|
|
المناذرة والغساسنه الجزء الاول
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 15:34
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ننشر على حلقات بعضا من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
وَهُما إمارتان عربيتان أقيمتا فِي جَنُوبِ العِراقِ "المُناذِرَةُ (الحَيْرَةُ) وَخَضَعَت لِلنُفُوذِ الفارِسِيِّ، وكانت بِمَثابَةِ حاجِزٍ ضِدَّ هَجَماتِ بَدُوِ نَجِدُ أَساساً. وأما إمارة الغَساسْنَةِ فَقامَت فِي جَنُوبِ سُورْيا تَحْتَ نُفُوذِ البَزَنْطِيِّينَ وَأَيْضاً كَخَطِّ دِفاعٍ لِحِمايَةِ الدَوْلَةِ البِزِنْطِيَّةِ، وَقَدْ سادَت الحُرُوبُ والغزوات بَيْنَ الإمارتين تَنْفِيذاً فِي الغالِبِ لِنُفُوذِ الفُرْسِ والرومان حَتَّى أَنَّ المُؤَرِّخَ ثيوفلنكتس (Theophylaktus) كَتَبَ خَبَراً مَفادُهُ أَنَّ عرب الرومان أَغارُوا عَلَى عَرَبِ الفُرْسِ حَوالَ سَنَةِ (600م) وَحَتَّى الباحِثُ المُهِمُّ تيودور نُولدَكَهُ وَعِنْدَ دِراسَتِهِ عَن أُمَراءِ الغَساسْنَةِ يتحدث عَن عَرَبِ الرُومِ وَعَرَبِ الفُرْسِ، بَلْ إن بَعْضَ كَتَبَةِ اليُونانِ كانُوا يتجنبوا إطلاق لَقَبِ شَيْخِ القَبِيلَةِ عَلَى الحاكِمِينَ فِي هٰذِهِ المَناطِقِ، بَلْ يَصِفُوهُمْ بِالأُمَراءِ مَشْياً عَلَى العادَةِ فِي أَثِينا.
مَمْلَكَةُ الحَيْرَةِ المُناذِرَةُ لَيْسَ هُناكَ اِتِّفاقٌ عَلَى أَصْلِ المَناذِرَةِ أَوْ اللَخْمِيُّونَ كَما يُطْلَقُ عَلَيْهِم فِي الكَثِيرِ مِن البُحُوثِ أَوْ المُلُوكِ الاشاهِبِ أَوْ آلِ النُعْمانِ وَآلِ نَصْر أَوْ النَعامِنُهِ نِسْبَةٌ إِلَى النُعْمانِ بِنِ المُنْذِرِ أشهر مُلُوكَهُم وَكَذٰلِكَ نسبة إِلَى مُلُوكِهِم آل مُحْرِقٍ وَآل عُدَيّ وَهُم، وإن اِتَّفَقَ الكَثِيرُ عَلَى أَنَّهُم مِن السُلالاتِ العَرَبِيَّةِ، إلا أَنَّهُ لَاِيَتَّفِقُ كَيْفَ أُنْشِئَت دَوْلَتُهُم، وَمَنْ هُم فَيُقالُ إنهم تَحالَفُوا مَعَ الرومان، ثُمَّ تَحالَفُوا مَعَ الفُرْسِ وَنُرَجِّحُ الرأى الثانى؛ لِأَنَّ أغلب حُدُودِهِم مَعَ الفُرْسِ، بَلْ أَنَّ هُناكَ مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ الفُرْسَ هُم مَنْ قامُوا بإنشاء وَتَقْوِيَةِ دَوْلَةِ المَناذِرَةِ لِتَكُونَ الصَدَّ الأَوَّلَ والمانع لِهَجَماتِ بَدْوِّ الصَحْراءِ، وللباحث الدكتور حسن عيسى الحكيم مؤلف فخم اطلعنا عليه مؤخرا بعنوان "الحيرة جَذَوةَ الحَضَارةِ وأَصالَةُ التّراثِ" يذكر فيه وبالاستناد الى الطبري والاصفهاني وأبن الاثير " أن الملك البابلي بختصر 626-539 ق.م بنى حيرا على النجف ثم حصنه ثم ضم القبائل العربية فيه" ص 9 وعدنا كالعادة الى تلك المصادر ونشير الى أن الطبري يذكر الحيرة في مواقع كثيرة في الجزء الأول من تأريخه. أما جَرْجِي زيدان فيُذْكَرُ (نَعْتَمِدُ هُنا، وَفِى فَقَراتٍ أُخْرَى مِن بَيْنِ المَصادِرِ عَلَى ما كتبه جَرْجِي زيدان فِي هٰذا المَجالِ فِي بِدايَةِ القَرْنِ الماضِي أَوْ ما قبله بِسَنَواتٍ، عَلَى الرَغْمِ مِمّا أُثِيرَ عَنهُ وَخاصَّةً بِسَنَواتٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَهُ تَصِلُ الى عقود فِالقَوْمِيِّينَ المُتَطَرِّفِينَ جَرْياً عَلَى العادَةِ البَدَوِيَّةِ فِي عَدَمِ قَبُولِ الرَأْيِ الآخَرِ مُهِما كان مَوْضُوعِيّاً، وَ أَنْصَبَ النَقْدَ خاصَّةً عَلَى مُؤَلِّفِهِ تاريخ التَمَدُّنِ الإِسْلامِيِّ عِلْماً بِأَنَّ غالِبَ ماكْتَبِهِ فِي هٰذا وَغَيْرِهِ يَتَّفِقُ مَعَ ما كَتَبَهُ الغالِبِيَّةُ مِن الباحِثِينَ العَرَبِ والأجانب هٰذا ناهِيكَ عَن أَنَّ مُعْظَمَ تِلْكَ المُعارَضاتِ كانت وَكَالعادَةِ أدنى مِن مُسْتَوَى النِقاشِ العِلْمِيِّ لِذا لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَيْها لِذا اِقْتَضَى التَنْوِيهُ) وَعُمُوماً، فإنه يُمْكِنُ العَوْدَةَ إِلَى العَدِيدِ مِن المَصادِرِ التاريخية، وَالَّتِي تُعَدُّ تَقْرِيباً المَصْدَرَ الأَساسَ لِكُلِّ الدِراساتِ الَّتِي أَتَت بَعْدَها وَهِيَ لِلطَبَرِيِّ وَ هِشامُ الكَلْبِي، وَهُوَ يَكادُ يَكُونُ الأهم فِي المَعْلُوماتِ عَن الحَيْرَةِ وَمُلُوكِها، بَلْ يُقالُ إن لَهُ كُتُباً عَن الحَيْرَةِ وَرِجالِها، وَلٰكِنْ لَمْ يَصِلْنا مِن تِلْكَ الكُتُبِ شَيْئاً سِوَى إشارات كُتِبَت عَنها هُنا وَهُناكَ وعلاوة عَلَى ذٰلِكَ هُناكَ مَصادِرُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِها فِي البَحْثِ (جَرْجِي زيدان مَصْدَرٌ سابِقٌ ص 184- 214) أَنَّ اللَخْمِيُّونَ عُمّالُ الفُرْسِ عَلَى أطراف العِراقِ أَوَّلَ مَنْ حَكَمَ العِراقَ آلْ تَنَوَّخُ وَتَنَوَّخَ هٰذا فَرْعٌ مِن قَضاعَةٍ، فَقَدْ ذَكَرَ النَسّابُونَ أَنْ تَنُوخا مَزِيجاً مِن قَضاعَةٍ والأزد قالُوا "أَنَّ زَعِيماً مِن الأزد اِسْمُهُ مالِكُ بِن فَهْم أتى البَحْرَيْنِ، وَاِلْتَقَى هُناكَ بِزَعِيمٍ مِن قَضاعَةِ اِسْمِهِ مِثْلَ اِسْمِهِ، فَتَحالَفا عَلَى التعاون فِي القِتالِ، فَسَمُّوْا "تَنُوخاً" وكان ذٰلِكَ فِي أيام مُلُوكِ الطَوائِفِ، أَوْ فِي أَوائِلِ النصرانية، وتلك إحدى التَفْسِيراتِ وَإِلَى جانبها تَفْسِيراتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ وَبَحْثٌ فِي مَعْنىً تَنَوَّخٍ لِأَنْسَعَى لِلخَوْضِ فِيها، وَلٰكِنَّ الأرجح وَالَّذِي يَتَّفِقُ مَعَهُ الدكتور جواد عَلَيَّ أَيْضاً بِشَكْلٍ ما أَنَّ التَنُوخِينَ هُم قَبائِلُ عَرَبِيَّةٌ (أعراب حَسَبَ الدُكْتُور عَلِي أَيْ بَدُو) كانت تَقْطَنُ فِي جَنُوبِ سُورْيا والأردن وَغَرْبِيِّ العِراقِ وَشَمالِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَتُطَلِّقُ المَصادِرَ اليُونانِيَّةَ عَلَيْهِم اِسْمَ ساراكينوس (وَلٰكِنَّ المَقْصُودَ بِها أَوْ بالأحرى تَرْجَمَتُها عَلَيْهِ اِخْتِلافٌ، فَقَسْمٌ يَقُولُ أَنَّ مَعْناها سكان الخِيّامِ وَالبَعْضُ الآخَرُ يَقُولُ إن الكَلِمَةَ مَركَبَّةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ سارَ وَعَبْدٌ عَلَى اِعْتِبارٍ فَالعَرَبُ يَنْسِبُونَ أَنْفُسَهُم إِلَى إسماعيل وَهُوَ اِبْنُ هاجِرَ، وكانت هاجِرَ عَبْدَةً لَسارَهُ وَالقِصَّةَ المَشْهُورَةَ أَنْ سارة لَمْ تَكُنْ فِي البِدايَةِ تَسْتَطِيعُ الإنجاب لِذٰلِكَ طَلَبَت مِنْ زَوْجِها إبراهيم أَنْ يَدْخُلَ عَلَى جارِيَتِها هاجَرَ، فَفَعَلَ وَوُلِدَ لَهُ اِسْماعِيل) وَتُتَرْجَمُ أَيْضاً سَرّاقَيْنِ، وَقَدْ أَشَرْنا إِلَى ذٰلِكَ فِي مَوْقِعٍ آخَر وكان جثيمة الأَبْرَشِ المَشْهُورَةِ أسطورته مَعَ الزُباءِ مَلِكاً عَلَى قَبائِلِ التَنُوخِيِّينَ. إِذَنْ فَاِلْتَنُوخُ هُم قَبِيلَةً وَهُوَ ما يميل إليه الدُكْتُورُ جَواد عَلِي كَما ذَكَرْنا (يَنْظُرُ أَيْضاً الأَساطِيرَ بَيْنَ المُعْتَقَداتِ القَدِيمَةِ والتوراة