أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - حتمية الصدفة: قراءة مادية لكونٍ لا يبالي














المزيد.....

حتمية الصدفة: قراءة مادية لكونٍ لا يبالي


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 09:45
المحور: قضايا ثقافية
    


لطالما أخطأ الإنسان في قراءة المشهد الكوني حين نَصَّب نفسه مركزاً للقصة، معتقداً أن الكون والقوانين الفيزيائية قد صِيغت بدقة لتناسب وجوده. لكن الحقيقة المادية المجردة تشير إلى عكس ذلك تماماً: نحن لسنا الغاية التي بُني من أجلها الكون، بل نحن النتيجة الاضطرارية التي تشكلت في ثنايا قوانينه الصماء. إن ما نسميه "ضبطاً دقيقاً" ليس سوى انحياز إحصائي في مختبر كوني عملاق، حيث تفرض المادة شروطها، وتتكيف الحياة مع المتاح، أو تندثر في صمت الأكوان العقيمة. في هذا المقال، نفكك وهم الغائية لنواجه الحقيقة كما هي: كونٌ محكوم بالآليات لا بالأهداف.
1. مغالطة البِرْكَة: التكيف العكسي
تكمن إحدى أكبر المغالطات المنطقية في فلسفة الوجود فيما يُعرف بـ "مغالطة البِرْكَة". تخيل بِرْكَة ماء تستيقظ لتجد نفسها في حفرة تناسب شكلها تماماً، فتستنتج أن هذه الحفرة قد صُممت خصيصاً لها. الحقيقة هي أن الماء هو الذي تشكّل ليناسب تجاويف الأرض، وليس العكس.
وعلى المستوى البيولوجي، نحن نتاج هذا التوافق؛ نحن هنا لأن ظروف كوكبنا سمحت بذلك.
ولكن، يبرز التساؤل الفيزيائي الأعمق: ماذا عن الثوابت الكونية؟ إن هذه الثوابت لو تغيرت بمقدار لا يُذكر، لما وُجدت المادة المعقدة أصلاً. هنا لا يحل "التكيف" المشكلة، بل نحتاج لتفسير وجود "المسرح" الذي يسمح بالظهور.
2. تعدد الأكوان: الضرورة الإحصائية لا القصد
إذا كان احتمال ظهور كون بظروفنا الحالية ضئيلاً جداً، فإن الحل المنطقي ليس "المصمم الغائي"، بل "قانون الأعداد الكبيرة". تفترض الفيزياء الحديثة وجود مليارات الأكوان (Multiverse) ذات قوانين فيزيائية متباينة.
في هذا الفضاء الاحتمالي اللانهائي، يصبح ظهور كون يدعم الحياة "ضرورة إحصائية" وليس صدفة مستحيلة. نحن نعيش في هذا الكون تحديداً بسبب "انحياز الناجي" (Survival Bias)؛ فنحن ببساطة لا يمكننا رصد وجودنا إلا في كونٍ سمحت قوانينه الصماء بتشكل ذرات الكربون وتطور الكائنات الواعية.
3. الساعاتي الأعمى: كيف ينشأ النظام من العشوائية؟
التعقيد المذهل في الطبيعة لا يستلزم وجود وعي مسبق، بل يمكن تفسيره عبر آلية "الساعاتي الأعمى":
• الآلية بدلاً من التصميم: تعمل الطبيعة كصانع ساعات لا يملك بصراً يرى به الهدف النهائي، ولا خطة مسبقة لما يريد صنعه.
• تراكم النجاحات الصغيرة: التعقيد لم يظهر فجأة، بل هو نتيجة تراكم طفرات عشوائية بسيطة على مدى ملايين السنين. كل طفرة منحت الكائن ميزة طفيفة للبقاء تم "انتخابها" وتثبيتها ميكانيكياً.
• الغاية المتوهمة: نحن نرى النتيجة النهائية المبهرة فنفترض وجود غاية، بينما الحقيقة هي أن هذا الكائن هو "الناجي الأخير" من بين ملايين النماذج الفاشلة التي انقرضت. النظام هنا ليس "قصداً"، بل هو النتيجة الحتمية لغربلة العشوائية عبر مصفاة الطبيعة.
4. ما وراء المركزية الكربونية: حيوات في أكوان أخرى
عندما نتحدث عن "الضبط الدقيق"، فإننا غالباً ما نقع في فخ "المركزية الكربونية"، بافتراض أن الحياة يجب أن تشبهنا. لكن المنطق المادي يفتح الباب لاحتمالات أوسع:
