محمد سعد خير الله
محمد سعد خيرالله عضو رابطة القلم السويدية
(Mohaemd Saad Khiralla)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 20:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يبدو، وبوضوحٍ متزايد، أن عام 2026 يتشكّل بوصفه عام التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط، على أنقاض تصدّعٍ، بل وانهيار، تحالفات ظلّت قائمة لعقود طويلة. فلم يكن أحد يتوقّع أن تصل العلاقات بين السعودية والإمارات إلى هذا المستوى من التأزّم، بعد سنوات من الشراكة الوثيقة والتنسيق شبه الكامل في ملفات إقليمية حساسة، قبل أن تتقاطع المصالح وتتصادم بسبب اختلافات كلية وجذرية في عدد من القضايا، أبرزها: اليمن، السودان، والصومال.
بدأ هذا التباعد خافتًا في أواخر عام 2025، في أعقاب توقيع اتفاقيتين استراتيجيتين متوازيتين: الأولى بين السعودية وباكستان، والثانية بين الإمارات والهند. ومع مرور الوقت، أخذ هذا الخفوت في التصاعد، إلى أن بلغ حدّ التراشق عبر بيانات رسمية صادرة عن وزارتي خارجية البلدين، قبل أن تمتدّ المواجهة إلى الفضاء الإعلامي، وتحديدًا منصة X (تويتر سابقًا)، عبر أسماء وازنة ومقرّبة من دوائر القرار.
لكنها السياسة؛ حيث المصالح لا تعرف الثبات، والتحالفات لا تُقاس بعمق العلاقات القديمة، بل بقدرتها على خدمة الأمن القومي في لحظة تاريخية مضطربة، تتراجع فيها الضمانات التقليدية، وتتآكل فيها معادلات الردع المستقرة. الحديث اليوم لا يدور حول تحالف واحد، بل عن عدة تحالفات آخذة في التشكّل أو إعادة التموضع، فيما لا يزال التحالف الحتمي (( الإسرائيلي الاماراتي )) الذي يجب تدشينه على وجه السرعة غائبًا عن العلن، رغم كونه صمّام الأمان الأخير لمنع انزلاق الشرق الأوسط بأكمله نحو جحيم مفتوح.
أولًا: اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان.
تُعدّ باكستان، في الوعي الاستراتيجي السعودي، أقرب حليف غير عربي، بل وأقرب حليف داخل العالم الإسلامي. ووفقًا لمركز “بيو” للأبحاث، فإن نحو 95% من الباكستانيين ينظرون إلى السعودية بإيجابية مطلقة، ولا يرون فيها أي بعد سلبي، وهو ما يعكس عمق العلاقة الشعبية إلى جانب العلاقة الرسمية. تملك باكستان واحدًا من أكبر الجيوش في العالم، كما أنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، وهو عامل منحها مكانة خاصة في الحسابات السعودية، لا سيما في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية. وقد أسفر ذلك عن توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين البلدين، والتي تنص على اعتبار أي عدوان على أحد الطرفين عدوانًا على الطرف الآخر.
وُقّعت الاتفاقية في 17 سبتمبر/أيلول 2025 في قصر اليمامة بالرياض، من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال زيارة رسمية للمملكة. الاتفاقية دفاعية في جوهرها، لكنها تحمل رسالة ردع واضحة، دون أن تمثّل إعلان حرب أو تحالفًا هجوميًا صريحًا.
ثانيًا: الرد الإماراتي : التحالف الإماراتي/الهندي
جاء الرد الإماراتي على التحالف السعودي/الباكستاني سريعًا ومدروسًا، عبر استكمال ما بدأ الحديث عنه في ديسمبر 2025. فقد وقّعت الإمارات العربية المتحدة والهند خطاب نوايا للعمل على إقامة شراكة دفاعية استراتيجية، في خطوة من شأنها تعزيز العلاقات الثنائية التي تشهد أصلًا نموًا متسارعًا.تم توقيع خطاب النوايا خلال زيارة قصيرة لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى نيودلهي، حيث أجرى محادثات مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تناولت مجالات التعاون في الطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، والأمن البحري، وفقًا لوكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام). هذا التحالف لا يُقدَّم بوصفه تحالفًا عسكريًا تقليديًا، لكنه يعكس توجّهًا إماراتيًا واضحًا نحو تنويع الشركاء الاستراتيجيين خارج الإطار الخليجي، وبناء توازنات جديدة في مواجهة تحالفات إقليمية آخذة في التبلور..
