محمد علي مقلد
(Mokaled Mohamad Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 23:55
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
أعتمد في كل كتاباتي منهجاً في البحث العلمي تدربت ودربت طلابي عليه في فترة عملي الأكاديمي في الجامعة اللبنانية. المبدأ الأول في هذا المنهج هو نأي الباحث، خلال البحث، عن مشاعر الانتماء السياسي عمومًا والحزبي خصوصًا لأن هذا الانتماء مرادف للتحيز. تعلمت ذلك أولًا من جلسة مناقشة رسالة الدكتوراه في السوربون بباريس عندما أعابت عليّ اللجنة، وكانت برئاسة المستشرق الفرنسي دومينيك شوفالييه، استخدامي مصطلحات سياسية، متل الفاشية والإقطاعية، في معالجة الظواهر الأدبية مع أن موضوع رسالتي هو العلاقة بين الشعر والسياسة. وتعلمته ثانيًا من خلال التعليم الجامعي، خلال البحث عن جواب على السؤال الإرسلاني الشهير عن تقدم الغرب وتخلف المسلمين.
توليت البحث في محاضراتي من ضمن مادة في المنهاج عنوانها، "حضارة البلدان العربية في العصر الحديث"، أي بدءًا من عصر النهضة، فأشركـت طلابي في استعراض الإجابات والوصفات، كل طالب باسم الحزب الذي ينتمي إليه. أتاح لي الاستماع إليهم أن أكتشف فشل كل حركات الإصلاح الديني والسياسي منذ الحركة الوهابية حتى حزب الله والأحزاب اليسارية والقومية، مرورًا بالسنوسية والمهدية والكاشانية، في تقديم وصفة شافية لمرض التخلف.
اكتشفت من مشاركات الطلاب كم هو خطير منهج في البحث يستند إلى الإشاعة كمصدر للمعلومة. ظهر ذلك في كلام أحدهم عن حركة البنائين، الماسونية، التي تجعلها الثقافة الشائعة مبرراً للهروب إلى نظرية المؤامرة ولتغليب النقد على النقد ذاتي، وهو منهج في التفكير يلقي التبعات على الآخر المختلف في الانتماء الديني أو الإيديولوجي أو السياسي أو العرقي أو غير ذلك من الانتماءات.
واكتشفت، استنادًا إلى مقارنات دقيقة بين غرب وشرق وبين بلد عربي وآخر، وبين حركة إصلاحية وأخرى، أن التشخيص الخاطئ هو الذي يملي الوصفات الخاطئة، وتوصلت إلى تشخيص أزعم أنه أكثر تماسكًا وقدرة على الإجابة على كل الأسئلة- الأزمات، بدءًا بالسؤال الإرسلاني مرورًا بأسئلة النكبة والنكسة والهزائم العربية وصولًا إلى حربي الطوفان والإسناد.
بدأت، على طريقة المنهج البنيوي، باستبعاد السرديات غير الصحيحة. استبعدت أن يكون الاستعمار أو إسرائيل السبب الأساس في تخلف عمره من عمر الألفية الثانية، لأن وجوده سابق على وجودهما. فهو بدأ مع انهيار الدولة العباسية وغزوات تيمورلنك وهولاكو وإحراق مكتبات بغداد، واستمر في ظل حكم المماليك والعثمانيين. ولأن بلدانًا لم تخضع للاستعمار متل سوريا والعراق واليمن، وأخرى بعيدة جغرافيًا عن تأثيرات الاستيطان الصهيوني، متل الصومال والجزائر وليبيا، أودى بها التخلف إلى متاهات الحروب الأهلية. واستبعدت أيضًا أن يكون الدين، على ما يدعي العلمانيون، أو "الابتعاد" عنه على ما قالت الوهابية، سببًا للتخلف. ذلك أن الحضارة العربية بلغت ذروتها في ظل سيادة الفكر الديني، حيث برزت أسماء من رواد الحضارة في الفلسفة والعلم والأدب من بينهم مؤمنون وملحدون على حد سواء.
