات
- تاج جمال ألمانيا يذهب لألمانية من أصول سورية على حساب سورية ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أدهم مسعود القاق - حاضر الحكومة السورية المتعثّر بين الذاكرة الأليمة والنسيان النشط