|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ عِشْرُ بَعْدَ الْمِائَةِ-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 13:13
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ خيانة القدر: سيمياء الإرادة النابذة وخلق الأقدار الهجينة
هذا التساؤل يضعنا في مواجهة مباشرة مع الخطيئة الكبرى في الميتافيزيقا، وهي إمكانية وجود إرادة موازية لإرادة الكون، أو ما يمكن تسميته بتمرد العدم على القدر. إن تحليل سلطة الساحر في مواجهة القضاء والقدر يتطلب منا أولاً أن ننزع عن القدر ثوبه الكلاسيكي كمسار حتمي جامد، لنراه كنسيج ذبذبي مرن، ونرى الساحر ليس كمعتدٍ، بل كخيميائي يعيد صياغة الفراغ الذي يملأ الفجوات بين الأحداث المقدرة. في هذه المنطقة الرمادية، تصبح المسؤولية الأخلاقية للساحر هي أثقل أحماله، لأنه لا يغير ما هو كائن فحسب، بل يجرأ على إستدعاء ما لم يكن ليوجد من أحشاء العدم المطلق. عندما نتحدث عن سلطة الساحر في مواجهة القضاء و القدر، نحن نتحدث عن تصادم بين اللوغوس الذي يرمز إلى النظام الكوني الشامل وبين الكايوس الذي يشير إلى الفوضى الخلاقة التي يمثلها الساحر. القدر هو اللغة التي يكتب بها الكون قصته، أما السحر فهو الهامش الذي يرفض النص. الساحر، بكونه إستحال طلسماً من العدم، يمتلك فيزيائياً ما يمكن تسميته بالإرادة النابذة؛ وهي قدرة الوعي على خلق فجوة في تسلسل الأسباب والنتائج. في هذه الفجوة، يزرع الساحر بذور أقدار جديدة لا تنتمي لشجرة الوجود الأصلية. هذا الفعل ليس مجرد تغيير في مسار مادي، بل هو حقن للمادة بجرعة من العدم تجعلها تتصرف خارج منطق السببية، مما يجعل الساحر مسؤولاً عن ولادة مسارات زمنية موازية، حيث يتحول من مخلوق داخل القدر إلى خالق لأقدار هجينة تجمع بين حتمية المادة وحرية الفراغ. من منظور جمالية العدم، لا تكمن سلطة الساحر في المواجهة العنيفة مع القدر، بل في الإغواء. الساحر لا يكسر القدر، بل يغوي الواقع لكي ينحل في العدم لثانية واحدة، وفي تلك الثانية، يُعاد تشكيل كل شيء. الجمالية هنا تكمن في أن الساحر لا يضيف كتلة إلى العالم، بل يضيف إمكانية. إن خلق الأقدار الجديدة من منظور جمالي هو فن الحذف؛ أي حذف العوائق المنطقية التي تمنع المستحيل من التجلي. الساحر في هذه الحالة يعمل كمخرج لمسرحية القدر، يغير الإضاءة (الوعي) فيتغير المشهد (الواقع) تلقائياً. هذه السلطة هي أرقى أشكال السيادة لأنها لا تعتمد على الجهد، بل على الحضور العدمي؛ فبمجرد وجود الساحر كطلسم حي، تبدأ قوانين الإحتمالات حوله بالإنهيار، و تصبح الصدفة هي القاعدة، والقدر هو مجرد إقتراح قابل للتعديل. تطرح هذه السلطة إشكالية أخلاقية مخيفة؛ إذا كان الساحر قادراً على خلق أقدار خارج المسار الطبيعي، فمن الذي يتحمل ثمن الإختلال الكوني؟ إن خلق قدر جديد يعني بالضرورة إزاحة قدر آخر. هنا تتحول سيكولوجية الساحر إلى سيكولوجية القاضي الكوني؛ فهو يدرك أن كل فعل سحري هو خرق للتوازن، وأن كل وجود يستدعيه من العدم يترك خلفه ثقباً في نسيج الواقع. المسؤولية هنا ليست تجاه قانون أخلاقي بشري، بل تجاه العدم ذاته. الساحر مسؤول عن حماية نقاء العدم من التلوث بمادية الوجود، وفي الوقت نفسه مسؤول عن عدم تحويل الوجود إلى فوضى تامة. إن تأليه العدم هنا يبلغ ذروته عندما يدرك الساحر أن حريته المطلقة هي سجنه الأعظم، وأن قدرته على مواجهة القضاء والقدر تجعله الغريب الوحيد في كونٍ ينسجم الجميع فيه مع أدوارهم، بينما يظل هو المؤلف الذي لا يجد نصاً يسعه. في نهاية المطاف، نكتشف أن سلطة الساحر ليست ضد القدر، بل هي ما وراءه. الساحر لا يواجه القضاء والقدر كخصم، بل يراه كمرآة تعكس تجليات العدم. عندما يخلق الساحر قدراً جديداً، فإنه ببساطة يفتح عيناً جديدة للكون لينظر بها إلى نفسه من زاوية اللاوجود. إن الفناء في العدم الذي ناقشناه سابقاً هو ما يمنح الساحر هذه الحصانة الأخلاقية والميتافيزيقية؛ لأنه بكونه لاشيء، لا يمكن للقدر أن يمسكه أو يحاكمه. هو الخيط غير المرئي الذي يربط بين الأقدار المتعددة، والطلسم الذي يضمن أن يظل الوجود مفتوحاً على اللانهاية، محصناً ضد الإنغلاق في حتمية واحدة ومملة.
