أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إدريس الخلوفي - التواصل الجيد مدخل للقرار الجيد















المزيد.....



التواصل الجيد مدخل للقرار الجيد


إدريس الخلوفي
أستاذ باحث

(Lakhloufi Driss)


الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 20:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


Résumé

Il semble que l essence du management et du processus de gestion soit de prendre des décisions, et plus ces décisions sont efficaces et correctes, plus elles profitent à l organisation. C est vrai, c est pourquoi nous avons consacré cet article à parler de communication comme l une des portes d entrée les plus importantes de la décision, et l administration scolaire est à son tour un type d organisation qui applique ce qui s applique aux autres. Elle dessine des plans pour réaliser ce projet, et prend des décisions... Pour prendre ces décisions, il faut un certain nombre d éléments tels que les lois, les mémorandums, les ressources adéquates et autres. Dans cet article, nous allons parler d un élément important et efficace dans la prise de décision administrative, car il est lié à la communication.
Qu entend-on par communication ?
Quel rôle joue-t-il ou quelle influence a-t-il sur la décision ?
Quels sont les types de communication et quelles sont ses caractéristiques ?














Abstract

it seems that the essence of management and the management process is to make decisions, and the more effective and correct these decisions are, the more they benefit the organization. That s right, that s why we ve dedicated this article to talking about communication as one of the most important entry points to decision making, and school administration in turn is a type of organization that enforces which applies to others She draws plans to carry out this project, and makes decisions ... To make these decisions, you need a number of elements such as laws, memoranda, adequate resources and others. In this article, we are going to talk about an important and effective element in administrative decision making, as it is related to communication.
What do we mean by communication?
What role does it play´-or-what influence does it have on the decision?
What are the types of communication and what are its characteristics?