ثالثًا: التحالف السعودي / المصري / الصومالي (بين الخطاب التحليلي والوقائع الميدانية)
تُعد هذه الفقرة من أكثر محاور الجدل حضورًا في الخطاب التحليلي المصري، حيث يذهب عدد غير قليل من المحللين والإعلاميين إلى اعتبار التحركات الإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري. غير أن التدقيق في الوقائع على الأرض يكشف فجوة واضحة بين حدّة الاتهامات المتداولة، وغياب الأدلة الملموسة التي تُثبت وجود تهديد إسرائيلي مباشر أو عمليات عسكرية أو ترتيبات أمنية فعلية تستهدف مصر في هذا النطاق الجغرافي. فالخطاب السائد يعتمد، في معظمه، على تقديرات سياسية وافتراضات استباقية أكثر منه على معطيات صلبة أو وقائع مؤكدة. وحتى في أكثر النقاط التي يُستند إليها لتبرير هذا القلق، وتحديدًا ما يتعلّق باعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" (صوماليلاند)، فإن هذا الاعتراف لا يمكن اعتباره في حد
ذاته تهديدًا للأمن المصري، ولا دليلًا على نوايا عدائية. على العكس، فإن الاعتراف بصوماليلاند يجب أن يُثمَّن، من زاوية أخلاقية وقانونية، باعتباره انتصارًا لحق شعب أعلن استقلاله بإرادته الحرة. فقد نالت صوماليلاند استقلالها عن بريطانيا في 26 يونيو/حزيران 1960، قبل أن تدخل طوعًا في وحدة سياسية مع الصومال الإيطالية لتشكيل الدولة الصومالية، وهي وحدة أثبتت التجربة التاريخية فشلها، وانتهت عمليًا بانهيار الدولة المركزية ودخول الصومال في دوامة فوضى ممتدة.
وعليه، فإن اختزال التحالف السعودي/لمصري/الصومالي في كونه ردًّا على ((خطر إسرائيلي)) غير مُثبت ميدانيًا يُعد تبسيطًا مخلًا للمشهد. فالدوافع الحقيقية لهذا التحالف ترتبط أساسًا بإعادة ترتيب النفوذ في البحر الأحمر، وتأمين الممرات البحرية، وضبط التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي، بعيدًا عن خطاب التخويف الذي لا تسنده حتى الآن وقائع دامغة.
رابعًا: التحالف السعودي / التركي / الباكستاني… واحتمال انضمام مصر.
تدور في الكواليس الإقليمية مفاوضات متقدمة حول توسيع الشراكة السعودية/الباكستانية لتشمل تركيا، مع نقاشات تتعلّق بصيغ تعاون عسكري وأمني أوسع. ورغم أن هذا التحالف لم يتحوّل بعد إلى معاهدة رسمية، فإن مجرد تداوله يعكس حجم التحوّلات الجارية في بنية النظام الإقليمي.
الأكثر لفتًا للانتباه هو ما يتردّد، في دوائر بحثية وإعلامية، عن احتمال انضمام مصر إلى هذا المحور. القاهرة لم تؤكّد ولم تنفِ، لكنها تحافظ على سياسة الاقتراب دون الاندماج بما يتيح لها الاستفادة من توازنات متعددة،بعدم الانخراط في محاور صلبة قد تقيّد حركتهاالاستراتيجية.
وإذا ما تأملنا مجمل التحالفات المشار إليها، يتضح أن العامل المشترك الذي جمع هذه الدول ودفعها إلى الاصطفاف ضمن تحالفات متباينة هو تصاعد العداء لإسرائيل، بوصفه المحرّك الأساسي والأكثر حضورًا في المشهد، يليه مباشرة التوتر المتنامي في( العلاقات السعودية–الإماراتية)، الذي بات عامل ضغط لا يمكن تجاهله أو التقليل من أثره.
