أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - خريف آيات الله: أيُّ تحوّلٍ ينتظر إيران؟















المزيد.....



خريف آيات الله: أيُّ تحوّلٍ ينتظر إيران؟


كرار جمعة الامارة

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 20:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: كريم سجادبور
ترجمة : كرار جمعة الامارة
يشغل كريم سجادبور منصب زميلٍ أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace).
للمرة الأولى منذ ما يقرب من أربعة عقود، تقف إيران على أعتاب تغييرٍ في القيادة—وربما حتى في طبيعة النظام نفسه. فمع اقتراب عهد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي من نهايته، كشفت حربٌ استمرت اثني عشر يومًا في شهر حزيران/يونيو عن هشاشة النظام الذي بناه. إذ شنّت إسرائيل ضرباتٍ عنيفة على المدن الإيرانية والمنشآت العسكرية، ممهدةً الطريق للولايات المتحدة لإسقاط أربع عشرة قنبلة خارقة للتحصينات على مواقع إيران النووية. وقد عرّت الحربُ الهوّةَ الهائلة بين الخطاب الأيديولوجي الصاخب لطهران والقدرات المحدودة لنظامٍ فقد قدرًا كبيرًا من نفوذه الإقليمي، ولم يعد يسيطر على مجاله الجوي، كما تراجع مستوى إحكامه السيطرة على شوارعه. وعند انتهاء الحرب، خرج خامنئي، البالغ من العمر ستةً وثمانين عامًا، من مخبئه ليعلن النصر بصوتٍ مبحوح—في مشهدٍ كان مقصودًا به إظهار القوة، لكنه كشف بدلًا من ذلك عن وهن النظام.
في خريف آياتِ الله، يتمثّل السؤال المركزي في ما إذا كان النظامُ الثيوقراطي الذي يحكمه منذ عام 1989 سيصمد، أم سيتحوّل، أم سينهار—وأيُّ نظامٍ سياسي قد ينشأ في أعقابه. لقد حوّلت ثورةُ عام 1979 إيران من ملكيةٍ متحالفة مع الغرب إلى ثيوقراطيةٍ إسلامية، فقلبتها بين ليلةٍ وضحاها تقريبًا من حليفٍ للولايات المتحدة إلى عدوٍّ مُعلَن. ونظرًا إلى أن إيران اليوم ما تزال دولةً محورية—قوةً عظمى في مجال الطاقة تؤثّر سياساتها الداخلية في بنية الأمن والنظام السياسي في الشرق الأوسط، وتمتدّ تداعياتها إلى النظام العالمي—فإن مسألة من سيخلف خامنئي تكتسب أهميةً بالغة.
على مدى العامين الماضيين—منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على إسرائيل، وهو الهجوم الذي أيّده خامنئي علنًا على نحوٍ منفرد بين كبار قادة العالم—تحوّل إرثُ حياته السياسية إلى رماد بفعل إسرائيل والولايات المتحدة. فقد قُتل أو اغتيل أقربُ رعاته العسكريين والسياسيين. وتعرّضت شبكاتُه الإقليمية الحليفة لشللٍ شديد. أمّا مشروعه النووي الواسع، الذي أُنشئ بكلفةٍ باهظة على الاقتصاد الإيراني، فقد دُفن تحت الأنقاض.
سعت الجمهورية الإسلامية إلى تحويل إذلالها العسكري إلى فرصةٍ لحشد البلاد حول الراية، غير أنّ مصاعب الحياة اليومية لا يمكن الإفلات منها. إذ يشكّل سكانُ إيران البالغ عددهم 92 مليون نسمة أكبرَ شعبٍ في العالم ظلّ معزولًا عن النظامين المالي والسياسي العالميين لعقود. ويُعدّ اقتصادُ إيران من بين الأكثر تعرّضًا للعقوبات في العالم. وعملتها من بين الأكثر تدهورًا في قيمتها. وجواز سفرها من بين الأقل قبولًا على مستوى العالم. وشبكةُ الإنترنت فيها من بين الأكثر خضوعًا للرقابة. وهواؤها من بين الأكثر تلوّثًا عالميًا.

إنّ الشعارات الدائمة للنظام—«الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، دون أن يرفع يومًا شعار «عاشت إيران»—تُبيّن بوضوح أنّ أولويته هي التحدّي لا التنمية. وقد أصبحت انقطاعات الكهرباء وتقنين المياه من ثوابت الحياة اليومية. أمّا أحد الرموز المركزية للثورة، وهو الحجاب الإلزامي الذي وصفه روح الله الخميني، أول مرشدٍ أعلى للجمهورية الإسلامية، بأنّه «راية الثورة»، فقد غدا اليوم مهلهلًا، مع تزايد أعداد النساء اللواتي يتحدّين علنًا شرط تغطية الشعر. ولم يعد الآباءُ المزعومون للنظام قادرين على ضبط نساء البلاد بأكثر مما هم قادرون على إحكام السيطرة على مجالها الجوي.
لفهم كيف وصلت إيران إلى هذه المرحلة، لا بدّ من فحص المبادئ الموجِّهة لسنوات حكم خامنئي الستّ والثلاثين. فقد استند عهده إلى ركيزتين أساسيتين: التزامٍ راسخ بالمبادئ الثورية في الداخل والخارج، ورفضٍ قاطع للإصلاح السياسي. وقد اعتقد خامنئي طويلًا أنّ تمييع مُثُل الجمهورية الإسلامية وقيودها الصارمة سيُفضي بها إلى المصير ذاته الذي قاد إليه نهجُ الغلاسنوست الذي تبنّاه الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف لبلاده، إذ عجّل بانهيارها بدل أن يطيل عمرها. كما لم يتزعزع خامنئي في معارضته لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.

لقد جعل سنُّ خامنئي، وجموده السياسي، واقترابُ رحيله، إيرانَ معلّقةً بين تآكلٍ ممتدّ واضطرابٍ مفاجئ. ومع غيابه، تبرز عدةُ سيناريوهات محتملة للمستقبل. فقد تنهار الأيديولوجيا الشمولية للجمهورية الإسلامية لتتحول إلى براغماتيةٍ سلطوية على نمط النزعة القوية التي ميّزت روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي. وقد تعيد إيرانُ معايرة مسارها—على غرار ما فعلته الصين بعد وفاة ماو تسي تونغ—من خلال استبدال الأيديولوجيا الصارمة بمفهومٍ براغماتي للمصلحة الوطنية. كما قد تمضي نحو تعميق القمع والعزلة، كما فعلت كوريا الشمالية لعقود. وقد يفسح الحكمُ الديني المجالَ لهيمنةٍ عسكرية، على نحوٍ شبيه بما حدث في باكستان. ورغم أنّه احتمالٌ يتضاءل باطراد، فإن إيران قد تميل أيضًا نحو نظامٍ تمثيلي—وهو مسار صراعٍ يعود بجذوره إلى الثورة الدستورية عام 1906.
ومهما يكن المسار الذي ستسلكه إيران، فسيكون فريدًا في خصوصيته، غير أنّ تداعياته لن تقتصر على حياة الإيرانيين وحدهم، بل ستمتدّ لتؤثّر في استقرار الشرق الأوسط والنظام العالمي الأوسع.