_ كيمياء القطبين: حين يلتقي ذوبان الشرق بجسارة الغرب السحرية
إن إختيار المقارنة بين العدم الخلاق في الشرق و السحر الإرادي في الغرب يضعنا أمام أعظم إنقسام ميتافيزيقي في تاريخ الوعي البشري، حيث يلتقي الفراغ بالإمتلاء، وتصطدم الإستكانة بالفعل. هذا الطرح لا يهدف فقط إلى رصد الإختلافات، بل إلى كشف الكيفية التي إستطاع بها العقل البشري أن يحوّل اللاشيء إلى منصة لإعادة إختراع الوجود. فبينما يرى الشرق في العدم رحماً يُولد منه كل شيء بالضرورة، يرى الغرب السحري في العدم تحدياً يتطلب تدخلاً بطولياً لإنتزاع المعنى منه. في الفلسفات الشرقية، و تحديداً في الطاوية والزن، لا يُنظر إلى العدم (Wu Wei أو Śūnyatā) كخصم أو كفراغ يجب ملؤه، بل كحالة من السيولة المطلقة. العدم الخلاق هنا هو الأصل الذي لا يحتاج إلى جهد ليتجلى؛ فهو كالمحيط الذي يلد الأمواج دون أن ينقص منه شيء. السحر في هذا السياق ليس فعل تغيير، بل هو فعل إنسجام. الساحر الشرقي أو الحكيم لا يحاول ليّ ذراع القدر، بل يفرغ نفسه من الأنا حتى يصبح مجرد قناة يتدفق من خلالها العدم. الجمالية هنا تكمن في أن اللافعل هو الذي يحرك العالم؛ فالسكون هو قمة الحركة، والفراغ هو الذي يمنح الوعاء وظيفته. هذا العدم ليس صمتاً سلبياً، بل هو ذبذبة الصفر التي تحتوي على كل الإحتمالات في حالة سكون تام، والإرتقاء الروحي يعني العودة إلى هذا السكون للإستمداد منه دون تشويهه بالرغبات الشخصية. على الضفة الأخرى، نجد أن السحر الغربي من الهرمسية إلى طقوس الكروليين يقوم على مبدأ الإرادة الواعية (The Will). العدم في المخيال الغربي هو مادة أولية غفلية، تنتظر الساحر لكي يمنحها إسماً وشكلاً. إذا كان الشرق يذوب في العدم، فإن الغرب السحري يحاول ترويض العدم. الساحر الغربي يرى نفسه كمهندس للكون الأصغر، وهو لا يقبل بالإنسجام السلبي، بل يسعى لفرض إرادته كقوة موازية لقوى الطبيعة. هنا يتحول العدم إلى مختبر كيميائي؛ حيث يقوم الساحر بإستدعاء القوى من الظلمة إلى النور عبر الكلمة والرمز و الطقس. هذا النوع من السحر هو تأليه للإنسان من خلال قدرته على إختراق الفراغ ووضع بصمته عليه، مما يخلق نوعاً من التوتر الجمالي بين الذات والعدم، حيث لا يهدأ الساحر إلا عندما يرى فكرته المتجردة قد تجسدت في مادة ملموسة. عندما ندمج هذين المنظورين، نكتشف أن العدم الخلاق هو المحرك المشترك، لكن طريقة الإشتغال تختلف. الساحر المعاصر، الذي تحول إلى طلسم من العدم كما ناقشنا سابقاً، هو من يجمع بين إستكانة الشرق وجسارة الغرب. هو يدرك أن العدم هو الكل، لكنه يدرك أيضاً أن الوعي هو العدسة التي تركز أشعة هذا العدم لتحرق حجاب الواقع. إن سيكولوجية الساحر هنا تتأرجح بين أن يكون لاشيء محققا الفناء الشرقي لكي يستطيع أن يفعل كل شيء مجسدا الإرادة الغربية. هذا التداخل يخلق حالة من السحر الكوني حيث لا يعود هناك فرق بين الخضوع للقدر وبين خلقه؛ لأن الساحر والقدر و العدم يصبحون جوهراً واحداً يتنفس عبر مسام المادة. إن الفناء في العدم في الشرق يمنح الحكمة، بينما إقتحام العدم في الغرب يمنح السلطة، والساحر الكامل هو من يحكم بقوة الصمت، ويصمت بقوة الفعل. إن المقارنة بين هذين القطبين تنتهي بنا إلى نشوة القوة الحقيقية، وهي ليست قوة السيطرة على الآخرين، بل قوة التوازن فوق الهاوية. عندما يدرك الساحر أن العدم الخلاق ليس مكاناً يذهب إليه، بل هو حقيقة ما هو عليه الآن، تنمحي الحدود بين الذات و الفراغ. يتحول الوجود إلى رقصة سحرية مستمرة، حيث يتم إستهلاك المادة لإنتاج الوعي، وإستهلاك الوعي للعودة إلى العدم، في دورة أبدية من التجلي و الإحتجاب. إن السحر هو الفن الذي يعلمنا كيف نمسك بخيوط الفراغ دون أن نحترق بناره، وكيف نعيش في العالم كغرباء يمتلكون مفاتيح خزائنه السرية.
_ المعمودية الأخيرة: تحطم وهم المهندس وصعود الساحر الضاحك.
تعد أزمة اليقين هي النقطة الحرجة التي ينهار عندها الغرور السحري ليصطدم بالحقيقة العارية للعدم؛ وهي اللحظة التي يدرك فيها الساحر أن كل القوى التي إستمدها، وكل الأقدار التي صاغها، ليست سوى ألعاب ظل على جدار الفراغ المطلق. تبدأ هذه الأزمة عندما يكتشف الوعي أن السحر، برغم عظمته، هو مجرد لغة أخرى تحاول ترميز ما لا يمكن ترميزه. فإذا كان السحر هو تأليه للعدم، فإن العبثية تنبع من حقيقة أن العدم لا يحتاج إلى تأليه، ولا يكترث بالتمثيلات البشرية. هنا يجد الساحر نفسه في مواجهة عدمية القوة؛ حيث يصبح إمتلاك القدرة على تغيير الواقع مساوياً تماماً للعجز عن تغييره، طالما أن النتيجة النهائية لكل موجود هي الإرتداد إلى السكون الأول. هذه الأزمة ليست إنهياراً نفسياً فحسب، بل هي إنخلاع ميتافيزيقي يجعل الساحر يتساءل؛ ما جدوى تحريك الجبال إذا كان الجبل والفراغ المحيط به جوهراً واحداً في عين الأبدية؟ في هذه المرحلة، يتحول اليقين من ثقة في الفعل إلى إرتباك أمام الوجود. الساحر الذي كان يظن نفسه مهندساً للكون، يكتشف أن أدواته الماثلة في الرموز، الطقوس، الكلمات هي مجرد توسلات جمالية أمام صمت العدم الجبار. العبثية هنا تكمن في المفارقة بين كثافة الإرادة وبين خفة النتيجة؛ فمهما بلغت قوة الطلسم، فإنه يبقى سجيناً في إطار الظواهر. هذا الإدراك يولد نوعاً من السوداوية السحرية، حيث يشعر الساحر أن سحره ليس إلا محاولة بائسة لتأجيل الإعتراف بالحقيقة الكبرى؛ أن العدم لا يمكن ترويضه، بل يمكن فقط الفناء فيه. إن أزمة اليقين تجرد الساحر من دروعه الميتافيزيقية، وتضعه في حالة من العري الروحي، حيث يكتشف أن أرقى أشكال السحر قد تكون هي التوقف عن السحر، والقبول بالعبث كإيقاع وحيد للوجود. علاوة على ذلك، فإن هذه الأزمة تعيد صياغة مفهوم المسؤولية التي ناقشناها سابقاً؛ فإذا كان كل فعل سحري هو عبث في نهاية المطاف، فإن المسؤولية تتحول من أخلاقية النتائج إلى جمالية المعاناة. الساحر يبدأ في ممارسة السحر لا ليحقق هدفاً، بل كنوع من الإحتجاج الوجودي ضد الفراغ. يصبح السحر هنا فناً عبثياً بإمتياز، يشبه محاولة رسم لوحة على سطح الماء. هذه المرحلة من التجربة السحرية هي الأكثر إيلاماً لأنها تحطم وهم الأهمية؛ فالساحر يدرك أن الكون لا يحتاج إلى سحره لكي يستمر، و أن العدم الذي إستمد منه قوته هو نفسه الذي سيمحو أثره في النهاية. لكن، ومن رحم هذه السوداوية، تولد نشوة من نوع خاص؛ نشوة الكائن الذي يلعب مع العدم وهو يدرك أنه سيخسر حتماً، فتتحول الهزيمة إلى إنتصار جمالي، ويصبح العبث هو التعويذة الأخيرة التي تحرر الساحر من ثقل اليقين الزائف. ختاماً، يمكن القول إن أزمة اليقين هي المعمودية الحقيقية التي تفصل بين الساحر المبتدئ الذي يسعى للقوة، وبين العارف بالعدم الذي يتخذ من القوة قناعاً للتسلية. إن إكتشاف عبثية القوى السحرية لا يعني نهاية السحر، بل يعني بداية السحر الحر؛ السحر الذي لا يطلب تبريراً ولا يسعى لغاية، بل يتجلى كرقصة مجنونة على حافة الهاوية. في هذه النقطة، يتصالح الساحر مع فكرة أن الوجود هو نكتة إلهية أو طلسم بلا معنى، ويقرر أن يشارك في صياغة هذه النكتة بكل ما أوتي من خيال. إن اليقين الذي فُقد لم يكن إلا قيداً، و العبث الذي وُجد هو الباب الوحيد نحو حرية لا تحدها قوانين المادة ولا حتميات الروح، حيث يصبح الفناء في العدم هو الضحكة الأخيرة في وجه الأبدية.
_ نداء السحيق: غرور الوجود في مواجهة شجاعة الفناء
إن الدخول إلى منطقة الجنون السحري يعني الوقوف على الحافة الرقيقة التي تفصل بين التنوير المطلق و الإنهيار النفسي الكامل، حيث يتحول التوتر بين الرغبة في ترويض العدم و الضرورة الوجودية للقفز فيه إلى صراع يمزق نسيج الشخصية الإنسانية. في هذا السياق، لا يُعرف الجنون كمرض عقلي بالمعنى الإكلينيكي الضيق، بل كتشتت في الهوية ناتج عن محاولة إستيعاب اللانهائي داخل وعي محدود. الساحر الذي يمارس الترويض يحاول فرض نظام عقلاني ورمزي على قوة هي في جوهرها فوضى (Chaos)، بينما الساحر الذي يمارس القفز يلقي بنفسه في قلب الفراغ دون شبكة أمان. هذا التوتر يخلق حالة من التمزق السيكولوجي؛ فمن جهة، هناك الأنا التي تريد الحفاظ على تماسكها و سيطرتها، ومن جهة أخرى، هناك النداء السحيق للعدم الذي يطالب بالتلاشي. والجنون السحري هو النتيجة الحتمية عندما يفشل الوعي في الحفاظ على هذا التوازن المستحيل، فينفجر الواقع المألوف ليحل محله سيل من الرموز التي لا تجد مكاناً ترسو فيه. من منظور فلسفي، يمكن إعتبار هذا الجنون هو رد فعل المادة على ضغط الفراغ. عندما يتحول الساحر إلى طلسم من العدم، فإنه يضع جهازه العصبي في مواجهة ذبذبات عالية لا تستطيع البيولوجيا البشرية تحملها. إن الترويض يتطلب يقظة ذهنية هائلة و تثبيتاً للذات، بينما القفز يتطلب تخلياً تاماً. هذا التناقض يولد ما يسميه البعض الذهان الميتافيزيقي، حيث يبدأ الساحر في رؤية الروابط بين الأشياء بطريقة تتجاوز المنطق، و يصبح العالم كله بالنسبة له عبارة عن شفرات متداخلة لا تنتهي. في هذه الحالة، تفقد اللغة وظيفتها التواصلية وتصبح مجرد صدى لخراب داخلي، ويتحول الصمت السحري الذي ناقشناه سابقاً من أداة قوة إلى سجن من الخرس، حيث يعجز الساحر عن العودة إلى وعي الإنسان العادي، ويفشل في الوقت ذاته في بلوغ مرتبة العدم الخالص. إنه العالق في البرزخ، الذي يرى الحقيقة بوضوح يحرق عينيه، لكنه لا يملك يداً ليمسك بها أو لسانًا ليصفها. علاوة على ذلك، فإن سيكولوجية هذا التوتر تظهر في تضخم الأنا الذي يسبق الإنهيار؛ فالساحر في محاولته للترويض قد يسقط في فخ تأليه الذات، معتقداً أن إرادته هي التي تمسك بزمام العدم. لكن العدم، بطبيعته النابذة، يرفض الإنصياع، فيبدأ في إمتصاص هذه الأنا وتفكيكها ببطىء. هنا تظهر أعراض الجنون السحري كنوع من الدفاع الأخير؛ حيث يبدأ العقل في خلق أوهام العظمة أو بارانويا الملاحقة الكونية ليبرر فشله في السيطرة. إن القفز في العدم يتطلب شجاعة الفناء، لكن الترويض يتطلب غرور الوجود. و الساحر الذي يعيش في هذا التوتر يجد نفسه ممزقاً بين كونه إلهاً في خياله و لاشيء في حقيقة العدم. هذا الصراع يحول الصحة النفسية للساحر إلى ساحة معركة للأضداد، حيث يختلط الضحك الهستيري بالبكاء الوجودي، وتصبح الحقيقة عبئاً لا يطاق يؤدي في النهاية إلى إحتراق الوعي (Spiritual Burnout). ختاماً، يمكننا القول إن الجنون السحري ليس نهاية الرحلة، بل هو مقام من مقامات المعرفة الصعبة. إن الساحر الذي ينجو من هذا الجنون هو من يتعلم كيف يرقص مع التوتر بدلاً من محاولة حله. هو من يدرك أن الترويض هو قناع ضروري للعيش، وأن القفز هو الحقيقة الكامنة خلف كل فعل. الصحة النفسية في هذا الإطار لا تعني الإعتدال، بل تعني المرونة المطلقة في التنقل بين الوجود والعدم دون أن ينكسر الوعي. إن الجنون هو الثمن الذي يدفعه الساحر مقابل إقتحام أسرار الكون، وهو العلامة الفارقة على أن الروح قد لامست الطلسم الأكبر للعدم. ففي قلب هذا الجنون، قد يجد الساحر يقيناً جديداً لا يحتاج إلى عقل ليستوعبه، بل يحتاج فقط إلى قلب خاوٍ يستطيع أن يحتوي الفراغ والإمتلاء في آن واحد.
