أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم الباوي - مسرحية زورق خارون















المزيد.....


مسرحية زورق خارون


سالم الباوي

الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 09:31
المحور: الادب والفن
    


زورق خارون
(مسرحية درامية)

للكاتب: سالم الباوي

الشخصيات:
العرّافة
الرجل1
الرجل2
المرأة1
المرأة2
المدرّس
حورية البحر
الفتاة

توجد في وسط الخشبة شجرة، جالس تحتها رجلان وامرأتان.
العرّافة واقفة فوق رؤوسهم، يبدو أنّها تستنطقهم.

الرجل1: أنا أعاني من الأرق.
المرأة1: كوابيسنا مكرّرة.
العرّافة: الكوابيس ما هي إلا تحذير لنا؛ نحن البشر.
الرجل2: أيّ ذنبٍ اقترفناه كي نتحمّل هذا العذاب (كي نُعذَّب بهذه الطريقة)؟
العرّافة: اقترفتم جريرة ما كان عليكم أن تقترفوها.
المرأة2: يتحمّل الأبرياء دائمًا وزر المذنبين.
العرّافة: كوابيسكم هي عقاب لكم.
المرأتان 1 و2: ما أوجعه من عقاب.
المرأة1: صوت هذا الطوفان يزعجني.
الرجل2: يؤرقني الأرق.
المرأة2: لماذا نحن؟
العرّافة: قد أتيتُ كي أجد جوابًا لـ: لماذا أنتم.
المرأة1: جدّي.. جدّي..
المرأة2: أيتها العرّافة، كوابيسنا متشابهة.
المرأة1: يبدو أنّها تنتقل من يافوخ إلى يافوخ (من دماغ إلى دماغ).
الرجل2: أشعر بطعم الحنظل في ريقي.
العرّافة: أتأتي الفتاة كل ليلة في أحلامكم؟
الجميع معًا: صحيح.. نعم.. نعم..

صوت الفتاة: ها أنا ذا. (الهلع ينتاب الجميع)

المرأة1: صوتها مألوف!
المرأة2: قسمًا بالله هو كذلك.
الرجل1: ابنتي.. بنفسها!!
المرأة1: الفتاة الملعونة!
العرّافة: عندما تطغى الكوابيس، يرى الناس الكوابيس في يقظتهم أيضًا.
الرجل1: أين أنتِ يا طفلتي المسكينة؟
المرأة2: ابنتي هي.. ابنتي.
الرجل2: (بصوت عالٍ) أين أنتِ؟ منذ سنين ونحن نبحث عنكِ.
المرأة1: المدرّس رأى جثتكِ في كارون؛ قال إن تيّاره قد جرفكِ.. قال إنكِ وقعتِ فيه.

(تستقرّ الإضاءة على الرجل1 والمرأة1)

(يظهر المدرّس لاهثًا)

المدرّس: شاهدتُ ابنتكم..
الرجل1: (مقاطعًا) يشاهدها الجميع.
المرأة1: (متهكّمة) كأنك شاهدت شخصًا مهمًا.
المدرّس: قد غرقت.
الرجل1: (غير مكترث) الله يرحمها.
المرأة1: ربّما كان قدرها أن تموت بهذه الطريقة.
المدرّس: ألا يهمّكما مصيرها؟
الرجل1: وهل حارب أحدٌ الموت؟
المرأة1: أفهمت؟.. الموت نهاية كل شيء.
المدرّس: (يخاطب الرجل1): هذه ضرّة أمّها، لكن أنت، ألا تريد أن تفعل شيئًا؟
الرجل1: حكاية الناس بموتهم ستنتهي..
المرأة1: ماتت.. رغم أنّ مماتها كان شاعريًا.
المدرّس: ما هذا الهراء؟ ما معنى الممات الشاعري؟.. (للرجل1) لقد ماتت ابنتك.
الرجل1: ليس لديّ وقت لهذا.. الله يرحمها.
المرأة1: الله يرحمها.
المدرّس: تبًّا لك.. ابنتك غرقت.
الرجل1: ماذا تريدني أن أفعل؟ هل ألقي بنفسي خلفها في كارون؟
المدرّس: إذا كان واجبًا؛ نعم!
المرأة1: ليس واجبًا، زوجي العزيز.
المدرّس: (غاضبًا للمرأة1) لماذا لم يكن واجبًا؟
المرأة1: أتريد أن يصبح أطفالي يتامى؟
الرجل1: سيدي المدرّس، اسمعني، إنّ النملة لا تُعَدّ بعين الفيل.
المدرّس: تريد أن تقول..
الرجل1: (مقاطعًا) عليّ أن أفكّر بهؤلاء الجراء الأحياء.
المدرّس: عليّ أن أخبر أمّها.
المرأة1: خير ما تفعل.