النزعة الارتيابية
كثيرًا ما يرى الإيرانيون أنفسهم ورثةَ إمبراطوريةٍ عريقة، غير أنّ تاريخهم الحديث تخلّلته غزواتٌ متكرّرة وإهاناتٌ وخيانات. ففي القرن التاسع عشر، فقدت إيران ما يقرب من نصف أراضيها لصالح جيرانٍ مفترسين، إذ تخلّت عن القوقاز (بما يشمل أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وداغستان المعاصرة) لصالح روسيا، وتنازلت عن هراة لأفغانستان تحت ضغطٍ بريطاني. وبحلول أوائل القرن العشرين، كانت روسيا والمملكة المتحدة قد قسمتا البلاد إلى مناطق نفوذ. وفي عام 1946، احتلّت القوات السوفييتية أذربيجان الإيرانية وحاولت ضمّها، 9وفي عام 1953 دبّرت المملكة المتحدة والولايات المتحدة انقلابًا أسهم في الإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق.
لقد أفرز هذا الإرث أجيالًا من الحكّام الإيرانيين الذين يرون المؤامرات في كلّ مكان، ويشتبهون حتى في أقرب معاونيهم بوصفهم عملاء لقوى أجنبية. فقد أُجبر رضا شاه، مؤسّس السلالة البهلوية—وهو زعيمٌ ما يزال كثيرٌ من الإيرانيين يجلّونه حتى اليوم—على التنازل عن العرش على يد قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب ما نُسب إليه من تعاطفٍ مع ألمانيا النازية. وكان، بحسب تعبير مستشاره عبد الحسين تيمورتاش، يشكّ في «الجميع وفي كلّ شيء»، حتى إنه «لم يكن في البلاد بأسرها شخصٌ يثق به جلالة الملك حقًّا».
وسار ابنه محمد رضا شاه على النهج ذاته؛ إذ خلص، بعد أن أطاحت به ثورة عام 1979، إلى أنّ «الوعود الأمريكية الزائفة كلّفته عرشه». أمّا روح الله الخميني، فبعد وصوله إلى السلطة، أعدم آلاف المعارضين بتهمة العمل عملاء لقوى أجنبية؛ بينما يحرص خلفه، خامنئي، على أن يضمّن تقريبًا كلّ خطابٍ له إشاراتٍ إلى مؤامراتٍ أمريكية وصهيونية.

ولا يقتصر هذا الارتياب العميق على النخب الحاكمة؛ بل يسري في نسيج الجسد السياسي برمّته. وتقدّم رواية «عمّي نابليون» للكاتب إيرج پزشكزاد—وهي روايةٌ إيرانية محبوبة تحوّلت لاحقًا إلى مسلسلٍ تلفزيوني أيقوني عام 1976—سخريةً لاذعة من ربّ أسرةٍ مهووسٍ بالمؤامرات يرى التدخّلات الأجنبية في كلّ مكان، ولا سيما البريطانية منها. ولا تزال الرواية تمثّل مرجعًا ثقافيًا راسخًا يستحضر الذهنية التآمرية التي ما زالت تُشكّل السياسة والمجتمع في إيران. وقد أظهر مسح القيم العالمية لعام 2020 أنّ أقلّ من 15 في المئة من الإيرانيين يعتقدون أنّ «معظم الناس يمكن الوثوق بهم»—وهي من أدنى النِّسَب عالميًا.
تقف إيران على أعتاب تغييرٍ في القيادة—وربما حتى في طبيعة النظام نفسه.
وفي إطار «المنحى الارتيابي» في السياسة الإيرانية، يُصوَّر الخارجون بوصفهم مفترسين، والداخليون خونة، فيما تنحني المؤسّسات أمام الحكم الشخصي. وعلى مدى القرن الماضي، لم يحكم البلاد سوى أربعة رجال، حيث حلّت عبادةُ الفرد محلّ المؤسّسات الراسخة، وتعاقبت السياسة بين ومضاتٍ قصيرة من النشوة وسنواتٍ طويلة من خيبة الأمل. وقد عمّقت الجمهورية الإسلامية هذا النمط من خلال تقسيم المواطنين رسميًا إلى «داخليين» و«خارجيين». وفي مناخٍ من انعدام الثقة كهذا، يسود الانتقاء السلبي: تُكافَأ الرداءة، ويُرقّى المغمورون، وتُفضَّل الولاءات على الكفاءة. وكان صعود خامنئي إلى السلطة عام 1989 مثالًا نموذجيًا على هذه الدينامية، ومن المرجّح أن تُوجِّه المعايير ذاتها خطّته المفضّلة للخلافة.
إنّ ثقافة الارتياب المتجذّرة هذه—التي شكّلها التاريخ، ورسّخها الحكّام، واستبطنها المجتمع—لا تُسهم فحسب في إدامة الحكم السلطوي، بل تعيق أيضًا التنظيم الجماعي الضروري لقيام نظامٍ تمثيلي. وستظلّ تلقي بظلٍّ طويل على مستقبل إيران.
نادرًا ما تسير تحوّلات الأنظمة السلطوية وفق نصٍّ مُعدّ سلفًا، ولن تكون الحالة الإيرانية استثناءً من ذلك. إن وفاة خامنئي أو عجزه الصحي ستكون المحفّز الأكثر وضوحًا للتغيير. كما يمكن لصدماتٍ خارجية—كهبوط أسعار النفط، أو تشديد العقوبات، أو تجدّد الضربات العسكرية من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة—أن تزيد من زعزعة استقرار النظام. غير أنّ التاريخ يُظهر أنّ شراراتٍ داخلية غير متوقَّعة—ككارثةٍ طبيعية، أو إحراق بائع فاكهة لنفسه، أو مقتل شابة بدعوى إظهارها قدرًا مفرطًا من شعرها—قد تكون ذات أثرٍ لا يقلّ جسامة.
على مدى ما يقرب من خمسة عقود، حُكمت إيران بالأيديولوجيا؛ غير أنّ مستقبلها سيتوقف على اللوجستيات—وقبل كل شيء على من يستطيع إدارة دولةٍ تكاد تبلغ مساحتها خمسة أضعاف ألمانيا على نحوٍ أكثر فاعلية، دولةٍ تتمتع بموارد هائلة لكنها مثقلة بتحدّيات جسيمة. ومن قلب هذا الاضطراب، قد يتخذ النظام الذي سيلي مرحلة ما بعد خامنئي عدة أشكال: حكم رجلٍ قوي ذي نزعة قومية، أو استمرار الهيمنة الدينية، أو سيطرة عسكرية، أو إحياء شعبوي، أو مزيج فريد من هذه الأنماط. وتعكس هذه الاحتمالات طبيعة الانقسامات الفئوية في البلاد. فالمؤسسة الدينية حريصة على صون أيديولوجيا الجمهورية الإسلامية. ويسعى الحرس الثوري الإسلامي إلى ترسيخ نفوذه. ويطالب المواطنون المُهمَّشون، بمن فيهم الأقليات العرقية، بالكرامة والفرص. أمّا المعارضة فمجزّأةٌ أكثر من أن تتوحّد، لكنها مثابرةٌ أكثر من أن تختفي ببساطة. وليس أيٌّ من هذه الفصائل كتلةً صمّاء، غير أنّ طموحاتها وأفعالها هي التي ستحدّد مسار الصراع حول طبيعة الدولة التي ستغدو عليها إيران.