د. إدريس الخلوفي
باحث في سوسيولوجيا التنظيمات

التواصل الجيد بالنسق الإداري مدخل للقرار الجيد
تمهيــــد:
"التسيير والإدارة عبارة عن قرارات متتالية، أي عبارة عن عملية مستمرة ومتواصلة. فكل ما يقوم به مدير إدارة أو شركة معينة، كما يرى بيتر دروكر Peter Drucker، فهو يقوم به من خلال اتخاذ قرارات" .
يبدو إذن أن جوهر عملية التسيير والإدارة، هو اتخاذ القرارات، وكلما كانت هذه القرارات ناجعة وصائبة، كلما عادت بالنفع على التنظيم، ومن أبرز العوامل التي قد تجعل القرار يتسم بالجودة والفاعلية، نجد التواصل، فكلما كان التواصل جيدا، كلما كان القرار جيدا، والعكس صحيح، لذلك أفردنا هذا المقال للحديث عن التواصل باعتباره أحد أهم مداخل القرار، والإدارة التربوية هي بدورها نوع من أنواع التنظيمات التي ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها، فالإدارة التربوية هي تنظيم أو مؤسسة تعمل على تدبير وتسيير موارد بشرية ومادية، لها مشروع تسعى لتحقيقه، وترسم خططا لتحقيق هذا المشروع، كما تتخذ قرارات... ولاتخاذ هذه القرارات، تحتاج إلى جملة من العناصر كالقوانين، المذكرات، الموارد الكافية، وغيرها. وفي مقالنا هذا سنفرد الحديث عن عنصر هام وفعال في اتخاذ القرار الإداري، إن الأمر يتعلق بالتواصل.
- فما المقصود بالتواصل communication؟
- وما الدور الذي يلعبه، أو التأثير الذي يتركه على القرار؟
- ما هي أنواع التواصل وما خصائصه؟
1 – دلالة مفهوم التواصل:
سنحاول في هذا الصدد الوقوف عند دلالة مفهوم التواصل بدءا من الدلالة اللغوية كما وردت في مختلف المعاجم، وصولا إلى الدلالة الاصطلاحية والسوسيولوجية.
أ – الدلالة اللغوية:
جاء في لسان العرب لابن منظور: "اتصل الشيء بالشيء، لم ينقطع ... والتواصل ضد التصارم (التقاطع)" .
وجاء في المعجم الأساسي: "اتصل يتصل اتصالا، الشخص بالشخص، اجتمع به أو خاطبه، وتواصل يتواصل تواصلا، الشخصان وغيرهما، اجتمعا واتفقا" .
أما المعجم الفرنسي le petit robert، فيعرف التواصل بأنه الإبلاغ ومسافة الاطلاع والإخبار، أي نقل خبر ما من شخص إلى آخر أو إقامة علاقة مع شخص ما، كما يدل على الشيء الذي يتم تبليغه، والوسائل التقنية التي يتم التواصل بفضلها.
"وقد استعمل فعل تواصل (communiquer) أول مرة في اللغة الفرنسية القديمة سنة 1361، ومعناه ربط الشيء بالشيء. أما المصدر communication فقد استعمل سنة 1564، واللفظ مشتق من اللاتينية الشعبية، ويدل على مجموع الوسائل والتقنيات الموظفة في نقل المعلومات بين الأفراد، كما يدل على المشاركة والتبليغ والانتشار، وقد اشتق الفعل الفرنسي (communiquer) من الكلمة اللاتينية (communicare) وتعني أصبح في علاقة مع فرد أو أكثر" .
وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة التمييز بين التواصل والاتصال، لأنه غالبا ما يتم الخلط بينهما واستعمالهما بكيفيات ملتبسة، مع أن لكل منهما دلالة خاصة، "فالاتصال من فعل اتصل يتصل إذ نقول: اتصل الأستاذ بالتلميذ، واتصل زيد بعمرو، أي أقام معه صلة، ويفيد هذا المعنى أن المبادرة تأتي من جانب واحد هو الفاعل، أما التواصل فهو من تواصل يتواصل (...) ويفيد ذلك المشاركة مادام الفاعل أكثر من فرد واحد، ومادامت المبادرة تأتي من الطرفين معا" .
ب- الدلالة السوسيولوجية:
وردت عبارة *Communication في كتاب مقدمة نقدية في علم الاجتماع لصاحبه "أنطوني غيدنز" باعتبارها "عملية نقل المعلومات من شخص أو جماعة إلى شخص أو جماعة أخرى. ويمثل الاتصال [التواصل] الأساس الضروري لكافة التفاعلات الاجتماعية وفي سياق تفاعلات الوجه للوجه (المباشرة) يحدث الاتصال [التواصل] من خلال استخدام اللغة، بالإضافة إلى الإيماءات الجسدية التي يفسر بها الأفراد ويفهمون ما يقوله ويفعله الآخرون. ومع تطور الكتابة ووسائل الاتصال الالكتروني مثل الراديو والتلفزيون وأنظمة الاتصال عبر أجهزة الكومبيوتر، أصبح الاتصال مجالا منفصلا إلى حد ما عن سياق علاقات الوجه للوجه المباشرة" وإذا كان الاتصال اللفظي يتم عبر مجموعة من القنوات اللغوية، فإن الاتصال غير اللفظي – دائما حسب غيدنز – هو اتصال بين الأفراد يعتمد على التعبيرات الظاهرية للوجه أو الإيماءات الجسدية دون استعمال اللغة المنطوقة.
وقد عرف "جيل فيريول" التواصل في "معجم مصطلحات علم الاجتماع" بقوله: "يقصد بهذا المصطلح في الأصل، التبادل وانتقال الأملاك والأشخاص من مكان إلى آخر أو من منطقة إلى أخرى، بواسطة طرق طبيعية أو اصطناعية (...) إنه عملية تنتقل من خلالها الرسائل أيا كانت طبيعتها والركائز المستخدمة فيها من فرد إلى آخر، بحيث تجعل التفاعل الاجتماعي ممكنا" .
إذا كان التواصل من الناحية السوسيولوجية هو عملية اجتماعية محضة تتم بين مرسل/ مرسلين، ومرسل إليه/ مرسل إليهم، وذلك بتبادل رسالة وتداولها عبر قنوات معينة، فإنه من الضروري الاهتمام ببعض الأسئلة المرتبطة بهذا الموضوع، لأن فهمها والإجابة عنها يعتبر مدخلا أساسيا لفهم التواصل، ولعل أبرز هذه الأسئلة - كما حددها جيل فيريول- هي:
- من يتكلم؟ (تحديد هوية الفاعلين وشخصيتهم).
- ماذا يريد أن يقول؟ (الخطاب الضمني أو المباشر، التمثيلي أو الأداتي، الإخباري أو البرهاني...).
- بأي واسطة؟ (القنوات التي تستعمل في التواصل).
- من المستهدف؟ (تحديد الفئة المستهدفة من التواصل).
- ما الغاية من التواصل؟ (التأثير المطلوب، النتائج المباشرة وغير المباشرة).
- في أي ظروف؟ (البلد، العصر، المحيط).
يمكننا إذن أن نستثمر هذه التعاريف سواء منها اللغوية أو الاصطلاحية لنخرج بالاستنتاج الآتي: التواصل عملية تتم بين فردين أو أكثر قصد تبادل رسائل متنوعة، وهذا يعني بأنه سلسلة من العمليات أو الأحداث المستمرة المتحركة دائما تجاه موقف أو هدف، أي أن التواصل هو سيرورة وليس كيانا جامدا وثابتا في مجال زماني ومكاني، إنه عملية تستعمل لنقل المعاني والقيم الاجتماعية والخبرات المشتركة.
وتشترط عملية التواصل وجود أقطاب هي:
- القائم بالاتصال (المتصل): ومعنى هذا ضرورة وجود من يقوم بالتواصل، قد يكون هذا المتصل شخصا ماديا أو معنويا (مؤسسة أو تنظيم) وهو الطرف الذي يبادر بفتح قناة التواصل ويوجه رسالته إلى شخص أو أكثر.
- الرسالة: وتعني المعلومات والآراء والمشاعر أو التوجيهات والمواقف التي يرغب المتصل في نقلها إلى الآخرين عبر جملة من الرموز التي قد تكون صوتية مثل الكلام أو مكتوبة أو حركية مثل الإشارات والإيماءات، كما تكون خليطا من كل أشكال الرموز التي ذكرنا.
- المتلقي: ونعني به الآخرين الذين يتلقون الرسالة، سواء كان المتلقي فردا أو جماعة أو مؤسسة.
- الهدف: عملية الاتصال يجريها القائم بالاتصال لهدف ما قد يكون هو التأثير في أفكار أو مشاعر أو مواقف وآراء المتلقين للرسالة.
- القناة / الوسيلة: هي الوسيط الذي يتوسط بين المرسل والمرسل إليه، أي الوسيلة التي يتم عبرها نقل الرسالة.
- التشويش: جدير بالذكر أنه مهما تم الحرص على تواصل جيد، هناك جملة من العناصر المتدخلة التي يمكن أن تشكل مصدر تشويش ويمكن أن تؤثر على نجاح العملية التواصلية.
هذه إذن جملة من التعاريف والخصائص التي تميز التواصل كفعل اجتماعي تنظيمي، وهو كما قلنا مسألة أساسية في نجاح أي تنظيم في عمله. إن للتوصل تأثيرا مباشرا على عملية اتخاذ القرار في التنظيمات، ومن تم تدخلا مباشرا في حضور الجودة أو عدمها. فكلما كانت قنوات التواصل شفافة وفعالة داخل التنظيم، كلما كان المسؤول عن القرار في وضع يسمح له باتخاذ القرارات المناسبة، وكلما كان التكتم والضبابية يسودان التنظيم، كلما افتقر المقرر لوضوح الرؤية، وبالتالي بنى قراراته بشكل خاطئ. نفس الأمر بالنسبة لسريان المعلومات الخاطئة، أو الاشاعات، فهي الأخرى تؤثر سلبا على القرار. وإذا كان القرار خاطئا، أو غير ملائم للوضع المطروح، فإن جودة المنتوج ستتأثر لا محالة.
2- لا وجود لإدارة جيدة في غياب تواصل جيد:
من شروط التدبير الإداري الجيد نجد حضور الكفاءة لدى المسيرين، وتوفر الشروط المادية واللوجستيكية، التكوين المستمر والاطلاع على ما جد في المجال. لكن هناك شرط آخر لا يقل أهمية عن الشروط السابقة والذي نادرا ما يتم الاهتمام به، إن الأمر يتعلق بالتواصل. فإذا كانت العناصر السابقة تؤثر على جودة المنتوج الإداري من زوايا وجوانب مختلفة، فمثلا أي مشكل مادي أو مالي يمكن أن يؤخر عملية شراء منتوج أو أداء رواتب الموظفين، وحالما يحل المشكل المالي تحل باقي المشاكل، فإن إشكال التواصل يخترق كامل هذه الجوانب الأخرى، لأنه بالأساس يرتبط بعملية اتخاذ القرار والتي نجدها حاضرة في كل عناصر ومراحل عملية التنظيم، فللتواصل تأثير مباشر على سيرورات القرار، أي على صنع القرار الذي يستغرق وقتا معينا، كما له تأثير أيضا على لحظة اتخاذ القرار. ونظرا لهذه الأهمية البالغة التي يكتسيها التواصل في علاقته بالقرار، سنتحدث عن هذه العلاقة وعن أهم العناصر المكونة لمفهوم التواصل.
أ - طبيعة ووظائف التواصل:
" يبقى التواصل دائما القلب النابض في عملية الإدارة والتدبير... خاصة على مستوى التفاوت الحاصل بين التواصل الداخلي والتواصل الخارجي، الذي يصيب التنظيمات حين تبتعد عن حقيقتها بتبنيها نمطا / انحرافا تجاريا ما، والذي تعمل من خلاله على نشر رسالة للمحيط الخارجي الذي يفضي حتما إلى الاصطدام بواقعها الداخلي، الأمر الذي يغذي / يزيد من الغموض، والارتباك، والحيرة لدى الفاعلين. "
"يمكن تقديم تعريف رسمي للتواصل باعتباره السيرورة التي تمهد للقرار إمكانية الانتقال بين الفاعلين في التنظيم أو من تنظيم لآخر. ووبشكل أوضح لا وجود لتنظيم بدون تواصل، لأن المجموعة عندئذ لن تكون لديها القدرة على التأثير في سلوك الأفراد" .
والتواصل ليس مسألة جوهرية للتنظيم فقط، بل هو الآلية التي تسمح بسريان مفعول القرار داخل مختلف أجزاء التنظيم، فالتواصل يسمح من جهة للفرد الذي عليه مسؤولية اتخاذ القرار بالإحاطة الشاملة بالموضوع من خلال المعلومات المتاحة له، والتي تعطيه نظرة شمولية وفكرة عامة عن الموضوع وبالتالي اتخاذ القرار الأنسب، ومن جهة ثانية يسمح بسريان وتعميم هذا القرار بشكل صحيح على الجهات والمصالح المعنية بالأمر .
للتواصل إذن وجهان اثنان: يتمثل الوجه الأول في انتقال المعلومة إلى مصدر القرار، والثاني في سريان القرار من المركز إلى الجهات المعنية داخل التنظيم، كما يمكن التواصل التنظيم من التفاعل والتواصل مع باقي التنظيمات ذات الصلة أو مع المحيط بشكل أعم.
"إن سيرورة التواصل تعمل في كل الاتجاهات: من الأعلى إلى الأسفل، من الشمال إلىاليمين، وعلى العكس، فالمعلومات والتعليمات التي تسري عبر التراتبية الإدارية وبشكل من الأشكال، لا تمثل في الواقع إلا جزءا ضعيفا من مجموع شبكة التواصل لكل التنظيم"
ب – التواصل الرسمي والتواصل غير الرسمي:
إن الخطاطة السابقة توضح بشكل جلي وجود شكلين من أشكال التواصل هما: التواصل الرسمي والتواصل غير الرسمي. وإذا اقتبسنا من "فرويد" تمثيله للشعور واللاشعور بجبل الجليد، فإننا يمكن أن نقول: إن تسعة أعشار من التواصل يتم بشكل غير رسمي، في حين أن العشر فقط هو الذي يتم بشكل رسمي،

