أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عاتية سلام - ذكريات














المزيد.....

ذكريات


عاتية سلام
كاتبة و شاعرة

(ضatia Salam)


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


في داخل كلٍّ منّا حكايات لم تُروَ، وذكريات نطويها في أعماق الوعي. لا نُخفيها عن الناس وحدهم، بل نوارِيها حتى عن أنفسنا في لحظات الخلوة، ندفنها كأنها جريمة، أو فشل أليم، أو عاهة خفيّة نخشى أن تُرى.
يُقال إن شفاء هذه الحالة يكون بالكتابة؛ أن نخرجها إلى النور، فيهدأ وجعها. لكنني، ومنذ عقدٍ كامل، أحاول أن أترجمها إلى كلمات، فتفلت منّي كما يفلت سمك النهر من بين الأصابع. كلّما بدأت بحرف، انسلت من أفكاري وغاصت في قاع العقل.
لا أدري ما الذي تريده مني، ولا لماذا تأبى أن تُقال. وبصراحة، لا أعلم إن كنتُ سأقوى يومًا على الإمساك بتلك الذكريات المؤلمة. فهي لا تظهر إلا ومضاتٍ بين الأحداث، ثم تختبئ من جديد. ربما حين أتقن فنّ الكتابة، سأكتبها بحروفٍ مشفّرة، كأنني أتحدّث عن حربٍ بعيدة، أو عن اجتياح المغول للبلاد وتحطيمهم لكل شيء.

على أي حال، ما أودّ أن أحدثكم عنه اليوم شيءٌ آخر. ذكرى جنديٍّ كان يطرق باب بيتنا حين كنتُ في عمر الطفولة. كان يأتي متى شاء؛ صباحًا أو مساءً، وكان مرحَّبًا به في كل وقت. نفرح جميعًا بقدومه. ينفرد بأمي، ويقضيان ساعات الليل في حديثٍ سرّيٍّ خطِر، ليس لنا أن نسمعه.

من الطرف انه كان دائمًا يحذّرنا ضاحكًا من أنّه سيخلع حذاءه الذي ارتداه أسابيع طويلة ربما اشهر، فتفوح منه رائحة كريهه تملأ المكان، فنضحك من الموقف. كانت مهمّتي أن أغسل جواربه، ولا أذكر أنّني تذمّرت يومًا؛ فمجرّد حضوره كان يُنسينا كلّ ضيقٍ أو حزن.
كان الطعام يُحضَّر ممّا هو موجود، بلا تكلّف ولا كلفة، ومع ذلك كان للوجبة طعم الفرح.

حين بلغتُ سنّ الشباب، صار دوري أن أُعِدَّ له السمك. كنت الوحيدة – وما زلت – التي تحب السمك في كل وقت؛ ليلًا ونهارًا. صار طبقنا المفضّل، ولا أدري أكنت أحببت السمك لأنني أحببت ذلك الجندي، أم أحببت الجندي لأنني أحببت السمك.
عند الصباح كان يرحل إلى بيت أهله، إلى بيت خالتي الذي يبعد عنّا ساعات طويلةز
حين ترك ابنُ خالتي الجندية، تغيّر العالم من حولي؛ صار أكثر قسوة، وأكثر وجعًا. بدأ عقلي يسجّل ذكرياتٍ من نوعٍ آخر، ذكرياتٍ بلا دفء. تغيّر مكان إقامتي، وصار الوصول إلى مكان الطفولة ضربًا من الترف بالنسبة لي، وجنونًا لمن ما يزال يقيم هناك. فكل شيء تبدّل: تغيّر عمل الجندي، وتحوّل شكله في عيني إلى ملامح لا أعرفها ولا أعيها، وأنا أسكن غربتي، أراقب التحوّل من بعيد، كمن ينظر إلى وجهٍ مألوف صار غريبًا.


هنا أتوقّف، ربما أكمل في وقت لاحق.
تحيّةً لكم.



#عاتية_سلام (هاشتاغ)       ضatia_Salam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى الخال العظيم عبد الرزّاق عبد الواحد 🌿
- شْلُونِجْ
- لَم نَعُدْ نَلْتَقِي
- مفتاح قلبي
- حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
- بين اعتراف مؤجل ووداع أبدي
- هي و هو
- أثينا... مرآة الذاكرة
- مضيت
- المسافات
- قارورة منسية
- يا عراق
- سأكتب حبا وغزلا
- ضوء لقمر
- الابواب المغلقة
- احلام ضائعه


المزيد.....




- الفنان محمد هاشم في حوار مع (المدى): الدراما في تطور ونمتلك ...
- حكاية مسجد.. مسجد الكهف أو -زاوية درنة- الليبية
- الممثل التجاري الأمريكي: لم تنسحب أي دولة من اتفاقيات الرسوم ...
- وزير التربية السوري يبحث في الحسكة تنفيذ مرسوم تدريس اللغة ا ...
- وزير ألماني ينسحب من الحفل الختامي لمهرجان برلين السينمائي ب ...
- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
- حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عاتية سلام - ذكريات