أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - إله سبينوزا الصخري الذي خذل البشر















المزيد.....

إله سبينوزا الصخري الذي خذل البشر


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 00:38
المحور: قضايا ثقافية
    


يُعد مفهوم "إله سبينوزا" واحداً من أكثر الأفكار إثارة للجدل والدهشة في تاريخ الفلسفة الغربية. فبينما اتهمه البعض بالإلحاد، رآه آخرون "رجلاً سكران بالله".
باروخ سبينوزا، الفيلسوف الهولندي من أصل برتغالي، قدم في كتابه العمدة "الأخلاق" (Ethics) رؤية تكسر القالب التقليدي للإله المشخصن الذي يعاقب ويكافئ.
نستعرض تفصيلاً لهذه الفلسفة العميقة:
1. الطبيعة هي الإله (Deus sive Natura)
القاعدة الذهبية عند سبينوزا هي العبارة اللاتينية Deus sive Natura، والتي تعني "الله أو الطبيعة".
بالنسبة له، الإله ليس كائناً خارجياً يجلس فوق السحاب ويدير الكون بـ "ريموت كنترول"، بل هو:
• الجوهر الوحيد: لا يوجد سوى جوهر واحد في الكون، وهذا الجوهر هو الله.
• الحلولية (Pantheism): الإله والكون شيء واحد. كل ما نراه من شجر، بشر، كواكب، وقوانين فيزيائية، ليس إلا "تجلّيات" أو "أحوال" لهذا الإله.
2. إله بلا عواطف ولا غايات
هنا يكمن الصدام الأكبر مع الأديان التقليدية.
إله سبينوزا لا يمتلك صفات بشرية:
• لا يغضب ولا يحب: الإله ليس لديه انفعالات؛ فهو لا ينتظر منك الصلاة ليرضى، ولا يحزن لخطاياك.
• بلا إرادة حرة: الإله لا "يقرر" خلق العالم في لحظة معينة؛ بل إن العالم يتدفق منه بضرورة منطقية، تماماً كما تتدفق خصائص المثلث من تعريف المثلث.
• ليس له غاية: لا يوجد "هدف" نهائي للكون. الأشياء تحدث لأنها يجب أن تحدث وفق قوانين الطبيعة الأزلية.
3. الامتداد والفكر
يرى سبينوزا أن للإله عدداً لا نهائياً من الصفات، لكننا كبشر لا ندرك منها سوى صفتين:
1. الفكر (Thought): وهو الجانب الروحي أو العقل الكلي.
2. الامتداد (Extension): وهو المادة أو العالم الفيزيائي.
هذا يعني أن المادة ليست "دنسة" أو "منفصلة" عن الله، بل هي وجه من وجوه الذات الإلهية.
4. حب الله العقلي (Amor Intellectualis Dei)
إذا كان الإله لا يحبنا، فهل يجب أن نحبه؟ سبينوزا يجيب بنعم، ولكن بطريقة مختلفة:
• المعرفة هي العبادة: أعلى درجات السعادة البشرية هي فهم قوانين الطبيعة. كلما فهمت كيف يعمل الكون (الفيزياء، الرياضيات، النفس البشرية)، فأنت "تعرف" الله وتتحد به.
• التحرر من الخوف: عندما تدرك أن كل شيء يحدث بضرورة طبيعية، تتحرر من الخوف من المستقبل والندم على الماضي. هذا هو "السلام النفسي" في مذهب سبينوزا.
مقارنة بين الإله التقليدي وإله سبينوزا بشكل سردي متتالٍ يوضح الفوارق الجوهرية بينهما:
أولاً: من حيث الموقع والوجود
في المنظور التقليدي، يُعتبر الإله كائناً متعالياً، أي أنه منفصل عن العالم وموجود خارجه، وهو الذي أوجده من العدم. أما عند سبينوزا، فالإله محايث، بمعنى أنه لا يوجد خارج الكون؛ بل هو والكون شيء واحد، فالطبيعة هي الله في تجليها المادي والروحي.
