أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة عبد الجواد - إبراهيم الفقيه وملحمة لخرائط الروح واكتشاف الذات















المزيد.....

إبراهيم الفقيه وملحمة لخرائط الروح واكتشاف الذات


نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي

(Naeema Abdelgawad)


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


الفيلسوف اليوناني "ديوجين" (421-323 ق. م.)، وهو أحد تلامذة سقراط، يعد من الشخصيات المثيرة للجدل بسبب حكمتها الشديدة، وكذلك تقشُّفها. وبالرغم من أنه من أحد مؤسسي الفلسفة التشاؤمية الأوائل، لكن بصيرته بالأمور أصبحت حكمة رائعة تتناقلها العصور والأزمان، وأبهرت كل معاصريه بما في ذلك "الإسكندر الأكبر" الذي، من شدَّة إعجابه به، صرَّح قائلًا: "لو لم أكن الإسكندر الأكبر، لوددت أن أكون ديوجين". وقيل أن "ديوجين" الباحث عن الحكمة وأراد تعليمها للبشر بأبسط الطرق، جاب الطرقات ممسكًا في يده مصباح مضيء في وضح النهار، ولمَّا سأله المارة عن سبب إضاءته للمصباح ونور الشمس طاغيًا، أجاب في حكمة أن الحقيقة بالفعل ظاهرة للعيان، لكن يتعامى عن رؤيتها الآخرين.
لقد كانت حكمة "ديوجين" ركيزة استند عليها الفلاسفة والمنظِّرين عند إجراء الأبحاث النفسية والسوسيولوجية وكذلك السياسية. كان يحاول "ديوجين" بشكل غير مباشر التوكيد على أهمية الثبات النفسي والبصيرة وهما المنهل الذي يمنح الفرد الثقة في الذَّات بسبب أنه يصبح على دراية واسعة بهويته وأهميتها، والتي لن يرغب في الحياد عنها لأنها جزء أصيل من ذاته، أو بعنى أدقّ من حقيقته كفرد. وأمَّا الفيلسوف الفرنسي "جون-فرانسوا ليوتارد" Jean-François Lyotard؛ فلقد تبلور له مثل ذاك الخطاب في شكل وسيلة لنيل أسمى الشعور، والذي بالتأكيد في نهاية مطافه تقبع الحقيقة. لكنه كان يحذِّر من أن الشعور السامي "ليس مجرد متعة مثل الذوق – بل إنه مزيج من المتعة والألم وتواجهه أشياء عظيمة الحجم تبعًا لعظمة ذاك الشعور، أو أشياء شديدة العنف وفقًا لقوته" مع الأخذ فى الاعتبار اختلاف عقول البشر، حيث أن لكل عقل تخومه الخاصة الرَّاغب عن تجاوزها.
ومع سبر أغوار الهوية ومعرفة نقاط قوَّتها وضعفها، قد يرى الإنسان الحقيقة التي لطالما بحث عنها، وإن كان الأمر ليس باليسير على كل فرد لأنه يستلزم ملامسة الواقع الذي يسهِّل له معرفة تخومه وبالتالي يعرف هويته. ولهذا، يعتقد "جون-فرانسوا ليوتارد" أن المفكِّرين والفلاسفة ليسوا منوطين بتقديم الواقع الذي هو بالفعل ليس بالنمط المحدد وينطبق على الجميع بنفس الصورة، لكن مهمَّتهم هي "تقديم إشارات لما هو ممكن، لكن يمكن تقديمه". ويشير "ليوتارد" أن الذَّات في حد ذاتها لا قيمة كبرى لها، بيد أن الذَّات لا توجد بمعزل عن الذوات الأخرى كما لو كانت جزيرة منعزلة؛ فكل واحدة تنغمس في نسيج من العلاقات التي أصبحت أكثر تعقيدًا وكذلك أكثر تغيُّرا من أي وقت مضى.
وبالنظر للأدب العربي، يلاحظ أن الكثير من الكتَّاب الذين احتكُّوا بالغرب بشكل أو بآخر يتحدَّثون عن الصدمة الحضارية والهوية وفقدان السيطرة على الواقع الذي أصبح مشوشًا بسبب الشعور بعدم الإنتماء لعالم الغرب، وأمَّا الصدمة الأكبر فهي أيضًا الشعور بعدم الإنتماء للثقافة التي نشأوا وترعرعوا فيها. فما حدث هو زعزعة الثبات النفسي الذي أصبح يتأرجح بين الشعور بالدونية في عالم الغرب، والفوقية مع من يشاركونهم الحضارة الأم. وأمَّا المرعب والمخيف أن الغرب لا يعتبر الاختلافات الفردية لزوَّاره وما يتوافر لديه مجرَّد أنماط محددة، ونفس ذاك الرعب يحدث لكل عائد من عالم الغرب؛ حيث أن أبناء نفس حضارته يضعونه أيضًا في قالب محدَّد خانق، وكلَّما حاول الفرد الخروج من ذاك القالب يخفق ويسقط حضاريًا إلى أن يصير على هامش المجتمع، وينتهى به الأمر إلى الانفصام عن أي واقع .