إن التواصل الرسمي كما هو موضح أعلاه، لا يشكل إلا جزءا بسيطا داخل منظومة التواصل، في حين أن التواصل غير الرسمي يشكل الغالبية العظمى من أشكال التواصل، هو لا يظهر، لكن تأثيره كبير جدا، وكونه مخفيا أو أحيانا سريا يجعله غير خاضع للدراسة أو المراقبة، فجل العلوم لا تهتم إلا بما هو رسمي وقابل للتكميم والضبط.
"في كل تنظيم توجد شبكة غير رسمية من التواصلات/ الاتصالات ذات أهمية كبرى، وهي مؤسسة على العلاقات الاجتماعية التي تؤثر على الشق الرسمي، أو بتعبير آخر على قنوات وعناصر/ أعضاء التواصل"، وبالتالي نجد أن التواصل غير الرسمي يؤثر إن بشكل واع أو بشكل غير واع على سيرورة التواصل داخل التنظيم.
- أدوات التواصل الرسمي:
"يتمثل التواصل الرسمي في التواصل الذي يستخدم خيوط السلطة داخل التنظيم، ويمتاز بكونه يستغل حيزا كبيرا في استراتيجيات المؤسسة باعتباره مسطر مسبقا، كما يستعمل لتحرير كل المعلومات من مذكرات ودوريات ومنشورات وأوامر وغيرها ."
تتكون أدوات التواصل الرسمي كما حددها "هربرت سيمون" (H.simon) في كتابه (Administration et processus de décision 1983) غالبا من الكلمات، الرسائل أو كل ما من شأنه أن ينوب عنها والتي يتم تداولها من فرد لآخر داخل التنظيم، بالإضافة إلى جملة من التعليمات الخاصة المكتوبة، ثم المذكرات والأوامر والإجراءات المكتوبة العادية. كما يمكن الإشارة إلى تداول الملفات؛ أي انتقال وثيقة ما من نقطة في التنظيم إلى أخرى أو من مكتب إلى آخر، خصوصا عندما يتطلب الملف معالجة متتالية من مصلحة/ فرد، لأخرى/ آخر. هذا دون أن نغفل التقارير، وفي الأخير يمكننا أن نشير إلى الكتيبات والمطويات والمراجع المرتبطة بشرح طريقة العمل والمساطر المتعلقة به، سواء كانت إدارية أو تقنية أو قانونية .
•التواصل الشفهي: عادة لا يحتل التواصل الشفهي إلا حيزا ضيقا ومحدودا داخل النسق الرسمي للتنظيم، فنسق السلطة الرسمية يعتقد أن التواصل الشفهي يقوم أساسا بين الأفراد ورؤسائهم أو مرؤوسيهم المباشرين وهذا الاعتقاد خاطئ. فالتنظيم الرسمي يمكنه بالموازاة الحد من التدفق العمودي للمعلومة، فالأفراد المتموقعون في قمة الهرم التراتبي عادة ما يكون التواصل معهم غير متاح، اللهم مع مرؤوسيهم المباشرين، وهذا الأمر نجده في النظام العسكري الذي يتم التحكم فيه بقواعد رسمية صارمة، فالجندي البسيط يتحتم عليه الحصول على موافقة ضابط الصف لكي يتحدث مع الضابط.
وفي شكل آخر من أشكال التنظيمات، حتى وإن كانت تنهج سياسة "الأبواب المشرعة"، فالولوج يظل محدودا من طرف رقابات اجتماعية غير رسمية كوجود كاتبة أو مساعدة تتشدد في السماح بالولوج، فيكون الولوج هنا أمام صرامة غير رسمية أكثر منها رسمية، أو بتعبير آخر يكون خاضعا لمزاج الكاتبة .
هذا بالإضافة إلى عامل الجوار فهو يمكن أن يشكل عاملا حاسما في تردد التواصل الشفهي، وكون المكاتب متاحة ورهن الإشارة هو الآخر عامل رسمي مهم في نسق التواصل، أما بخصوص دخول الهاتف كوسيلة تواصل شفهي على الخط، فهو أمر أعطى قيمة مضافة لكنه لا يمكن بتاتا أن يحل محل التواصل المباشر.
• المنشورات والرسائل: إن تداول الرسائل والمنشورات بين الفاعلين يشكل غالبا موضوع رقابة رسمية، أكثر من التواصل عبر الصوت خصوصا في التنظيمات الكبرى. ففي بعض التنظيمات يتم التنصيص والإلحاح على جعل كل عمليات التواصل مكتوبة وتتبع المسلك التراتبي، لكن هذه ليست قاعدة، فيمكن من حين لآخر أن نجد تعليمات تنص على ألا تتجاوز عمليات التواصل المكتوبة مرتبة واحدة فقط؛ بمعنى أنه إذا أراد شخصان ينتميان إلى قسمين مختلفين داخل نفس المصلحة أن يتواصلا، يتحتم أن تمر عملية التواصل عبر رئيس القسم الأول الذي ينقلها إلى رئيس القسم الثاني، هذا الأخير ينقلها بدوره إلى الشخص الثاني وهذا كله تحت إشراف رئيس المصلحة.
لكن في كل الأحوال فغالبية التنظيمات لا تلتزم أي قاعدة ثابتة، اللهم فيما يخص نقل التعليمات، لكن مع اتخاذ كافة الاحتياطات التي تلزم الفاعلين بإرسال نسخة لموضوع التواصل عبر قنوات نظامية في حالة ما كان التواصل مع جهات خارجية .
• تداول الملفات: في بعض الحالات هذه الوضعية تكون نوعية في التنظيمات التي تنشغل بالقضايا المالية كشركات التأمين، مصالح المحاسبة أو مؤسسات القروض. في مثل هذه الحالات، كل عمل التنظيم أو جزء كبير منه يحث على العمل المكتوب والموثق. فداخل شركة للتأمين على الحياة مثلا، فإن ملفات التسجيل الواردة تعالج، فتقبل أو ترفض، ثم توقع التعاقدات، بعد ذلك يتوصل الزبون / المٌؤَمَّن بإشعار عن المبالغ التي عليه أن يؤديها. عموما يمكن أن نقول إن عمل التنظيم هنا ينصب أساسا على الاشتغال بالملفات الخاصة بالمؤمنين/ الزبناء.
يمر الملف من يد إلى أخرى ويشكل موضوع مختلف العمليات بدءا من الانتماء أو العضوية والتسجيل بالشركة، القيام بأي تغيير في نوعية المستفيد، الموافقة على دفع تعويضات.
وفي الوقت الذي يتحرك فيه الملف من مصلحة إلى أخرى، يتم تحميله بكافة المعلومات التي تحتاجها وثيقة التأمين التي تعد ضرورية لاتخاذ أي قرار مطلوب. والفرد الذي يعهد إليه اتخاذ قرار بصدد أي موضوع، يعتمد في قراره على الملفات التي يتم تداولها بين المكاتب الفرعية والمؤسسة الأم. تتحرك هذه الملفات بطريقة عمودية بين المؤسسة والفروع وبالتالي يمكننا القول بأن الملف في مثل هذه الحالات يعد أداة مهمة للتواصل.
