أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السعدية حدو - التغريب القسري: حينما يتحول السرد العربي إلى مختبر تقني وتسبق النظرية الإبداع














المزيد.....

التغريب القسري: حينما يتحول السرد العربي إلى مختبر تقني وتسبق النظرية الإبداع


السعدية حدو
قارئة مهتمة بنقد نقد تحليل الخطاب

(Saadia Haddou)


الحوار المتمدن-العدد: 8537 - 2025 / 11 / 25 - 16:12
المحور: الادب والفن
    


تاريخيا ومنذ "فن الشعر" لأرسطو استقرت العلاقة الجدلية بين الإبداع والنقد على مبدأ أسبقية النص. فالنص هو الكائن الحي الذي يولد أولا من رحم التجربة الشعورية والواقع المعاش ثم تأتي النظرية تالية لتصفه وتقرأ شفراته وتستنبط قوانينه. غير أن المشهد الروائي العربي المعاصر يشهد انزياحا خطيرا يهدد هذه التراتبية الطبيعية. حيث برزت ظاهرة يمكن وصفها بالنص المقلوب. وهي نصوص تكتب وفق قصدية نظرية مسبقة يتقدم فيها الوعي النقدي المستورد على دفق الحكاية وتتحول فيها الرواية من فضاء لتمثيل الحياة إلى مختبر تقني بارد يستعرض عضلات التجريب على حساب الصدق الفني.

يمكن تتبع جذور هذه الظاهرة فيما يصطلح عليه نقديا بالاستلاب النظري أو التغريب القسري. حيث يقع الروائي تحت سطوة المركزية الغربية ومقولات ما بعد الحداثة. اذ لا يكتب المؤلف استجابة لنداء داخلي أو ضرورة سردية تمليها طبيعة الحكاية بل يكتب وعينه على الناقد الأكاديمي أو المترجم المحتمل. فيتحول المؤلف في هذا السياق من مبدع حر إلى ما يمكن تسميته بالمقاول النظري الذي ينفذ مخططات هندسية جاهزة. فيحشر تقنيات مثل: الميتا سرد وتفتيت الزمن وأنسنة الجمادات, ليس لأن النص يحتاجها بل لأنها المواصفات المطلوبة في سوق النقد العالمي لنيل صك الحداثة.

تتجلى أعراض هذا النص المختبري في طغيان التقنية على المضمون. فبدلا من أن يندمج القارئ في عالم تخييلي متماسك يجد نفسه أمام نص يمارس عليه عنفا بارا-نصيا يبدأ من مقدمات تشرح كيفية القراءة مرورا بهوامش تفسيرية وصولا إلى تدخلات مستمرة من الكاتب لكسر الإيهام وشرح آلياته. وهذا الإفراط في الوعي بالكتابة يحيل العمل الأدبي إلى جثة مشرحة. حيث تغدو التقنية هي البطل وتتراجع الحكاية الإنسانية إلى الخلفية. فنرى جمادات تتفلسف بلغة لا تناسب كينونتها وشخصيات تتحدث بلسان نظريات نقدية معقدة مما يخلق فجوة شعورية هائلة بين النص ومتلقيه.

وتقودنا هذه الممارسات إلى الإشكالية الأخطر وهي أزمة التلقي وتشييء القارئ. فبينما تفترض نظريات التلقي الحديثة قارئا مشاركا في إنتاج المعنى تقوم هذه النصوص العربية المعملية بإقصاء القارئ فعليا عبر إشعاره بالدونية المعرفية أمام شفرات مغلقة وغموض مفتعل. فيتحول فعل القراءة من متعة وتواصل وجداني إلى عملية فك شفرات شاقة وكأن القارئ في امتحان لذكائه لا في حضرة عمل فني. وهذا التعالي النصي لا يؤدي فقط إلى اغتراب القارئ بل يحكم على النص بالموت جماهيريا, ليبقى حبيس الدوائر النقدية الضيقة التي تتبادل الثناء على حداثة لا تلامس وجدان أحد.

