أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - يسوع بين الغنوصية والمأسسة















المزيد.....

يسوع بين الغنوصية والمأسسة


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 04:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قراءة عقلانية في أصول الانقسام اللاهوتي

يذهب بنا التساؤل عن الغنوصية في تعاليم يسوع إلى قلب "تاريخ الأديان المقارن"، مفتتحاً اشتباكاً فكرياً يفرق بين يسوع التاريخي (كما تحاول الأبحاث الأكاديمية استعادته)، والمسيح اللاهوتي الذي صاغته الكنيسة كأداة للوحدة والهيمنة.

عقلياً وتاريخياً، يرى تيار من الباحثين (مثل إلين باجلز وهارولد بلوم) أن تعاليم يسوع الأولى احتوت على "بذور غنوصية" تم قمعها أو إعادة تأويلها لتناسب "مؤسسة" لم تستهدف مخاطبة نخبة متفلسفة، بل أرادت "مسيحية شعبية" تخاطب الجماهير عبر مخلص ضحى بجسده لينتصر على الموت.

أولاً: الملامح الغنوصية في كلمات يسوع (تحليل الأثر)
عند البحث في المصادر غير التقليدية، مثل "إنجيل توما"، نجد يسوعاً يتحدث بلغة "الاستنارة" لا "الشريعة":

1. الملكوت كحالة وعي: بينما قدمت الأناجيل القانونية الملكوت كحدث إلهي خارجي، يظهر في الجانب الغنوصي كـ Gnosis (معرفة ذاتية). القول بأن "الملكوت داخلكم" يعني أن الخلاص ليس بالإيمان بحدث تاريخي (الفداء)، بل بالاستيقاظ من "جهل الذات".
هنا الألوهية ليست خارج الإنسان، بل هي "الشرارة الكامنة" التي تحتاج لمن يوقظها.

2. ثنائية الروح والمادة: دعوة يسوع لعدم الاكتراث بحاجات الجسد (متى 6: 25) تُقرأ غنوصياً كاحتقار للمادة لصالح الروح. قوله في إنجيل توما: "من وجد العالم وجد جثة" هو ذروة العداء للمادة، حيث يُختزل الواقع الفيزيائي في كونه "سجناً" أو "عدماً".

3. يسوع المعلم (Mirroring): في النصوص الغنوصية، لا يطلب يسوع العبادة، بل المحاكاة. هو "مرشد" يساعد التلميذ ليصبح "مسيحاً" مثله. الفجوة الوجودية بين الخالق والمخلوق تذوب هنا لصالح "وحدة الوجود".

ثانياً: لماذا انتصر "يسوع الكنسي" وهُزم "يسوع الغنوصي"؟
(سوسيولوجيا الدين)
منظوراً إليها بعين العقل، لم يكن الصراع لاهوتياً فحسب، بل كان صراعاً على البقاء والمأسسة:

• الغنوصية ديانة "فردية نخبويّة": لا يمكن بناء كنيسة أو نظام اجتماعي على فكرة "الخلاص بالاستنارة الفردية". الغنوصية تؤدي إلى تفتت السلطة.

• الأرثوذكسية ديانة "جماهيرية": الإيمان بـ "الصلب والقيامة الجسدية" قدم قصة تضحية ملموسة يفهمها الفقراء والبسطاء، ووفرت نظاماً تراتبياً (أساقفة، طقوس، قانون إيمان) يمنح الجماعة هوية موحدة أمام اضطهاد روما.

ثالثاً: إشكالية "الانتحال" ومتاهة المصادر
هنا نصل إلى الأسئلة الوجودية للتاريخ:

هل انتحل الغنوصيون اسم يسوع؟ أم أن الكنيسة هي من حذفت غنوصيته؟

1. فرضية الانتحال: يرجح بعض المؤرخين أن الغنوصية (بجذورها الأفلاطونية المحدثة) حاولت "اختطاف" شخصية يسوع الناجحة لتمرير فلسفتها المعقدة عبر نسب "أقوال سرية" له.

