أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالرزاق دحنون - هل سُلوك الإنسان وليد فكره؟














المزيد.....

هل سُلوك الإنسان وليد فكره؟


عبدالرزاق دحنون
كاتب وباحث سوري


الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 15:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ما الكتاب الذي أشعل فتيل سراج المعرفة أوّل مرّة في حياتكَ، فتنبّهتَ فجأة، لذلك السراج المُنير الذي بدّد ظلمات الجهل، فأمسى سراجاً مُستنيراً وهادِياً/ يلوحُ كما لاحَ الصقيلُ المهنّدُ؟ قد تمنحنا بعض الإجابات الجيّدة فهماً معرفياً أوسع، وبالتالي كاشفاً ومضيئاً. ولعلّ أشهر عبارات المعرفة كانت للفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت، حين قال "أنا أفكر، إذن، أنا موجود".

قال بعضهم: أراد ديكارت التأكيد أنّ طبيعة تفكير الإنسان تؤثّر في طبيعة وجوده، وهي قريبة من قولنا سُلُوك الإنسان وليد فكره. وهذا يدفعنا لنسأل: ما الكتاب الذي صنع منك إنساناً عارفاً؟ وهل ما زالت الكتب والمكتبات تُسهم في صناعة المعارف البشريّة؟

تُمثّل هذه الأسئلة مرجعاً فكريّاً مُهمّاً للقارئ المُهتم بتاريخ الأفكار وتحوّلات الوعيّ الإنساني. فهي تُؤكّد أنّ الكتاب أداة قادرة على إحداث التنوير، وتُعزّز قيمة القراءة فعلاً مقاوماً، وتُرسّخ القناعة بأنّ الأفكار الجذرية تبدأ أحياناً من صفحات كتاب مشحونة برؤية جديدة للعالم. ولعلّ الفيلسوف الصيني لاوتسي ابن القرن الخامس قبل الميلاد يرشدنا إلى التفكير المُستقيم في هذا الباب، حيث يقول: راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات، راقب كلماتك لأنها ستصبح أفعالاً، راقب أفعالك لأنها ستتحوّل إلى عادات، راقب عاداتك لأنها تكوّن شخصيتك، وراقب شخصيتك لأنها ستحدّد مصيرك".

من بين الكتب التي يقرأها الإنسان في حياته يبقى ذلك الكتاب الذي ترك أثراً في طريقة تفكيره، أو ترك ذاك الوشم العميق في روحه. وكنتُ مع حداثة سني قد بدأتُ في قراءة "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وهي النسخة التي حقّقتها الباحثة المصرية عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، حيث وجدتُ نسخة منها في المركز الثقافي العربي في مدينة إدلب في ثمانينيات القرن العشرين، فاستعرتها، واستغلق عليّ الكثير من معانيها، فقلتُ بيني وبين نفسي لعل زيارة لضريح جاري فيلسوف المعرّة في مدينة معرّة النعمان، قد تفكّ طلاسم المعاني وتُجلي عنها الغموض وتكشف لي هذا اللّيل المرخي سدوله على فكر فيلسوف فذّ كأبي العلاء المعرّي.

قلتُ لأبي، راشد بن عثمان دحنون، في أحد أيام الربيع المُشمسة، وكان قد اشترى موتوراً نارياً حديثاً، ماركة "يامها"، ياباني الصنع، يسير على الدروب كأنّه بساط الريح: "أريد زيارة ضريح فيلسوف المعرّة في معرّة النعمان، ونمرّ في طريقنا على ضريح عمر بن عبد العزيز في دير شرقي المجاور لمعرّة النعمان". وفي الحقيقة، كان قصدي مشاركة والدي في الحديث عن أبي العلاء المعرّي وأهل معرّة النعمان ومبانيها الأثرية، لأنّ أبي في الأصل نحّات حجر ومعمار، تعلّم الصنعة على أصولها في مدينة حلب عند آل جنزير في خمسينيات القرن العشرين. والحجر المنحوت في أبنية المدن المَنسية من جبل سمعان حتى تخوم معرّة النعمان يحكي حكايته من دون لسان. وقد أكّد الباحث والمؤرّخ الإدلبي الراحل، فايز قوصرة، وجود ما يقرب من ألف موقع أثري في محافظة إدلب، تعود لمختلف العهود، وأكثرها حضوراً من العهدين الروماني والبيزنطي.

