سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
استهلال وتوطئة لابد منها ...
لطالما آمنت بالحقائق الدامغة التالية:
1- أن عدونا الرئيسي والتاريخي هو الكيان الصهيوني الغاصب، وأنه يمتلك مشروعا تلموديا توسعيا اسمه (الشرق الأوسط الجديد)، وأنه يسعى جاهدا وبمكر لتحقيقه وتنفيذه على حساب أمتنا ودولنا العربية!!
2- أن النظام الإيراني، سواء السابق (نظام الشاه)، أو النظام الحالي، له مشروع قومي هو الآخر للسيطرة والهيمنة على منطقتنا العربية، وأن النظام الإيراني الحالي قد انتهز فرصة غياب مشروع قومي عربي تحرري نهضوي يجابه الكيان الصهيوني ومشاريعه التوسعية، فاعتلى مركب الدفاع عن فلسطين والقدس ورفع شعار تحريرها لدغدغة مشاعر العرب ودفعهم بالتالي للالتفاف والالتحام به!!
3- أن التصادم الحاصل بين الكيان الصهيوني والنظام الإيراني - والذي ظهر للعيان بعد أحداث طوفان الأقصى المباركة والخالدة - فهو حتمي الوقوع – وإن تأخر- وناشيء من تصادم المشروعين (الإيراني والصهيوني) للهيمنة على الشرق الأوسط، لاسيما وأن إسرائيل قد استشعرت منذ فترة ليست بالقصيرة قوة إيران المتصاعدة واتساع نفوذها مؤخرا في المنطقة العربية، فتحركت اسرائيل بدعم وإسناد أمريكي لوقف ذلك التمدد وانهائه لتبقى هي القوة الوحيدة المهيمنة على منطقتنا العربية، فتمثل هذا التحرك بعدوان إسرائيل على إيران في المواجهة الأولى التي امتدت للفترة من 13 حتّى 24 من شهر حزيران / يونيو 2025، وها هي إسرائيل اليوم (بمعية الولايات المتحدة الأمريكية) تستكمل عدوانها على ايران في محاولة منها لتدمير وإجهاض مشروعها القومي في المنطقة وقصقصة أجنحتها !!!!
4- إن ما ساعد ايران على تواجدها ونشر وبسط واتساع نفوذها في ساحة الصراع العربي الاسرائيلي هو تقاعس وخذلان أنظمة العهر والانحطاط العربي عن أداء دورها القومي تجاه قضية فلسطين، وذلك لعمري ما شاهدناه وتلمسناه إبان معركة طوفان الأقصى، وذلك لعدم امتلاكها لمشروع قومي نهضوي واعد، مما سمح لإيران بالتوسع والتمدد، من خلال حملها لشعار (تحرير القدس) وذلك لاستقطاب مشاعر أبناء العروبة التوّاقين لتحرير القدس من براثن الاحتلال الإسرائيلي!!.
انتهى الاستهلال، فأدخل في لُبّ الموضوع، وعلى بركة الله أقول:
بعدما سكن روعنا وهدأت مخاوفنا قليلا واستبشرنا خيرا جراء ما نشر من أنباء تترى كانت قد تحدثت عن وساطات عربية وأقليمية ودولية لنزع فتيل التصادم الأمريكي الإيراني، وعن تقدم بطئ في المفاوضات غير المباشرة بينهما في جنيف وبرعاية سلطنة عمان، وفيما كانت ايران والولايات المتحدة الأمريكية منخرطتين في عملية تفاوض دبلوماسية شاقة وصلت لجولتها الثالثة كما أعتقد، فإذا بنا وعلى حين غِرّة نفاجأ ونُصدَم صباح يوم السبت (الثامن والعشرين من شهر شباط الجاري، الموافق العاشر من شهر رمضان المبارك) بعدوان أمريكي – إسرائيلي مشترك واسع النطاق على إيران، أطلقت عليه إسرائيل اسم "زئير الأسد"، ، فيما سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الإعلان عن العملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي أطلق عليها "عملية الغضب الملحمي" متوعداً طهران بـ"قوة تدميرية هائلة"، وطالت ضرباته العاصمة طهران ومدناً إيرانية عدة، مستهدفةً مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية وشخصيات في القيادة الإيرانية، ومن الجدير ذكره أن التخطيط لهذه العملية استغرق أشهراً (على الرغم من أنباء المفاوضات الجارية في جنيف!!)، وجرى تحديد موعد تنفيذها قبل أسابيع كما أكده مصدر أمني إسرائيلي لـ"رويترز"!!