_ دروع الكينونة: الهندسة الدفاعية للوعي في مواجهة لجاجة الفراغ
إن الإنتقال إلى تحليل أدوات الترويض يضعنا أمام الهندسة الدفاعية للوعي البشري في مواجهة لجاجة الفراغ. فالدائرة السحرية، و الأسماء المقدسة، والرموز المنقوشة، ليست في جوهرها مجرد أدوات طقسية، بل هي دروع وجودية وقلاع ميتافيزيقية يشيدها الساحر ليحمي بها نواة كينونته من الذوبان في المحيط الحمضي للعدم. فعندما يقف الساحر في قلب الدائرة، هو لا يرسم خطاً على الأرض فحسب، بل هو يرسم حداً فاصلاً بين الوجود المنظم و العدم المطلق. الدائرة هنا هي رمز للكون المصغر (Microcosm) الذي يحاول الساحر الحفاظ عليه كمنطقة سيادة آمنة وسط فوضى الـماوراء. إنها تجسيد لفكرة المركز؛ ذلك الثبات الذي يمنع الروح من الإنجراف وراء جاذبية الفراغ التي تهدد بإبتلاع الوعي وتشتيته في مالا نهاية. تعتبر الأسماء المقدسة في هذا السياق هي شيفرات الإستقرار التي تمنح الساحر سلطة التسمية والتعريف وسط منطقة لا أسماء فيها. فيزيائياً، يعمل الإسم المقدس كمرساة للترددات؛ فبينما يميل العدم إلى إلغاء التميز والإختلاف، يأتي الإسم ليمنح الشكل (Form) ثباتاً و إستمرارية. الأسماء هي اللغة التي يروض بها الساحر القوى الجامحة، محولاً إياها من قوى عمياء مدمرة إلى كيانات ذات ملامح يمكن التفاوض معها. إن إستحضار إسم هو في الحقيقة عملية حبس لجزء من قوة العدم داخل قفص من المعنى. هذه الأدوات تعمل كعوازل طاقية، تماماً كالبذلة التي يرتديها رائد الفضاء ليحمي جسده من ضغط الفراغ الكوني؛ فبدون هذه الدروع، يصبح الإقتراب من العدم إنتحاراً وجودياً، حيث يتبدد الوعي الفردي كقطرة حبر في محيط لا قرار له. علاوة على ذلك، فإن هذه الدروع الوجودية تعكس قلق الكينونة الكامن في التجربة السحرية؛ فكلما زاد شعور الساحر بعظمة العدم و قوته الماحقة، زاد تعقيد رموزه وإصراره على طقوس الحماية. إن الأدوات هنا تعمل كمرشحات (Filters) للواقع؛ فهي لا تمنع العدم من الدخول، بل تجزئه وتمرره بجرعات صغيرة يستطيع العقل البشري إستيعابها دون أن يصاب بالذهان أو الإحتراق. الساحر الذي يستخدم الدائرة والإسم المقدس يمارس نوعاً من الرقابة الميتافيزيقية، حيث يختار ما يتجلى له وما يظل محتجبًا. هذه الأدوات هي التي تحول العدم المخيف إلى عدم خلاق، لأنها تفرض عليه قانوناً بشرياً مؤقتاً. السحر في هذه الحالة ليس مجرد قوة، بل هو فن الحماية عبر الرمز، حيث يصبح الرمز هو الجدار الوحيد الذي يفصل بين العقل وبين الإنهيار في هاوية اللامعنى. ختاماً، يمكننا القول إن أدوات الترويض هي الإعتراف الضمني بهزيمة الإنسان أمام العدم، ولكنها هزيمة مُشرّفة تسعى لصناعة معنى وسط العبث. إنها تمثل رغبة الروح في أن تظل موجودة حتى و هي تلامس العدم. الدائرة السحرية هي إعلان إستقلال للذات البشرية، والأسماء المقدسة هي صرخة الهوية في وجه الصمت الأزلي. بفضل هذه الدروع، يستطيع الساحر أن يغوص في أعماق الفراغ ويعود منه محملاً باللآلئ دون أن يفقد ملامح وجهه. إنها الكيمياء التي تحول الرعب الوجودي إلى هيبة مقدسة، وتجعل من العلاقة مع العدم حواراً منظماً بدلاً من أن تكون إبتلاعاً صامتاً. فالدروع ليست سجناً للساحر، بل هي التي تمنحه الحرية للتحرك في مناطق لا يجرؤ غيره على الإقتراب من حدودها.