• المذكرات والتقارير: في الأغلبية الساحقة من التنظيمات، فإن نسق المذكرات والتقارير يشكل عنصرا مركزيا في النسق الرسمي للتواصل. ففي حالة الرسائل والمنشورات كما رأينا، يعود للفرد المتمركز في موقع امتلاك المعلومة، أمر أخذ المبادرة في نقل معلومة ما حسب حكمه الشخصي وتقييمه للمعلومة، وهذا الأمر قد يظل مزاجيا وخاضعا لتقدير هذا الفرد. أما بالنسبة للمذكرات والتقارير فهي تنفرد بخاصية مهمة، هي أن التنظيم وليس الفرد هو من يحث على ضرورة تعميم مذكرات وتقارير بشكل دوري في كل مناسبة أو ضمن ظروف خاصة، وذلك من أجل إطلاع الجميع على بعض المستجدات أو القوانين. وهذا الميكانيزم أساسي لأنه يعفي كل فرد في التنظيم من عمل مهم وصعب، متمثل في كيفية نقل المعلومة وما يجب أن تنص عليه ووقت نقلها، وهل هي معلومة تامة أو ناقصة، غامضة أم واضحة؟ على اعتبار أن المذكرة أو التقرير يصاغ بكيفية دقيقة وغير قابلة للتعديل، يتوصل به الجميع في نفس الصيغة .
• الكتيبات Les manuels: وظيفة الكتيبات هي التمكين من معرفة طريقة أداء المهام المصرح بها من طرف التنظيم، خصوصا فيما يتعلق بالأعمال التي تتردد على التنظيم بشكل دوري وليس اعتيادي، وهنا تكون عملية مراجعة الفاعلين لهذه الكتيبات فعالة ومجدية، إذ تمكنهم من معرفة كيفية القيام بالعمل، أو تساعدهم في التذكر إذا كانت هذه العملية تتم في أوقات متباعدة، كما قد تساعد الفاعلين الجدد الذين لم يتمرسوا بعد على مثل هذه الأعمال. هذا وتساعد هذه الكتيبات كامل أعضاء التنظيم على توحيد تصوراتهم ورؤاهم بخصوص العمل، تفاديا لاختلاف وجهات النظر أو التأويل الخاطئ، إنها تعطي فهما موحدا للبنية التنظيمية ولسياسة التنظيم.
- التواصل غير الرسمي:
" يعتبر شكلا من أشكال التواصل داخل المؤسسة دون سند قانوني أو تراتبي، يعبر عن رغبة الفاعلين في إقامة علاقات شخصية واجتماعية. إن هذا اللون من التواصل يؤسس لقنوات اتصالية تسعى المؤسسة عن طريقها إلى تمرير كل ما ترغب فيه لتحقيق أهدافها، وأهداف الفاعلين، والمتعاونين معها سواء على مستوى المحيط الداخلي، أو الخارجي. "
كل نسق تواصل رسمي داخل التنظيم، يكون مصحوبا بنسق تواصلي غير رسمي*، يتم تصريفه عبر قنوات تواصلية غير رسمية، تنتقل المعلومات والتوصيات بل وأحيانا التعليمات عبرها، فيتم ذلك في إفلات تام من الضبط التنظيمي الرسمي. ومع مرور الوقت ينحو النسق الواقعي للعلاقات إلى الاختلاف العميق عن الهيكل الرسمي للتنظيم. فينبغي ألا ننسى أنه حسب هذا الطرح الذي يقدمه "سيمون"، يمكن أن توجد علاقة سلطة حتى لو كان من هو أعلى رتبة أو يشغل رئيسا لقسم ما، لا يستثمر صلاحياته في اتخاذ القرارات التأديبية أو العقابية .
يقوم نسق التواصل غير الرسمي حول العلاقات الاجتماعية للمساهمين في التنظيم، وتخلق الصداقة فرصا عديدة للقاء والتواصل وتجاذب أطراف الحديث، خصوصا في الأمور المرتبطة بالعمل، هذا الأمر يمكن أن تتولد عنه علاقات سلطة يتقبل بموجبها الفرد زعامة زميله في العمل، وفي هذا الصدد يلعب الأفراد الذين يمتلكون بالطبيعة مواصفات الزعيم دورا هاما.
يكتسي نسق التواصل غير الرسمي أهمية إضافية، عندما نتذكر أن سلوك الأفراد داخل التنظيم ليس فقط موجها من خلال الأهداف المحددة من طرف التنظيم، لكن أيضا من خلال أهداف خاصة غير معلنة يحملها كل فاعل. وسلسلتا الأهداف هذه، (التنظيمية والخاصة) لا تكونان في الغالب متوافقتين، ويتم البوح بهذه الأهداف الخاصة عادة في اللقاءات أو الجلسات الشخصية بين الفاعلين، خصوصا عندما تتأسس الثقة بينهم، وكلما تجدرت الصداقة والثقة كان البوح بالأهداف الشخصية أكثر سهولة ووضوحا.
إن هذا النوع من العلاقات غير الرسمية قد يعود بالفائدة على التنظيم مما يجعله يتغاضى عنها أحيانا ولا يسعى إلى الحد منها، حيث ينشأ نوع من التعاون في العمل وحل المشاكل، وهو ما يساهم عادة في تقليص عدد المرات التي يعود فيها الموظف إلى رئيسه لطلب تدخله في حل مشكل أو مساعدة في إنجاز عمل أو مهمة، وهو الأمر الذي يستحسنه الرؤساء لأنه يعفيهم من أعمال إضافية.
لهذه الأسباب، نجد أن أعضاء التنظيم يعملون على حماية نسق التواصل غير الرسمي وتغذيته حتى لا "يموت"، وذلك لأنه يجيب عن حاجيات لا يجيب عنها التواصل الرسمي كما أنه يطور أهدافهم الخاصة ويحققها.
تتكون في الغالب مجموعات غير رسمية من المساهمين في التنظيم، يتواصلون بشكل غير رسمي وعبر قنوات غير رسمية وذلك محاولة منهم لسد الفراغ التواصلي الذي يتركه النسق الرسمي للتواصل.
داخل كل تنظيم كيفما كان لا يتم تداول أشكال التواصل غير الرسمية رغم أهميتها، ولا تعطى لها الأهمية التي تستحق رغم أنها قد تكون عنصرا حاسما في تكوين رأي أو تصور أو اتخاذ قرار حاسم. يجب أن لا ننسى أن وجبة إفطار مشتركة بين مجموعة من المسؤولين، قد يتخللها كم هائل من تبادل المعلومات المرتبطة بالعمل أثناء تجاذب أطراف الحديث، حيث يتم هنا تبادل جملة من المعلومات عبر حكي تجارب شخصية أو مواقف في العمل، كما أنه داخل كل تنظيم يلعب "الهاتف العربي" "Le téléphone arabe"* الذي يعتمد على وسيلة انتقال الخبر من "الفم إلى الأذن" دورا أساسيا في السريان غير الرسمي للمعلومة، غير أنه يتضمن أيضا بعض النواقص التي قد تؤثر على مصداقية المعلومة، والتي يمكن أن تنحرف عن مسارها ومعناها الأصلي خلال عملية التداول من شخص لآخر سواء بكيفية قصدية من خلال رغبة البعض في تضخيم أو تقليص حجم المعاني المنقولة أو لخدمة أجندة شخصية، أو بكيفية غير قصدية من خلال اختلاف فهم الأفراد وتأويلهم للمعلومات .
