أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - عيوب تصميم في الجسد الإنساني















المزيد.....

عيوب تصميم في الجسد الإنساني


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 02:52
المحور: قضايا ثقافية
    


من منظور علم التشريح والطب التطوري، هناك عدة أجزاء في جسم الإنسان تُصنف كـ "عيوب تصميمية" أو آثار ناتجة عن التطور التدريجي الذي لم يبدأ من الصفر، بل عدّل على هياكل قديمة. هذه الأخطاء التشريحية تسبب مشاكل صحية كان يمكن تفاديها لو كان التصميم مبنيًا على كفاءة هندسية بحتة.
إليك أبرز هذه النقاط:

1. العصب الحنجري الراجع (Recurrent Laryngeal Nerve)
يعتبر هذا العصب المثال الأشهر على ضعف المسار التشريحي. فبدلاً من أن يمتد مباشرة من الدماغ إلى الحنجرة (مسافة بضعة سنتيمترات)، ينزل العصب إلى الصدر، يلتف حول الأبهر (أكبر شريان في القلب)، ثم يعود صعوداً إلى الحنجرة.
• المشكلة: هذا المسار الطويل غير الضروري يجعله عرضة للإصابة أثناء جراحات الصدر أو القلب، مما قد يؤدي لفقدان الصوت.
العصب الحنجري الراجع هكذا رحلة بلا هدف
يخرج من العصب الحائر (-bm{Vagus} -bm{nerve}) في الدماغ للتحكم في الحنجرة. في الأسماك (أسلافنا البعيدين)، كانت المسافة قصيرة ومباشرة بين الدماغ والخياشيم.
• ماذا حدث؟: مع تطور الرقبة وظهور القلب في الصدر، "علق" هذا العصب خلف الأوعية الدموية الكبيرة. فبدلاً من أن ينقطع ويعيد بناء نفسه، استمر في التمدد مع استطالة الرقبة.
• النتيجة: في الزرافة، يبلغ طول هذا العصب حوالي 5 أمتار، بينما المسافة بين الدماغ والحنجرة لا تتعدى سنتيمترات! أي خلل بسيط في الصدر (تضخم في الشريان الأبهر مثلاً) قد يسبب بحة دائمة في الصوت أو فقدانه.

2. تقاطع مجرى التنفس ومجرى الطعام
يشترك الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي في ممر واحد عند البلعوم.
• المشكلة: هذا التصميم يجعل الإنسان الكائن الوحيد المعرض لخطر "الشرقة" أو الاختناق القاتل بسبب دخول الطعام في القصبة الهوائية. في تصميم أكثر كفاءة، يجب أن ينفصل المجرى الهوائي تماماً عن مجرى الطعام (كما هو الحال في الحيتان مثلاً).

3. مقلوبية شبكية العين
في عين الإنسان، تقع الخلايا العصبية والأوعية الدموية أمام الخلايا الحساسة للضوء (المستقبلات)، مما يعني أن الضوء يجب أن يمر عبر طبقة من الألياف العصبية قبل أن يصل للمستقبلات.
• المشكلة: هذا يؤدي لنشوء "البقعة العمياء" (Blind Spot) حيث يمر العصب البصري عبر الشبكية إلى الدماغ. الأخطبوط مثلاً يمتلك عيناً "مباشرة" حيث الأعصاب خلف المستقبلات، مما يمنحه رؤية أوضح وبدون بقعة عمياء.
لتصور شبكية العين المقلوبة (Inverted Retina)
تخيل أنك تشتري كاميرا رقمية، لكن المصنع وضع أسلاك الكهرباء أمام العدسة بدلاً من خلفها. هذا بالضبط ما حدث في العين البشرية.
• التفاصيل التشريحية: الخلايا الحساسة للضوء (المخاريط والعصي) تقع في أعمق طبقة، بينما تقع الألياف العصبية والأوعية الدموية فوقها مباشرة، مما يحجب جزءاً من الضوء.
• نقطة الضعف: لكي تصل الإشارات للدماغ، يجب أن تتجمع كل هذه الأعصاب وتخترق الشبكية للداخل، مما يخلق ثقباً لا يحتوي على مستقبلات ضوئية، وهو ما نسميه "البقعة العمياء". كما أن هذا التصميم يجعل الشبكية عرضة لـ "الانفصال الشبكي" لأنها ليست مثبتة بإحكام في الخلف.