عَلَيَّ الشَوْكُ طَبْعَةُ أزمنة 2000 ص 143) إن تارِيخَ المَناذِرَةِ وَصَلْنا أَوْضَحَ مِن تارِيخِ غَيْرِهِم مِنْ الحَضاراتِ بِما فِيهِم الغَساسِنَةُ، وَذٰلِكَ لِأَنَّهُ كان مُدَوَّناً فِي كُتُبِ الحَيْرَةِ وَمُثَبِّتاً فِي كَنائِسِهِمْ وَأَشْعارِهِمْ "وَإِلَى حَدٍّ ما، فإنه وَكَما يُقالُ كَثِيراً (الشَعْرُ دِيوانُ العَرَبِ) وَأَنْ أخذ ذٰلِكَ بِتَحَفُّظٍ"لَقَدْ وَصَلَ إلينا تاريخ مُلُوكِهِمْ وأعمارهم وَتارِيخِ حُكْمِهِمْ، وإن كان فِيهِ بَعْضَ عَدَمِ الدِقَّةِ أَوْ اللُبْسِ وَالاِرْتِباكِ فِي التَسْمِياتِ، فَيَذْهَبَ البَعْضُ إِلَى أَنَّ نَصْرَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ لَخْمِ بْنِ عُدَيٍّ هُوَ أَوَّلُ مُلُوكِهِمْ يَرَى الكَلْبِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مُلُوكِهِمْ هُو مالِكَ بْنِ فَهْم بِنْ تَنُوخَ فِي حِينِ يَرَى آخَرُونَ أَنَّ جَثِيمَةَ الأَبْرَشِ كان أَوَّلَ مُلُوكِهِم، كَما أَنَّ هُناكَ عَدَمَ دِقَّةٍ فِي مُدَّةِ حُكْمِ الكَثِيرِ مِن مُلُوكِهِم فَمُدَّةُ حُكْمِ بَعْضِ مُلُوكِهِم تَبْدُو غَيْرَ مَنْطِقِيَّةٍ فَمَثَلاً، المَلِكُ عُمَر بْنُ عَدَيٍّ جعلوا مِدَة حُكْمُهُ 118 سَنَةً وَمُدَّةُ حُكْمِ اِمْرِئِ القَيْسِ 114 سَنَةً، وَهٰذِهِ مَدَدٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ. أما عَدَدُ مُلُوكِهِم فَهُوَ الآخَرُ غَيْرُ دَقِيقٍ (وَلٰكِنَّ جَرْجِي زيدان قامَ بِمُقارَنَةٍ ذَكِيَّةٍ اِسْتَمَدَّها فِيما يَبْدُو مِن هِشامِ الكَلْبِيِّ لِمَعْرِفَةِ مُدَّةِ حُكْمِ كُلِّ مَلِكٍ وإعطاء المَدَدِ الأقرب لِلصَحِّ أَوْ الواقِعِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ الاِعْتِمادَ عَلِيْها، وَذٰلِكَ بِمُقابَلَةِ كُلِّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الحَيْرَةِ بِما يُقابِلُهُ أَوْ حُكْمٍ فِي زمانه مِنْ مُلُوكِ الفُرْسِ) أَمّا عَدَدُ المُلُوكِ فَكانُوا 22 ملكا حَكَمُوا لِمُدَّةِ 364 سنة كُلُّهُم مِن سُلالَةٍ واحدة عَدَى سِتَّةٍ مِنهُم أَمّا الخوارزمى فَقَدْ رَتَّبَ قائِمَةً تَتَأَلَّفُ مِن 26 مَلِكاً ( مُحَمَّد بْنُ أَحْمَد بِنِ يُوسُفَ الخَوارِزْمِيِّ مَفاتِيحَ العُلُومِ تَحْقِيقُ مُحَمَّد كَمال الدِين الاِدْهَمِيّ الناشِرُ مُؤَسَّسَةُ هَنْدَأَوِي الفَصْلِ الرابِعِ فِي ذِكْرٍ مِنْ مَلِكٍ مُعَدّاً مِنْ اليمانيين فِي الجاهِلِيَّةِ ص 76-77 ) أما عَن تَسْمِيَةِ الحَيْرَةِ، فَقَدْ قِيلَ الكَثِيرُ عَن أَصْلِ تَسْمِيَةِ الحَيْرَةِ (وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ النَجَفِ الحالِيَّةِ) مِنْها أَنَّ اِسْمَها جاءَ مِنْ التِيهِ وَالحَيْرَةِ، أَوْ أَنَّها أَصْلاً "حَيْرا"أي حَظِيرَةٌ أَوْ بستان، ثُمَّ صارَتْ حَيْرَةً أَوْ قِيلَتْ حَيْرَةً مِنْ الحِوارِ، أَيْ البَياضِ لِبَياضِ أبنيتها وَيَرَى جُرْجِي زيدان أَنَّ اِسْمَها سريانى وَمَعْناهُ الحِصْنُ أَوْ المَعْقِلُ أَوْ الخَنْدَقُ؛ وَلِذٰلِكَ كانُوا يَعْرِفُونَها "حَيْرَةُ النُعْمانِ"أَوْ"حَيْرَةِ المُنْذِرِ" وَيُورِدُ الدكتورُ جَواد عَلِي أَنَّ مُعْظَمَ المُسْتَشْرِقِينَ يَرَوْنَ أنها كَلِمَةُ مَنَ كَلِماتٌ بَنِّي أَرَمَ وَإِنَّها ( حُرَّتا) (Harta) (Hirta) حَيْرَتا أَوْ حيرتو السريانية الأَصْلِ وَمَعْناها المُخَيَّمُ المُعَسْكَرُ، وَ لَقَدْ غَدَت الحَيْرَةُ مَدِينَةً عامِرَةً فِيها القُصُورُ وَالحَدائِقُ والأنهار، حَتَّى ذاعَ خَبَرُ الخورَنَقِ وَالسَدِيرُ بَيْنَ القُصُورِ التاريخية، وَقَدْ قَسَّمَ السكان النَسّابَةُ هِشامَ الكَلْبِي إِلَى ثَلاثَةِ أقسام 1- تَنَوَّخُ مِن بَقايا العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مالِكِ بِن فَهْم وَجَثِيمَةَ الأَبْرَشِ، وَكانُوا يَسْكُنُونَ المَظالِمَ وَالبُيُوتَ مِن الشَعْرَ أُو الوَبَرِ فِي غَرْبِيِّ الفُراتِ ما بِينَ الأَنْبارِ وَالحَيْرَةِ 2- العِبادُ وَهُم سكان الحَيْرَةِ نَفْسُها، وَالَّذِينَ نَزَلُوا فِيها وَاِبْتَنُوا المَنازِلَ، وَهُم يُدِينُونَ بِالمَسِيحِيَّةِ عَلَى المَذْهَبِ النُسْطُورِيِّ 3- الأَحْلافَ الَّذِينَ لَحِقُوا بأهل الحَيْرَةِ وَهُم لَيْسُوا مَنْ تَنَوُّخٍ. وَقَدْ أسس المَناذِرَةُ مَمْلَكَةً قَوِيَّةً اِمْتَدَّ نُفُوذُها مِن العِراقِ إِلَى مَشارِفِ الشامِ شَمالاً، وَإِلَى عَمّانَ جَنُوباً بِما فِيها البَحْرَيْنُ وَاِسْتَمَرَّت مَمْلَكَتُهُم 268-633 مِيلادِيَّةً وَلٰكِنْ رَغْمَ اِسْتِقْلالِها وَقَعَتْ هٰذِهِ المَمْلَكَةُ تَحْتَ نُفُوذِ الفُرْسِ أما مَنْ بَنَى الحَيْرَةَ، فَهُناكَ وَكَما هِيَ الكَثِيرُ مِنْ المُدُنِ فِي المِنْطَقَةِ، نِقاشاتٌ وَآراءٌ كَثِيرَةٌ وَقِسْمٌ مِنْها يَدْخُلُ فِي بابِ الأَساطِيرِ، وَلٰكِنَّ هٰذا الأَمْرَ لا يعنينا كَثِيراً، بَلْ ما نَوَدُّ إبرازه هُوَ المكانة الحَضارِيَّةُ لِهٰذِهِ المَمْلَكَةِ فِي تارِيخِ العَرَبِ القَدِيمِ لِنُبَرِهِنَّ من جديد أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِكُلِّ الأحوال تاريخ جاهِلِيَّةٍ بِأَيِّ مَعْنىً مِنْ المعانى الَّذِي قَصَدْتُ بِهِ، كَما أَنَّ ثيودور نُولِدُكَهُ وَفِي دِراسَتِهِ أُمَراءُ غسان يُذْكَرُ أَنْ سمعان البِتِرْشامِيَّ سَمّاها " حَرْثاً النُعْمانَ" وَطَوْراً " حَرْثاً" وَهِيَ لاشِكَّ تِلْكَ المَدِينَةَ الَّتِي عُرِفَتْ عِنْدَ العَرَبِ بِاِسْمِ "الحَيْرَةِ"( نُوْلِدَكَهُ أُمَراءُ غسان المَطْبَعَةُ الكاثُولِيكِيَّةُ –بَيْرُوتُ 1933 ص 52-53 وص 86 في طبعة دار الوراق) كَتَبَ الإخباريون وَالباحِثُونَ الكَثِيرَ عَن اللَخْمِيُّونَ أَوْ المَناذِرَةِ وَعَن مُلُوكِهِم وَالمَعارِكِ الَّتِي خاضُوها مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُشْتَرِكِينَ مَعَ غَيْرِهِم وَعَن مُخْتَلِفِ الأَحْداثِ وَالاِزْدِهارِ الَّذِي سادَ الحَيْرَةَ وَالعِمارَةَ وَالقُصُورَ وَخاصَّةً مِنْها الخَوْرَنَقَ وَالسَدِيرَ، وَما نُسَجَ حَوْلَها مِنْ قِصَصٍ وَهُناكَ خَلَطَ فِي أَسْماءِ المُلُوكِ وَمَدَّدَ حُكْمَهُم وَالأَحْداثَ الَّتِي تَرافَقَتْ وَحُكَمَهُمْ، وَقَدْ يَعُودُ السَبَبُ إِلَى التَكْرارِ فِي أسماء (المُنْذِرِ وَالنُعْمانِ) كَما فِي أيام البؤس وَالنَعِيمِ، فَمَنْ يُصادِفُهُ فِي يَوْمِ بُؤْسِهِ قَتْلُهُ كَما فِي قَتْلِ عُبَيْدِ بْنِ الأَبْرَصِ، وَقَدْ نَسَبَها البَعْضُ إِلَى المُنْذِرِ بْنِ ماءِ السُمّا (وَماءِ السُما هِيَ أمة) وَإِلَى النُعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ تَنْسَبُ بِناءَ مَدِينَةِ النُعْمانِيَةِ القائِمَةِ حَتَّى اليَوْمِ وإليه تَنْسِبُ الزُهُورَ البَرِّيَّةُ شَقائِقَ النُعْمانِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَما شاهَدَها أَحَبَّها وَطَلَبَ الإكثار مِنْها وَالعِنايَةَ بِها وإليه تَنْسَبُ الاِهْتِمامَ بِالشُعَراءِ وَخاصَّةً مِنْهُمْ النابِغَةَ الذَبِيانِيَّ وَالمَنْخَلَ اليَشْكُرِيَّ وَهُوَ الَّذِي تنتهى حَياتُهُ بِقِصَّةٍ مأساوية (غَيْرِ مُحَقَّقَةٍ تَماماً) وَهِيَ قَتْلُهُ مِنْ قِبَلِ كِسْرَى (خَسْرُو المُلَقَّبِ بَرْويز بِأَنْ رَماهُ تَحْتَ أرجل الفِيَلَةَ؛ وَكَذٰلِكَ قَصْرَ الخَوْرَنَقِ، وَالَّذِي تَرْتَبِطُ بِحادِثَةِ بِنائِهِ مَعَ سِنْمار وَلٰكِنَّ المَلِكَ الَّذِي بَناهُ هُوَ النُعْمانُ بْن امرؤ القَيْسِ، وَاِرْتَبَطَ هٰذا القَصْرُ بِأَوَّلِ مُؤْتَمَرٍ أراد تَوْحِيدُ العَرَبِ ضِدَّ الساسانيين "مُؤْتَمَرُ الخورَنَقِ" وَيُمْكِنُ العَوْدَةُ إِلَى جُرْجِي زيدان أَوْ إِلَى الدُكتورِ جَواد عَلَى أَوْ تَوْفِيق برو أوالدكتور فليب حَتِّي أَوْ حَتَّى الآنترنيت لِلتَوَسُّعِ فِي مَواضِيعِ المُلُوكِ وَالقُصُورِ وَالحُرُوبِ وَخاصَّةً يَوْمَ ذِي قارٍ حَيْثُ لا نرى ضَرُورَةُ تَكْرارِ تِلْكَ المَعْلُوماتِ الكَثِيرَةِ وَالطَوِيلَةِ، وَلٰكِنَّ الشَيِّقَةَ فِي فِقْرَتِنا هٰذِهِ، وَلٰكِنَّنا سَنَمُرُّ سَرِيعاً عَلَى بَعْضِ الجوانب ثُمَّ الاِقْتِصادِ وَالدِينِ، وَالَّذِي لَهُ صِلَةٌ بِما نُرِيدُ تبيانه، وَقَبْلَ ذٰلِكَ بُوُدِّنا العَوْدَةَ وَالتَوَقُّفَ فِي بَعْضِ كَلِماتٍ عَن أحد أَشْهَرِ مُلُوكِ المَناذِرَةِ فِي الحَيْرَةِ ألا وَهُوَ النُعْمانُ بِن امرؤ القَيْسِ الأعور السائِحُ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي تاريخ تَوَلِّيهِ وَمُدَّةِ حكمه، وَلٰكِنْ مِن المُرَجَّحِ (نَجِدُ قِصَّةَ تَسْمِيَتِهِ بِالسائِحِ مُفَصَّلَةً فِي الجُزْءِ الثالِثِ مِن المِفْصَلِ فِي تارِيخِ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ الدُكْتُورِ جَواد عَلَي ص 203 وَما يليها) أَنَّهُ حَكَمَ فِي بداية القرن الخامِسِ، أَوْ قَبْلَ ذٰلِكَ بِقَلِيلٍ، وَأَنَّ مُدَّةَ حُكْمِهِ اِسْتَمَرَّت لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، فَقَدْ قادَ غَزَواتٍ عَدِيدَةً عَلَى الشامِ (الغَساسْنَةِ) وكان لَدَيْهِ أَساساً كَتِيبَتَيْنِ حَرْبِيَّتَيْنِ نِظامِيَّتَيْنِ الأُولَى وَاِسْمُها الشَهْباءَ، وَتَتَكَوَّنُ مِن رِجالِهِ الفُرْسُ والأخرى مِن أَبْناءِ تَنَوُّخٍ وَأَسَمِها دوسر وَكانَت هذان الكُتِيبَتانِ مِن أَشْرَسِ الرِجالِ وَأَشَدِّهِم فِي المَعارِكِ، وكانت تَدْخُلُ الرُعْبَ عِنْدَ سَماعِ اِسْمِهِما، حَتَّى قِيلَ مَثَلاً "أبطش مِنْ دوسر" وَقَدْ اِسْتَخْدَمَهُما خاصَّةً فِي قِتالِ الَّذِينَ لا يَخْضَعُونَ لَهُ هٰذا علاوة عَلَى وُجُودِ كَتائِبَ أُخْرَى غَيْرِ نِظامِيَّةٍ وَهِيَ الرَهائِنُ وَالصَنائِعُ وَالوَضائِعُ وَلَقَدْ كان هٰذا المَلِكَ السادِسَ مِنْ أَشَدِّ وَأَقْسَى مُلُوكِ المَناذِرَةِ، كَما أَنَّ شُهْرَتَهُ أتت أَيْضاً مِنْ بِنائِهِ قَصْرُ الخورَنَقِ (السَدِيرُ أَقْدَمُ بِناءٍ، وكان دائِماً مَقَرٌّ لِلحُكّامِ آل لَخْمٍ مِنْ قَدِيمِ الزمان) وَقَدْ اِرْتَبَطَت العَدِيدُ مِنْ القِصَصِ خاصَّةً بِالخورنقِ، فَيُقالُ أَنَّهُ بَعْدَ إتمام بِنائِهِ مِنْ قِبَلِ المُهَنْدِسِ البِيزَنْطِيِّ سِنَمار أمر النُعْمانِ بِرَمْيِهِ مِنْ أَعْلَى القَصْرِ ليلقى حتفه؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ لِلنُعْمانِ أَنَّ بِاِسْتِطاعَتِهِ بِناءَ أجمل مِنْهُ وَأَنَّ البِناءَ يرتكز عَلَى حَجَرٍ واحد مَتَى ما سَحُبَ يُسْقُطُ القَصْرَ وَهُناكَ روايات كَثِيرَةٌ حَوْلَ هٰذا وَالخورنقِ هُوَ تَعْرِيبُ خورنْقاهُ وَهُوَ المَوْضِعُ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ، وَيَشْرَبُ ومن أجل ذلك أَتَتْ القِصَّةُ القائِلَةُ بِأَنْ بَناهُ تَلْبِيَةً لِطَلَبٍ يَزْدُجَرَدَ بْنِ سابُور حَيْثُ أَنَّهُ كَأَنْ يعانى مِنْ مسألة مَوْتِ أبنائه لِذٰلِكَ أرسل اِبْنَهُ بَهْرامَ لِيَعِيشَ فِي مكان فِيهِ طَيبُ الهَواءِ اِزْدَهَرَت الحَيْرَةُ فِي زَمَنِ النُعْمانِ؛ وَلِذٰلِكَ سُمِّيَت حَيْرَةَ النُعْمانِ، وَفِي عَهْدِهِ بَدَأَت جُذُورُ المَسِيحِيَّةِ بالانتشار فِي الحَيْرَةِ وَسَمَحَ بِبِناءِ الكَنائِسِ وَالأَدْيِرَةِ كَما أَنَّ مِنْ أَشْهَرِ مُلُوكِهِم هُوَ المُنْذِرُ بْنُ اُمْرُؤ القَيْسُ بْنُ ماءِ السَماءِ وَماءُ السَماءِ هُوَ لَقَبُ لأمه مارِيّا، وَاِرْتَبَطَ اِسْمُهُ بِمُعارَضَتِهِ المُزْدَكِيَّةِ وَاِرائِها فكانت سَبَباً فِي تشريده بَعْضِ الوَقْتِ كَما ألفت قِصَّةُ يَوْمَيْ البُؤْسِ وَالنَعِيمِ عَلَى عُهْدَةٍ وَهِيَ فِي قَناعَتِنا مِنْ الخُرافاتِ وَالقِصَصِ المَوْضُوعَةِ، وَالَّتِي تُوجَدُ فِي التارِيخِ مايْشْبْهها فِي الكَثِيرِ. أُنْشِئَت مَمْلَكَةُ المَناذِرَةِ عَلاقاتٍ قَوِيَّةً مَعَ الحَضَرِ وَتُدَمِّرُ وَالأَنْباطَ، بَلْ وَالقَرِيشَيْنِ فَقَدْ اِهْتَمَّ المَناذِرَةُ بِالتِجارَةِ وَالصِناعَةِ وَالزِراعَةِ، فكانت لَهُم قَوافِلُهُم التِجارِيَّةُ "لِطائِمٍ" وكان لَهُم دَوْرٌ فِي رَبْطِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ بِالشامِ وَالعِراقِ، وَيُشارِكُونَ فِي جَمِيعِ الأَسْواقِ كَما عَمِلُوا عَلَى تَوْفِيرِ الحِمايَةِ لِلقَوافِلِ التِجارِيَّةِ، وكانت لَهُم مَواكِبُهُم التِجارِيَّةُ النَهْرِيَّةُ وَالبَحْرِيَّةُ، فَكانُوا عَبْرَ نَهْرِ الحَيْرَةِ المُتَفَرِّعِ عَن الفُراتِ فَكانُوا يَرْكَبُونَ القَوارِبَ حَتَّى الأَبْلَّةِ وَهُناكَ يَرْكَبُونَ السُفُنَ الكَبِيرَةَ لِيَجِبُوا البِحارَ وُصُولاً إِلَى الهِنْدِ وَالصِينِ مِنْ جِهَةِ الشَرْقِ وَالبَحْرَيْنِ وَعَدَنٍ مِنْ جِهَةِ الغَرْبِ، كَما لَعِبَت الزِراعَةُ دَوْراً مُهِمّاً لِخُصُوبَةِ الأرض وجريان نَهْرُ الحَيْرَةِ وكانت هُناكَ مَساحاتٌ كَبِيرَةٌ مِن بَساتِينِ النَخِيلِ وَالفَواكِهِ وَالمَزْرُوعاتِ الأخرى، وَقَدْ اُشْتُهِرَت صِناعَةُ الخَمْرِ الحَيْرِيِّ وَالَّذِي بَقِيَ حَتَّى بَعْدَ الإِسْلامِ وَهُناكَ صِناعَةُ السِلاحِ وَالنَسِيجِ بِأَنْواعِهِ وَالدِباغَةِ وَصِناعاتٍ أُخْرَى كَثِيرَةٌ، وَقَدْ كانت الأَسْواقُ المجاورة فِي فارِس وَالجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ مُمْتَلِئَةٌ بِالمُنْتَجاتِ مِنْ الحَيْرَةِ وَبِالعَوْدَةِ إِلَى العَمْرَأَنَ فإن قُصُورَ الحَيْرَةِ كَثِيرَةٌ مِنْها قَصْرُ سندان وَقَصْرُ البرذويلِ فِي كَرْبَلاءَ وَقَصْرَالعَذِيبِ هٰذا إِضافَةً إِلَى الخَورَنَقِ وَالسَدِيرِ وَهُناكَ الأديرة وَالكَنائِسُ، وَالَّتِي وَقَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ مِنْها وَالمُكْتَشِفُ مِنْها فِي النَجَفِ فِي حُدُودِ أربعة عَشَرَ دَيْرَ وَتَمَيُّزِ العمران الحَيْرِيِّ بِخَصائِصَ تَفْرِدُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَهُناكَ ماسِمِيٌّ بِالطِرازِ الحَيْرِيِّ وَبَقِيَ مَعْرُوفاً حَتَّى فِي العَصْرِ الإِسْلامِيِّ، وَقَدْ عَثَرَ عَلَى الكَثِيرِ مِنْ الآثار وَالمُقْتَنَياتِ وَخاصَّةً المَسِيحِيَّةَ وَلاتَزالُ المِنْطَقَةُ فِي غالِبِيَّتِها غَيْرَ مُكْتَشِفَةٍ لِأَسْبابٍ عَدِيدَةٍ وَلٰكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ لَنا فِي المُسْتَقْبَلِ عَنْ حَقائِقَ أُخْرَى كَبِيرَةٍ. وَلَعَلَّ ما يميز الحَيْرَةَ أَيْضاً، وأعطى لَها أهمية خاصَّةً هُوَ الحَرَكَةُ الأدبية فِيها فمازال العَرَبُ والأدباء وَالقُرّاءُ العَرَبُ يَتَغَنَّوْنَ بِأَشْعارِ النابِغَةِ الذبيانى (أُمامَةَ زِيادِ بْنِ معاوية بْنِ ضَباب الذبيانى) شاعِرِ النُعْمانِ يا دارُ مِيَّةٌ بِالعَلْياءِ فَالسَنَدِ أَقُوتُ وَطالَ عَلَيْها سالِفُ الأَبَدِ وَطُرْفَةُ اِبْنِ العَبْدِ لِخَوْلَةِ أَطْلالٍ بِبَرْقَةِ ثَهْمَدٍ تَلَوحُ كَباقِي الوَشْمِ فِي ظاهِرِ اليَدِ وَالَّتِي تُرْجِمَتْ لِعِدَّةِ لغات، وَعَمْرو بْنِ كُلْثُوم التَغْلِبِى (أَبُو الأسود) أَلا هَبِى بِصَحْنِكِ فَاِصْبَحِينا، وَلا تُبْقِي خُمُورُ الأَنْدَرِينا وَعَبِيدُ الأَبْرَص وَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَ أعشى قَيْسٌ وَ حسان بْنَ ثابِتٍ وَالمُثَقَّفِ العَبْدِيِّ وَالكَثِيرِ غَيْرِهِمْ، بَلْ لَقَدْ أمر النُعْمانُ بْنِ المُنْذِرِ بِنَسَخِ أشعار العَرَبِ، وَقَدْ وَجَدْتُ بَعْضَها مَدْفُونٌ فِي قَصْرِهِ الأَبْيَضِ، بَلْ أَنَّ النُعْمانَ كَأَنْ يُقِيمَ مهرجانا لِلشَعْرِ فِي قَصْرِ الخَورَنَقِ وَسُمِّيَ هٰذا المهرجان "المُؤْتَمَرُ" (النابِغَةَ الذَبِيانِيَّ مِنْ أشهر شْعَراءِ الجاهِلِيَّةِ لايَعْلَمُ سَنَةَ وِلادَتِهِ، وَلٰكِنَّ وَفاتَهُ كانت سَنَةُ 605م أَوْ نَحْوُ ذٰلِكَ وكان فِي بَلاطِ النُعْمانِ، إِلّا أَنَّ خِلافاً نشأ، عَلَى قَصِيدَةٍ اِضْطَرَّتْهُ إِلَى الهِجْرَةِ إِلَى بَلاطِ الغَساسِنَةِ أعداء المَناذِرَةِ، وَقِيلَ أَنَّهُ وَبَعْدَ سَنَواتٍ عادَ إِلَى النُعْمانِ، وَاِعْتَذَرَ وَفِي نِهايَةِ الأَمْرِ عادَ لِقَوْمِهِ، وانقطعت صِلَتُهُ بِالحُكّامِ وَلَهُ الكَثِيرُ مِنْ الشِعْرِ) وكانت العُلُومُ الأُخْرَى مُتَطَوِّرَةٌ كَما الطِبِّ، فَقَدْ كان مُتَقَدِّماً فِي الحَيْرَةِ وَكَثِيرٍ مِن الأطباء مِن الحَيْرَةِ ساهَمُوا حَتَّى فِي العَصْرِ الإِسْلامِيِّ هٰذا ناهِيكَ عَن أَنَّ الحَيْرَةَ كانت مَرْكَزاً مُهِمّاً لِلنُسْطُورَيْنِ وَكَأَنَّ هُناكَ العَدِيدَ مِن الكَهَنَةِ وَالقُدْيسَيْنِ الَّذِيْنِ أثرو الحَياةَ الفِكْرِيَّةَ وَالدِينِيَّةَ، وَمِنهُم القِدِّيسُ حَنّا نَيْشُوع وَالقِدِّيسُ مارٌّ يُوحَنّا (مِنْطَقَةُ الحنانة فِي النَجَفِ سُمِّيَت بِاِسْمِ جامِعٍ يَتَوَسَّطُ المِنْطَقَةَ وَهُوَ جامِعُ الحنانة، وَهٰذا الجامِعُ بُنِّيَّ عَلَى أَنْقاضِ دَيْرٍ حَنّا، وَحَوَّرَت تَسْمِيَتَهُ تارِيخِيّاً إِلَى الحنانة، وَنَسَجَت حَوْلَ التَسْمِيَةِ قِصَّةً خُرافِيَّةً لِاِمْجالٍ لِذِكْرِها فَهِيَ خارِجَ مَوْضُوعِنا) وَهٰكَذا، فإن الحَيْرَةَ لَعِبَت دَوْراً فِكْرِيّاً وَثَقافِيّاً وَدِينِيّاً فِي المِنْطَقَةِ اِسْتَمَرَّ حَتَّى الإِسْلامِ، وَلٰكِنَّهُ وَبَعْدَ غَزْوِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ بَدَأَ بِالتَراجُعِ وَالاِضْمِحْلالِ على نحو تدريجي هٰذا إن لَمْ يُدَمِّرْ بِشَكْلٍ يَكادُ كامِلٌ. أما فِيما يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المَسِيحِيِّينَ (النَساطِرَةِ) وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ اليُعاقَبَةُ فِي الحَيْرَةِ وَهُم الغالِبُ عَلَى ما يبدو مِنْ النُقُوشِ وَحَجْمِ الأديرة، بَلْ إن بَعْضَ المَصادِرِ تَقُولُ إن أَوَّلَ مَنْ تَنَصَّرَ هُوَ النُعْمانُ بْنُ المُنْذِرِ وَفِي هٰذا قِصَصٌ مُخْتَلِفَةٌ، وعدا ذٰلِكَ فَقَدْ سادَت عِدَّةُ جَماعاتٍ مِنْ الزَرادِشْتِيَّةِ، أَوْ مِنْ عَبَدَةِ الأَصْنامِ، وكانت أَصْنامُهُم نَفْسُ الأَصْنامِ الَّتِي سادَتْ لَدَى معظم العَرَبِ، وَمِنهُم أهل مَكَّةَ وَهِيَ أصنام مِثْلَ العِزِّيِّ وَالَّتِي كان المُنْذِرَ بْنَ اِمْرِئِ القَيْسِ بْنِ ماءِ السَماءِ يُقَدِّمُ لَها الذَبائِحَ مِنْ البَشَرِ وَهُناكَ أَيْضاً نُقُوشُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ المُلُوكِ الآخرين كانُوا عَلَى الوَثَنِيَّةِ، وَيُمْكِنُ القَوْلُ أَنَّ المُلُوكَ وَحَتَّى نِهايَةَ القَرْنِ الخامِسِ كانُوا وَثَنِيِّينَ. أَنَّ المَناذِرَةَ أَسَّسُوا مَمْلَكَةً مُزْدَهِرَةً، وإن لَمْ تستمر أقل مِنْ أربعة قُرُونٍ إلا أَنَّها أَثَّرَتْ فِي تارِيخِ المِنْطَقَةِ خاصَّةً عَبْرَ عاصِمَتِها الحَيْرَةِ وَقَدْ كانت نِسْبَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُم مِمَّنْ يُجِيدُونَ القِراءَةَ وَالكِتابَةَ، وَتَرَكُوا عُلُوماً وَعِمارَةً وَكانُوا مُلُوكَها مُتَأَثِّرِينَ بِمُظاهَرَةِ أُبَّهَةِ الساسِاِنيينَ وَبَلاطِهِم كَأَنَّ صُورَةً مُصَغَّرَةً لِبَلاطِ المَدائِنِ إلى حد بعيد، وتركوا عُلُومٍ وَتُراثِ اِسْتَفادَةً مِنْها المُسْلِمُونَ لاحقا
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دولة تدمر
-
الحواضر العربية الشمالية
-
الجزء الثالث المدنيات العربية
-
الجزء الثاني من المدنيات العربية
-
المدنيات العربية
-
العرب قبل الاسلام (2)
-
العرب قبل الاسلام الحواضرالعربية
-
من يحكمنا
-
الاسلام والبداوة
-
الأمن الوطني العراقي يصادر كتابي -البدو والإسلام جذور التطرف
...
-
أخسر صفقة من أبي غبشان
-
كُتُبَنا كَثِيرَة مَعأرِفُنا قَلِيلَة
-
مربط الفرس
-
ألويس موسيل
-
جذور المشكل العراقي
-
الأحابيش من قريش الى فارس
-
تكملة القسم الثالث. النصولي والدولة الاموية
-
القسم الثالث. النصولي والدولة الاموية
-
القسم الثاني. النصولي والدولة الاموية
-
النصولي والدولة الاموية
المزيد.....
-
حضارة إسلامية؟
-
بولس يطالب بحكومة مدنية في السودان ويحذر من دور الإخوان
-
الإمارات تدعو لمسار سياسي سوداني يستبعد -المتطرفين والإخوان-
...
-
أغاني البيبي.. تردد قناة طيور الجنة بيبي على القمر نايل سات
...
-
-رأس الأفعى-.. عمل درامي يكشف خبايا أخطر رجال الإخوان
-
أزمة رؤية الهلال: صراع الفقه والسياسة في مواجهة الوحدة الإسل
...
-
-شقة إيهود-.. إسرائيل متهمة بإدارة النظام الأمني بمنزل إبستي
...
-
السودان.. شكوك حول قدرة البرهان على فك ارتباط الجيش بالإخوان
...
-
مكتب إعلام الأسرى الفلسطيني: قوات الاحتلال تعتقل عددا من موظ
...
-
تزامن رمضان 2026 مع الصوم الكبير عند المسيحيين -إشارة جيدة-
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|