وعلى عكس المعلومة التي تنتقل عبر القنوات الرسمية والتي تكون مضبوطة، يمنح "الهاتف العربي" فرصة ذهبية لمعرفة الرأي العام داخل التنظيم، وإذا كان الرئيس/ المسؤول متيقظا، يمكنه بسهولة استنباط حقائق مخفية، ومعرفة المواضيع التي تحتل أهمية بالغة لدى مرؤوسيه، ومعرفة سلوكاتهم وردود أفعالهم أمام وضعيات معينة، وبالتالي سيشكل "الهاتف العربي" فرصة لا توفرها الهياكل التنظيمية الرسمية، من أجل امتلاكه لمعلومات لم يكن ليحصل عليها، فتحريف المعلومة أو تشويهها، كما الزيادة فيها أو النقصان؛ هي أمور ليست اعتباطية بقدر ما هي أمور مقصودة، إن بكيفية واعية، أو بكيفية غير واعية، كما أن فهمها يعد مفتاحا سحريا لفهم خبايا التنظيم، أو الجانب المظلم منه.
وعلى العموم، فالتواصل الرسمي والتواصل غير الرسمي يسيران جنبا إلى جنب داخل أي تنظيم، ف "كل تنظيم كيفما كانت خصوصياته، يعمل جاهدا من خلال كفاءاته الإدارية، على تشجيع نسق من التواصل الرسمي داخل كل بنياته التراتبية، علما بأن هذه العملية تولد ما يسمى بالتواصل اللارسمي الذي يظهر بين الفاعلين، ويطبع علاقاتهم العملية اليومية، وهذا شيء تحبذه الكفاءات الإدارية المشرفة على عملية التسيير اليومي لجميع الأقسام والمصالح، ويعتبر هذا النوع من التواصل – في نفس الوقت – مكملا، أو منافسا للبنية الرسمية، ولهذا أمكن القول إن التواصل الرسمي واللارسمي في هذا الصدد يكونان انحرافا عرضيا، ونفودا مضادا ضمنيا، من شأنه أن يؤسس لكل أنواع المعلومات، المعطيات، والبيانات الضارة بوحدة التنظيم."
ج- الحوافز الشخصية والتواصل:
سنلاحظ كيف أن للحوافز الشخصية تأثيرا على توسع النسق التواصلي غير الرسمي، خصوصا أن الأفراد يمكنهم تطوير هذا النسق بغاية تنمية سلطتهم الخاصة وتأثيرهم داخل التنظيم.
لكن الحوافز الشخصية تؤثر على التواصل سواء الرسمي أو غير الرسمي، بكيفية أو بأخرى، فالمعلومة تنتقل بشكل آلي من النقطة الأصلية إلى باقي النقط بالتنظيم، وانتقالها متعلق برغبة أول من تلقاها في نشرها وتمريرها أو عدم رغبته، وعندما يقوم بذلك يكون في الواقع واعيا بنتائج هذا النشر والتمرير. فإذا كان مدركا أن هذه الأخبار التي يعمل على نشرها ستجعل رئيسه غاضبا، فإنه من البديهي أن يتفادى ذلك وألا يرغب في كونه أول من سينقل هذه الأخبار له. لكن هذا لا يحصل دائما، فإن استراتيجية الفاعل تكون هنا حاضرة بشكل دائم، ففي بعض الحالات وحتى إن كان الفاعل يعلم بأن الخبر سيشكل مصدر غضب الرئيس فإنه يعمل على نقله، إذا كان يعرف أن الرئيس يعتمد عليه كثيرا في معلوماته، أو إذا كان هو المسؤول المباشر عن تمرير تلك المعلومات للرئيس، وخشي أن يعلم الرئيس من مصدر آخر فيوبخه على تهاونه في تزويده بالمعلومات.
أمام هذا الأمر، فإن المعلومة لا تصعد من قاعدة التراتبية إلى قمتها إلا ضمن بعض الشروط :
- أولا: إذا كان نقلها لا يؤدي إلى نتائج غير محمودة على حاملها.
- ثانيا: إذا كان الرئيس سيعلم بأي حال من الأحوال مضمون المعلومة عبر جهات أخرى، فيكون من الأفضل للفاعل أن ينقلها بنفسه ويكون له السبق في ذلك.
- ثالثا: إذا تعلق الأمر بمعلومة ضرورية يحتاجها الرئيس لتداولها مع رؤسائه هو والتي سيؤدي جهله بها إلى إحراجه أمامهم وبالتالي إلى غضبه من مرؤوسيه.
أمام هذا الأمر غالبا ما يتخوف المرؤوس من نقل معلومة ما إلى رئيسه، لأنه غير قادر بالتدقيق على معرفة المعلومة التي يحتاجها الرئيس لاتخاذ قراراته، فيكون هنا أمام معضلة يصعب الخروج منها، خصوصا إذا تعلق الأمر باتخاذ قرارات مصيرية أو حاسمة، لأنه في حالة ما إذا بنى الرئيس قراره على معلومات ناقصة أو خاطئة، نقلت إليه من أحد مرؤوسيه، وأدى ذلك القرار إلى نتائج سلبية، فسيلقي باللوم على من كان مصدرا للمعلومة.
على مستوى قمة التراتبية الإدارية يأتي أحد أبرز المشاكل الرئيسية المتعلقة بالتواصل، من كون بعض القرارات الكبرى تستلزم تجميع معطيات ينبغي أن تأتي من أدنى مستويات التنظيم، وهناك خطر عدم انتقال هذه المعطيات إلى مستوى قمة التراتبية، إلا في حالة ما إذا كان الرئيس مفرطا في رقابته. هنا تأتي الأهمية البالغة لقنوات التواصل الرسمي (نخص هنا التقارير والمذكرات) التي توضح بشكل بارز للمرؤوسين أي نوع من المعلومات ينبغي عليهم عدم التردد في نقلها إلى الرؤساء لأنه وفي كثير من الحالات، يتردد المرؤوسون في نقلهم لبعض المعلومات إلى الرؤساء، لاعتقادهم أنها تافهة، أو لا تستحق إزعاج الرئيس بها، في الوقت الذي تكون لها أهمية بالغة لدى الرئيس، لكن المرؤوسين غير واعين بالأمر.
يصبح المشكل عكسيا، عندما يكون الرئيس هو من قصر في نقل المعلومات الضرورية إلى مرؤوسيه سواء بشكل عرضي - جهلا منه أن هذه المعلومة مفيدة للمرؤوس، أو لاعتقاده أن المرؤوس على اطلاع بها - أو لاستعمال هيمنته على المعلومة من أجل الحفاظ على سلطته على مرؤوسيه، وهذا أمر أخطر من الأول. فمن المؤسف رؤية مثل هذه الممارسات بالتنظيم، والتي تكون في الغالب، تعبيرا عن التردد وانعدام الكفاءة، حيث تساهم هكذا ممارسات في فشل التنظيم ولا تساهم بتاتا في بنائه وتطوره وعمله بفعالية. فسريان المعلومة بشكل صحيح، يمنح التنظيم فرصة كبيرة للنجاح، و "إن امتلاك أفكار صحيحة، يعني على وجه الدقة، امتلاك أدوات ثمينة للعمل ". على حد تعبير رائد الفلسفة البراغماتية، "وليام جيمس".
إن الفشل الأول والكبير، الذي قد يصيب التنظيمات ينتج للأسف عادة عن سوء تقدير أهمية نقل المعلومات، بالإضافة إلى أن التعليمات تأخذ دائما طريقا واحدا ووحيدا، هو من الأعلى في اتجاه الأسفل، داخل التراتبية وليس العكس.