(يذهب المدرّس، الإضاءة تعمّ الخشبة)
المرأة2: ليتني قد سمعتُ المدرّس [أخذتُ بكلام المدرّس].
الرجل2: ليت.
المرأة2: ليتني طلبتُ منك أن تذهب مع المدرّس لتنتشل جسد الفتاة من المياه [من النهر].
كان المدرّس المسكين مضطربًا [خائفًا].

(الإضاءة تستقرّ على الرجل2 والمرأة2)

(يظهر المدرّس)

المدرّس: ابنتكِ غرقت.
المرأة2: الله يرحمها.
المدرّس: ماذا دهاكما؟ أليس مهمًا عندكما أنّ ابنتكما قد غرقت؟
الرجل2: يقولون إنّ المياه تغسل الذنوب.
المرأة2: أماتت طفلتي وهي بريئة؟
الرجل2: نعم، لأنّها غرقت.
المرأة2: لا شكّ أنّ الله يحبّها.
المدرّس: كانت المياه عميقة، لم أفلح في انتشالها، حاولتُ، لكن...
الرجل2: أنا كذلك، لا أحد يستطيع، منسوب المياه كبير وخطر جدًا.
المرأة2: يا هذا، أتريد أن تدفع أخي نحو الحتوف؟
المدرّس: ألا تريدون أن تواروها الثرى؟
الرجل2: سلامٌ من الله عليها ورحمته.. وهل يجب أن يُدفن جميع الموتى [الأموات]؟
المرأة2: الطفلة المسكينة، عاشت بريئة وماتت بريئة.
المدرّس: تبًّا لكما.. تبًّا لكم جميعًا أيها القساة.

(يخرج المدرّس، الإضاءة تعمّ الخشبة)

المرأة2: أجل، نحن لم نأخذ كلام المدرّس على محمل الجدّ. (تخاطب شخصًا غائبًا، بصوت عالٍ) أنتِ تعلمين بأننا كنّا وما زلنا نحبّكِ، الله يرحمكِ.
الرجل2: آمين.
الرجل1: أجل، أجل.. آمين. طفلتي، كنتُ أحبّكِ دائمًا؛ جعل الله مثواكِ الجنة. اعلمي يا صغيرتي أنّه لا يوجد أبٌ لا يحبّ ابنته.
الرجل2: غفر الله لكِ.. كنتُ أحبّكِ دائمًا يا ابنة شقيقتي.
المرأة2: وما زال.
الرجل2: أجل، وما زلتُ.. أشكركِ يا شقيقتي على التنبيه.
المرأة2: وأنا كذلك أحبّكِ. (تحمل طفلًا خياليًا وتهدهد)

الصوت: أتحبّونني؟
الجميع: أجل، أجل، أجل.
الصوت: ليتني سمعتُ مفردة الحبّ على ألسنتكم قبل مماتي، لكنني لم أسمعها، لا منكِ يا أمّي ولا منك يا أبي.
الرجل1: اعذريني، نحن نتوقّع دائمًا أن يسامحنا الأموات، كما يجب علينا أن نسامحهم نحن.
المرأة2: دائمًا الأطفال هم من يدفعون ثمن أخطاء الآباء والأمّهات ومشاكلهم.
المرأة1: عندما تكون الحياة صعبة ومرّة، لم يعد لكلّ شيء معنى، أو ما يجب أن يعنيه.
العرّافة: ما أعظمه من خُلُق (بنبرة استهزاء)، وهل بات النطق بمفردة «أحبّك» صعبًا للغاية، لتختلقوا الأعذار الآن؟