إيران بوصفها روسيا
تُشبه الجمهورية الإسلامية اليوم الاتحاد السوفييتي في مراحله المتأخرة: فهي تُبقي أيديولوجيتها المُنهكة حيّة عبر الإكراه، وتخشى قيادتها المتصلّبة الإصلاح، فيما انصرف مجتمعها إلى حدٍّ كبير عن الدولة. وكلٌّ من إيران وروسيا بلدٌ غنيّ بالموارد، ذو تاريخٍ عريق، وثقافةٍ أدبية شهيرة، وقرونٍ متراكمة من المظالم. وقد تحوّل كلٌّ منهما بفعل ثورةٍ أيديولوجية—روسيا عام 1917، وإيران عام 1979—سعت إلى قطيعةٍ مع التاريخ وبناء نظامٍ جديدٍ جذريًا. وحاول كلاهما الثأر للماضي وفرض رؤيةٍ جديدة في الداخل والخارج، متسبّبَين في دمارٍ لم يقتصر على شعبيهما بل طال أيضًا الدول المجاورة. وعلى الرغم من أيديولوجيتيهما المتنازعتين—إحداهما إلحادية قتالية، والأخرى ثيوقراطية—فإن أوجه التشابه لافتة. وكما كان الحال مع الاتحاد السوفييتي، لا تستطيع الجمهورية الإسلامية بلوغ تسويةٍ أيديولوجية مع الولايات المتحدة، كما أنّ ارتيابها يُصبح نبوءةً تحقّق ذاتها، ويحمل النظام في داخله بذور تآكله الذاتي..
تسارَع انهيار الاتحاد السوفييتي بفعل إصلاحات ميخائيل غورباتشوف، التي خفّفت قبضة المركز وأطلقت قوى عجز النظام عن احتوائها. وفي تسعينيات القرن الماضي، غذّت الفوضى، ونهبُ الأوليغارشية، والتفاوتُ الصارخ في الثروة، مشاعرَ السخط وخيبة الأمل. ومن رحم ذلك الاضطراب برز فلاديمير بوتين، الضابط السابق في جهاز «كي جي بي»—وكالة الأمن السوفييتية—واعدًا بالاستقرار واستعادة الكبرياء، مستبدلًا الأيديولوجيا الشيوعية بقوميةٍ يغذّيها الشعور بالمرارة. ومنذ تولّيه الرئاسة، قدّم نفسه بوصفه مُعيد روسيا إلى كرامتها ومكانتها المستحقّة في العالم.
قد يكون مسارٌ مشابه ممكنًا في إيران. فالنظام مفلس أيديولوجيًا وماليًا، ومحصَّن ضدّ الإصلاح الحقيقي، ومعرّض للانهيار تحت وطأة الضغوط الخارجية والسخط الداخلي. وقد يفضي مثل هذا الانهيار إلى فراغٍ تسارع النخبُ الأمنية والأوليغارشية إلى ملئه. وقد يبرز رجلٌ قوي إيراني—من خريجي الحرس الثوري أو الأجهزة الاستخبارية—يتخلّى عن الأيديولوجيا الشيعية لصالح قوميةٍ إيرانية قائمة على سردية المظلومية بوصفها العقيدة المنظمة لنظامٍ سلطوي جديد. وقد تضمر بعض الشخصيات البارزة مثل هذه الطموحات، من بينهم محمد باقر قاليباف، الرئيس الحالي للبرلمان الإيراني والمسؤول السابق الرفيع في الحرس الثوري. غير أنّ ارتباطهم الطويل بالنظام القائم يجعل من هذه الوجوه المألوفة مرشّحين غير مرجّحين لحمل راية مرحلةٍ جديدة. والأرجح أن يكون المستقبل لشخصٍ أقلّ حضورًا اليوم، أدنى مرتبة بما يكفي ليتفادى اللوم الشعبي عن الكارثة الراهنة، وأكثر خبرة بما يكفي للصعود من بين الأنقاض.
ومع ذلك، فإن أوجه الشبه ليست تامّة. فبحلول انهيار الاتحاد السوفييتي كان قد دخل بالفعل جيله الثالث من القادة، في حين أنّ إيران لا تدخل الآن سوى جيلها الثاني. كما أنّ إيران لم تعرف نظيرًا لغورباتشوف؛ إذ عمل خامنئي على عرقلة الإصلاح تحديدًا لأنه يرى فيه عاملًا قد يُعجِّل بزوال الجمهورية.
ومع ذلك، تظلّ الحقيقة الأوسع قائمة: فعندما تنهار أيديولوجيا شمولية، فإنها كثيرًا ما تخلّف وراءها لا تجديدًا مدنيًا بل نزعةً تشاؤمية وعدمية. فقد تميّزت روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي بدرجةٍ أقل من الازدهار الديمقراطي، وبدرجةٍ أكبر بالسعي إلى الثروة بأيّ ثمن. وقد تُظهر إيران ما بعد الحكم الثيوقراطي أنماطًا مشابهة: الاستهلاكية والبذخ الاستعراضي بوصفهما بديلين عن الإيمان المفقود والغاية الجماعية.
قد يستعير «بوتين إيراني» بعض تكتيكات الجمهورية الإسلامية، ساعيًا إلى تحقيق الاستقرار في الداخل عبر إشاعة الاضطراب في محيط إيران، وتهديد تدفّقات الطاقة العالمية، وتغليف العدوان بأيديولوجيا جديدة، ومراكمة الثروة مع نخبٍ أخرى، مع التعهّد في الوقت نفسه بإعادة كرامة إيران. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وجيران إيران، يلوح درسُ روسيا كبيرًا: فموت الأيديولوجيا لا يضمن قيام الديمقراطية. إذ يمكنه بالسهولة نفسها أن يفضي إلى بروز رجلٍ قوي جديد، لا يقلّ تحرّرًا من القيود الأخلاقية، مسلّحًا بمظالم متجدّدة، ومدفوعًا بطموحاتٍ جديدة.