2. استحالة الفصل الدقيق:
عقلانياً، من المستحيل الفصل الحاسم بين "الواقع" و"الأسطورة". لقد كُتبت كل النصوص (القانونية والغنوصية) بعد رحيل يسوع بعقود، وفي بيئة مشبعة بالخيال الديني والصراعات السياسية. ما نملكه اليوم ليس "يسوع الحقيقي"، بل "أصداء صوته" في مرايا مكسورة.

الخلاصة: "التمرد المغدور"

إذا قرأت يسوع بعيداً عن القوالب الكنسية، ستجد "نزعة ثورية غنوصية" تدعو للتمرد على الواقع المادي واكتشاف الذات. الكنيسة نجحت في تحويل هذه الثورة الروحية إلى "مؤسسة عالمية"، لكنها لم تستطع محو الأثر الغنوصي الذي ظل يتسرب عبر الصوفية والرهبنة والحركات الباطنية.

يسوع التاريخي قد يكون مزيجاً من هذا وذاك؛ حكيم يهودي أراد الإصلاح، فحولته النخبة إلى "فيلسوف غنوصي"، وحولته العامة إلى "إله مخلص".

إن عملية "القوننة" (Canonization) التي وصلت ذروتها في القرن الرابع الميلادي، لم تكن مجرد اختيار لكتب دينية، بل كانت عملية هندسة اجتماعية وسياسية شاملة. باختيار نصوص واستبعاد أخرى، وضعت الكنيسة "الدستور" الذي سار عليه العقل الغربي لأكثر من ألف عام.
فيما يلي تحليل لكيفية تشكيل هذه القوننة لقيم الحضارة الغربية تجاه الجسد والمرأة من منظور عقلاني وتاريخي:

1. إعادة تعريف "الجسد": من سجن الروح إلى ملكية المؤسسة

في الأناجيل الغنوصية (مثل إنجيل مريم)، كان الجسد ثانوياً، والتركيز كله على "الروح" التي لا جنس لها. لكن القوننة الكنسية اختارت الأناجيل التي تؤكد على "القيامة الجسدية".

• الأثر الحضاري: بدلاً من إهمال الجسد تماماً (كما أراد الغنوصيون)، قامت الكنيسة بـ "تأميمه".
أصبح الجسد ساحة للمعركة الأخلاقية؛ فهو مقدس لأنه سيقوم، ولكنه خطر لأنه يغوي.

• النتيجة: نشأت في الغرب ثقافة "المراقبة الجسدية". فالجنس، الأكل، والزينة أصبحت أموراً تُنظمها القوانين الكنسية بصرامة، مما أدى لاحقاً إلى ظهور مفهوم "الخطيئة" المرتبط بالجسد كأداة للسيطرة الاجتماعية.

2. إقصاء "الأنوثة الغنوصية" وتأسيس البطريركية
كانت الغنوصية تميل إلى تصوير الإله ككيان ثنائي (أب وأم) أو كائن يتجاوز الجنس.
في نصوص "نجع حمادي"، تظهر مريم المجدلية كقائدة روحية تتفوق على بطرس في فهمها لتعاليم يسوع.

• فعل القوننة: استبعدت الكنيسة الأناجيل التي تعطي للمرأة دوراً تعليمياً أو قيادياً (مثل إنجيل فيلبس)، واعتمدت رسائل بولس التي تقول: "لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ" (1 كورنثوس 14: 34).

• الأثر الحضاري: تأسست الحضارة الغربية على بنية بطريركية (أبوية) صلبة، حيث استُبعدت المرأة من المجال العام والكهنوت والقرار السياسي لقرون طويلة، بناءً على "شرعية لاهوتية" تم انتقاؤها بعناية في القرن الرابع.

3. قمع "الفردية" لصالح "المواطنة الإيمانية"
الغنوصية كانت تدعو الفرد للبحث عن الحقيقة داخله (الخلاص الفردي).
القوننة الكنسية جعلت الخلاص يمر عبر "المؤسسة" (خارج الكنيسة لا يوجد خلاص).