د - قابلية التواصل:
تناولنا فيما سبق، مصدر المعلومات لكن دون أن نشير إلى وجهاتها، وهذا أمر من الأهمية بمكان. فمسألة اهتمام المرسل برسالته، وإيلائها أهمية بالغة ليس أمرا مهما بقدر أهمية تأثير الرسالة على المرسل إليه. فمصدر المعلومة والطريقة التي تقدم بها تحددان درجة اهتمام المرسل إليه، فمثلا معلومة صادرة عن مدير الأكاديمية، هي أكثر تأثيرا في المتلقي من معلومة صادرة عن مدير مؤسسة تعليمية، أو زميل في العمل، وإذا كانت المعلومات المروجة تمت عبر قنوات رسمية، وباحترام مجموعة من الضوابط والمعايير التنظيمية تكون أكثر تأثيرا لأنها مدعومة بالسلطة التنظيمية، فإن المعلومات أو التعليمات التلقائية على عكس الأولى لها تأثير قد يقل أو يكبر.
إن سياسة "الكيل بمكيالين" المرتبطة بمصدر المعلومات، تجعلنا نتعامل بانتقائية مع هذه المعلومات، فتلك الاقتراحات المنقولة إلى المراتب العليا، معرضة لإمكانية الإهمال إذا لم تكن قد مرت عبر مستشارين رسميين وعبر قنوات رسمية. وهذه الظاهرة هي مصدر الإحباط، خصوصا في المراتب الدنيا للتنظيم، ومعالجتها بشكل كلي أمر صعب دون المساس بالبنية التنظيمية، فإمكانية انتقال المعلومة من الأعلى إلى الأسفل أمر ممكن متى شاء الرؤساء ذلك، لكن انتقالها من الأسفل إلى الأعلى قد لا يكون بنفس السهولة.
إن الاهتمام الذي يولى للمعلومة مرتبط أيضا بشكلها، ففي تحليل مشكل السلطة نركز دائما على قبول السلطة من طرف المرؤوس، لكن هناك بعض الأمور التي قد تنفلت من قبضة السلطة، المهم إذن هو معرفة ما إذا كان المرسل إليه يقوم بأي تغيير في أفعاله وقراراته حال تلقيه الرسالة. في هذا الشأن نسوق مثال التأكد من أن المرؤوسين يلتزمون بتعليمات السلامة، فالأمر هنا ليس مسألة سلطة فقط بل مسألة اقتناع، تماما كما هو الأمر بالنسبة لإقناع الزبناء باقتناء نوع من الصابون مثلا، فالأمر هنا لا يتعلق بفرض أو إلزام بقدر ما هو مسألة جعل الرسالة مقنعة.
ففي بعض الحالات تكون السلطة الرسمية كافية لجعل المرؤوس ينفذ مضمون الرسالة، لكن في بعض الحالات نحتاج إلى ما هو أكثر من السلطة. بصفة عامة، فعالية التواصل كما هو الشأن بالنسبة للتعليمات، تمر بمجهود فكري، واستراتيجية عقلنة وفهم آليات التفكير، إنها عموما عبارة عن استراتيجية إقناع.
وفي نفس السياق الفكري علينا أن نتساءل ما إذا كان على التواصل أن يتم بكيفية مكتوبة أو شفهية، بطريقة رسمية أو غير رسمية... وفي كل الأحوال فإن الحالة الذهنية للمرسل إليه، تصرفاته، حوافزه الشخصية... يجب اعتبارها العامل المهم في تنظيم التواصل. وقبل كل شيء، فليس هدف التواصل هو إخراج شيء من ذهن مرسل المعلومة، وتمريره إلى ذهن المرسل إليه؛ ولكن هدفها هو تمرير الخبر / الفكرة إلى ذهن المتلقي وجعله يفهمها وتنعكس في تصرفاته .
هـ - تنظيم مراكز القرار:
ليس بالضرورة أن يتولى المدير شخصيا كل مهام التواصل، فيمكنه تفويض بعض منها لمساعديه المباشرين، مثلما هو الحال مثلا بالنسبة لتحرير المراسلات التي تصدر من مكتبه، أو فرز المعلومات التي ترد عليه، وتصنيفها حسب نوعها ومضمونها...
يتطلب تنظيم مراسلات الإدارة، جملة من الموظفين والمساعدين الذين يقومون بوظيفة الحرص على سريان المعلومة بشكل صحيح، وهذا الأمر يتطلب كتابة خاصة بالمدير، ومسؤولين يهتمون بالسهر على أن تتم عملية التواصل كما هو مطلوب.
عملية تقسيم العمل وتنظيمه بهذه الكيفية، يمكن أن تعطي نتائج جد هامة، إنها تمكن من تمتين التعاون والتماسك بين مجموعة من الأفراد المختصين في مهام تتكامل فيما بينها، فرئاسة التنظيم تضمن في هذه الحالة أن المراسلات وعمليات التواصل الصادرة عنها، قد تكلف بها مجموعة من المختصين، الذين عملوا على معالجتها بنوع من الاحترافية، ومراعاة الشروط التي من شأنها أن تجعلها ناجحة.
و – مستودع "ذاكرة" التنظيم:
إن الذاكرة الوحيدة للتنظيم بالمعنى الحقيقي للكلمة، هي ذاكرة مجموع أفراده والفاعلين فيه، لكن هذه الذاكرة غير كافية من أجل تحقيق الأهداف التي رسمها التنظيم؛ وهذا راجع لسبب مزدوج، يتجلى أولا في كون ما تحتفظ به ذاكرة فرد ما قد لا يكون متاحا لباقي الأفراد في التنظيم. ثم ثانيا لأن التنظيم يفقد من حين لآخر جزءا من ذاكرته، بسبب مغادرة أحد الفاعلين للتنظيم لسبب من الأسباب.
وكنتيجة لذلك فالتنظيمات في حاجة ماسة لما هو أكثر من ذاكرة الأفراد. إنها في حاجة لذاكرة اصطناعية (mémoire artificielles) تتجلى في الملاحظات التي تسجل، وتحفظ، والتي تتجلى في طرق عمل فعالة أو ابتكارات مفيدة تسهل العمل أو تجعله أكثر فعالية، حيث تكون مثل هذه الأمور مفيدة جدا خاصة بالنسبة للفاعلين الجدد بالتنظيم. إن التنظيم يمكن أن يحفظ معلوماته بطرق مختلفة وعديدة وذلك بوضع ملفات تصنيفية، مراسلات مهمة، وغير ذلك من الملفات، بالإضافة إلى مكتبة التنظيم الخاصة، ثم الاستفادة من التكنولوجيا عبر ذاكرة الحواسيب والأقراص المدمجة.
لكن كيفما كان الأمر فعلى أي تنظيم استعمال الوسائل التي يرى أنها أكثر فعالية بالنسبة إليه والتي تكون أكثر قابلية للاستثمار، فالمعلومات مثلا، التي قد يحتاجها فاعل لا يتقن لغة الحاسوب، يجب ألا تحفظ في الحاسوب، وإلا فإنها ستكون معلومة بلا فائدة، هذا دون أن ننسى الإشارة إلى عوائق أخرى، يمكن أن تحد من فعالية عملية حفظ المعلومات، والأرشفة من قبيل: أي نوع من المعلومات ينبغي أن تؤرشف/ تحفظ، ما الطريقة التي يمكننا بها ترتيب المعلومات، كيف يمكن تصنيف الملفات... الخ .