إيران بوصفها الصين
في حين أخفق الاتحاد السوفييتي في التكيّف حتى فوات الأوان، استطاعت الصين البقاء عبر تحوّلٍ براغماتي في العقود التي أعقبت وفاة ماو عام 1976، إذ أعطت الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب النقاء الثوري. وقد استهوت «النموذج الصيني» طويلًا بعض دوائر الداخل في الجمهورية الإسلامية ممّن يسعون إلى الحفاظ على النظام، لكنهم يدركون أنّ اقتصادًا متعثّرًا وسخطًا شعبيًا واسعًا يفرضان قدرًا من الإصلاح. وفي هذا السيناريو، سيظلّ النظام قمعيًا واستبداديًا، لكنه سيخفّف من حدّة مبادئه الثورية ومحافظته الاجتماعية لصالح تقاربٍ مع الولايات المتحدة، واندماجٍ أوسع في العالم، وانتقالٍ تدريجي من الحكم الثيوقراطي إلى حكمٍ تكنوقراطي. وسيحتفظ الحرس الثوري بسلطته ومكاسبه، غير أنّه—على غرار جيش التحرير الشعبي الصيني—قد يتحوّل من النزعة الثورية القتالية إلى نمطٍ من النقابية القومية المؤسسية، أي إلى مؤسسةٍ قومية-اقتصادية راسخة تتحالف مع الدولة وتدير مصالحها ضمن نظامٍ سلطوي مستقر.
تواجه إيران عقبتين في سعيها إلى تبنّي هذا النموذج: إرساؤه والحفاظ عليه. ففي الصين، بدأ تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة في سبعينيات القرن العشرين على يد ماو، مؤسّس الثورة الشيوعية وأول قائد للنظام الجديد. غير أنّ خلفه الفعلي لاحقًا، دنغ شياو بينغ، هو الذي استثمر ذلك الانفتاح لإعادة توجيه البلاد من الأرثوذكسية الأيديولوجية إلى البراغماتية وإطلاق إصلاحاتٍ تحوّلية. وقد أفرزت إيران شخصياتٍ طامحة إلى أداء دورٍ شبيه بدنغ—من بينهم الرئيس السابق حسن روحاني، وحسن الخميني، حفيد مؤسّس الثورة—لكن أياً منهم لم يتمكّن من تجاوز خامنئي والمتشدّدين المتقاربين معه في الرأي، الذين اعتقدوا طويلًا أنّ أيّ تسوية تمسّ الأيديولوجيا الثورية، ولا سيما التقارب مع الولايات المتحدة، من شأنها أن تزعزع استقرار النظام بدل أن تعزّزه.
في الصين، سَهُل التقارب مع واشنطن بفضل وجود خصمٍ مشترك تمثّل في الاتحاد السوفييتي. أمّا في الحالة الإيرانية، فعلى الرغم من أنّ إيران والولايات المتحدة واجهتا أحيانًا أعداءً مشتركين—من بينهم الدكتاتور العراقي صدام حسين، وجماعات مسلّحة مثل القاعدة وطالبان وتنظيم الدولة الإسلامية—فإنّ العداء للولايات المتحدة وإسرائيل ظلّ بالنسبة إلى خامنئي أولويةً قصوى. وسيستلزم السعي إلى تبنّي «النموذج الصيني» إمّا أن يتخلّى خامنئي، في أواخر حياته، عن معارضته الراسخة لواشنطن، وهو أمرٌ مستبعدٌ إلى حدٍّ كبير، أو أن تُدار عملية الخلافة على نحوٍ يفضي إلى صعود قائدٍ أقلّ حدّة في مواقفه.
ومع ذلك، قد تجد إيران صعوبة في سلوك المسار الصيني. فقد مكّن حجمُ قوة العمل الهائل في الصين الدولةَ من انتشال مئات الملايين من الفقر، ما منحها شرعيةً متجدّدة وثقةً شعبية واسعة. أمّا إيران، فعلى النقيض، تمتلك اقتصادًا ريعيًا أقرب في طبيعته إلى النموذج الروسي. وإذا تخلّى النظام عن أيديولوجيته من دون أن يحقّق تحسيناتٍ مادية ملموسة، فإنه يُخاطر بخسارة قاعدته القائمة من دون أن ينجح في استقطاب مؤيدين جدد.
إنّ إيران أقلّ أيديولوجية، تُطبّع علاقاتها مع الولايات المتحدة وتتخلّى عن معارضتها لوجود إسرائيل، ستمثّل تحسّنًا ملحوظًا قياسًا إلى الوضع القائم. غير أنّ تجربة الصين تُظهر أنّ النموّ الاقتصادي والاندماج الدولي قد يُغذّيان أيضًا طموحاتٍ إقليمية وعالمية أوسع—مستبدِلَين تحدّياتِ اليوم بأخرى جديدة. كما أنّه ليس من الواضح البتّة ما إذا كانت إيران قادرةً على الحفاظ على استقرارها الداخلي خلال انتقالٍ مضطربٍ من هذا النوع.

إيران بوصفها كوريا الشمالية
إذا واصلت الجمهورية الإسلامية تقديم الأيديولوجيا على المصالح الوطنية، فقد يشبه مستقبلها حاضر كوريا الشمالية: نظامٌ يستمرّ لا عبر الشرعية الشعبية، بل من خلال القسوة والعزلة. لقد فضّل خامنئي طويلًا إدامة الحكم عبر مرشدٍ أعلى، رجلِ دينٍ متقشّف ملتزمٍ بالمبادئ الثورية المتمثّلة في مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل، وصون الأرثوذكسية الإسلامية في الداخل. غير أنّ ما يقرب من خمسة عقودٍ بعد عام 1979، لا يرغب كثيرٌ من الإيرانيين في العيش تحت نظامٍ يحرمهم من الكرامة الاقتصادية ومن الحريات السياسية والاجتماعية. وسيستلزم استمرارُ مثل هذا النظام إحكامًا شموليًا للسيطرة—وربما امتلاك سلاحٍ نووي لردع الضغوط الخارجية.
في هذا السيناريو، ستبقى السلطة في يد نخبةٍ ضيّقة أو حتى في يد عائلةٍ واحدة. وعلى الرغم من أنّ خامنئي قد يسعى إلى هندسة عملية الخلافة بما يضمن صعود شخصيةٍ تظلّ وفيّة للمبادئ الثورية، فإنّ دائرة المرشحين القادرين على تولّي المنصب محدودة، إذ لا يمتلك معظم رجال الدين المتشدّدين—إن لم يكن جميعهم—قاعدةً من الدعم الشعبي أو شرعيةً واسعة. وكان إبراهيم رئيسي، الذي عُدّ في وقتٍ ما أبرزَ المرشحين المحتملين، قد لقي حتفه في حادث تحطّم مروحية في أيار/مايو 2024 أثناء تولّيه رئاسة إيران. وهذا يترك مجتبى، نجل خامنئي البالغ من العمر 56 عامًا، بوصفه أبرز المنافسين المحتملين. غير أنّ الخلافة الوراثية ستشكّل انتهاكًا مباشرًا لأحد المبادئ التأسيسية للثورة، إذ أصرّ الخميني على أنّ الملكية «غير إسلامية».
لم يتولَّ مجتبى أيَّ منصبٍ منتخب، ولا يكاد يملك حضورًا علنيًا يُذكر، ويُعرَف أساسًا بعلاقاته التي تُدار من وراء الكواليس مع الحرس الثوري. وتستحضر صورته الاستمرارية مع جيل والده أكثر مما توحي بدينامية حقبةٍ جديدة. أمّا المحاولات الهزلية التي قام بها بعض مؤيّديه لتشبيهه بوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان—بما في ذلك حملاتٌ على وسائل التواصل الاجتماعي استخدمت وسم #MojtabaBinSalman بالفارسية—فتشير إلى أنّ حتى القاعدة الثورية لخامنئي تُدرك أنّ الرؤية المتطلّعة إلى المستقبل أكثر جاذبية من تلك التي تستحضر الماضي.
يسري الارتياب العميق في شرايين الجسد السياسي برمّته.
ولا تبعث الشخصيات المتشدّدة الأخرى على قدرٍ أكبر من الثقة. فالقاضي المتجهّم، رئيس السلطة القضائية البالغ من العمر 69 عامًا، غلام حسين محسني إيجئي، ليس في نظر كثيرين سوى «قاضٍ للإعدامات»، ارتبط اسمه بعشرات أحكام التنفيذ؛ وربما كان أكثر أفعاله العلنية إثارةً للذكر حادثة عضِّه صحفيًا انتقد الرقابة. وأيّ خلافةٍ تنطوي على شخصيةٍ من هذا الطراز لن تستند إلى قبولٍ شعبي، بل إلى ولاء الحرس الثوري. غير أنّه ليس من الواضح ما إذا كان الحرس سيواصل إبداء الطاعة لرجال الدين المتقدّمين في السنّ في مجلس خبراء القيادة—الهيئة المكلّفة بتعيين المرشد الأعلى المقبل—أم أنّه، عندما تحين اللحظة، سيعمد ببساطة إلى اختيار القائد الأعلى للجمهورية بنفسه.
كما أنّ نموذج كوريا الشمالية سيصطدم بمجتمعٍ يتطلّع إلى الانفتاح والازدهار على غرار كوريا الجنوبية. فقلّةٌ من الإيرانيين ستقبل بنظامٍ يقدّم الأيديولوجيا على الرفاه الاقتصادي والأمن الشخصي بدرجةٍ أشدّ من النظام القائم. إنّ الحكم الشمولي سيتطلّب اعتقالاتٍ جماعية في الداخل، ونزوحًا واسعًا للمهنيين إلى الخارج، وربما مظلّةً نووية لردع الضغوط الأجنبية. غير أنّ إيران، بخلاف كوريا الشمالية، لا تستطيع أن تُحكم إغلاق نفسها إغلاقًا محكمًا: إذ تهيمن إسرائيل على مجالها الجوي، وقد أظهرت مرارًا قدرتها على ضرب مواقع نووية وقواعد صاروخية وقادةٍ رفيعي المستوى.
إذا كان المرشد الأعلى المقبل من المتشدّدين أيضًا، فسيكون على الأرجح شخصيةً انتقالية—تُبقي النظام قائمًا لبعض الوقت من دون أن تنجح في تأسيس نظامٍ جديدٍ مستقر. وكان أحمد كسروي، المفكّر الإيراني العلماني الذي اغتاله إسلاميون عام 1946، قد كتب يومًا أنّ إيران «مدينة» لرجال الدين بفرصةٍ واحدة للحكم كي تنكشف إخفاقاتهم. وبعد ما يقرب من خمسة عقود من سوء الإدارة الثيوقراطية، يمكن القول إنّ هذا الدين قد سُدِّد. وإذا كان العصر المقبل لإيران سيؤول إلى رجلٍ قوي آخر، فمن غير المرجّح أن يرتدي عمامة.