استبعاد هذين الحقلين، الدين والاستعمار، عن اعتبارهما السبب التأسيسي للتخلف، مع عدم استبعاد دورهما في إطالة عمره، يقود إلى الاستنتاج أن السبب الحقيقي يعود إلى فشل العالم العربي في تحقيق الانتقال من حضارة الأرض أو الخراج إلى حضارة المصنع والمختبرات العلمية، أي من الإقطاعية إلى الرأسمالية، بل فشله في مواكبة هذه العملية ورفضه التكيف معها والانخراط فيها، لأنه كان يحمل معه عقدة تفوقه الحضاري على أوروبا ما قبل القرون الوسطى، ولأن السلطات الحاكمة فيه لم ترفض التكيف، وهذا هو الأهم، إلا مع النسخة السياسية المستحدثة في حضارة تدعو إلى قيام الدولة الدستورية، الملكية أو الجمهورية، بديلًا من الخلافة. لذلك رأت في المشروع "الغربي" اعتداءً على التقاليد السياسية الموروثة على امتداد العصرين الأموي والعباسي وصولًا إلى خمسمائة عام من حكم السلطنة العثمانية.
المبدأ الثاني أولية العوامل الداخلية في أي تطور في التاريخ. فقد دخل بلدان اثنان عصر النهضة العربية عندما توفر في كل منهما ما يشجع على هذه النقلة النوعي. جبل لبنان الذي تحمّل وزر نظام الملل العثماني، ما دفع الأقليات فيه، خصوصًا الأقلية المسيحية، إلى تفضيل العروبة على التتريك، وإلى الاحتكاك بالغرب منذ أيام المعنيين والشهابيين، وخصوصًا أيام المتصرفية؛ ومصر بقيادة محمد علي باشا الذي أقام خط تواصل عريض يوم قرر إرسال بعثة من مئات الطلاب لمتابعة دراساتهم في فرنسا. هذا يعني أن العامل الخارجي، أيا يكن دوره، ليس سوى عامل مساعد سلبًا أو إيجابًا.
المبدأ الثالث يتمثل بضرورة الامتثال للقوانين، قوانين البشر الوضعية ولا سيما قوانين التاريخ. لقد أثبتت الأحداث أن الرأسمالية قدر البشرية إلى "أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا". تعاملت بعض البلدان والدول باستنسابية مع الرأسمالية فخرجت من التاريخ، فيما دخلته أخرى من أبوابه الثلاثة: العلم والاستثمارات وحرية الإنسان الفرد. العالم العربي اختار الاستنساب حين أوصد باب الحرية ومعادله السياسي، الديمقراطية. كان لا بد من إعادة الاعتبار لقوانين التاريخ، فكانت ثورة ربيع عربي ولبناني أُخمدت شرارتها ولم تنطفئ. هو ثورة لأنه سلمي ومطالبه بسيطة. دستور وتداول سلطة. من شارك في الإخماد خالف قوانين التاريخ.
المبدأ الرابع تخليص مفهوم الثورة مما علق به وتكدس بعد الثورات الثلاث الحديثة، الفرنسية والسوفياتية والصينية. فقد شاع في اللغة المتداولة أن معنى الثورة يحيل إلى العنف والدم والاستيلاء على السلطة.
قد يكون ذلك صحيحًا ومبررًا في عالم السياسة، فالثورة الفرنسية أعلنت ولادة حضارة جديدة وشكلت لحظة فاصلة بين زمنين. ولادتها كانت مؤلمة لكن المولود تعافى في نهاية الأمر؛ في السوفياتية مات المولود، وفي الصين يعيدون تجربة الحمل ثانية، هذه المرة بالتلقيح. أما ثورات العالم العربي فقد اختزلت بانقلابات عسكرية وتكرار دموي للحظة الاستيلاء على السلطة، حيث لا يولد من نطفة الاستبداد إلا أجنّة من عنف وقمع وسجون.