الرجل1: لا.. لا.. ليست كذلك. (يخاطب المرأة1) أنتِ من أطلق على الفتاة المرحومة (الفتاة البليدة!).
المرأة1: أنا أطلقته، أنتَ لماذا ناديتها به؟
المرأة2: (وهي تهدهد) «الفتاة البليدة».. ما أقبحه من اسم!
العرّافة: أَس.. ماذا تسمعون أيضًا؟ (تصغي السمع)

الصوت: أَس.. أَس.. أريد أن أسمع هداهد أمّي.
الرجل1: لم نجتمع هنا للاستماع إلى الهداهد.. (مخاطبًا المرأة2) كفّي عن هذا الهراء.

(المرأة2 ترفع من صوتها وهي تهدهد)

المرأة1: اخرسي واقطعي أنفاسكِ.
الرجل2: (بغضب) أيها الملاعين! إذا تفوّهتم بكلمة أخرى تجاه شقيقتي ستندمون، إذ عليكم مجابهتي.
الرجل1: أيها الوغد، الآن أصبحت شقيقتك؟ (يستنكر)
الرجل2: اصمت! (كُلْ خراءً) أنت أفنيتنا، دمّرتنا.. (صمت) كنّا كلّنا نعيش بسلام.
المرأة1: لا تتهجّم على زوجي.
الرجل2: ماذا اقترفتُ كي أكون سببًا في تدميركم؟

الرجل2: هل نسيتَ قصّة حورية البحر؟
الرجل1: وهل كنتُ أؤمن أنا بحورية البحر؟
الرجل2: لم تكن تؤمن، ولكنك آمنتَ أخيرًا.
الرجل1: ألم تكن أنت قد لازمت البحر ليلَ مساءَ متمنّيًا أن تقع حورية البحر في حبّك؟
الرجل2: كلّ رجال الحيّ فعلوا ذلك.. (صمت) لكن قصّة حوريتك هي التي مرّغتنا جميعًا بالوحل والقاذورات.
الرجل1: أنا حتى آخر لحظة لم أكن أؤمن بشيء اسمه حورية البحر.. (صمت) أنا كالجميع كنتُ أصيد السمك في البحر.

(تظهر حورية البحر، الإضاءة مركّزة على حورية البحر والرجل1)
الرجل1: (يقفز خوفًا من مكانه) من أنتِ؟
حورية البحر: حورية البحر.
الرجل1: حورية البحر خرافة (أسطورة).
حورية البحر: تعني أنني لستُ موجودة الآن؟
الرجل1: (يتلفّت) ربما أنا أوّل إنسان يؤمن بالخرافات (الأساطير).
حورية البحر: إيمان جميع الرجال أقوى منك.
الرجل1: كيف؟
حورية البحر: يلاحقونني صباحَ مساء.
الرجل1: وأنا وجدتكِ الآن؟
حورية البحر: هكذا يبدو الأمر.
الرجل1: (مغمورًا بالفرح) يا لسعادتي!
حورية البحر: ما أنت صانعٌ بي؟
الرجل1: أحتفظ بكِ بكلّ جوارحي.
حورية البحر: بكلّ جوارحك؟
الرجل1: نعم، بكلّ جوارحي.
حورية البحر: هل تتخلّى عن زوجتك وأطفالك من أجلي؟
الرجل1: ماذا؟ (بدهشة)
حورية البحر: سمعتُ. (واثقة)
الرجل1: سمعتِ، لكنني أودّ أن أسمع مرّة أخرى.
حورية البحر: ليس للبليدين مكان في عالمي.
الرجل1: لديّ سؤال.
حورية البحر: (صمت)
الرجل1: من أين علمتِ بأنني متزوّج ولديّ أطفال؟
حورية البحر: كلّ يوم وأنا في الأعماق أرى نساء الحيّ يأتين إلى شاطئ كارون، يملأن الجرار، يغسلن الملابس، يضحكن، يمزحن، ويسردن القصص والحكايات عنكم أنتم الرجال.
الرجل1: النساء يغتبن الرجال؟ لا يمكن ذلك أبدًا.
حورية البحر: نعم، يمكن ذلك، لأنني سمعتهنّ بأذني.
الرجل1: لا أصدّق.
حورية البحر: أليس أنتم أيضًا تغتابونهنّ؟ أما تختلقون القصص كي تضحكوا؟
الرجل1: أنا لا، لكن للرجال الحقّ في ذلك.
حورية البحر: لماذا لهم الحقّ؟
الرجل1: لأنهم رجال.
حورية البحر: حسنًا، هنّ أيضًا نساء.. كلّ شيء مسموح في عوالمهنّ حتى تلك الأشياء التي تمنعونها.
الرجل1: لا يجب أن يكون كذلك.
حورية البحر: لماذا؟
الرجل1: لأننا نحن الرجال من يرسم أُطر عوالمهنّ.
حورية البحر: أنت متوهّم.
الرجل1: ليس للمرأة حقّ أن تموت حتى دون إذن الرجل.
حورية البحر: وأنت تريد مني أن أعيش في عالمٍ كهذا؟
الرجل1: أنتِ لا.. لا.. ستصبحين عالمي كلّه.
حورية البحر: ماذا يعني «كلّ عالمك»؟
الرجل1: أعني كلّ شيء.
حورية البحر: كلّ شيء؟
الرجل1: كلّ شيء.
حورية البحر: أمستعدّ أن تطلّق زوجتك؟
الرجل1: زوجتي؟
حورية البحر: نعم، زوجتك.
الرجل1: كلّ شيء.. كلّ ما أملك.
حورية البحر: (تهمّ بالذهاب) إذن، في أمان الله.
الرجل1: تأنّي.
حورية البحر: التأنّي في الحبّ ليس جائزًا.
الرجل1: اصبري.. (يتردّد، يبدأ الصراع في نفسه) سأفعل ما تريدين.