• قد توجد أكوان بثوابت فيزيائية مختلفة تماماً، سمحت بظهور أشكال من "التعقيد" لا تعتمد على الكربون أو الماء، ككائنات بلازمية تعيش في قلب النجوم، أو نظم معلوماتية تعتمد على السحب المغناطيسية.
• في تلك الأكوان، قد تتساءل تلك الكائنات "الغريبة" نفس سؤالنا: "لماذا ضُبط كوننا ليكون ساخناً ومليئاً بالإشعاع ليناسبنا؟". هذا يؤكد أن الحياة -بأي شكل كانت- هي التي تتبع قوانين المادة المتاحة، وليست القوانين هي التي وُجدت لأجل الحياة.
5. انعدام الغائية في المادة والفيزياء
تُظهر الملاحظة العلمية الدقيقة أن الطبيعة تفتقر لأي "بوصلة غائية":
• في الفيزياء: تسير القوانين وفق حتميات رياضية صماء. الجاذبية لا "تهدف" لبناء كواكب، والكون يتجه حتماً نحو "الموت الحراري" (الفوضى القصوى)، مما يناقض فكرة وجود "هدف أسمى" للوجود.
• الحقيقة الغفل (Brute Fact): الثوابت الكونية هي معطيات أولية موجودة "هكذا" دون سبب أعمق. محاولة إضفاء "معنى" عليها هي مجرد إسقاط بشري نابع من "وهم التصميم" الذي طوّره عقلنا تاريخياً كوسيلة للبقاء وفهم الأنماط.
الخلاصة:
الحقيقة التي تفرزها الملاحظة المجردة هي أن الكون "لامبالٍ" (Indifferent). نحن لسنا مركزاً لقصة كونية، بل نتيجة عرضية لتقاطع قوانين فيزيائية مع احتمالات إحصائية هائلة. إن الوجود ليس سراً يُحل ببحث عن "غاية"، بل هو واقع يُفهم ببحث عن "الآلية". نحن مجرد "حدث" عابر في تاريخ المادة، ومهمتنا هي فهم القوانين التي جعلت وجودنا ممكناً في لحظة خاطفة من عمر الزمان.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصدفة ونشأة الكون
- قصة ميلاد يسوع
- الكون من اللاشيء. . رحلة من الصفر إلى الوجود
- سجادة الزمكان عندما تتموج وتدور وتطوى
- ملالي إيران وخيار الانقلاب الذاتي
- قناة بنما بدولار واحد
- مادورو واحترام القوانين
- الفن والأدب والرؤية المادية للوجود
- الفيزياء ونهاية الروح وملحقاتها
- إيمانويل كانط بين العقل والرهبة
- الخروج من زنزانة ابن رشد
- مريم الإلهة الأم
- رسالة يهوذا- جذوة الإقصاء والقسرية في المسيحية المبكرة
- عيوب تصميم في الجسد الإنساني
- الجذور الأسطورية لسيرة يسوع
- يسوع بين الغنوصية والمأسسة
- الرهبنة والغزو الغنوصي للمسيحية
- مادورو: حين تسقط الحصانة أمام العدالة الجنائية الدولية
- الأناجيل المرفوضة Apocrypha
- اختيار الأناجيل الأربعة


المزيد.....




- -لتشتيت الانتباه عنه-.. هيلاري كلينتون تتهم إدارة ترامب بالت ...
- ثبوت رؤية الهلال.. الأربعاء أول أيام رمضان في السعودية والإم ...
- تتواجد قرب إيران.. نظرة على قدرات حاملة الطائرات الأمريكية - ...
- ما هي أوجُه خصوصية -حلقة النار- التي تستضيفها السماء في هذا ...
- أخبار اليوم: انتهاء جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران
- ألمانيا: تصنيف فرع حزب البديل بولاية سكسونيا -منظمة متطرفة- ...
- تصريحات لافتة في ختام الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية- ...
- ماكرون ومودي يحتفيان بالشراكة الفرنسية الهندية خلال لقائهما ...
- وفاة جيسي جاكسون أحد أبرز الناشطين المدافعين عن حقوق السود ا ...
- ليبيا: رحلة غوص تكشف مأساة بيئية في قاع البحر


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - حتمية الصدفة: قراءة مادية لكونٍ لا يبالي