ثانياً: طبيعة العلاقة مع البشر
يتصور المنظور التقليدي الإله كشخصية لها صفات بشرية عليا، فهو يسمع ويستجيب ويحكم، وتقوم العلاقة معه على العبادة والرجاء. في المقابل، يرى سبينوزا الإله ككيان غير شخصي، فهو ليس لديه عواطف ولا يغير مشيئته بناءً على دعاء أحد، بل يمثل القوانين الثابتة والصارمة التي تحكم الوجود.
ثالثاً: كيفية نشوء العالم
يؤمن الفكر التقليدي بأن الإله خلق العالم بإرادته الحرة في لحظة زمنية معينة وفق "خطة إلهية". بينما يرى سبينوزا أن العالم لم يُخلق بقرار، بل هو يفيض عن الإله بضرورة رياضية حتمية، تماماً كما تفيض النتائج من المقدمات المنطقية، فلا يمكن للكون أن يكون غير ما هو عليه.
رابعاً: الغاية والمصير
في الأديان التقليدية، هناك غاية نهائية للكون، وخطة تسير نحو يوم الحساب حيث المكافأة والعقاب. أما عند سبينوزا، فلا توجد غاية أو هدف خارجي، فالأشياء موجودة لأن طبيعتها تقتضي الوجود، والكون عبارة عن وجود أزلي مستمر لا يسعى لتحقيق "هدف" بشري.
لماذا أعجب آينشتاين بهذا الإله؟
عندما سُئل ألبرت آينشتاين "هل تؤمن بالله؟"، أجاب بجملته الشهيرة:
"أنا أؤمن بإله سبينوزا، الذي يكشف عن نفسه في التناغم المنظم لكل ما هو موجود، وليس في إله يشغل نفسه بمصير وأفعال البشر."
بالنسبة للعلماء، إله سبينوزا هو "النظام الجميل" والقوانين الرياضية التي تحكم الذرة والمجرة، وليس القوة التي تتدخل لخرق القوانين (المعجزات).
إله سبينوزا هو دعوة للتأمل في عظمة الكون ككل متصل، حيث لا انفصال بين المادة والروح، وحيث المعرفة هي الطريق الوحيد للخلاص.
آراء أبرز الفلاسفة الذين اشتبكوا مع هذه الفكرة:
1. لايبنتز: "سبينوزا ذهب بعيداً جداً"
كان الفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنتز معاصراً لسبينوزا، وزارَه سراً ليقرأ مخطوطاته. رغم إعجابه بذكاء سبينوزا، إلا أنه خاف من استنتاجاته:
• النقد: اعتبر لايبنتز أن "إله سبينوزا" يسلب الإله الحرية والإرادة.
• الرؤية: رأى لايبنتز أن الإله "اختار" هذا العالم لأنه "أفضل العوالم الممكنة"، بينما عند سبينوزا، الإله لا يختار، بل هو مجبر بطبيعته الضرورية.
2. كانط: "مذهب يؤدي إلى العدمية"
إيمانويل كانط، في نقد العقل المحض، لم يكن متسامحاً مع "وحدة الوجود" (الحلولية):
• النقد: رأى كانط أن خلط الخالق بالمخلوق (الله والطبيعة) يجعل من المستحيل تأسيس أخلاق قائمة على الحرية.
• الوجهة: إذا كان كل شيء يحدث بضرورة طبيعية كما يقول سبينوزا، فكيف يمكن محاسبة الإنسان على أفعاله؟ بالنسبة لكانط، يجب أن يكون الله "خارج" النظام الطبيعي ليضمن العدالة.
3. هيغل: "إما أن تكون سبينوزياً أو لا تكون فيلسوفاً"
على عكس كانط، كان جورج هيغل معجباً جداً بسبينوزا، واعتبر فلسفته حجر الزاوية لكل تفكير جاد:
• التأييد: رأى هيغل أن سبينوزا وضع الأساس لفكرة "المطلق".