(تذهب حورية البحر وتظهر المرأة2)

الرجل1: (بقلق) أريد أن أطلّقكِ.
المرأة2: ماذا؟
الرجل1: سمعتِ ما قلتُ.
المرأة2: (تضحك) هل هذه مزحة جديدة للرجال؟
الرجل1: لا، ليست مزحة.. أنا جادّ للغاية.
المرأة2: و«جدّيتك للغاية» هذه مزحة أخرى، أليس كذلك؟
الرجل1: «جدّيتي للغاية» هي أكثر جدّية.
المرأة2: هل أنت على ما يرام؟ هل تريد شيئًا تأكله؟
الرجل1: لعنة الله عليكِ، لا تكوني طيّبة، أريد أن أطلّقكِ.
المرأة2: لكن لماذا؟
الرجل1: لقد تعبتُ منكِ.
المرأة2: حسنًا، سأختفي عن ناظريك عدّة أيام كي تشتاق إليّ مرّة أخرى.
الرجل1: لا.. «لقد تعبتُ منكِ» هذه المرّة تختلف عن «لقد تعبتُ منكِ» السابقات.
المرأة2: ماذا دهاك؟ هل أصابك مسّ؟ هل تريدني أن أبعث خلف ملا فالح ليقرأ عليك رُقية، أو...؟
الرجل1: تعبتُ.. تعبتُ جدًا.
المرأة2: عند الصباح وأدّى خروجك من المنزل، كنتَ على ما يرام، ماذا حلّ بك وتعبتَ مني فجأة؟
الرجل1: ألا يحقّ لي أن أتعب منكِ؟
المرأة2: لديك جميع الحقوق، لكن لا تفعل هذا الأمر.
الرجل1: عندما أملك الحقّ، لماذا لا أفعل ما أشاء (ما أريد)؟
المرأة2: لأذهب أنا إلى الجحيم.. ماذا عن ابنتنا؟
الرجل1: لتذهب إلى الجحيم.
المرأة2: حسنًا، ابنتي لتذهب إلى الجحيم، ماذا عن شقيقتك؟
الرجل1: ما شأن شقيقتي بطلاقنا؟
المرأة2: سيطلّقها شقيقي إذا طلّقتني.
الرجل1: يجب أن لا يفعل ذلك.
المرأة2: نعم، يجب أن لا يطلّقها، لكنه سيطلّقها.
الرجل1: لماذا؟
المرأة2: هذا حكم التقاليد والسنن، إذا لم يطلّقها سيُنبذ من العشيرة كلّها وسيُلعن.
الرجل1: اللعنة على هذه التقاليد والسنن.
المرأة2: أرجوك أن لا تُقدم على هذا الأمر.. ستدمّر الجميع.
الرجل1: أنا مُغرم (أنا مغرم).
المرأة2: ماذا فعلت؟
الرجل1: بتُّ مغرمًا.. وقعتُ في الحبّ.
المرأة2: ارتكب أيّ حماقة تريد، لكن لا تطلّقني.
الرجل1: لا أستطيع.
المرأة2: اعقل.
الرجل1: ليس للعقل معنى.
المرأة2: ماذا دهاك، ماذا أصابك؟
الرجل1: شرط استمرار حبّنا هو طلاقكِ.
المرأة2: ما هذا الحبّ الذي شرطه الطلاق؟
الرجل1: أغرمتُ بحورية البحر.
المرأة2: اعقل يا رجل.
الرجل1: أنا كذلك (أنا عاقل).
المرأة2: كنتَ تستهزئ بالجميع إذ كانوا يعتقدون بوجود حورية البحر.. ماذا حلّ بك الآن؟
الرجل1: لقد رأيتُ حورية البحر، كانت بجمال البحر (كانت كالبحر جميلة).