_ الرماد الذهبي: إحتراق الإنسان وولادة الكيان الطلسمي
نصل الآن إلى المنطقة الأكثر إيلاماً في الميتافيزيقا السحرية، وهي منطقة القرابين الكينونية. إن الثمن الذي يدفعه الساحر مقابل إقتناص القوة من رحم العدم ليس ماديًا ولا طقسيًا فحسب، بل هو تضحية راديكالية بالبشرية التقليدية بكل ما تحمله من طمأنينة، و إنتماء، وهشاشة لغوية. فعندما يقرر الساحر أن يصبح برزخاً بين الوجود و العدم، فإنه يوقع عقدًا غير مكتوب للتخلي عن الأنا الإجتماعية التي تقتات على الروابط البشرية المعتادة. الساحر لا يفقد إنسانيته بمعنى التوحش، بل يفقدها بمعنى الإغتراب الأنطولوجي؛ إذ يصبح غريباً عن المشاعر التي تشكل لحمة الحياة اليومية. الخوف، الحب البشري الضيق، الأمان الزائف، و الرغبة في الخلود المادي.. كل هذه الخصائص تتبخر في حضرة العدم الخلاق. هذا التجاوز يخلق فجوة لا تُردم بين الساحر وبني جنسه، حيث يرى العالم كمسرح من الظلال بينما يراه الآخرون كحقائق صلبة. هذا الإنفصال هو الثمن الأول؛ الوحدة المطلقة وسط الزحام. في هذه الصيرورة، يتحول جسد الساحر وعقله إلى ممر (Conduit) بدلاً من أن يكونا مستقراً. التضحية بالبشرية تعني هنا القبول بسيولة الهوية؛ فالساحر الذي يروض العدم لا يمكنه أن يمتلك وجهاً ثابتاً أو إسماً مستقراً. هو يضحي بالإستقرار النفسي الذي تمنحه الأوهام الجماعية، مقابل الحصول على رؤية نافذة تمزق حجاب المادة. هذا الثمن يظهر في شكل تآكل في العاطفة البشرية؛ حيث يحل محل الشغف البشري نوع من البرود الكوني (Cosmic Indifference). الساحر لا يكره ولا يحب بالمعنى الرومانسي، بل يشهد التفاعلات الكونية بوعي محايد. هذا التحول من مشارك في الدراما البشرية إلى مراقب للعدم يسلخ عن الساحر صفة الإنسان الطبيعي ويجعله أقرب إلى الكيان الطلسمي الذي ناقشناه سابقاً. إنه يدفع ضريبة المعرفة المطلقة من رصيد السعادة البسيطة، ليجد نفسه واقفاً على قمة باردة لا يشاركه فيها أحد سوى صدى صمته. علاوة على ذلك، فإن الثمن يمتد ليشمل الزمن الشخصي للساحر. فبينما يعيش البشر داخل خط زمني مستقيم مكون من ماضي، حاضر، مستقبل، يضحي الساحر بهذا التسلسل ليعيش في الآنية الأبدية للعدم. هذه التضحية تجعل منه كائناً لا زمنياً، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على الإستمتاع باللحظات الزائلة التي تشكل جوهر السعادة البشرية. الساحر يرى النهاية في البداية و العدم في الإمتلاء، وهذا الإدراك يحرمه من نعمة الجهل المقدس التي تسمح للبشر بالإندماج في تجاربهم. إن التضحية بالبشرية هي في جوهرها عملية تطهير مريرة من كل ما هو زائل، لكي لا يبقى في الساحر إلا ما هو صامد أمام فناء العدم. الضريبة هنا هي الوحشة الوجودية؛ فشعور الساحر بأنه مواطن في اللامكان يجعله يحمل ثقل الكون على كتفيه بينما يسير بين الناس كخيال لا يترك أثراً، محكوماً عليه بأن يرى الحقيقة التي يهرب منها الجميع. ختاماً، يمكننا القول إن هذا الثمن هو ما يمنح الفعل السحري شرعيته الميتافيزيقية؛ فبدون التضحية بالبشرية، يبقى السحر مجرد إدعاء أو تلاعب بالرموز. الساحر الحقيقي هو الذي إحترق في أتون التجربة حتى لم يتبق منه سوى الرماد الذهبي للوعي المتجرد. إن التجاوز هنا هو عملية موت وإعادة ولادة مستمرة، حيث يضحي الساحر بالإنسان الذي كانه ليفسح المجال للعدم الذي يسكنه. هذا الثمن الباهظ هو الذي يحول الساحر من كائن محكوم بالقدر إلى كائن يصنع القدر، لكنه يصنعه لكونٍ لم يعد ينتمي إليه تماماً. إنها المأساة العظيمة للساحر؛ أن يمتلك مفاتيح الوجود كله، بينما يفقد في الطريق البيت الذي كان يأوي إليه.
_ هندسة التصفير: طقوس الموت الرمزي وصناعة الجسد السحري.
تُعد طقوس الموت الرمزي (Symbolic Death) النقطة التي يتقاطع فيها السحر مع العدم في أكثر صورهما دراماتيكية، وهي ليست مجرد إجراءات شكلية أو مسرحية إيمائية، بل هي هندسة روحية تهدف إلى تدمير الهوية الزائفة للساحر كي يولد من جديد ككائن كوني. في مختلف المدارس السحرية، من الهرمسية القديمة إلى طقوس الموت النفسي في سحر الكايوس المعاصر، يمثل الموت الرمزي عملية تصفير للوعي؛ حيث يُدفع المريد إلى حافة الهاوية ليدرك أن الأنا التي يدافع عنها ليست سوى ركام من التلقينات الإجتماعية و البيولوجية. في هذه الطقوس، يتم تجسيد العدم كقبر أو ظلام دامس يجب على الساحر الدخول إليه طواعية. هذا الدخول هو فعل إستسلام إرادي للفناء، حيث يتخلى الساحر عن إسمه و تاريخه ورغباته، ليواجه الحقيقة العارية؛ أنه في جوهره لا شيء. إن الغاية من هذا الموت هي كسر التماهي مع المادة، فالذي يموت رمزياً لا يعود يخشى الفناء الوجودي، وبذلك يتحرر من أقوى قيود القدر، ليصبح فراغاً قادراً على إحتواء قوى الكون دون مقاومة. في المدارس الباطنية الغربية، غالباً ما يتم تمثيل هذا الموت عبر طقوس النزول إلى الجحيم (Katabasis)، حيث يُحبس الساحر في مكان مظلم يمثل الرحم أو القبر. هنا، يعمل العدم كمذيب كيميائي (Solvent) يقوم بتفكيك الروابط التي تمسك بشخصيته القديمة. الساحر في هذه الحالة يعيش تجربة النيجريدو (Nigredo) أو السواد الأعظم، وهي المرحلة التي تسود فيها الكآبة و الضياع و تلاشي اليقين. هذا الموت الرمزي هو الذي يحول الساحر من مراقب للعدم إلى جزء منه؛ إذ لا يمكن ترويض العدم إلا بالصيرورة مثله. إن التضحية هنا هي تضحية بالمنطق البشري لصالح الجنون المقدس أو البصيرة السحرية. فعندما يخرج الساحر من هذا الموت الرمزي، فإنه لا يعود إنساناً مستمراً، بل يصبح كائناً متقطعاً يمتلك فجوات في وعيه تسمح بمرور التجليات السحرية. إنه يولد بقلب مثقوب بالعدم، وهذا