علاوة على ذلك يكشف هذا النص المقلوب عن تناقض جوهري بين الشكل والمضمون. فغالبا ما تحاول هذه الروايات معالجة قضايا وطنية كبرى أو مآس إنسانية محلية من حروب وقمع وحصار وهي مضامين تتطلب حسب تعبير فريدريك جيمسون نوعا من الأليغوريا الوطنية. لكنها تصب هذه المضامين الحارة في قوالب ما بعد حداثية غربية باردة ومفككة صممت أساسا للتعبير عن تشظي الإنسان الغربي ورفاهيته وعدميته. وهذا التنافر يخلق نصا هجينا فاقدا للهوية .فلا هو نجح في أن يكون غربيا خالصا ولا هو حافظ على حرارة السرد المحلي الصادق.

إن الانتصار للرواية العربية لا يعني الدعوة إلى الكلاسيكية والجمود أو رفض التجريب, فالتجريب هو رئة الأدب. ولكن ثمة فرق شاسع بين التجريب العضوي الذي ينبع من حاجة النص الداخلية لتكسير القوالب بحثا عن شكل جديد يحتوي المضمون الجديد. وبين التجريب القسري الذي يفرض النظرية على الواقع. والمخرج من نفق النص المقلوب يكمن في استعادة سيادة الحكاية وتحرير المؤلف من عقدة الخواجة النظرية. ليعود الأدب إلى وظيفته الأولى والأساسية كمرآة صادقة للروح الإنسانية وليس حقلا لتجارب التفكيك الجافة.
المقالة لصاحبتها



#السعدية_حدو (هاشتاغ)       Saadia_Haddou#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين المساءلة النقدية والمجاملة الترويجية: حول أزمة القراءة ف ...
- دراسة سيميائية لفصل -باقلاء الفرات- من كتاب -ذاكرة الأشياء- ...
- النور يرقص في سريري: التجلي العرفاني والذاكرة البابلية في شع ...
- قراءة في قصيدة -يا حاجّ- لناصر مؤنس: رحلة كشف صوفية من الحرف ...
- إطار المتنزه: آلية التضمين والوصاية السردية في -انتظار السمر ...
- عندما تخون العتبات المضمون: الإيحاء التناصي بين البراعة الفن ...
- دور النقد في تفكيك الصور الذهنية للكتّاب: من التقديس إلى الو ...
- بين التجريب والسطحية: تعدد الأصوات والتكلف اللغوي في الأدب ا ...
- لاكان : تفكيك الخطاب النظري
- - التفكيك كاستراتيجية نقدية: دريدا/ فوكو/ بارت
- لاعب النرد: قصيدة نقدية
- -فن الرواية- بوصفها مقاومة وجودية: قراءة في رؤية ميلان كوندي ...
- شرعنة الرداءة
- -سوناتا الغراب- بين السيرة الذهنية والوهم الروائي: سؤال التج ...


المزيد.....




- من صوت أم كلثوم لاستعراض شريهان.. رحلة الفوازير من الإذاعة إ ...
- لحم خنزير على الطاولة.. مسلسل تركي يخسر جمهوره بعد عشاء مثير ...
- الملوخية.. طبق الملوك الذي يجمع الموائد العربية بين الأصالة ...
- ألمانيا تستدعي منظمي مهرجان برلين السينمائي بعد اتهامات بالت ...
- علي البرّاق.. صوت رمضان الغائب الحاضر في كل بيت تونسي
- 9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو ...
- فرنسا: رشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة -للتفرغ للانتخابات ...
- الشاعرة هدى عزّ الدين :نموزج للإنحياز الكامل للكتابة وأسئلته ...
- طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
- حكاية مسجد.. -المنارتين- يجمع العبادة والمعرفة في المدينة ال ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السعدية حدو - التغريب القسري: حينما يتحول السرد العربي إلى مختبر تقني وتسبق النظرية الإبداع