المرأة2: قل لي كيف تريد أن تعيش مع حورية البحر؟
الرجل1: كما عشتُ معكِ.
المرأة2: لكنها مخلوقٌ بحري.
الرجل1: لتكن بحرية.
المرأة2: أيها اللعين، يعني أنها تعيش في البحر فقط، تحت المياه.
الرجل1: تخرج من الماء أيضًا، أنا شاهدتُها.
المرأة2: لو لم ترضَ أن تعيش في البرّ، ماذا تفعل؟
الرجل1: الخيار لا يعود لها.
المرأة2: إذا أبعدتَها عن الماء ستموت.
الرجل1: لا تقلقي.
المرأة2: أنا لستُ قلقة على تلك حورية البحر اللعينة.. قلقي على الآخرين.. شقيقتك.. ابنتك.. والصراع الذي سينشب بينك وبين أخي.
الرجل1: تثرثرين كثيرًا يا امرأة.
المرأة2: هل تعي ما تقوم به؟
الرجل1: أنا مغرم، والمغرمون لا يعرفون إلا الحبيب ولا يفهمون غيره.
المرأة2: أرجوك كن منطقيًا كما كنت.
الرجل1: لا معنى للمنطق عند حضورها.
المرأة2: حسنًا، حسنًا، كما تشاء.. لكن لا تطلّقني.. أو على الأقل لا تطلّقني الآن، سأذهب إلى بيت أبي، وعندما تهدأ الأمور طلّقني حينها، كي لا نسبّب الأذى للآخرين ونجعل حياتهم جحيمًا.
الرجل1: لا.. لا.. الصدق هو سمة الحبّ، إنني قطعتُ وعدًا لها.
المرأة2: يا هذا.. استعمل عقلك قليلًا ولو لدقيقة.
الرجل1: عقلي معطّل، عقلي لا يستجيب لي.
المرأة2: إذا كنتَ لجوجًا لهذه الدرجة.. لا بأس.. طلّقني الآن إذن.

إظلام ثم إضاءة.

العرّافة: دعا ذكرياتكما إلى وقت آخر، قولا: ماذا تسمعان؟
الصوت: لقد جرفني كارون.
الرجل1: علينا أن ننقذها.
الرجل2: أنقذها.. أنت أبوها.
الرجل1: وأنت خالها.. تعال لنساعدها.
الرجل2: لماذا أنا؟
الرجل1: اللعنة عليك.. أنت خالها.
الرجل2: وهل سمحتَ لي أن أكون خالها؟ (متبرّمًا)

(المرأة2 ترفع من صوت هدهدتها)

المرأة1: لا تذهب بمفردك.. كارون موّاج.
الرجل1: لا تتركوني بمفردي، لا أستطيع أن أفعل شيئًا بمفردي.
الرجل2: لماذا الآن توصّلتَ أن تكون بمفردك أمرٌ سيّئ؟
الرجل1: حبّها أعمى بصري، أجل حبّها.