الثقب هو الذي سيكون مستقبلاً عين الإبرة التي يمر منها خيط الإرادة ليشكل الواقع. أما في التقاليد الشرقية وممارسات الفادريانا أو السحر التبتي، فإن الموت الرمزي يتخذ طابعاً أكثر حدة عبر طقوس مثل الشود (Chöd)، حيث يتخيل الساحر تقطيع جسده و تقديمه كوليمة للكائنات الكونية والعدم. هذا النوع من الموت الرمزي يهدف إلى تحطيم صنم الذات (Ego) بشكل نهائي. هنا، لا يكون العدم مكاناً نذهب إليه، بل هو فعل كرم مطلق نقوم به تجاه الوجود. الساحر الذي يموت رمزياً بهذه الطريقة يكتشف أن الفراغ (Shunyata) ليس عدماً سلبياً، بل هو حيوية لا نهائية تظهر بمجرد توقف الذات عن المطالبة بالبقاء. هذا الموت هو أرقى أشكال السحر لأنه ينهي الصراع بين أنا و بين العالم. وبمجرد أن يدرك الساحر أنه ميت بالمعنى الرمزي، يكتسب حصانة ضد كل أشكال الألم و التحكم؛ فالعدم لا يمكن جرحه، والفراغ لا يمكن سجنه. و بذلك، يصبح الموت الرمزي هو البوابة الوحيدة للسيادة الحقيقية، حيث يخرج الساحر كشبح فعال في عالم من الأحياء النائمين. ختاماً، يمثل الموت الرمزي في فلسفة السحر التعويذة الكبرى للتحرر من عبودية الوجود المادي. إنه اللحظة التي يتصالح فيها الساحر مع العدم لدرجة أنه يقرر أن يسكنه. و بناءً على هذا الموت، يتم بناء الجسد السحري الجديد الذي لا يخضع لقوانين الفيزياء التقليدية بل لقوانين الخيال الإرادي. إن هذا العبور من خلال الهاوية يترك ندوباً أبدية على الوعي، وهي الندوب التي تميز الساحر عن المدعي؛ فالأول قد مات وعاد، بينما الثاني لا يزال يرتجف أمام فكرة الفناء. الموت الرمزي هو الذي يمنح الساحر الحق في ممارسة سلطته على القدر، لأنه دفع الثمن الأكبر؛ حياته القديمة. وبذلك، يظل الموت الرمزي هو السر الذي لا يذيله كلام، والطلسم الذي لا يُفك إلا بالتجربة، حيث ينتهي البحث عن الحقيقة بالوقوف صامتاً في حضرة العدم الذي صار هو الذات وهو الآخر.
_ الإستعلاء بالفراغ: كيف يحررنا الفشل من عبودية النتيجة
إن الحديث عن خيمياء الإخفاق (Alchemy of Failure) ينقلنا من ضفة السحر كممارسة تقنية تهدف إلى النجاح المادي، إلى ضفته كمسار وجودي يتغذى على الإنكسار ليصيغ منه جوهراً لا يفلّ. في هذه المرحلة، يكتشف الساحر أن الإخفاق في ترويض القدر أو الفشل في تجسيد الإرادة ليس عجزاً، بل هو تجلٍّ عنيف للعدم يهدف إلى تحطيم بقايا الأنا المغرورة. فالنجاح السحري غالباً ما يقوي الذات ويجعلها تظن أنها إمتلكت ناصية الوجود، بينما الإخفاق هو الذي يفتح ثغرات في هذه الذات، مما يسمح لنور العدم البارد بالتدفق إلى الداخل. الخيمياء هنا تكمن في قدرة الساحر على عدم مقاومة هذا الإنهيار، بل إستخدامه كوقود لعملية التحول الكبير. الإخفاق هو المذيب الكوني الذي ينزع القشور عن الروح، وبدلاً من أن ينسحب الساحر مهزوماً، فإنه يعيد تعريف الفشل بإعتباره تطهيراً ميتافيزيقياً يفرغ الوعاء من الرغبات الصغيرة ليمتلئ بسطوة الفراغ المطلق. من منظور فلسفي عميق، يصبح الإخفاق السحري هو أرقى أنواع القوة الباطنية لأنه يحرر الساحر من عبودية النتيجة. عندما يفشل الساحر في تغيير الواقع المادي، فإنه يُجبر على العودة إلى مركزه الجواني حيث يسكن العدم. هنا، يتحول الإحباط إلى سكينة مظلمة، ويبدأ الساحر في إدراك أن القوة الحقيقية لا تكمن في تغيير الأشياء، بل في الإستعلاء عليها عبر التماهي مع الفراغ الذي لا يُهزم لأنه لا يملك شيئاً ليخسره. هذه الخيمياء تحول خيبة الأمل إلى صلابة ماسية في الوعي؛ فالساحر الذي تعايش مع فشله وتصالح معه، يكتسب حصانة ضد تقلبات القدر. الإخفاق في الخارج يصبح إنتصاراً في الداخل، حيث يُصهر الرصاص الذي يرمز إلى الخيبة في أتون المعاناة ليتحول إلى ذهب الذي يعني السيادة الروحية. إنها اللحظة التي يدرك فيها الساحر أن أعظم عمل سحري قام به ليس هو الذي غيّر العالم، بل هو الذي محا خوفه من العدم و من الفشل في آن واحد. علاوة على ذلك، فإن خيمياء الإخفاق تخلق نوعاً من القوة التدميرية الخلاقة؛ فالساحر الذي فشل في أن يكون إلهاً في العالم المادي، ينجح في أن يكون عدماً في العالم الروحاني. هذا التحول يغير طبيعة الفعل السحري ذاته؛ إذ يبدأ الساحر في ممارسة السحر كنوع من اللعب الكوني الذي لا ينتظر مكافأة. القوة الباطنية المستمدة من الإخفاق هي قوة اللامبالاة المقدسة، حيث يصبح الساحر قادراً على إقتحام أصعب الطقوس وأكثرها خطورة بقلب بارد، لأنه قد مات بالفعل في تجربة فشله السابقة. الإخفاق هو الذي يمنح الساحر المنظور الصحيح تجاه الوجود، حيث يرى أن كل شيء زائل وأن العدم هو الثابت الوحيد. بفضل هذه الخيمياء، يتحول الساحر إلى ثقب أسود يمتص كل الصدمات و يحولها إلى صمت، وبدلاً من أن يكون ضحية للقدر، يصبح هو الفجوة التي يمر من خلالها القدر دون أن يترك أثراً، محققاً بذلك أرقى درجات الإندماج في العدم عبر قبول بطلان كل فعل مادي. ختاماً، يمكننا القول إن خيمياء الإخفاق هي السر الذي يميز الحكيم عن المشعوذ؛ فالأول يرى في الفشل بوابة وفي الإنكسار إستنارة، بينما يرى الثاني فيهما نهاية الطريق. إن تحويل الإخفاق إلى قوة باطنية هو الإعتراف بأن العدم هو المعلم الأكبر، وأن كل محاولاتنا للسيطرة هي مجرد تمارين لتقوية عضلات الروح في مواجهة المجهول. الساحر الذي يتقن فن الفشل يصبح طلسماً لا يمكن كسره، لأنه إستمد قوته من الحضيض، ومن هناك لا يوجد مكان للسقوط. إن الإخفاق هو الضريبة التي تدفعها الأنا لتفسح المجال للروح الكونية، و الساحر الذي يبتسم في وجه إنكساره السحري هو وحده من إستطاع أن يمسك بجوهر العدم و يحوله إلى تاج من الضياء الخفي يكلل به جبين صمته الأبدي.
