علي حسين أسماعيل
الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 02:08
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
إذا ما قتل أسد رجلاً فتلك بنظرهم جريمة، وإذا ما قتل رجل أسداً فتلك شجاعة عظيمة". ليست هذه المقولة مجرد رصد لعلاقة الإنسان بالطبيعة، بل هي حقيقة يكشف عوار الأخلاق البشرية وازدواجية المعايير التي تحكم عالمنا منذ أن تعلم الإنسان كيف يطوع اللغة لتبرير أنانيته. نحن نعيش في عالم صممه الإنسان على مقاسه الخاص. في هذا العالم، يعتبر فعل "الأسد" جريمة لأنه مسّ بقدسية الجنس البشري، بينما يعتبر فعل "الرجل" شجاعة لأنه انتصار للمركزية التي نؤمن بها. نحن لا نحاكم الفعل لذاته، بل نحاكم "هوية" الفاعل. هذه النظرة هي الجذرة الأساسية لكل أشكال العنصرية والإقصاء؛ فالحق دائماً يميل حيث تميل كفة "جماعتنا"، والباطل هو كل ما يهدد استقرار هذه الجماعة، حتى لو كان دفاعاً فطرياً عن النفس. إن الفرق بين "الجريمة" و"الشجاعة" في مثال الأسد والرجل ليس فرقاً أخلاقياً، بل هو فرق في "امتلاك المنبر". الأسد يملك المخالب لكنه لا يملك "المطبعة" ولا "الصحيفة" لذا، يظل فعله وحشية صامتة، بينما يتحول فعل الرجل إلى ملحمة تُروى. في واقعنا السياسي والاجتماعي، نجد هذا المنطق حاضراً بقوة. القوى المهيمنة تملك القدرة على صياغة المصطلحات؛ فاجتياح الضعيف يسمى "نشر حضارة"، ومقاومة الضعيف تسمى "خروجاً عن القانون". نحن نعيش في عصر تغسل فيه الدماء بماء البلاغة، وتحول فيه الجرائم إلى انتصارات بلمسة قلم. قد يظن البعض أننا كبشر، بمدنيتنا وقوانيننا العلمية والعلمانية، قد تجاوزنا "قانون الغابة". لكن الحقيقة المرة هي أننا قمنا "بأنسنة" هذا القانون فقط. استبدلنا المخلب بالصاروخ، والزئير بالبيانات الدبلوماسية، لكننا ما زلنا نرى قتلنا للآخر "ضرورة وشجاعة"، وقتله لنا "إرهاباً وجريمة". إن التحرر الحقيقي، الذي ننشده ككتاب ومثقفين، يبدأ من تحطيم هذه المرآة النرجسية. أن نرى العالم بعيون "الآخر" أيضاً، لا بعيوننا وحدنا. إن الشجاعة الحقيقية ليست في قتل الأسد، بل في القدرة على الاعتراف بحقه في الوجود، وفي الكف عن تسمية تفوقنا المادي "فضيلة أخلاقية".
#علي_حسين_أسماعيل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