• الإضافة: انتقد هيغل فقط "جمود" إله سبينوزا؛ فوصفه بأنه إله "استاتيكي" (ثابت)، بينما أراد هيغل إلهاً "ديناميكياً" يتطور عبر التاريخ (الروح المطلقة).
4. نيتشه: "وجدت شقيقي في الروح"
في رسالة شهيرة، عبّر فريدريك نيتشه عن صدمته الإيجابية عند قراءة سبينوزا:
• التشابه: أُعجب نيتشه بإنكار سبينوزا لـ "الغائية" (أن الكون له هدف) وإنكاره لوجود "إرادة حرة" بالمعنى التقليدي.
• الرؤية: اعتبر نيتشه أن سبينوزا هو أول من تجرأ على نزع "الصبغة البشرية" عن الإله والكون، وهو ما مهد الطريق لفلسفة "إرادة القوة".
تعتبر نظرة سبينوزا للحرية والأخلاق نتيجة حتمية ومنطقية لمفهومه عن الإله. فإذا كان الإله هو الطبيعة، وكل شيء يحدث بضرورة مطلقة، فما الذي يتبقى للإنسان من حرية؟ وكيف يمكن صياغة أخلاق في عالم "مُبرمج" سلفاً؟
إليك كيف أعاد سبينوزا تعريف هذه المفاهيم:
1. نفي "الإرادة الحرة" التقليدية
بالنسبة لسبينوزا، الحرية بالمعنى الشائع (أي القدرة على اختيار فعل شيء أو تركه دون سبب) هي وهم.
• السبب: نحن نظن أننا أحرار لأننا ندرك أفعالنا، لكننا نجهل الأسباب التي تدفعنا إليها.
• مثال سبينوزا الشهير: لو كانت "الحجرة" تملك وعياً وهي تسقط، لظنت أنها تسقط بإرادتها الحرة، بينما هي تسقط بفعل الجاذبية وقوة الدفع. كذلك الإنسان، تسيطر عليه رغبات ودوافع بيولوجية ونفسية يجهل مصدرها.
2. الحرية كـ "فهم للضرورة"
الحرية عند سبينوزا ليست "التحرر من القوانين"، بل هي "فهم القوانين".
• الإنسان العبد: هو الذي تسيطر عليه الانفعالات الخارجية (الغضب، الحسد، الخوف). هو "منفعل" وليس "فاعلاً".
• الإنسان الحر: هو الذي يفهم لماذا يشعر بهذه الانفعالات. عندما تفهم أن غضبك ناتج عن سبب طبيعي معين، يفقد هذا الغضب سلطته عليك.
الحرية هي أن تتحول من "منفعل" تسوقه الظروف، إلى "فاعل" يسوق نفسه بعقله.
3. الأخلاق: من "ينبغي" إلى "ما هو كائن"
الأخلاق التقليدية تقوم على الأوامر (افعل ولا تفعل)، أما أخلاق سبينوزا فهي هندسة للنفس البشريّة:
• الخير والشر: لا يوجد "خير" أو "شر" في ذاتهما في الطبيعة. الخير هو ما يفيد في حفظ كياننا وزيادة قوتنا، والشر هو ما يعيق ذلك.
• الكوناتوس (Conatus): هو النزوع الفطري لدى كل كائن للاستمرار في الوجود. الأخلاق هي "فن العيش" الذي يعظم هذا الوجود من خلال العقل.
4. الفضيلة هي المعرفة
في مذهب سبينوزا، لا توجد مكافأة للفضيلة غير الفضيلة نفسها.
• السعادة (Beatitude): ليست مكافأة على قمع الشهوات، بل هي "حالة ذهنية" تنشأ من فهمنا لمكاننا في نظام الطبيعة (الإله).
• الحياة الأخلاقية: هي الحياة التي يوجهها العقل، حيث يسعى الإنسان لما ينفعه حقاً، مدركاً أن نفع الفرد لا ينفصل عن نفع الجماعة، لأننا جميعاً أجزاء من نفس الجوهر الإلهي.