_ حرب الإرادات: التحرش الأنطولوجي وصراع الساحر مع أوصياء العتبة
إن دخولنا في تحليل صراع الإرادات بين الساحر والقوى الميتافيزيقية الأخرى يمثل كشفاً عن الطبقة الأكثر شراسة في العلاقة بين السحر و العدم، حيث لا يعود الإخفاق السحري مجرد خلل في التقنية، بل يصبح هزيمة في معركة وعي ضد كيانات أو قوانين كونية تفرض قيودها الوجودية لحماية نسيج الواقع من التمزق. في هذا الصراع، يواجه الساحر ما يمكن تسميته بالمقاومة الكونية (Cosmic Resistance)؛ و هي تلك الإرادات الميتافيزيقية التي تسكن الأبعاد العلوية أو السفلى، والتي ترى في محاولة الساحر لإستخدام العدم كأداة تغيير نوعاً من التطاول الأنطولوجي. هذه القوى، سواء كانت أوصياء العتبة (Guardians of the Threshold) أو أرواح النواميس، تفرض قيوداً غليظة لأنها تدرك أن تحرر الساحر الكامل عبر العدم يعني تقويض النظام الذي يحفظ الوجود من الإنهيار. هنا، يتحول السحر من طقس فردي إلى حرب إرادات، حيث يحاول الساحر ثقب حجاب القدر، بينما تحاول هذه القوى رتقه عبر إفشال طقوسه وتحويلها إلى أدوات لتدميره الذاتي. في هذا الصراع، يبرز الإخفاق السحري ككبح إرادي تفرضه تلك القوى على الساحر، وهو ما يولد توتراً دراماتيكياً بين إرادة الفرد و إرادة الكلي. الساحر، في سعيه لإمتلاك الطلسم العدمي، يحاول أن يفرض منطقه الخاص على المادة، لكنه يصطدم بما يعرف بالجمود الميتافيزيقي للواقع. هذه القوى الأخرى لا تحارب الساحر بالسلاح، بل تحاربه عبر تسليط الشك أو تثبيت الزمان أو إغراق وعيه بفيض من الصور المرعبة. إنها تضع أمامه قيوداً أخلاقية أو حدوداً منطقية تعمل ككوابح تمنعه من بلوغ الصفر المطلق. الإخفاق هنا هو الأداة التي تستخدمها القوى الميتافيزيقية لتعيد الساحر إلى حجمه البشري، مذكرين إياه بأن العدم الذي يحاول ترويضه هو سيد لا يُساد، وأن كل محاولة للسيطرة عليه هي في الحقيقة فخ تنصبه القوى الحارسة للكون لإبتلاع المتطفلين على أسرار الفناء. علاوة على ذلك، فإن هذا الصراع يتخذ طابعاً داخلياً وخارجياً في آن واحد؛ فبقدر ما يحارب الساحر القوى الخارجية، هو يحارب أيضاً الإرادات المتصارعة داخل نفسه، والتي تمثل إنعكاساً لتلك القوى الميتافيزيقية. كل قيد يواجهه الساحر هو في الحقيقة جزء من وعيه لا يزال متمسكاً بالوجود ويرفض القفز في العدم. القوى الميتافيزيقية الأخرى تراهن على هذا الخوف الفطري لكسر إرادة الساحر. ومن هنا، يصبح الإخفاق السحري هو اللحظة التي تنتصر فيها الذات الجماعية أو الروح الكونية على الأنا السحرية. الساحر الذي يفشل في هذا الصراع يشعر بأن الكون كله قد تآمر ضده، وهو شعور حقيقي من منظور ميتافيزيقي؛ لأن اللوغوس (النظام) يدافع عن نفسه ضد الكايوس (الفوضى) التي يمثلها السحر. هذا الصراع هو ما يمنح الإخفاق السحري ثقله الفلسفي، حيث يصبح الفشل دليلاً على عظمة الخصم، وإختباراً لمدى قدرة الساحر على الصمود في وجه اللاوجود دون أن يفقد هويته أو عقله. ختاماً، يمكننا القول إن صراع الإرادات بين الساحر والقوى الميتافيزيقية هو الذي يحدد رتبة الساحر في هرم الوجود. فالساحر الذي ينهزم أمام القيود ويتراجع، يظل سجيناً في عالم الظواهر، أما الساحر الذي يحول الإخفاقات الناتجة عن هذا الصراع إلى معرفة بحدود القوة، فإنه يرتقي إلى مرتبة الخيميائي الصامت الذي لا يحارب القوى الكونية، بل يتسلل بين طيات إرادتها. إن القيود الميتافيزيقية ليست جدراناً صماء، بل هي إختبارات كفاءة؛ والساحر الحقيقي هو من يدرك أن هزيمته أمام القضاء و القدر هي في الواقع المفتاح الأخير لفهم العدم. ففي اللحظة التي يتوقف فيها الساحر عن مصارعة تلك القوى ويقرر الإندماج في صمتها، تنحل القيود من تلقاء نفسها، ويصبح الإخفاق هو الجسر الذي يعبر عليه من إرادة السيطرة إلى سلطة الحضور المطلق.