وتكفي نظرة واحدة متأنية إلى الخطاب الرسمي أو شبه الرسمي الصادر عن كلٍّ من الرباعي: باكستان وتركيا ومصر والسعودية تجاه إسرائيل، للكشف عن ملامح هذا التصاعد بوضوح. وإذا كانت الخطابات العدائية الصادرة عن الثلاثي الأول من هذا الرباعي تجاه الدولة الإسرائيلية، من حين إلى آخر، لا تحتاج إلى كثير من الاستعراض أو التوثيق، فإن اللافت ( بل والمفصلي ) هو التحوّل الذي طرأ على الموقف السعودي نفسه، لا سيما عند وضعه في سياقه الزمني القريب. فالمملكة العربية السعودية كانت، حتى وقت غير بعيد، على بُعد خطوة واحدة من الانخراط في مسار "الاتفاقيات الإبراهيمية" وهو مسار كان يُنظر إليه بوصفه تحوّلًا تاريخيًا في بنية الإقليم. غير أن الأحداث الإرهابية التي وقعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أعادت خلط الأوراق بالكامل، وأحدثت انعطافة حادة في المزاج السياسي والخطاب الإعلامي السعودي. ويمكن الوقوف على ملامح هذا التحوّل من خلال ثلاثة أمثلة دالّة: الأول : ما بثّته قناة "الإخبارية السعودية" الحكومية من توصيف لمشروع إسرائيلي "يرتدي عباءة أبو ظبي"، يهدف وفق الطرح المعروض إلى زعزعة أمن واستقرار دولتين محوريتين في الإقليم، هما السعودية ومصر، في اتهام ينطوي على تحميل إسرائيل مسؤولية توظيف أطراف إقليمية لخدمة أجنداتها.
الثاني : ما ورد على القناة ذاتها من تأكيد رسمي مفاده أنه "مع استمرار تحريض أبو ظبي ضد المملكة، ورغم التحذيرات السابقة، فإن السعودية لن تتردد في اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة ضد كل من يهدد أمنها الوطني" وهو خطاب يربط بصورة مباشرة بين إسرائيل والإمارات ضمن إطار تهديد واحد.
أما المثال الثالث والأخير، فيتمثل في مقال بالغ الدلالة للكاتب السعودي المعروف عبد الله بن بخيت، نُشر في صحيفة "عكاظ" تحت عنوان: (ما هو السلام الإبراهيمي؟)، شنّ فيه هجومًا حادًا على إسرائيل، وشكك بشكل مباشر في الأسس الفكرية والسياسية لما يُعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية، مستهدفًا جوهرها ومرتكزاتها، لا مجرد هوامشها. ومن المعروف في السياق السعودي أن الصحف الكبرى، بما في ذلك صفحات الرأي، لا تنفصل عن المزاج السياسي العام، وغالبًا ما تعكس بدرجات متفاوتة توجهات مركز القرار، أو على الأقل ما يُسمح بتداوله ضمن حدود الخطاب المقبول، وهو ما يمنح هذا المقال وزنًا سياسيًا يتجاوز كونه رأيًا فرديًا معزولًا.
الخاتمة: لماذا بات التحالف الإسرائيلي/الإماراتي ضرورة لا تحتمل التأجيل .
التحالف الإسرائيلي/الإماراتي ليس تحالفًا أيديولوجيًا، ولا مشروع مواجهة مع أحد، بل ضرورة ردعية تهدف إلى منع الانزلاق، لا إشعاله. اتفاقية دفاع عسكري مشترك بين الطرفين ستشكّل رسالة واضحة بأن هناك خطًا أحمر أمام أي مغامرات إقليمية، وبأن منطق الدولة والاستقرار لا يزال قادرًا على فرض توازن في وجه تحالفات تُبنى على الكراهية والتحريض.
الأخطر اليوم ليس إعلان هذا التحالف، بل استمرار الغموض. فالتردد يفتح المجال أمام سوء التقدير، ويغري الأطراف الأكثر اندفاعًا باختبار حدود القوة. أما التحالف الواضح، المعلن، والمقنن، فيغلق الأبواب أمام التصعيد غير المحسوب.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى تحالفات جديدة تُراكم الأزمات، بل إلى تحالف عقلاني واحد يمنع الانفجار. والتحالف الإسرائيلي/الإماراتي، إذا أُنجز الآن، قد يكون آخر فرصة واقعية لإبقاء الإقليم خارج الجحيم.
#محمد_سعد_خير_الله (هاشتاغ)
Mohaemd_Saad_Khiralla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