بين مدينة إدلب ومدينة معرّة النعمان مسافة ساعة بالحافلة، ولكن والدي الراحل (رحمه الله) مع موتوره الجديد كان ينهب الأرض نهباً، فوصلنا إلى معرّة النعمان في أربعين دقيقة. والخيل من الخيّال كما يُقال. على كلّ حال، كان الأثر جميلاً كما تكون الآثار جميلة. وقفتُ على ضريح شيخ المعرّة وفيلسوفها كما أمرنا الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري في مطلع قصيدته عن أبي العلاء المعرّي:

قِفْ بالمعرّة وامسح خدّها التّربا... واستوح من طوّق الدُّنيا بما وهبا

واستوح من طبّب الدُّنيا بحكمته... ومن على جُرحها من روحه سكبا

فهل أفلحت زيارة ضريح فيلسوف المعرّة تلك الأيّام الخوالي في فكّ طلاسم الكلمات من رسالة الغفران؟ صدقاً، لا أعرف، ولكن من حسناتها أنّها زادت اهتمامي بمؤلّفات فيلسوف المعرّة، فرحتُ أجمع من كتبه ما استطعت إليها سبيلاً، وأجمع ما كُتب عنه أيضاً، وهو كثير. ومن آخر المصادفات السعيدة أنني أهتديتُ إلى كتاب فرحان بلبل (لاحظ جمال الاسم فرحان بلبل)، المؤلّف والمخرِج المسرحيّ السوريّ المعروف ابن مدينة حمص "رسالة الغفران - صياغة مُعاصرة لنصّ أبي العلاء المعرّي" الصادر في طبعته الأولى عن دار ممدوح عدوان سنة 2019. يقول فرحان بلبل في تقديم الكتاب: "انطلاقاً من أمنية في أن يقرأ كلّ العرب ما يستطيعون من التراث القديم، رجعتُ إلى رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي لوضعها بين أيدي القرّاء عبر إعادة صياغتها، أي بشكل أساسي استبدلتُ الكلمات الغريبة البائدة بألفاظ عادية يفهمها القارئ، وقمت بإعادة صياغة بعض التراكيب والجمل". فرحتُ بما فعل فرحان بلبل بنصّ رسالة الغفران، وأثنيت عليه، وشكرتُ صنيعه، غفر الله له ولنا، وأسكنه فسيح جنانه في الذكرى الأولى لوفاته.

فرحان بلبل رسالة الغفران قراءة معاصرة:
https://bilarabiya.net/wp-content/uploads/2021/01/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.pdf



#عبدالرزاق_دحنون (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحد عشر سورياً في مكتبة
- لماذا لم يخترع الأزتيك والإنكا والمايا العجلة؟
- أين أخطأ عبد العزيز الخيّر؟
- ماذا بعد شي جين بينغ رجل الصين القوي؟
- رسالة ابن عمي إلى كارل ماركس
- خطبة لم يقلها قس بن ساعدة الإيادي
- هل ما زالت فلسفة ماركس محلّ ثقة؟
- محضر قرابين حي التضامن في العاصمة السورية دمشق
- تأبَّط كتاب هكذا تكلَّم زرادشت
- نظرة في الكون الفسيح
- هل كانت نساء روما القديمة مواطنات؟
- أحد عشر يوماً من تاريخ الثورة السورية
- الشيوعيون والنوم في العسل
- حكايات سورية
- متلازمة البطة العرجاء
- الشّعب معصِّب
- هل كان ألبرت أينشتاين اشتراكياً؟
- السعي لفهم أسرار الكون
- كيف سيغير ترامب العالم؟
- بقايا كلام في جمهوريّات العسكر


المزيد.....




- غضب في فرنسا.. قطارات فائقة السرعة تمنع الأطفال من دخول عربا ...
- منها تقنية التعرف إلى الوجوه.. هل استُخدمت إيران أنظمة مراقب ...
- تيد بندي: الوجه الهادئ لواحد من أكثر القتلة المتسلسلين رعباً ...
- تبادل اتهامات غير مسبوق بين ترامب وستارمر
- تقرير أولي حول أسباب اصطدام قطارين بجنوب إسبانيا يرجح وجود ت ...
- عاصفة قطبية تهدد مساحات واسعة من الولايات المتحدة
- موجة غضب في الولايات المتحدة إثر توقيف طفل في الخامسة في عمل ...
- مزايا جديدة لتعزيز الأمن في -واتساب-.. تعرف عليها
- صحف عالمية: العالم يقاوم هيمنة ترمب وأوروبا تبحث عن استقلاله ...
- فيدان: مؤشرات على سعي إسرائيلي لشن هجوم على إيران


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالرزاق دحنون - هل سُلوك الإنسان وليد فكره؟