وكعادة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية في إيجاد مبررات وذرائع وأكاذيب لشن كل عدوان أو قرصنة أو بلطجة تمارسها ضد الدول (تماما كتلك التي جرت من قبل في عام 2003 حين برر الرئيس الأمريكي بوش الصغير غزوه واحتلاله للعراق بذريعة تدمير أسلحة التدمير الشامل التي يمتلكها!!)، فها هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخرج بخطاب مصور أعلن فيه أن الجيش الأميركي بدأ "عملية قتالية كبيرة ومستمرة" في إيران، تنفذ جواً وبحرا، تحت ذريعة عودة ايران لبناء برنامجها النووي وتطويرها لصواريخ بعيدة المدى تهدد الولايات المتحدة ودولاً أخرى، مؤكداً أن هدفه "الدفاع عن الشعب الأميركي والقضاء على التهديدات الوشيكة"!!
ومن منطلق مبدأ لكل فعل رد فعل، وكنتيجة للعدوان الأمريكي – الإسرائيلي، فقد قامت إيران بالرد بإطلاق صواريخ على عدة قواعد أمريكية في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ضرب إسرائيل برشقات صاروخية، علما أن القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي تنتشر في كل من قطر، الكويت، الامارات، السعودية، البحرين!!
لن أتحدث عن بيانات التنديد الغربية للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ودعوات تهدئة الأجواء، والدعوة لعقد اجتماع مجلس الأمن لمناقشة هذا العدوان وإيقافه لخطورته إقليميا وعالميا، لكنني سأستشهد بموقف واحد متميز رافض للعدوان ومن داخل الولايات المتحدة الأمريكية، يوضح حقيقة انقيادها الأعمى ورضوخها التام للإرادة الإسرائيلية بشن هذا العدوان، حيث لخص الإعلامي الأمريكي البارز (تاكر كارلسون) حقيقة هذا العدوان وتداعياته وأهدافه، وخطورة ذلك على مستقبل الشرق الأوسط واحتمال ابتلاعه من قبل الكيان الإسرائيلي، محذرا الرئيس ترامب من مغبة مهاجمة إيران، وأن السياسات الاسرائيلية ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحديدا تشكل تهديدًا ليس فقط للولايات المتحدة، بل للعالم بأسره، وفي حلقة جديدة من برنامجه، استهل كارلسون مونولوجًا مطولًا شرح فيه أسباب رفضه لأي حرب مع إيران، محذرا من العواقب الكارثية التي قد تلحق بالولايات المتحدة، بما في ذلك أزمة اقتصادية عميقة ومخاطر ارتفاع أسعار النفط وموجات لجوء واسعة، وقال: "الهدف ليس حماية إسرائيل، وإسرائيل لا تريد تحرير الشعب الإيراني، بل القضاء على منافس لها في هيمنتها الإقليمية. بدون إيران، لن تبقى في الشرق الأوسط إلا قوة واحدة، وربما قوة نووية، لا غير"!!
إن من أشد المواقف غرابة وإثارة للسخرية والاستهجان إزاء هذا العدوان، ذاك الذي صدر من عدة عواصم عربية خليجية من تنديد بالرد الإيراني على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على بلدانهم، حيث استهدفت الضربات الإيرانية مواقع وقواعد عسكرية أمريكية فيها، علما بأن هذه الأنظمة العربية تستضيف قواعد جوية وبحرية عسكرية أمريكية على أراضيها، وأن معظم هذه الصواريخ والقذائف والمسيرات الأمريكية باتجاه مدن إيران قد انطلقت من قواعدها في هذه البلدان الخليجية أو من البوارج الحربية الامريكية الراسية قرب شواطئها البحرية، ومن هذه الدول الخليجية هي:
1- قطر (قاعدة العديد الجوية بتعداد 13000 جندي أمريكي)!!