4. ضيق حوض الإناث بالنسبة لحجم رأس الجنين
بسبب الانتقال للمشي على قدمين، أصبح الحوض البشري ضيقاً، بينما استمر حجم دماغ الإنسان في الكبر.
• المشكلة: أدى ذلك إلى جعل عملية الولادة البشرية واحدة من أكثر العمليات خطورة وألماً في عالم الثدييات، وغالباً ما كانت تسبب الوفاة للأم والجنين قبل الطب الحديث.
في الثدييات الأخرى، تنزلق الأجنة بسهولة لأن الحوض واسع. في البشر، ولأننا نحتاج لحوض ضيق لنمشي بتوازن، ولأن أدمغتنا كبرت بشكل هائل، تكون النتيجة:
• الصراع: رأس الجنين يجب أن "يتناور" ويلتف داخل قناة الولادة الضيقة جداً.
• التضحية: يولد الأطفال البشر وهم "غير مكتملين" (لا يستطيعون المشي أو إطعام أنفسهم) مقارنة بصغار الغزلان مثلاً، لأن الجنين لو بقي شهراً إضافياً في الرحم، لن يستطيع رأسه الخروج، وسيموت هو والأم.

5. قناة المني (Vas Deferens) في الذكور
على غرار العصب الحنجري، تأخذ القناة الناقلة للمني مساراً طويلاً جداً؛ فهي تلتف فوق الحالب (قناة البول) قبل أن تعود للبروستاتا.
• المشكلة: هذا الالتفاف ناتج عن هبوط الخصيتين أثناء النمو الجنيني، وهو مسار غير فعال هندسياً ويزيد من احتمالية الإصابة ببعض أنواع الفتق.

6. الجيوب الأنفية المقلوبة
تقع فتحات تصريف الجيوب الأنفية الفكية في الجزء العلوي من الجيب وليس السفلي.
• المشكلة: هذا التصميم يخالف الجاذبية؛ فلكي يتم تصريف المخاط، يجب أن يمتلئ الجيب تماماً أو يتم دفعه للأعلى، وهذا هو السبب الرئيسي وراء كثرة إصابة البشر بالتهاب الجيوب الأنفية المزمن.
الجيوب الأنفية في الإنسان تتحدي الجاذبية
الجيوب الأنفية الفكية (-bm{Maxillary} -bm{sinuses}) هي تجاويف في عظام الوجه. في الحيوانات التي تمشي على أربع، تكون فتحة التصريف في الأسفل (بفعل الجاذبية).
• الخلل التشريحي: عندما استقام الإنسان، أصبحت فتحة التصريف في الأعلى.
• المعاناة البشرية: لكي يتخلص الجسم من السوائل أو القيح عند حدوث التهاب، يجب أن تمتلئ الجيوب بالكامل حتى تفيض من الأعلى، أو يجب على الشعيرات الدقيقة (الأهداب) أن تعمل ضد الجاذبية لرفع السوائل. هذا هو السبب في أن البشر يعانون من ثقل الرأس والتهابات الجيوب أكثر من أي كائن آخر.

7. فقرات الظهر السفلية
العمود الفقري البشري هو في الأصل مصمم لحمل الوزن بشكل أفقي (كما في الحيوانات رباعية الأرجل). عندما استقام الإنسان، وقع ثقل الجسم بالكامل على الفقرات القطنية.
• المشكلة: هذا يفسر لماذا يعاني معظم البشر من آلام الظهر و"الديسك" (الانزلاق الغضروفي) مع تقدم العمر؛ فالهيكل العظمي لم يتكيف تماماً مع ضغط الجاذبية العمودي.

العمود الفقري كان في الأصل جسراً. تحول إلى عمود.
فالعمود الفقري البشري ليس "عموداً" مستقيماً، بل هو شكل حرف S، وهو محاولة بائسة لتوزيع وزن الجسم الذي كان يوزع سابقاً على أربع قوائم.
• الضغط الميكانيكي: الفقرات القطنية (-bm{L4, L5}) تتحمل ضغطاً هائلاً. مع مرور الوقت، تنضغط الغضاريف (الديسك) وتخرج من مكانها لتضغط على الأعصاب (عرق النسا).
• المشكلة الإضافية: القناة الشوكية ضيقة، وأي تضخم بسيط في العظام أو الأربطة بسبب الشيخوخة يؤدي لتضيق القناة وتآكل الأعصاب، وهو ثمن "الوقوف" على قدمين.