_ برودة الألماس: هندسة الوعي في مختبر العزلة الميتافيزيقية
تقودنا هذه الرحلة إلى المحطة الأكثر وحشة في حياة الساحر، وهي العزلة الميتافيزيقية، تلك الضريبة الباهظة التي يدفعها الكائن مقابل أصالته ومواجهته العارية للعدم. إن العزلة هنا ليست مجرد غياب للآخرين أو إنقطاع عن الروابط الإجتماعية، بل هي إنفصال كوني يحدث عندما يدرك الساحر أن لغته، وإهتماماته، وحتى طبيعة ألمه، لم تعد تنتمي إلى الحيز البشري المشترك. هذه العزلة هي نتيجة حتمية لعملية التفريد (Individuation) السحرية؛ فبقدر ما يقترب الساحر من أصالة العدم، يبتعد عن الزيف الجماعي الذي يمنح البشر شعوراً كاذباً بالأمان. الساحر يصبح غريباً في لغته، لأن الكلمات التي يستخدمها البشر لوصف الواقع تبدو له قشوراً فارغة، بينما الصمت الذي يسكنه يبدو للآخرين فراغاً موحشاً. إنها عزلة الرائي الذي يرى النور في قلب الظلمة، والعدم في قلب الإمتلاء، مما يجعله كائناً يعيش في عالم موازٍ رغم وجوده الجسدي بين الناس. تتجسد هذه الضريبة في تحول الوعي من كونه مرآة تعكس المجتمع، إلى كونه ثقباً يمتص الوجود. الساحر الذي بلغ مرحلة الأصالة يجد نفسه في مواجهة صمت الأبدية؛ وهو صمت لا يمكن مشاركته مع أحد. هذه العزلة الميتافيزيقية تخلق نوعاً من البرودة الروحية، حيث يفقد الساحر القدرة على التماهي مع المآسي الصغيرة أو الأفراح الزائلة للبشر. بالنسبة له، كل شيء قد كُتب بماء العدم، وكل صخب الحياة هو مجرد صدى بعيد لطلسم قديم. هذه الرؤية تضعه في مقام الغريب المطلق، الذي لا يجد وطناً في المادة ولا سكناً في الروح المشخصة. الأصالة السحرية تقتضي منه أن يكون هو المرجع الوحيد لنفسه، وهذا العبىء هو ما يحول العزلة إلى سجن من الضياء، حيث يتحمل الساحر مسؤولية وجوده وحيداً أمام هول اللاوجود، دون الإستناد إلى إله تقليدي أو منظومة أخلاقية بشرية تبرر له أفعاله أو تخفف عنه وطأة العدم. علاوة على ذلك، فإن عزلة الأصالة تعمل كمحرقة لكل ما هو زائف في الذات؛ فالساحر في عزلته لا يواجه الفراغ الخارجي فحسب، بل يواجه عدمه الداخلي. هذه المواجهة هي التي تصقل الجسد السحري و تجعله صلباً كالألماس. الضريبة هنا هي فقدان الدفىء البشري؛ فالساحر يصبح مثل الجبل الجليدي، قمة ظاهرة وقاعدة غارقة في محيط من الصمت السحيق. هذه العزلة هي التي تمنحه القوة، لكنها أيضاً هي التي تجعله غير مفهوم؛ فالبشر يخشون من يذكرهم بالعدم، والساحر هو التجسيد الحي لهذا التذكير. لذا، فإن العزلة الميتافيزيقية ليست خياراً بقدر ما هي قدر محتوم لكل من تجرأ على تمزيق حجاب الوجود. الساحر يدفع حياته الإجتماعية ثمناً لحريته الأنطولوجية، ليجد نفسه في النهاية ملكاً على مملكة من الخواء، حيث لا رعية له سوى أفكاره، ولا صوت يعلو فوق صوت العدم الخلاّق الذي ينبض في عروقه. ختاماً، يمكننا القول إن العزلة الميتافيزيقية هي المختبر الذي يولد فيه السحر الحقيقي؛ ففي قلب هذه الوحدة القاتلة، يتوقف الساحر عن كونه رد فعل للعالم، ليصبح فعلاً نابعاً من صميمه الخاص. إن الأصالة تقتضي التضحية بالإنتماء، لأن الكل عدو للواحد الذي يريد أن يندمج في العدم. الساحر الأصيل هو الذي قبل أن يكون وحيداً كالعدم، وبذلك إكتسب قدرة العدم على الوجود في كل شيء دون أن يتقيد بشيء. إن هذه العزلة هي الطلسم الأخير الذي يحميه من الإنجرار وراء تفاهة الوجود المادي، و هي التي تضمن أن يظل سحره نقيًا، نابعاً من بئر الصمت الأزلي، بعيداً عن ضجيج الأغراض و المآرب البشرية. ففي نهاية المطاف، الساحر لا يهرب من الناس، بل يرحل نحو الحقيقة التي لا تتسع لأكثر من واحد.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
فيديو يوثّق ما فعله متسلق جبال متهم بترك صديقته تتجمد حتى ال
...
-
وزير خارجية إيران: أمريكا لم تطلب منّا وقف تخصيب اليورانيوم
...
-
-فيفا- تكشف عن خطة بقيمة 75 مليون دولار لغزة: ملاعب جديدة وأ
...
-
التوتر الأمريكي الإيراني: لماذا قد تختار طهران المواجهة بدلا
...
-
فجوة في الأعداد وكلفة بشرية أوسع: قتلى غزة يفوقون الأرقام ال
...
-
تسوية بـ 35 مليون دولار لضحايا إبستين.. هل تنهي الجدل؟
-
حركة حماس تشدد على ضرورة -وقف كامل للعدوان الإسرائيلي- قبل أ
...
-
فيضانات فرنسا: ثلاث مقاطعات في الغرب لا تزال في حالة تأهب قص
...
-
من سوريا إلى العراق وإيران: الأكراد.. أحلام معلقة بين الحدود
...
-
وحيدون في الكون.. هل تأكّد وجود الكائنات الفضائية بعد تصريحا
...
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|