(الإضاءة على الرجل1، تظهر حورية البحر)

حورية البحر: ماذا فعلت؟
الرجل1: ما طلبتِه منّي.
حورية البحر: طلّقتها؟
الرجل1: أجل.. أجل.. أفعل كلّ شيء لأجلكِ.
حورية البحر: وطلّقوا شقيقتك؟
الرجل1: أجل، مع الأسف.
حورية البحر: لماذا مع الأسف؟
الرجل1: لم تكن مذنبة أختي المسكينة.
حورية البحر: وشقيقتُه، ألم تكن بريئة؟
الرجل1: نعم؟.. لا، لم تكن.
حورية البحر: لماذا لم تكن؟
الرجل1: في الحبّ كلّ شيء جائز الحدوث.
حورية البحر: لقد أغرمتَ أنتَ وليست هي.
الرجل1: لم أفكّر بهذا.
حورية البحر: الشخص الذي يسبّب ألمًا لهذا العدد من الناس لا يستحق أن يكون عاشقًا لي.

(تهمّ بالذهاب)

الرجل1: أرجوكِ لا تتركيني.. فعلتُ كلّ هذا لأجلكِ.
حورية البحر: لماذا من أجلي؟
الرجل1: لأنني وصلتُ إلى هذه النتيجة (أظنّ) بأنني سعيد معكِ.
حورية البحر: جعلتَ الكلّ تعساء كي تكون سعيدًا (جعلتَ كلّ أولئك أشقياء كي تصبح سعيدًا).
الرجل1: للسعادة ثمن.
حورية البحر: بأيّ ثمن؟
الرجل1: لكنني دفعتُ الثمن.
حورية البحر: أنت أم الآخرون؟
الرجل1: لديّ حصّة في هذه الحكاية.
حورية البحر: حصّتك هي شقاء الآخرين.
الرجل1: هذه هي تكلفة حلاوة الحياة معكِ.
حورية البحر: وماذا عن مرارة فراق هؤلاء وتشتّتهم؟
الرجل1: وهل هذا الأمر في عاتقي؟
حورية البحر: أليست كلّ هذه الأمور بسبب أنانيتك وحبّك لذاتك؟
الرجل1: لماذا بسبب أنانيتي؟
حورية البحر: لأنها مسؤوليّتك.
الرجل1: ألستُ إنسانًا؟ أحرامٌ عليّ السعادة؟
حورية البحر: سعادتك تكون ذات قيمة عندما لا تكون على حساب شقاء الآخرين.
الرجل1: كلّنا نبحث عن سعادة أنفسنا.
حورية البحر: وسعادة الآخرين؟
الرجل1: لا أدري.
حورية البحر: لا تدري؟
الرجل1: لماذا تعذّبينني؟.. أنا أطعتُكِ وتركتُ زوجتي وأطفالي لسبيلهم (لأقدارهم).
حورية البحر: وعندما استجبتَ لطلبي، ألم تفكّر في مصيرك وماذا يحلّ بك؟
الرجل1: الناس الذين يريدون الوصول إلى أهدافهم لا يفكّرون بشيء غير ذلك.
حورية البحر: هدف؟.. ما هو هدفك؟
الرجل1: أن أكون معكِ (أن تكوني لي)، ولو خسرتُ الدنيا كلّها.
حورية البحر: هذا طيشٌ وجنون.
الرجل1: أنا مجنونكِ، ليلى.
حورية البحر: لا أريد ذلك.
الرجل1: أحبّكِ.
حورية البحر: أنا لا.
الرجل1: لماذا؟
حورية البحر: لأنك تهتمّ لنفسك فقط.
الرجل1: أنا أهتمّ بكِ وليس بنفسي.
حورية البحر: أنت لا تستحقّ أن تكون معي (أنت لا تستحقّني).
الرجل1: لا.. لا.. لا تفعلين هذا بي.
حورية البحر: الشخص الذي يضحّي بالآخرين من أجل نفسه يجب أن يشقى (يجب أن يهلك من يسبّب بهلاك الآخرين).