خاتمة
تناولنا خلال هذا المقال مفهوم التواصل، بدءا من الحديث عن دلالاته اللغوية، والاصطلاحية التي ترتكز في غالبها على عنصر المشاركة والتشارك، تشارك المعلومات واقتسامها وتبادلها، مرورا إلى الحديث عن الدور التنظيمي الذي يلعبه التواصل خصوصا على مستوى صنع القرار وتنفيذه. كما أفردنا الحديث في هذا المقال لتناول الأهمية التي يكتسيها نسق التواصل التنظيمي، خصوصا فيما يرتبط ببنية السلطة، حيث أبرزنا أن اختصاصات وظائف القرار، تابعة بشكل واسع لإمكانية تطوير قنوات التواصل، والتي تمكن بدورها مراكز القرار من استقبال المعلومات التي تحتاجها أو إرسالها.
وعموما فالتنظيمات تهيمن على نسق رسمي للمعلومات، يعتمد على قنوات تواصل شفهية أو مكتوبة، أنساق تداول الملفات، المذكرات والتقارير، الكتيبات والمنشورات... بالإضافة إلى نسق تواصلي غير رسمي؛ يتأسس على العلاقات الاجتماعية التي تنمو في قلب التنظيم ووسطه.
الحوافز الشخصية، هي الأخرى يمكن أن تقود بعض الأفراد في التنظيم إلى محاولة تحويل نسق التواصل لمصلحتهم الخاصة، للحصول على امتيازات أو تحقيق أهداف شخصية وفي نفس الوقت استثمار المعلومات التي ينقلونها إلى الرئيس، للتقرب منه أو لتفادي غضبه.
إن معرفة نسق التواصل التنظيمي، هي مسألة أساسية لمعرفة آليات اشتغال التنظيم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتواصل غير الرسمي والذي يبقى خفيا، لكن تأثيره يكون حاسما في صنع العلاقات وسريان الأمور بشكل عام.
في الأخير يبقى التواصل أحد أهم العناصر - بالإضافة إلى أخرى - التي من شأنها أن تؤثر في جودة التنظيم وجودة القرارات إن بشكل إيجابي أو سلبي، فكلما كان التواصل سلسا، ومرنا وخصوصا شفافا، كلما قلت المناطق المظلمة في التنظيم، وكلما كانت قنوات التواصل شفافة ومرنة ونزيهة، كلما امتلك التنظيم فرصة أكبر للتقدم والنجاح.