نستطيع أن نقول أن سبينوزا قلب الطاولة بجعل الأخلاق "علماً" يشبه الهندسة، حيث قال جملته الشهيرة: "لقد بذلت جهداً دؤوباً لكي لا أضحك من أفعال البشر، ولا أبكي منها، ولا أحتقرها، بل لكي أفهمها".

من الواضح هكذا أن إله سبينوزا خيب آمال المؤمنين الذين يريدون إلهاً يعينهم على مواجهة مصاعب الحياة. ويشيع العدل ويرفع الظلم. وأن إله سبينوزا صخر جامد لا يتفاعل مع المؤمنين، ويساوي بين الصالحين والطالحين!!
هذا في الحقيقة "نقطة الألم" الفلسفية التي تسببت في صدام سبينوزا مع مجتمعه ورجال الدين في عصره. رؤيتك دقيقة جداً من منظور إيماني عاطفي، وهذا هو السبب في أن فلسفة سبينوزا تُوصف غالباً بأنها "باردة" أو "هندسية".
إليك كيف يمكن تحليل هذا "الخمول" أو "الجمود" في إله سبينوزا مقارنةً باحتياجات المؤمنين:
1. الإله كقانون وليس كأب
المؤمن التقليدي يبحث عن "إله مشخصن" (Personal God)؛ إله يسمع الشكوى، يتدخل في اللحظة الأخيرة لينقذ المظلوم، ويشعر بمعاناة البشر.
• عند سبينوزا: الإله هو النظام الأبدي. هو يشبه "قوانين الرياضيات". هل يمكننا أن نغضب من رقم 1 لأنه لا يساعدنا في حل مشاكلنا العاطفية؟ أو نطلب من قانون الجاذبية أن يتوقف لحظة لكي لا يسقط طفل؟
• خيبة الأمل: بالنسبة لسبينوزا، الرغبة في إله "يتدخل" هي رغبة بشرية طفولية (بمنظوره)، لأنها تفترض أن النظام الكوني الكامل يجب أن يتغير من أجل مصلحة فرد واحد.
2. العدالة: هل هي كونية أم بشرية؟
أحد أكبر المآخذ التي ذكرتَها هي "المساواة بين الصالح والطالح".
• رؤية سبينوزا: العدل والظلم هي مفاهيم بشرية نسبية. الطبيعة لا تعرف "الظلم"؛ البركان حين ينفجر يقتل الصالح والطالح معاً لأنه يتبع قوانين الجيولوجيا.
• العزاء السبينوزي: سبينوزا لا يرى العدالة في "تدخل إلهي" خارجي، بل في أن "الفضيلة هي مكافأة نفسها". الصالح يعيش في طمأنينة وفهم للكون، وهذا هو جنته. والطالح يعيش في صراع وقلق وجهل، وهذا هو جحيمه.
3. هل هو "صخر جامد"؟
كلمة "صخر جامد" تعبر عن الجفاء العاطفي في فلسفته، لكن سبينوزا كان يراها "ثباتاً مطلقاً".
• إله سبينوزا لا يغير رأيه، لا يندم، ولا ينفعل. هذا الثبات هو ما يجعل العلم ممكناً؛ فلولا ثبات قوانين الإله (الطبيعة) لما استطاع الإنسان أن يبني حضارة أو يفهم الكون.
بالنسبة لسبينوزا، الاعتماد على إله "متغير المزاج" أو "يستجيب للطلبات" يجعل الكون مكاناً غير آمن وعشوائياً.
مقارنة الشعور بالأمان بين المنظورين:
أولاً: مصدر الأمان النفسي
في المنظور الإيماني التقليدي، ينبع الأمان من الشعور بوجود "رعاية إلهية" شخصية، حيث يؤمن الفرد بأن هناك قوة عليا تحميه وترعاه وتسمع نداءه الخاص. أما في منظور سبينوزا، فإن الأمان لا يأتي من الحماية الغيبية، بل من "فهم القوانين" التي تحكم الكون؛ فكلما فهم الإنسان نظام الطبيعة وتكيف معه، استطاع تجنب الألم والعيش بسلام وسط الضرورة الحتمية.