(تذهب حورية البحر، الإضاءة تعمّ الخشبة)

العرّافة: ماذا تسمعون؟
الصوت: أنا وحيدة، تركتموني بمفردي، تعبتُ، أنقذوني.
المرأة2: (تهدهد) نامي، حلّ وقت نومكِ.
المرأة1: لا تنام حتى تقتلنا (لا تهدأ...).
الصوت: وحيدة.. وحيدة جدًا.. تعالوا هنا.
الرجل2: أعفيني يا بنت أختي، لا أستطيع أن آتي.
المرأة1: أنا لا أستطيع، أطفالي في البيت ينتظرونني.
المرأة2: (لا تزال تهدهد) نامي طفلتي المسكينة.
الرجل1: هداهدكِ تسبّب لي الجنون.
الرجل2: لا ترفع صوتك على شقيقتي أيها الأحمق.
العرّافة: صه.. صه.. ماذا تسمعون أيضًا؟
الرجل2: أنا أنصرف.

(المرأة2 لا تزال تهدهد)

المرأة1: أنا سأبقى مع كوابيسي كي لا أذهب لها.
الرجل1: الكوابيس أفضل من الموت، أليس كذلك؟
الصوت: اشتقتُ لكم، أريد أن أراكم.
الرجل2: لكن المسألة هي أننا لم نشتق لكِ.
المرأة1: اشتقنا لكِ.. لكننا لا نودّ أن نأتي إليكِ.
الرجل1: نودّ أن نكون في هذا الجانب.
الرجل2: إذا أتيتُ عندكِ، سأشتاق إلى نفسي.
المرأة2: (لا تزال تهدهد) نامي، لأنّ وقت نومكِ قد حلّ.

(تستمرّ بالهداهد)

الرجل1: ابنتي، لقد اشتقتُ لكِ كثيرًا، لكنني لا أريد أن أشتاق لنفسي.
الصوت: إنني أحتاجكم، إنني بحاجة لكم.. إنني وحيدة.

(المرأة2 لا تزال تهدهد)

الرجل1: لماذا أنتِ لا تنفكّين تهدهدين؟
الرجل2: هدهدي يا أختاه، ربّما تنام وتتركنا وشأننا.
العرّافة: البنت تحتاج إلى السكينة.

(المرأة2 تهدهد.. شيئًا فشيئًا يلتحق بها الجميع)

العرّافة: إذن.. ماذا تسمعون الآن؟
المرأة1: صه.. اصمتي.. حاليًا صامتة.
الرجل1: هل نامت؟
المرأة2: صه.. هدهدوا.. استولى النعاس على ابنتي.

(يهدهد الجميع، ينخفض الصوت، الإضاءة تنخفض شيئًا فشيئًا.. إظلام.. تنار الإضاءة في زاوية أخرى من الخشبة، لا يزال صوت الهداهد يأتي.. تظهر حورية البحر والفتاة (الصوت) معًا)

حورية البحر: حسنًا، انتهى دوري.
الفتاة: لا تتركيني.
حورية البحر: إنهم عائلتكِ.
الفتاة: رأيتُ على أيديهم أبشع العذاب.
حورية البحر: لقد انتهى كلّ شيء.
الفتاة: أنتِ أعطيتِني حياة ثانية، لا تتركيني.
حورية البحر: لا.. لا.. لقد انتهى دوري.. لقد عوقبوا كما ينبغي.
الفتاة: لماذا تصرّفتِ مع أبي بهذه القسوة؟
حورية البحر: وددتُ أن أختبر أنقى شخصًا في الحيّ وأخلصهم غرامًا (حبًّا).
الفتاة: واختبارك هذا فتح عليّ أبواب الجحيم، طُلّقت أمّي وعمّتي وبقيتُ أنا وضرّة أمّي.
حورية البحر: على شاطئ كارون، عندما كانت أمّكِ تتحدّث عن حبّ والدكِ، كأنها كانت تتحدّث عن قدّيس، كانت تتفدّاه بشكل مذهل حيث أثارت حسدي. للأسف لم يكن والدكِ كما كنتُ أتوقّع.
الفتاة: لقد خسرنا.
حورية البحر: خسرتم خسارة فادحة.. من الجيّد جدًا أن أرى الناس بطريقة، حيث هم لا يرون أنفسهم من خلالها.
الفتاة: الشيء الوحيد الذي لا يُطاق، أنّ كلّ شيء لا يُطاق.
حورية البحر: حسنًا، اذهبي الآن.. كانت تجربة مرّة.. لكن الآن تفهمين الناس بشكل أفضل.
الفتاة: ليتني لم أفهم.
حورية البحر: اذهبي.. اذهبي.. من خوف الكوابيس لا يتجرّؤون أن يتصرّفوا معكِ بفظاظة.
الفتاة: أكان هذا الألم واجبًا من أجل هذه التجربة؟
حورية البحر: التجارب تصاحبها المصائب دائمًا. الآن اذهبي.. لقد حان وقت ذهابكِ، وهناك أمر مهم: أنتِ لم تعودي تلك الفتاة الخائفة الخانعة.

(الفتاة تذهب نحو عائلتها.. لا يزالون يهدهدون)

الفتاة: مرحبًا.
الرجل1: ماذا، أمتنا؟
المرأة2: رجعتِ يا ابنتي؟
الرجل2: ربّما هي لم ترجع، نحن لقد أتينا.
المرأة1: أطفالي المساكين.. لقد تيتموا.
الفتاة: لقد رجعت.
الرجل1: أأنتِ نفسكِ يا ابنتي؟
الرجل2: أأنتِ رجعتِ يا ابنة أختي أم نحن زرناكِ؟
الفتاة: أنا رجعت.

الجميع: هل انتهت الكوابيس؟
العرّافة: صه.. صه.. ترجع الكوابيس عندما تتأذّى روح الفتاة.
الرجل1: ويلٌ لي إذا كرّرتها ثانية.
الرجل2: لا يوجد خالٌ في العالم يؤذي ابنة شقيقته.
المرأة2: لقد اشتقتُ لكِ كثيرًا.
المرأة1: أطفالي. (تتحرّك)

العرّافة: انتهى كلّ شيء.. كلّ شيء.. أتمنّى لكم بداية جديدة جميلة.

(شيئًا فشيئًا يتحلّقون حول الفتاة، تظهر حورية البحر)

(الإضاءة تتمركز على العرّافة وحورية البحر)

العرّافة: حسنًا، هذه هي حكاية هذه الفتاة.
حورية البحر: لقد انتهى عملنا.
العرّافة: آمل أن لا يؤذوها مرّة ثانية.
حورية البحر: لو ينسون الكوابيس، ربّما يفعلونها ثانية.
العرّافة: الناس نسّاؤون.
حورية البحر: حينها علينا أن نرجع مرّة ثانية.
العرّافة: إذن إلى اللقاء.

تمّت
نوفمبر 2021



#سالم_الباوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رشفة من كأس الواقع
- قراءات المفقودة
- اليعاسيب المفقودة
- العواء الوحيد
- اللعنة الغامضة
- قصة قصيرة
- قصة قصيرة جدا
- دراسة سيميائية وجيزة لقصة نفاد الشاي والرتابة المكررة
- كارون و ذكريات غير معلنة_ قصة قصيرة
- قصص قصيرة جدا
- خوف- قصة قصيرة جدا
- ذكريات ممنوعة الذكرى- قصة قصيرة جدا
- لعنات الألم- قصة قصيرة جدا
- سقم الحب - قصة قصيرة جدا
- أنغام الألم- قصة قصيرة جدا
- عبء الضيافة- قصة قصيرة جدا


المزيد.....




- من القاهرة التي لا تنام للجزائر المقاومة: كيف صنعت السينما و ...
- افتتاح مهرجان برلين السينمائي وصرخة عربية في البانوراما
- رحيل سعيد السريحي ناقد الحداثة في المشهد الأدبي السعودي
- ذكاؤنا الخائن: نهاية العالم كما دبرها العقل البشري
- تايلور سويفت تعود للتسعينيات في فيديو كليب أغنيتها -Opalite- ...
- الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة عبر ا ...
- في السينما: الموظف الصغير شر مستطير
- السينما الليبية.. مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في ...
- جليل إبراهيم المندلاوي: ما وراء الباب
- -أرشيف الرماد-.. توثيق قصصي للذاكرة التونسية المفقودة بين ني ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم الباوي - مسرحية زورق خارون