بيبليوغرافيا


مراجع بالعربية:
- د.لحبيب معمري، التنظيم في النظرية السوسيولوجية، منشورات ما بعد الحداثة، 2009.
- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، لبنان، ط .3، 1993.
- جماعة من اللغويين، المعجم الأساسي، الأليسكو، لاروس، 1989.
- العربي اسليماني، التواصل التربوي، مدخل لجودة التربية والتعليم، منشورات كلية علوم التربية،2005.
- أنطوني غيدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، الطبعة الأولى، بيروت، 2005.
- جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، ترجمة أنسام محمد الأسعد، دار ومكتبة الهلال بيروت، ط1.
-عبد الكريم القنبعي، سوسيولوجيا التدبير المقاولاتي مدخل إلى الأنساق والأسس، منشورات قطب البحث: التراب، المجتمع والتنمية المستدامة، 2016.

مراجع بالفرنسية:
- Herbert A.simon. Administration et processus de décision, Ed Economica, 1983.
-William James  le pragmatisme trad. E. Le brun Flammarion 1968.



#إدريس_الخلوفي (هاشتاغ)       Lakhloufi__Driss#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من التحديث إلى التحضر: تحولات المدرسة المغربية وتأثيراتها في ...
- الكفايات في المنظومة التربوية بالمغرب أسسها وحدود نجاحها
- إصلاح التعليم بالمغرب: التايلورية الجديدة
- إصلاح الإدارة كمدخل لتحقيق الجودة بالمنظومة التعليمية
- رفاق السوء
- حكايات عادية جدا، الحكاية الثالثة عشر: رب ضارة نافعة.
- حكايات عادية جدا، الحكاية الثانية عشر، المصائب لا تأتي فرادى
- بعض معيقات الجودة بالمنظومة التربوية بالمغرب، دراسة حالة عبر ...
- تحليل الوثائق والمستندات كأداة للبحث السوسيولوجي، نموذج لدرا ...
- حكايات عادية جدا، الحكاية الحادية عشر: جريمة ميتافيزيقية
- حكايات عادية جدا، الحكاية العاشرة - القربان
- حكايات عادية جدا، الحكاية التاسعة - سيدي العربي
- حكايات عادية جدا، الحكاية الثامنة - عقول صغيرة جدا
- حكايات عادية جدا، الحكاية السابعة - الثقافة والطبيعة
- حكايات عادية جدا، الحكاية السادسة- همسات من الماضي
- حكايات عادية جدا، الحكاية الخامسة- تعبير الرؤيا
- حكايات عادية جدا الحكاية الرابعة- جنازة العربي
- حكايات عادية جدا، الحكاية الثالثة: الأسطورة
- حكايات عادية جدا - السفر-
- حكايات عادية جدا


المزيد.....




- اتصال بين وزيري دفاع سوريا وتركيا وسط التصعيد العسكري في حلب ...
- لقطات تُظهر اشتعال مبانٍ حكومية في إيران وسط احتجاجات متواصل ...
- الجزائر تنهار أمام نيجيريا وتودع كأس الأمم الأفريقية في ربع ...
- -الفُقع- هدية الشتاء الفلسطيني.. غذاء من الأرض وطقس متوارث
- عاجل | العليمي يعلن تشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة تحالف دعم ...
- باكستان تبدأ -المناورة الملهمة- مع الجيش الأميركي
- أمين حزب المؤتمر الشعبي: لا بد من حكم مدني في السودان
- ما حقيقة مساهمة تنسيقات عشائرية سرية داخل -قسد- في حسم معركة ...
- عاجل | الرئاسة اليمنية: نطالب دولة الإمارات بالسماح بسفر عضو ...
- سوريا: إغلاق مطار حلب أمام حركة الملاحة الجوية


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إدريس الخلوفي - التواصل الجيد مدخل للقرار الجيد