ثانياً: الموقف من الظلم والعدالة
يعتمد المؤمن التقليدي في مواجهة الظلم على الصبر وانتظار "العدالة الإلهية" التي ستنصف المظلوم وتقتص من الظالم، سواء في الدنيا أو في الآخرة. بينما يرى سبينوزا أن انتظار تدخل خارجي هو نوع من الاستسلام، ويرى أن مواجهة الظلم يجب أن تتم عبر "العقل" والعمل البشري لإقامة العدل في المجتمع من خلال السياسة والقانون، معتبراً أن الجهل هو السبب الحقيقي وراء كل شر.
ثالثاً: طبيعة العلاقة العاطفية مع الخالق
تقوم العلاقة في الدين التقليدي على "الحب المتبادل"، حيث يحب العبد ربه وينتظر أن يحبه الله ويرضى عنه ويجبر خاطره. أما عند سبينوزا، فالعلاقة تسير في اتجاه واحد؛ فالمؤمن يحب الإله (الذي هو نظام الكون وعظمته) حباً عقلياً خالصاً، دون أن ينتظر من هذا الإله حباً أو استجابة أو شعوراً بالامتنان، تماماً كما نحب جمال الحقيقة الرياضية دون أن ننتظر منها أن تحبنا.
لقد استبدل سبينوزا "عاطفة الرجاء" بـ "قوة الفهم"، وهو ما جعل فلسفته تبدو للبعض قاسية ومجردة، بينما رآها هو التحرر الأسمى من أوهام الرغبة والخوف.
الخلاصة: هل خذل سبينوزا البشر؟
نعم، لقد خذل سبينوزا "الأمل العاطفي" في الحماية الغيبية، لكنه قدم بدلاً منه "القوة العقلية". هو يرى أن انتظار "معجزة" لرفع الظلم هو نوع من العجز، بينما فهم أسباب الظلم والعمل على تغييره هو قمة القوة والاتحاد مع الإله.
سبينوزا جرد الإله من "إنسانيته" ليعطيه "ألوهيته المطلقة" التي لا تتقيد برغبات البشر الصغيره.
هل هذا النوع من الإيمان "البارد" يمكن أن يصمد أمام مآسي الحياة الكبرى (كالفقد أو المرض)، أم أن الإنسان يحتاج دوماً لـ "إله يشعر به"؟
لنتخيل "الإنسان السبينوزي" في مواجهة أعظم مآسي الحياة، كفقدان عزيز أو الإصابة بمرض عضال. كيف يواجه هذا الإنسان الألم دون أن ينتظر "معجزة" أو "عدالة تعويضية" في السماء؟
يواجه سبينوزا هذه اللحظات من خلال ثلاث استراتيجيات عقلية صارمة:
1. رؤية الأشياء "تحت ظل الأبدية" (Sub Specie Aeternitatis)
هذا هو المفهوم الأكثر شهرة عند سبينوزا. في لحظة الفقد، يميل الإنسان لرؤية الحدث كـ "كارثة شخصية" حلت بكونه الصغير.
• الرؤية السبينوزية: يدرب المرء نفسه على النظر إلى الحادثة كجزء من سلسلة لا نهائية من الأسباب والنتائج في الطبيعة. الموت ليس "شراً"، بل هو تغيير في شكل المادة.
• النتيجة: بدلاً من التساؤل "لماذا أنا؟"، يدرك أن جسده وجسد من يحب هما مجرد "أشكال مؤقتة" لجوهر واحد دائم هو الإله. هذا الانتقال من "الأنا" إلى "الكل" يمنح نوعاً من السكينة الباردة.
2. تحويل "الانفعال" إلى "فعل"
يرى سبينوزا أننا نعاني لأننا "منفعلون" (Passive)، أي أن هناك قوة خارجية (المرض أو الموت) أثرت فينا.
• الاستراتيجية: يواجه الإنسان السبينوزي ألمه عبر تحليله عقلياً. يبدأ في فهم ميكانيكية حزنه، وكيف يعمل جسده ونفسه.
