أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في وعي الموت وغفلتنا عنه














المزيد.....

مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في وعي الموت وغفلتنا عنه


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 09:51
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


كما عوّدناكم ضمن سلسلة «مقولة وتعليق»، نتناول مقولةً أو بيتًا شعريًا بالشرح والتحليل والتعليق، في محاولةٍ لالتقاط ما وراء الكلمات من دلالاتٍ نفسية واجتماعية وسياسية، وربطها بتجربة الإنسان وواقعه... ؛ وفي هذا السياق، نعرّج اليوم على واحدٍ من الأبيات الخالدة للشاعر الأموي الكبير جرير بن عطية بن حذيفة الخَطَفي (33هـ/653م – 110هـ/728م)، أحد أعلام شعر النقائض، حين أنشد قائلًا:
تُرَوِّعُنا الجَنائِزُ مُقبِلاتٍ *** فَنَلهو حينَ تَذهَبُ مُدبِراتِ
بيتٌ قصير، لكنه يفتح بوابةً واسعة على سؤال الوجود الأكبر: كيف نرى الموت؟ وكيف نتأثر به؟ ولماذا نرتعد عند حضوره، ثم نعود إلى لهونا عند انصرافه؟
وقد ذهب غير واحدٍ من الشعراء إلى إعادة صياغة هذا المعنى، فقال بعضهم:
تروعني الجنائز كل يوم *** ويحزنني بكاء النائحات
ونسج آخر على المنوال نفسه:
تروعني الجنائز في كل وقت *** ويحزنني بكاء النائحات
وهذه الصيغ، على اختلافها، تنقلنا جميعًا إلى الحقيقة الوجودية التي نهرب منها أو نتغافل عنها، ونعمل جاهدين على نسيانها وعدم الاكتراث بها، ألا وهي حقيقة الموت والفناء... ؛ من هنا تستدعي الذاكرة قول حكيم العراق الإمام علي بن أبي طالب :
«ما خلق الله يقينًا لا شك فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقين فيه من الموت».
مقولةٌ تكشف التناقض العجيب في حال الإنسان؛ فالموت يقينٌ لا ريب فيه، لكن شدة الغفلة عنه، وعدم الاستعداد له، تجعل هذا اليقين في سلوكنا اليومي كأنه شكّ... ؛ ويعزز الإمام علي هذا المعنى بقوله:
«عجبتُ لمن نسي الموت وهو يرى الموتى».
جرير، في بيته، لا يصف حالةً فردية بقدر ما يشخّص ظاهرةً إنسانية عامة: نحن نضطرب حين تمرّ الجنائز أمام ناظرنا، ونحزن ونقلق، ولا سيما إذا كانت تحمل رفات قريبٍ أو صديقٍ أو حبيب... ؛ غير أننا، ما إن تمضي الجنائز إلى المقابر، حتى نعود إلى اللهو وكأن شيئًا لم يكن... ؛ هنا لا يدين الشاعر بقدر ما يتعجب؛ فالإنسان مجبولٌ على النسيان، ولولا نسيان فقد الأحبة لما استطاع مواصلة العيش... ؛ النسيان، بهذا المعنى، آلية دفاع نفسي، لكنه في الوقت نفسه بابٌ واسع للغفلة.
أما الشاعر الآخر الذي أضاف عنصر بكاء النائحات، فقد التفت إلى بعدٍ أكثر إيلامًا: ليس منظر الجنازة وحده ما يوجع، بل أصوات الأمهات والزوجات والأخوات والبنات الثكالى... ؛ إنّه الحزن حين يتحول من صورةٍ صامتة إلى صوتٍ مكسور، ومن مشهدٍ عابر إلى جرحٍ مفتوح.
والشيء بالشيء يُذكر؛ فقد كان معدل الموت في العراق، يومًا ما، طبيعيًا أو قريبًا من معدلات دول الجوار، إلى أن جاءت عهود العنف المنظّم، من الانقلابات القومية الدموية – عهد المجرم عبد السلام عارف - ، مرورًا بجرائم ومجازر الحرس القومي، وصولًا إلى حقبة البعث الاجرامية ؛ ولا سيما عهد السفاح صدام... ؛ حيث ارتفعت معدلات الموت إلى مستوياتٍ لم يعرفها العراقيون من قبل... ؛ آنذاك، صار مشهد الجنائز وهي تجوب الشوارع والمدن والقرى مشهدًا مألوفًا، وتحوّل الموت من استثناءٍ إلى روتين، ومن قدرٍ فردي إلى سياسةٍ عامة ؛ فالجميع محكوم عليهم بالموت وحسب السياق ...!!
مئات الآلاف قُتلوا صبرًا وتعذيبًا وغيلةً وغدرًا، ودُفنوا سرًا في مقابر جماعية، وكأن الأرض نفسها أُجبرت على الصمت.