إيران بوصفها باكستان
إذا كان مستقبل إيران مرهونًا بالحرس الثوري الإسلامي، فقد تقدّم باكستان أقربَ سابقةٍ للمقارنة. فمنذ الثورة، تحوّلت الجمهورية الإسلامية تدريجيًا من دولةٍ يحكمها رجال الدين إلى دولةٍ أمنية يهيمن عليها الحرس. وقد وُلد الحرس الثوري عام 1979 بوصفه «حارسًا للثورة»—للتصدّي للانقلابات الأجنبية، والاعتراض الداخلي، واحتمال عدم ولاء جيش الشاه—ثم توسّع على نحوٍ كبير خلال الحرب العراقية-الإيرانية. وبعد ذلك، انخرط في مجالات الأعمال والموانئ والإنشاءات والتهريب والإعلام، ليتحوّل إلى كيانٍ هجين: جزءٌ منه قوةٌ عسكرية، وجزءٌ آخر تكتّلٌ اقتصادي، وجزءٌ ثالث آلةٌ سياسية. واليوم يشرف الحرس الثوري على البرنامج النووي الإيراني، ويقود ميليشياتٍ حليفة في أنحاء المنطقة، ويهيمن على قطاعاتٍ واسعة من الاقتصاد. وقد أفضى هذا الامتداد الواسع إلى وضعٍ تنطبق عليه بصورةٍ متزايدة المقولة الشائعة عن باكستان: «ليست دولةً لها جيش، بل جيشٌ له دولة».
إنّ هواجس خامنئي وانعدام شعوره بالأمان يربطان حكمه بالحرس الثوري. فقد أتاحت الغزوات الأميركية لأفغانستان والعراق للحرس الثوري مبرّرًا لتوسيع موازنته، وتمويل وتسليح حلفائه ووكلائه في الخارج، في حين أغنت العقوباتُ المنظمةَ عبر تحويل الموانئ الإيرانية إلى قنواتٍ للتهريب غير المشروع. غير أنّ الحرس الثوري ليس كتلةً متماسكة؛ بل هو أقرب إلى كوكبةٍ من الكارتلات المتنافسة، احتُوِيت تنافساتها—الجيلية والمؤسسية والتجارية—في ظلّ سلطة خامنئي. ومن المرجّح أن يؤدّي رحيله إلى خروج هذه الخصومات إلى العلن.
أحدُ السيناريوهات التي قد ينتقل فيها الحرس الثوري من موقع الهيمنة إلى الحكم المباشر يتمثّل في ترك الاضطرابات تتفاقم قبل أن يتدخّل بوصفه «منقذ الأمة». وسيحاكي ذلك نموذج الجيش الباكستاني، الذي طالما برّر هيمنته بتقديم نفسه حارسًا للوحدة الوطنية في مواجهة كلٍّ من الهند ومخاطر التفكّك الداخلي. وبالنسبة إلى الحرس الثوري، فإنّ تبنّي مثل هذه الاستراتيجية سيتطلّب ليس فقط تهميش المؤسسة الدينية، بل أيضًا نقل المبدأ المنظِّم للدولة من الأيديولوجيا الشيعية الثورية إلى قوميةٍ إيرانية. فبينما يستدعي رجالُ الدين سلطةَ الإله، سيستدعي الحرسُ سلطةَ الوطن.
غير أنّ الهيمنة الراهنة للحرس الثوري لا ينبغي أن تُفهم على أنّها تعبيرٌ عن شعبية. فقيادته العليا يُعيّنها خامنئي شخصيًا، وتُجرى عليها تنقلاتٌ متكرّرة للحيلولة دون تراكم نفوذٍ مفرط لدى أفرادٍ بعينهم، وهي مرتبطةٌ على نطاقٍ واسع بالقمع والفساد وسوء الإدارة. وكما قال سيامك نمازي، الأميركي الذي احتجزته المنظمة رهينةً لثماني سنوات: «إنّ إيران اليوم عبارة عن مجموعةٍ من المافيات المتنافسة—يهيمن عليها الحرس الثوري وخريجوه—ولا يتمثّل ولاؤها الأعلى في الوطن أو الدين أو الأيديولوجيا، بل في الإثراء الشخصي».
أبرزت عملياتُ الاغتيال التي نفّذتها إسرائيل بحقّ ما يقرب من عشرين من كبار قادة الحرس الثوري في مخابئهم وغرف نومهم على حدّ سواء مدى قابلية هذه المؤسسة للاختراق، كما كشفت نقاط ضعف كيانٍ يقدّم الولاء الأيديولوجي على الكفاءة. ولكي يستمرّ نظامٌ يقوده الحرس الثوري، فمن شبه المؤكّد أنّه سيتطلّب جيلًا جديدًا من القادة، أقلّ دوغمائيةً من أولئك الذين نشأوا في ظلّ خامنئي، وأكثر قدرةً على استمالة الجمهور عبر خطابٍ قوميّ بدلًا من الأيديولوجيا الدينية.
إذا ما برز الحرس الثوري بوصفه الحاكم الفعلي لإيران، فإنّ الكثير سيتوقّف على طبيعة القائد الذي سيتقدّم إلى الواجهة. فقد يصوّر قائدٌ مدفوعٌ بسردية المظلومية نفسه بوصفه «بوتين إيرانيًا»، مستبدلًا القومية بالإسلاموية مع الاستمرار في نهج المواجهة مع الغرب. وقد يشبه ضابطٌ أكثر براغماتيةً «عبد الفتاح السيسي إيرانيًا»، محافظًا على الحكم السلطوي مع السعي إلى إقامة تحالفٍ مع الغرب، على غرار ما فعله الرئيس المصري. وستكون المسألة النووية في صلب المعادلة. ففي كتاباتهم، غالبًا ما يقارن منظّرو الحرس الثوري بين مصير صدام حسين والدكتاتور الليبي معمر القذافي—اللذين افتقرا إلى أسلحةٍ نووية فسقطا—ومصير نظام كوريا الشمالية، الذي امتلك سلاحًا نوويًا فبقي. وستواجه إيران بقيادة الحرس الثوري المعضلة نفسها: السعي إلى امتلاك القنبلة لضمان البقاء، أم التخلّي عنها مقابل مكاسب الاعتراف الدولي.
ومثل باكستان، ستُعرَّف إيرانٌ من هذا الطراز أقلّ برجال الدين وأكثر بالجنرالات—قوميين حريصين على تأجيج حماسة شعبهم، ومتأرجحين باستمرار بين المواجهة والتكيّف مع الغرب.

إيران بوصفها تركيا
من حيث المساحة والسكان والثقافة والتاريخ، قلّما تجد إيران أقرب شبهًا من تركيا—وهي بدورها دولةٌ مسلمة غير عربية، شديدة الاعتداد بذاتها، مثقلة بإرثٍ طويل من الارتياب تجاه القوى الكبرى. وتقدّم التجربة التركية في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان إحدى المقارنات المحتملة: انتخاباتٌ تأتي بقائدٍ ذي شعبية إلى السلطة، وإصلاحاتٌ أولية تلقى صدى لدى المواطنين العاديين، ثم انزلاقٌ تدريجي نحو سلطويةٍ أغلبيّة تتخفّى في لغة الديمقراطية.

غير أنّ سلوك إيران لمسارٍ من هذا النوع سيتطلّب تغييراتٍ مؤسسية جذرية. إذ ينبغي تفكيك طبقات السلطة المعقّدة في الجمهورية الإسلامية—بما في ذلك منصب المرشد الأعلى، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة—وإدماج الحرس الثوري في جيشٍ مهني، وتمكين المؤسّسات المنتخبة التي أُفرغت إلى حدٍّ كبير من مضمونها. ومن دون هذه الشروط المسبقة، لن يكون بمقدور سياسةٍ تنافسيةٍ خاضعةٍ للمساءلة أن تتجذّر فعليًا.