8. قناة المني (Vas Deferens)
في الأجنة، تتكون الخصيتان في تجويف البطن (قرب الكليتين). قبل الولادة، تهاجر الخصيتان إلى كيس الصفن (خارج الجسم لتبريدهما).
• المسار الغريب: القناة الناقلة للمني لا تتبع الخصية مباشرة، بل تظل مرتبطة بالأوعية الدموية وتلتف فوق الحالب (الأنبوب الواصل من الكلية للمثانة).
• النتيجة: هذا الالتفاف غير الضروري يزيد من طول القناة ويعقد المسار التشريحي، مما يجعل الذكور عرضة لـ الفتق الإربي (-bm{Inguinal} -bm{Hernia})، حيث تبرز الأمعاء من خلال الفتحة التي سلكتها الخصية أثناء هبوطها.

9. بقايا أعضاء بلا وظيفة (Vestigial Organs)
• الزائدة الدودية: كانت تستخدم لهضم السليلوز (الألياف) في أسلافنا العشبيين، والآن هي مجرد كيس قد يلتهب ويؤدي للوفاة إذا لم يُستأصل.
• ضرس العقل: فك الإنسان أصبح أصغر مع طهي الطعام وتغير النظام الغذائي، لكن الجينات لا تزال تنتج 32 سناً، مما يؤدي لازدحام الأسنان وآلام مبرحة تتطلب جراحة.

ملاحظة: يرى علماء الأحياء التطورية أن هذه "الأخطاء" هي دليل على أن التطور يعمل بطريقة "الترقيع" (Adapting what exists) وليس بطريقة "المهندس" الذي يبدأ برسم مخطط جديد كلياً.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجذور الأسطورية لسيرة يسوع
- يسوع بين الغنوصية والمأسسة
- الرهبنة والغزو الغنوصي للمسيحية
- مادورو: حين تسقط الحصانة أمام العدالة الجنائية الدولية
- الأناجيل المرفوضة Apocrypha
- اختيار الأناجيل الأربعة
- الميثولوجيا بالكتاب المقدس
- معجزات وقيامة يسوع- رؤية عقلانية
- يسوع الأناجيل وانتحال النبوءات
- شبح -المسيحية الصهيونية-
- صديقي الجليل د. حسام بدراوي عفواً
- المسيرة من الطوطمية إلى التوحيد
- ولادة يسوع العذرية
- شخصية وخطاب يسوع- رؤية تحليلية
- يسوع بين التسامي والتطرف
- الإله -يهوه- وجذوره التاريخية
- العلاقة بين فلسفة إبكتيتوس والأخلاق المسيحية
- إبيكتيتوس الجذر الفلسفي للأخلاق المسيحية
- القبطية الأرثوذكسية وكراهية العالم
- طيور الشرق الغارقة


المزيد.....




- ماذا نعرف عن صفقة قديمة لشراء غرينلاند فشلت أمريكا في إبرامه ...
- كيف يُمكن لترامب -الاستيلاء- على غرينلاند؟
- برشلونة يكتسح بلباو بخماسية في جدة ويبلغ نهائي كأس السوبر ال ...
- سيناتور: ترامب أعطى الضوء الأخضر لمشروع قانون عقوبات ضد روسي ...
- ترامب يدعو رئيس كولومبيا للبيت الأبيض بعد أيام من تهديده
- بعدما وصفه بـ-رجل يُحب صنع الكوكايين-.. ترامب يدعو رئيس كولو ...
- كأس أمم أفريقيا: لاعب جزائري يسرق الطعام؟
- اليمن: إقالة الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي وغموض يلف مكانه ...
- أفريقيا وسؤال الاستثمار: من يربح في زمن التنافس العالمي؟
- فرنسا وبريطانيا توقّعان إعلان نوايا لنشر قوات في أوكرانيا إذ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - عيوب تصميم في الجسد الإنساني