وأذكر، وقد سمعتُ بأذني، أحد كبار السن يردد هذا البيت الشعري الفصيح - القريض - ؛ ممزوجًا بأبياتٍ من الشعر الشعبي، حين مرّت جنازة شابٍ في مقتبل العمر، قُتل في الحرب العراقية الإيرانية:
تروعني الجنائز كل يوم *** ويحزنني بكاء النائحات
الدهر يكلب مع الطيبين مرات
وحلوات الليالي تصير مرات
كل ساعة وجنازة عليّ مرات
فلا ظل بشر فوق الوطيّه
وقد غنّى هذا القريض أحد المطربين الشعبيين الريفيين المعروفين آنذاك، ناعيًا قتلى العراقيين، متعجبًا من خلو الأرض من شبابها ورجالها، أولئك الذين سيقوا إلى الموت فرادى وجماعات، في محارق حروب النيابة والوكالة، بينما كانت خيرات العراق تُستنزف، ويتنعم بها المصريون والعرب والهنود والاجانب وقتذاك ...!!
وهكذا، بين بيت جرير ومشاهد الجنائز في تاريخنا القريب، يتجلى السؤال ذاته: هل نهاب الموت لأنه يذكّرنا بفنائنا، أم لأننا نراه كثيرًا فنعتاده؟!
لعل الحقيقة المؤلمة أن كثرة الجنائز لا تُعلّمنا الحكمة بقدر ما تُدرّبنا على النسيان و اللامبالاة ... ؛ وهنا تكمن المأساة: أن يتحول الموت، وهو أعظم واعظ، إلى مشهدٍ عابر، وأن نلهو حين يذهب مُدبرًا، كأننا لم نرتعد قبل لحظات من قدومه.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضحايا بلا صدى: التواطؤ الصامت مع استهداف الشيعة في الوعي الس ...
- بين المنفى والداخل: قراءة سياسية-اجتماعية-نفسية في إشكالية إ ...
- مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد
- العراق بين نعمة الجغرافيا ولعنة الموقع: قراءة في القدر الجيو ...
- تحولات الخطاب وسقوط الشعارات في المشهد السوري
- معاداة الاغلبية العراقية في سوريا: بين التعبئة الطائفية ومخا ...
- العراق بين مطرقة الأطماع التركية وسندان الصمت الدولي
- العراقي والهوية الضائعة : بين تشظي الذات في دولة منهارة و إر ...
- القيادة السامة في المؤسسات الحكومية: مقاربة نفسية-اجتماعية ل ...
- أشباحٌ تمرُّ عبر شاشات العالم الافتراضي
- مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار ال ...
- معيار المصلحة الوطنية في قراءة التحالفات الإقليمية ومستقبل ا ...
- وطن بلا هوية .. و وطنية بلا بوصلة !! تشظي الهوية العراقية وا ...
- بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتع ...
- تحليل ظاهرة الاضطهاد الطائفي والعنصري في الدول العربية
- سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِي ...
- مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل
- بين سيمفونية الوحدة وصمت العزلة و بين ضجيج الجماعة وضوضاء ال ...
- تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة
- منطق القوة: تحليل التدخل الامريكي و الغربي في تقرير مصير الش ...


المزيد.....




- ترامب يترأس الاجتماع الأول لـ-مجلس السلام-: سنقدم 10 مليارت ...
- تقرير استخباراتي: أكثر من ألف كيني يقاتلون في صفوف الجيش الر ...
- -سنرد بقوة-.. نتنياهو يتوعد إيران ويشترط نزع السلاح لإعادة إ ...
- -فليهتم كل شخص بشؤونه-: ماكرون يرد على ميلوني بعد مقتل ناشط ...
- بولندا تتجاوز المليون سلاح في 2025.. وخبير لـ-يورونيوز- يطال ...
- سوريا: مسلسل القيصر يعيد فتح جراح ذوي ضحايا النظام
- بوتين يغري ترامب بـ -أعظم فرصة تجارية- في التاريخ الحديث
- أيام الله.. الوقف والابتداء وأثرهما في تدبر القرآن الكريم
- لص ودعاة يجيبون: كيف يترفق الإنسان بروحه؟
- -خطوة- صغيرة تصنع أثرا عظيما.. هكذا تتحول النيات إلى أثر حقي ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في وعي الموت وغفلتنا عنه