• الأثر الحضاري: هذا التحول خلق مفهوماً معيناً للولاء والجماعة. لم يعد الإنسان "ذرة مستقلة" تبحث عن الاستنارة، بل "عضواً في جسد" (الكنيسة/الدولة). هذا الفكر هو الذي مهد لاحقاً لظهور الأنظمة الشمولية في أوروبا، حيث الفرد مستمد قيمته من انتمائه للمجموع والامتثال للنص الرسمي.

المفارقة التاريخية: الغنوصية كبذرة للحداثة؟
عقلياً، يمكننا القول إن قمع الغنوصية في القرن الرابع أخّر ظهور "النزعة الفردية" و"التحرر الجسدي" لقرون.
• عندما جاء عصر النهضة ثم التنوير، كان المفكرون (مثل ديكارت ونيتشه لاحقاً) يحاولون في جوهرهم استعادة "السيادة على الذات" و"مركزية العقل/الروح الفردية" بعيداً عن وصاية المؤسسة.

• النتيجة: نجد اليوم أن "الروحانيات الجديدة" (New Age Spirituality) في الغرب هي عملياً "بعث للغنوصية"؛ حيث يعود الإنسان المعاصر للبحث عن "الله بداخلة" بدلاً من البحث عنه في طقوس الكنيسة، وهو ما يمثل فشلاً تاريخياً طويلاً لعملية القمع التي بدأت في القرن الرابع.

الخلاصة

القوننة لم تكن انتصاراً لـ "الحقيقة المطلقة" بقدر ما كانت انتصاراً لـ "الرؤية الأكثر تنظيماً وقدرة على إدارة الجماهير". لقد ضحت الكنيسة بعمق الفلسفة الغنوصية وحرية التعبير الأنثوي لتبني إمبراطورية روحية صلبة.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرهبنة والغزو الغنوصي للمسيحية
- مادورو: حين تسقط الحصانة أمام العدالة الجنائية الدولية
- الأناجيل المرفوضة Apocrypha
- اختيار الأناجيل الأربعة
- الميثولوجيا بالكتاب المقدس
- معجزات وقيامة يسوع- رؤية عقلانية
- يسوع الأناجيل وانتحال النبوءات
- شبح -المسيحية الصهيونية-
- صديقي الجليل د. حسام بدراوي عفواً
- المسيرة من الطوطمية إلى التوحيد
- ولادة يسوع العذرية
- شخصية وخطاب يسوع- رؤية تحليلية
- يسوع بين التسامي والتطرف
- الإله -يهوه- وجذوره التاريخية
- العلاقة بين فلسفة إبكتيتوس والأخلاق المسيحية
- إبيكتيتوس الجذر الفلسفي للأخلاق المسيحية
- القبطية الأرثوذكسية وكراهية العالم
- طيور الشرق الغارقة
- فراق الإنسان عن الشمبانزي
- محاكمة ذبيحة- قصة قصيرة


المزيد.....




- هل أصبحت الجمهورية الإسلامية في إيران مهددة بالسقوط؟
- فيصل بن فرحان يطمئن واشنطن: الخلافات مع الإمارات تكتيكية ولا ...
- مفرح: خطاب الإقصاء يغذي استهداف المسيحيين في حرب السودان
- كيف تفككت السردية الإسرائيلية داخل الكنائس والمؤسسات الأميرك ...
- آلاف النازحين يحتمون بالمساجد والكنائس مع تصاعد وتيرة الاشتب ...
- مسيحيو السودان.. بين الإيمان و-الكيزان-
- سلطات الاحتلال تستولي على 694 دونما من أراضي قلقيلية وسلفيت ...
- الإسلام والسيف
- احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق ...
- مقتل فتى بعد صدم حافلة لحشد من اليهود المتشددين في القدس


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - يسوع بين الغنوصية والمأسسة