ومع ذلك، فإنّ إيران لن تبدأ من نقطة الصفر. فكما أشار عالم الاجتماع كيان تاجبخش، فإنّ إنشاء النظام لآلاف المجالس المحلية والهيئات البلدية أفضى إلى نشوء «مؤسساتٍ مزدوجة الاستخدام: أُنشئت لخدمة نظامٍ سلطوي، لكنها متاحة بنيويًا لدعم انتقالٍ ديمقراطي—إذا أُتيحت لها الفرصة». وبعبارةٍ أخرى، مارس الإيرانيون طويلًا أشكال الحكم التمثيلي من دون أن ينالوا مضمونه الفعلي.
قد يبرز قائدٌ شعبوي من خلال أيّ انتخاباتٍ تُجرى بدرجةٍ معقولة من النزاهة. ففي بلدٍ يجمع بين موارد كبيرة وتفاوتٍ عميق في الثروة، ظلّت الشعبوية قوةً متكرّرة في السياسة الإيرانية الحديثة. ففي عام 1979، هاجم الخميني الشاه وداعميه الأجانب، واعدًا بخدماتٍ عامة مجانية، ومساكن للجميع، وثروةٍ نفطية تتدفّق إلى الشعب بدلًا من نخبةٍ فاسدة. وبعد جيلٍ من الزمن، صعد محمود أحمدي نجاد، عمدة طهران المغمور آنذاك، إلى الرئاسة عام 2005 متعهّدًا بوضع «أموال النفط على موائد عشاء الناس». وسواء عبر انتخاباتٍ مفتوحة أو تنافسية، قد تشهد إيران ما بعد خامنئي مجددًا صعودَ شخصيةٍ شعبوية من خارج النخب، تمتلك رصيدًا قوميًا وقدرةً على تعبئة الغضب ضدّ النخب وضدّ الأعداء الخارجيين على حدٍّ سواء.
لن يقود مثل هذا المسار إيران إلى ديمقراطيةٍ ليبرالية، لكنه في الوقت نفسه لن يُبقي الحكم بيد المؤسسة الدينية. بل سيجمع بين شرعيةٍ شعبية وسلطةٍ مركزية، وبين إعادة توزيعٍ للثروة وفساد، وبين قوميةٍ ورمزيةٍ دينية. وبالنسبة إلى كثيرٍ من الإيرانيين، قد يكون هذا الخيار أفضل من استمرار الحكم الثيوقراطي أو الحكم العسكري. غير أنّ تجربة تركيا تُظهر أنّ الشعبوية قد تفتح الباب لا أمام التعددية، بل أمام شكلٍ جديد من السلطوية—شكلٍ يحظى بدعمٍ جماهيري ويستند إلى تفويضٍ من صناديق الاقتراع.
حياةٌ عاديّة
ينبّهنا التاريخ إلى التحلّي بالتواضع في التنبؤ. ففي كانون الأول/ديسمبر 1978، قبل شهرٍ واحد فقط من رحيل الشاه، كتب أحد أبرز الباحثين الأميركيين في شؤون إيران، جيمس بيل، في مجلة فورين أفيرز أنّ «البديل الأكثر ترجيحًا» للشاه سيكون «مجموعةً يسارية تقدّمية من ضبّاط الجيش متوسّطي الرتب». واقترح أيضًا سيناريوهات أخرى، منها «مجلسٌ عسكري يميني، أو نظام ديمقراطي ليبرالي قائم على النماذج الغربية، أو حكومة شيوعية». وكتب بيل أنّ «الولايات المتحدة لا ينبغي أن تخشى» أن تكون الحكومة المقبلة في إيران «معادية بالضرورة للمصالح الأميركية». والأكثر لفتًا أنّه، قبل أسابيع قليلة من استيلاء رجال الدين على السلطة، توقّع أنّهم «لن يشاركوا مطلقًا بصورة مباشرة في البنية الحكومية الرسمية».
كما أخطأ مثقفون إيرانيون في تقدير مسار الأحداث. فقبل أسابيع من أن يرسّخ الخميني حكمه الثيوقراطي ويبدأ الإعدامات الجماعية، أعلن أحد أبرز مفكري إيران، الفيلسوف داريوش شايغان: «الخميني هو غاندي إسلامي. إنه في محور حركتنا».
وكما أربكت أحداثُ عام 1979 المراقبين من الداخل والخارج على حدٍّ سواء، فإنّ سيناريوهاتٍ غير تقليدية تظلّ واردة اليوم أيضًا. ففي ظلّ ندرة البدائل، يتطلّع بعض الإيرانيين إلى رضا بهلوي، نجل الشاه المنفي، الذي ما تزال شهرته الواسعة تُغذّيها صناعةٌ رقمية صغيرة من الحنين إلى حقبة ما قبل الثورة. غير أنّ قضاءه ما يقرب من نصف قرنٍ في الخارج يعني أنّ عليه تجاوز غياب التنظيم والقوة الميدانية إذا أراد أن ينجح في المنافسات القاسية التي تميّز التحوّلات السلطوية. وثمّة احتمالٌ آخر—ربما هو الأكثر إثارةً لقلق كثيرٍ من الوطنيين الإيرانيين، بمن فيهم حتى معارضون أشدّاء للنظام—يتمثّل في تفكّكٍ على غرار يوغوسلافيا على أسسٍ إثنية. فقد ترى الأقليات في إيران في ضعف المركز فرصةً للتمرّد أو لإعادة البدء من جديد. غير أنّ إيران، بخلاف يوغوسلافيا، ترتكز إلى هويةٍ أقدم وأكثر تماسكًا: فأكثر من 80 في المئة من الإيرانيين إمّا فرسٌ أو أذريون، ويتحدّث الجميع تقريبًا الفارسية بوصفها لغةً مشتركة، وحتى الجماعات غير الفارسية تُعرّف نفسها في إطار دولةٍ تمتدّ جذورها التاريخية المتواصلة لأكثر من 2500 عام.
في المحصّلة، تبدو إيران مرةً أخرى بلدًا مفتوحًا على احتمالاتٍ متباينة، قد تتباعد مساراتها على نحوٍ حاد. ومن شأن الولايات المتحدة وبقية العالم أن يستفيدا من مرحلةٍ ما بعد الجمهورية الإسلامية تُوجَّه بالمصلحة الوطنية بدلًا من العقيدة الثورية. وكما لاحظ الدبلوماسي هنري كيسنجر يومًا: «قلّما توجد دولٌ في العالم لدى الولايات المتحدة أسبابٌ أقلّ لمخاصمتها أو مصالحُ أكثر توافقًا معها من إيران». غير أنّ تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق أبرزت حدود التأثير الخارجي: فحتى الاستثمارات الهائلة من الدماء والموارد لا تستطيع أن تملي النتائج السياسية. وتواجه روسيا قيودًا مماثلة؛ فقد تفضّل موسكو استمرارَ الجمهورية الإسلامية بما يوفّره ذلك من شوكةٍ دائمة في خاصرة واشنطن ومصدرٍ لعدم الاستقرار يرفع مخاطر الطاقة العالمية. لكنّ موسكو، رغم جهودها، لم تستطع منع انهيار نظام الأسد، حليفها في سوريا. وعلى النقيض، لدى الصين ما تكسبه من إيرانٍ تحقّق إمكاناتها بوصفها قوةً طاقوية كبرى أكثر بكثير مما تكسبه من إيرانٍ تصدّر عدم الاستقرار.