ولقد عبَّر "ليوتارد" عن معضلة الأنماط وتجاهل الاختلافات الفردية والنظر للمجتمع والشعوب "إجمالًا"؛ فنفس تلك اللحظات من الشعور بالضياع وفقدان الهوية عانى منها الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، عند الدخول إلى أعتاب التقدُّم المذهل الذي تنبلج آثاره في الوقت الحاضر، وكان ذلك بمثابة قدراً هائلاً من الرعب الذين استطاعوا تحمله. بل أنهم دفعوا "ثمناً باهظاً بما فيه الكفاية لحنين الكل والواحد، للتوفيق بين المفهوم والمعقول، بين التجربة الشفافة والقابلة للنقل". وإن كان ذاك الشعور بالرعب لم ينتهي بسبب الرغبة في "تحقيق الوهم للاستيلاء على الواقع" والسبب في ذلك هو النظر للبشر والمواقف "إجمالًا"، مما دفع "ليوتارد" بأن ينادي بشن حرب على "الإجمال"، وبذلك نصبح "شهودًا على ما لا يمكن تمثيله"، بل ونادى أيضًا "دعونا نفعِّل الاختلافات".
ومن الأدباء الذين تناول انتاجهم الأدبي تلك المعضلة الروائي الليبي "أحمد إبراهيم الفقيه" (1942-2019) صاحب ثلاثية "سأهديك مدينة أخرى" والتي تعد واحدة من أفضل مائة رواية عربية، وكذلك من ألَّف أطول رواية عربية "خرائط الرُّوح" والتي بلغ عدد صفحاتها الألف صفحة والتي حاول فيها ترسيخ أطر الحضارة والهوية الليبية في رواية تتَّخذ القالب الملحمي ليغوص في ثنايا التاريخ ويدوِّن تفاصيل الأحداث العظيمة والهامشية التي شهدتها ليبيا تاريخيًا، والتي تتشعَّب وتتقاطع مع ما شهدته ليبيا من حركات استعمارية وحروب تحرير وصراعات دولية. ولقد لعب "إبراهيم الفقيه" في تلك الرواية الملحمية التاريخية دور المؤرِّخ الي يستند عند تدوين الأحداث على الوثائق والمراجع، ويتناولهما بشكل تحليلي، في حين أنه ينهل من الثقافة الغربية عندما يرسم ملامح شخصياته الذين يصيغهم في شكل أبطال التراجيديا الإغريقية الذين يواجهون أقدارهم بشجاعة وصمود. وتأتي تلك الرواية كمحاولة منه لترسيخ فكرة الواقع والحضارة الليبية في أذهان الأجيال القادمة الذين يأتي الاصطدام مغ الغرب إلى عقر دارهم بعد اتِّساع نطاق تيَّار العولمة.
في حين أن "إبراهيم الفقيه" عبَّر أيضًا عن التخبُّط الحضاري الذي يعاني منه الفرد الذي ينسلخ فجأة من حضارته ويجد نفسه تائهًا في عالم الغرب في ثلاثيته "سأهبك مدينة" و"هذه تخوم مملكتي" و"نفق تضيئه إمرأة" والتي يسرد فيها حكاية شاب ليبي ذهب للغرب بملابسه الليبية التي تعكس عادات وتقاليد شعبه، لكنها تثير حفيظة الغرب ويجد نفسه منبوذًا. لكن في محاولة منه لاسترضاء الغرب، ينتهج أسلوبهم في الملبس وأسس التعامل، لكنه يسقط في بئر النهل من الملذَّات التي تعتبر محرَّمة في ثقافته العربية والليبية، وينتهي به الأمر بأن يصبح منبوذًا مرَّة أخرى لأنه لم يحسن التصرُّف بما منح له من حرِّيات؛ فلقد انتهج مسار الشرقيون الذين يعتبرون الغرب موئلًا للانحلال. فلقد نظر للغرب كنمط سائد ولم يستطع "تفعيل الاختلافات"، كما نصح "ليوتارد". ولهذا، كان يهمل رسالة الدكتوراة ولم يحاول التعلُّم من فيض المعلومات الحديثة التي فتحت أبوابها أمامه، بل أنه اكتفى فقط بالقشور.
وعند رجوعه إلى بلده مرَّة أخرى، يجد نفسه أصبح غريبًا تائهًا، لا يستطيع ممارسة أنماط الحياة التي ألفها، وأصبح من الواجب عليه أن يسجن نفسه في القالب الحضاري الذي أصبح بعيدًا عنه. فسجن نفسه في زواج تقليدي لا حب ولا رغبة فيه، ولم يجد نفسه في مهنة التدريس بالجامعة تكريمًا لرجوعه من الغرب حاملًا لدرجة الدكتوراة. ولهذا، أهمل محاضراته وأعباءه بالجامعة، فأصبح لا يعتد به، فوجوده في القسم أصبح كعدمه. ونتيجة لذاك الصراع الداخلي، وقع فريسة سائغة للمرض النفسي، لا يجد سلوى إلَّا في عالم الهلاوس.
الحفاظ على الهوية والتمسُّك بالاختلافات الشخصية في خضم عالم متغيِّر، معضلة لا يكف ولن يكف الروائين والفلاسفة الحديث عنها. وتعد تلك الأزمة في الوقت الراهن أكثر ضراوة في ظل عالم رقمي العولمة أساسه والسفر إلى حضارات متعددة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي نهجه. لقد أصبح النزول إلى أرض الواقع معضلة، والمعضلة الأكبر معرفة تلك الحقيقة الواضحة كما قال "ديوجين".



#نعيمة_عبد_الجواد (هاشتاغ)       Naeema_Abdelgawad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قوانين السلطة والهيمنة كما بدأت عند -دي مونتين-
- -لودفيج فيتجنشتاين-: فيلسوف مهَّد الانتقال السلس للعصر الرقم ...
- طريق المرور لحياة عظيمة يبدأ ب-بيدرو بارامو-
- غريب جوجول يزدهر مع كافكا
- هكذا تحدَّث زارادشت عن الذكاء الاصطناعي
- تقدير الذَّات في ظل الموضوعية والأنانية العقلانية: أيان راند
- الذكاء الاصطناعي بين ال-كالي يوجا- وفلسفة -إيفولا-
- ريونوسوكي أكوتاجاوا
- عندما يصاب نمر الحداثة بالتعب يظهر ميكيافيللي
- -نيكولاي جوجول- فريسة قهر المجتمع وقهر القدر
- عبقرية ميكيافيللي وموباسان في كشف الأشرار والأخيار
- أنتون تشيخوف ومفهوم السيكوباتي الناجح
- خليط المانجا والتكنولوجيا والأدب الجمّ تصنعه الميثولوجيا الي ...
- ما بين سوء المُعتقد والأشياء المقصودة حُرِّية قاتلة: الوجودي ...
- مولد سيدي -تارتارين التراسكوني- اختراع حصري ل-ألفونس دوديه-
- -شوبنهاور- قاهر السيبرانية والذكاء الاصطناعي
- ليو تولستوي دروس في الأخلاق بطريقة فوضوية
- لماذا نعت إيميل سيوران نفسه قائلًا: -أنا مهرِّج-
- عندما ينزف الحجر بالأساطير: إبراهيم الكوني
- جميع فنون الحرب وقواعد القوَّة في عمل واحد: ألكسندر دوما


المزيد.....




- غفران طحان: لم أتخيل أن تصل روايتي لرفوف المكتبات السورية
- مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد أل ...
- الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. -بصمة نابلس الصوتية-
- من بئر بدر لأدغال تشاد.. 3 رمضان يوم الفتوحات والتحولات الكب ...
- حكاية مسجد.. -محمد الأزرق- في السودان
- وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا ...
- غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم ...
- مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق ...
- هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى ...
- عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة عبد الجواد - إبراهيم الفقيه وملحمة لخرائط الروح واكتشاف الذات