• القاعدة: "بمجرد أن نكوّن فكرة واضحة ومتميزة عن الانفعال الذي نعاني منه، فإنه يتوقف عن كونه انفعالاً". الفهم يمتص حرارة الألم ويحوله إلى "معرفة"، والمعرفة فعل إيجابي يقوي الذات.
3. تقبل الضرورة الحتمية
المؤمن التقليدي قد يقضي وقته في التضرع لتغيير القدر (المعجزة)، وهو ما قد يؤدي لـ "خيبة أمل" مضاعفة إذا لم تحدث المعجزة.
• الاستراتيجية: السبينوزي لا يهدر طاقته في مقاومة ما هو حتمي. هو يعلم أن القوانين التي أدت للمرض هي نفس القوانين التي منحته الحياة والصحة لسنوات.
• النتيجة: القبول المطلق للواقع كما هو، دون "تمنٍّ" لواقع بديل. هذا القبول يحرره من الأمل الكاذب، وبالتالي يحرره من اليأس المرتبط به، لأن "اليأس لا يوجد بدون أمل".
هل هذا كافٍ للبشر؟
قد يبدو هذا المنهج "انتحاراً عاطفياً" للكثيرين، لأن الإنسان بطبعه كائن يبحث عن "المعنى الشخصي" والحنان. لكن بالنسبة لسبينوزا، هذا هو الطريق الوحيد لـ "الحرية الحقيقية"؛ لأن الشخص الذي يعلق سعادته على "معجزة" هو عبد للصدفة، أما من يفهم الضرورة فهو سيد نفسه حتى في قلب الألم.
هل يمكن للعقل وحده أن يكون "عزاءً" حقيقياً، أم أن الفلسفة السبينوزية تتجاهل الطبيعة الهشة والاحتياج العاطفي للإنسان؟



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حتمية الصدفة: قراءة مادية لكونٍ لا يبالي
- الصدفة ونشأة الكون
- قصة ميلاد يسوع
- الكون من اللاشيء. . رحلة من الصفر إلى الوجود
- سجادة الزمكان عندما تتموج وتدور وتطوى
- ملالي إيران وخيار الانقلاب الذاتي
- قناة بنما بدولار واحد
- مادورو واحترام القوانين
- الفن والأدب والرؤية المادية للوجود
- الفيزياء ونهاية الروح وملحقاتها
- إيمانويل كانط بين العقل والرهبة
- الخروج من زنزانة ابن رشد
- مريم الإلهة الأم
- رسالة يهوذا- جذوة الإقصاء والقسرية في المسيحية المبكرة
- عيوب تصميم في الجسد الإنساني
- الجذور الأسطورية لسيرة يسوع
- يسوع بين الغنوصية والمأسسة
- الرهبنة والغزو الغنوصي للمسيحية
- مادورو: حين تسقط الحصانة أمام العدالة الجنائية الدولية
- الأناجيل المرفوضة Apocrypha


المزيد.....




- كيف قاد جدار الطوب المحققين إلى فتاة عانت من سنوات من الإساء ...
- تحت ضغوط ترامب.. مفاوضات صعبة بين أوكرانيا وروسيا في جنيف
- واشنطن تلوّح باستئناف التجارب النووية وتتهم الصين بإجراء تفج ...
- ألوان جديدة لطائرة الرئاسة الأميركية.. وداعاً لتصميم كينيدي ...
- زلزال سياسي في بيرو.. البرلمان يعزل الرئيس بالوكالة
- شبكة تجنيد سرية.. كيف تستخدم روسيا مجموعة -فاغنر- لتنفيذ عمل ...
- -تغييرٌ للواقع الديمغرافي-.. أكثر من 85 دولة ومنظمة تدين إج ...
- أمريكا وإسرائيل.. توافق على مواجهة إيران واختلاف في الاسترات ...
- مرجعيات بالقدس: القيود الإسرائيلية على الصلاة بالأقصى -تصعيد ...
- لأنه تستَّر على ضلوع كبار موظفيه.. جرائم إبستين تهدّد ستارمر ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - إله سبينوزا الصخري الذي خذل البشر