تمتلك إيران كلّ المقوّمات التي تؤهّلها لأن تكون دولةً من دول مجموعة العشرين.
ومع ذلك، وبقدر ما قد تميل القوى الخارجية بكفّة الميزان، فإنّ إيران اليوم كبيرةٌ ومرِنة بما يكفي لرسم مصيرها بنفسها. فهي تمتلك جميع مقوّمات دولةٍ من دول مجموعة العشرين: سكانًا متعلّمين على اتصالٍ بالعالم، وموارد طبيعية هائلة، وهويةً حضاريةً معتزّة بذاتها. غير أنّ المناخ الدولي بالنسبة إلى الديمقراطيين الإيرانيين لا يمكن أن يكون أقلّ ملاءمة. فالحكومات الغربية التي كانت يومًا تتبنّى دعم الديمقراطية سحبت مواردها، وأصبحت منشغلة بتراجعها الديمقراطي الداخلي. كما قلّصت الولايات المتحدة مؤسساتٍ—مثل «الصندوق الوطني للديمقراطية» و«صوت أمريكا»—كانت محورية في نجاحها خلال الحرب الباردة. وفي هذا الفراغ، يُرجَّح أن تسير إيران على المنحى العالمي الأوسع الذي يصعد فيه الرجال الأقوياء عبر التشديد على فضائل النظام والاستقرار بدلًا من وعود الحرية.
قد لا يكون رأي الأغلبية هو العامل الحاسم في تحديد مسار التحوّل في إيران، لكن بقدر ما يسعى الطامحون سياسيًا إلى استمالته، تبدو حقيقةٌ واحدة واضحة: إنّ الإيرانيين لا يتوقون إلى شعاراتٍ جوفاء، ولا إلى عبادة الفرد، ولا حتى إلى تصوّراتٍ مثالية سامية عن الديمقراطية. ما يرغبون فيه قبل كلّ شيء هو حكومةٌ مُحسَن إدارتها وخاضعة للمساءلة، قادرة على استعادة الكرامة الاقتصادية وتمكينهم من عيش زندگیِ عادی (زندگیِ نُرمال)—أي «حياةٍ عادية»—بعيدًا عن القبضة الخانقة لدولةٍ تراقب ما يرتدونه، وما يشاهدونه، وكيف يحبّون، ومن يعبدون، بل وحتى ما يأكلون ويشربون.
لقد مثّلت حقبةُ الجمهورية الإسلامية نصفَ قرنٍ ضائعًا في تاريخ إيران. ففي الوقت الذي تحوّل فيه جيرانها في الخليج العربي إلى مراكز عالمية للمال والنقل والتكنولوجيا، أهدرت إيران ثرواتها في مغامراتٍ إقليمية فاشلة وبرنامجٍ نووي لم يجلب لها سوى العزلة، وذلك كلّه بينما كانت تقمع وتبدّد أعظم مصادر ثروتها: شعبها. ولا تزال البلاد تمتلك الموارد الطبيعية ورأس المال البشري ما يؤهّلها لأن تكون في مصافّ الاقتصادات الرائدة عالميًا. غير أنّ مسارها سيظلّ منحى انحدارٍ لا تجديد، ما لم تتعلّم طهران من أخطائها وتُعِد ترتيب بنيتها السياسية. والسؤال ليس ما إذا كان التغيير قادمًا، بل ما إذا كان سيُفضي أخيرًا إلى ربيعٍ طال انتظاره—أم إلى شتاءٍ آخر.

رابط المقال
https://url-shortener.me/DX41



#كرار_جمعة_الامارة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا قد يحدث إذا وجّهت الولايات المتحدة ضربة إلى إيران؟ سبعة ...
- لماذا تراهنُ إيران على الحرب؟
- لماذا يتردّد ترامب في الذهاب إلى حرب مع إيران
- التصعيد المنضبط والقطيعة الدبلوماسية: قراءة في ديناميات الأز ...
- كيف تُعيد مناورات ترامب في السياسة الخارجية تشكيل العالم
- كيف جعلت القوة العسكرية الإيرانية ترامب يعيد حساباته تبدّلت ...
- غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكي ...
- ثورة النفط والغاز الصخري، الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، وت ...
- قراءة وتحليل في الادب البلزاكي / رواية الجلد المسحور ( جلد ا ...
- قراءة في رواية الأوهام المفقودة لبلزاك: رصد تحوّلات المجتمع ...


المزيد.....




- مقتل -إل مينشو- زعيم إحدى أقوى عصابات المخدرات في المكسيك بع ...
- لليوم الثاني.. تحركات طلابية في جامعات إيران بين داعمين للحك ...
- -الفرصة الأخيرة- قبل التصعيد.. واشنطن تنتظر المقترح الإيراني ...
- العراق والكويت يحلان مشكلة الحدود
- أزمة في الطريق- العراق لا يرسم حدوده المائية مع الكويت
- الكويت تذَّكر العالم بالغزو العراقي.. وتطالب بغداد باحترام س ...
- أزمة خرائط تشعل حدود العراق والكويت.. إلى أين يتجه الخلاف؟
- اللقاء الوطني الحواري حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي المقد ...
- إيران تعلن استعدادها تقديم تنازلات نووية مقابل رفع العقوبات ...
- هآرتس: فضائح إسرائيل كثيرة ومستمرة لدرجة تصعب مواكبتها


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - خريف آيات الله: أيُّ تحوّلٍ ينتظر إيران؟