2- الكويت (قاعدتان عسكريتان هما قاعدة عريفجان، وكذلك قاعدة علي السالم الجوية المعروفة بـ”الصخرة” بتعداد 13000 جندي أمريكي)!!
3- الامارات (قاعدة الظفرة بتعداد 5000 جندي أمريكي)!!
4- البحرين (قاعدة الدعم البحري وهو مقر الاسطول الخامس الأمريكي بتعداد 7000 جندي أمريكي)!!
5- السعودية (قاعدة عسكرية واحدة هي قاعدة الأمير سلطان بتعداد 3000 جندي أمريكي)!!
فما الذي كانت تتوقعه هذه العواصم العربية الخليجية من إيران التي قصفتها القواعد الأمريكية المستوطنة على أراضيها غير الرد بالمثل وقصف هذه القواعد العسكرية!!؟
ولكن، قد يتبادر تساؤل في الإذهان:
ما الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي كي يختارا تحديدا تاريخ 28 شباط / 10 رمضان ليكون موعد الهجوم على طهران!!
وإجابة على ذلك التساؤل، فإن هناك سببين رئيسيين لاختيار النتن ياهو هذا التاريخ تحديدا ليكون موعدا للعدوان على ايران، أحدهما تلمودي مشبع بالأساطير والخرافات التي لطالما صدع رؤوسنا ورددها بخطبه المتلفزة لقطعانه في الكيان الغاصب، بغية إثارة ودغدغة مشاعرهم عن (سفر استير) والعماليق، وثانيهما حدث تاريخي له دلالات سلبية أليمة عند الكيان الاسرائيلي، وهما كالتالي:
أولا... أن أساطير ونبوءات تلمودية قد وردت في سفر(إستير) وتحدثت بأن وزير الملك الفارسي الإخميني (أحشويرش) في القرن الخامس قبل الميلاد كان يدعى (هامان)، وكان هذا يُكن كراهية شديدة لليهود، خاصة منهم (مردخاي) الذي رفض السجود له عند تنصيبه وزيرا للملك، ويسترسل السفر فيقول بأن هامان هذا قد أجرى قرعة لتحديد اليوم المناسب لقتل جميع اليهود في الامراطورية، غير أن مردخاي اليهودي أشار على زوجة الملك اليهودية (استير) بأن تكشف عن كونها يهودية وتخبر الملك بما سينوي فعله هامان، وبأن مصيرها سيكون القتل أسوة بأبناء قومها، ولما كان الملك يحب زوجته استير حبا جما، فقد ضب الملك على هامان، واستجاب لطلب أستير بأن أعدم هامان وأبناءه، كما وأصدر أمراً يسمح لليهود بالدفاع عن أنفسهم وقتل من يهاجمهم، وبذا فقد اعتبر هذا خلاصاً لليهود من الإبادة ( عيد بوريم) أو (عيد المساخر)!!
ثانيا ... حدث تاريخي يمثل يوم العاشر من رمضان (معركة 6 أكتوبر1973)، حيث انتصرت الجيوش العربية وفي مقدمتها الجيش المصري على جيش الكيان الإسرائيلي واجبرته على الانسحاب من سيناء، فجاء العدوان على ايران بهذا التوقيت ثأرا لهزيمتهم المنكرة في 6 أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان)
ختاما ... أعود فأكرر ثانية، بأن غياب المشروع العربي الوحدوي، الذي يقف بالند للمشاريع والمخططات التوسعية الطامعة بنا سواء من ايران أو الكيان الإسرائيلي أو غيرهما، ما كنا بهذا الوهن والضعف والانحطاط، مما جعلنا ودفعنا قسرا لقبول استضافة قواعد عسكرية أمريكية على أراضينا العربية على أمل تأمين الحماية الأمريكية لهذه الأنظمة، مما جعل أراضينا العربية مستباحة هكذا، ولما جعلنا لنكون بهذه الهشاشة والرخو لاختراقنا من قبل أي طرف أجنبي غير عربي!!
قال تعالى في محكم آياته من سورة الذاريات، الآية 55: " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ".
28 / 2 / 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