في عالمنا العربي شاعت دلالة استعمالية للمصطلح واستبعدت كل الدلالات الأخرى. فأي قاموس سياسي يمكن أن يدلك على معنى الثورة في الأدب والفن والعلم؟ لقد امتطت الأحزاب السياسية الثورة واستولت على كل معانيها ودلالاتها، وباتت مهمة تحريرها من خاطفيها نقطة أولى على جدول عمل تاريخ خرجنا منه وآن أن نعود إليه، من باب الوطن والدولة.
المبدأ الخامس تخليص مصطلحي اليسار واليمين من حمولتهما القديمة، على ضوء المتغيرات في وقائع الصراعات العالمية، ولا سيما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية التي احتكرت مع حلفائها وأتباعها الاسم منذ قيام الاتحاد السوفياتي. مع هذا الانهيار اختلط حابل اليمين بنابل اليسار فشارك اليسار الأوروبي جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة الأميركية في الحرب على يوغسلافيا، كما شارك النظام السوري معها أيضًا، وقت كان يشكل جزئاً مما كان يسمى حركة التحرر الوطني العربية، في الحرب على العراق، كما صار اليسار المصري حليف السلطة ضد التنظيمات الإسلامية، بينما وقف اليسار في لبنان وسوريا معها ومع إيران في خندق واحد ليواجه أعداءه المتمثلين بالإمبريالية والصهيونية والاستعمار. من المصطلحات التي وجبت إعادة النظر فيها "الوطني" و"الوطنية"، بعد أن شحنتهما لغة الحرب الأهلية دلالة يسارية فاحتكرت "الحركة الوطنية اللبنانية" استخدامهما وحرمت خصومها من هذا النعت واشتقاقاته.
المنهج الذي اعتمدته في هذا الكتاب هو ذاته في جميع مؤلفاتي. هو ليس كتابًا في النظرية السياسية ولا هو كتاب في الصحافة السياسية، أي الممارسة. بل هو في منزلة بينهما أطلقت عليها مصطلحًا تعلمته من مهدي عامل، الممارسة النظرية، لذلك يمكن اعتباره بحثًا موزعًا على مقالات، أو مقالات مجموعة في بحث. وهو، في الحالتين، لا يرتبط بالأحداث اليومية بقدر ما يستند إليها ليقرأ التاريخ ويسترشد بها ليقرأ المستقبل. هذا المنهج مكنني من التوصل باكرًا، في بداية التسعينات، إلى استنتاجين بالغي الأهمية كانت كلفتهما عليّ غالية جدًا لأنهما يخالفان ثقافة سياسية عممتها الأحزاب والقوى السياسية المحلية والعربية، أولهما لا حل إلا بالدولة، والثاني أن الانخراط في الثورة الرأسمالية من بابها السياسي، الديمقراطية، شرط إلزامي للعبور إلى كل ثورة أخرى. بهذا المعيار لا يكون اليساري يساريًا ولا الوطني وطنيًا إلا بالدولة الديمقراطية.
هذان الاستنتاجان يفضيان بالمنطق الرياضي إلى حتمية نهاية كل أشكال المشاغبة على الحضارة الرأسمالية، وهي مشاغبة دشنتها الحركة الشيوعية استناداً إلى مقولات ماركسية وإلى قرارات صدرت عن الأممية الثالثة، ثم التحقت بها حركات التحرر الوطني كافة وتيارات الإسلام السياسي.
جعلتني هذه الحتمية أتردد في اختيار عنوان الكتاب، إذ إن حزب الله قد يستمر كتنظيم سياسي، ومعه سائر التنظيمات الطائفية وأحزاب الاستبداد، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، لكنه لن يستمر كبنية عسكرية ولو ظل مسلحاً ببطولات مقاوميه في عملية تحرير التراب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي. بين عنوانين ينطويان على الدلالة ذاتها، الأول حادّ الصياغة، "نهاية حزب الله وسائر الأصوليات"، والثاني ملطّف "حزب الله وسائر الأصوليات، بداية النهاية"، استقر الاختيار على الأول
#محمد_علي_مقلد (هاشتاغ)
Mokaled_Mohamad_Ali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