سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي
(Surd Mahmooed Shakir)
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 15:50
المحور:
حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير
المقدمة
يُحيي العالم في 30 أب من كل عام اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، وهو مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 65/209 في كانون الاول 2010، بهدف تسليط الضوء على واحدة من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان. يُعتبر الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي، كما يُعرف بأنه حرمان شخص من حريته بفعل الدولة أو جهات مدعومة منها، يتبعه إنكار مصيره أو مكان وجوده، مما يضعه خارج نطاق حماية القانون. تستند هذه المقالة إلى رؤية الأمم المتحدة، الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (1992)، الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (2002)، مع التركيز على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الناجمة عن هذه الجريمة.
-الإطار القانوني الدولي
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بقرارها 47/133 في 18 كانون الأول 1992، مؤكدة أن الاختفاء القسري يُعد انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان. ينص الإعلان على وجوب منع هذه الممارسة وحماية الأفراد منها، مع التأكيد على حق الأسر في معرفة مصير أحبائهم. كما أكد الإعلان على ضرورة محاسبة الجناة وتوفير سبل الانتصاف للضحايا.
في 20 كانون الأول 2006، اعتمدت الجمعية العامة الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي دخلت حيز النفاذ في 2010. تُعد هذه الاتفاقية من أقوى الصكوك القانونية الدولية، حيث تُلزم الدول الأطراف باتخاذ تدابير لمنع الاختفاء القسري، التحقيق في الحالات، ومحاسبة المسؤولين، مع ضمان حقوق الضحايا في التعويض والحقيقة. كما تُحظر استخدام البيانات الشخصية أو الطبية لأغراض غير البحث عن المختفين، مع السماح باستخدامها في الإجراءات الجنائية أو المطالبات بالتعويض.
أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيز التنفيذ في 1 تموز 2002، فقد صنّف الاختفاء القسري كجريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين. هذا التصنيف يجعل الجريمة غير خاضعة للتقادم، مما يعزز إمكانية المحاسبة الدولية للجناة.
ويعرف الاختفاء القسري وفق الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بقرارها 47/133 في 18 كانون الأول 1992
‘‘القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون’’
يقصد ب الاختفاء القسري وفق الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري ،، الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون،،.
-المتأثرون بممارسات الاختفاء القسري
يُسبب الاختفاء القسري أثارا مدمرة تمتد إلى ما هو أبعد من الضحية المباشرة، حيث تؤثر هذه الجريمة على أفراد وجماعات متعددة، بما في ذلك الضحايا أنفسهم، أسرهم وأقاربهم وأصدقاؤهم، والمجتمع ككل. يُبرز هذا القسم التأثيرات العميقة لهذه الجريمة على مختلف الأطراف، مع التركيز على الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
1. الضحايا
الضحايا المباشرون للاختفاء القسري يعانون من انتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية. يُحرمون من حريتهم وأمنهم الشخصي نتيجة الاحتجاز غير القانوني أو الاختطاف، وغالبًا ما يتعرضون للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أثناء الاحتجاز السري. في بعض الحالات، يُفقد الضحايا حياتهم، مما يُشكل انتهاكًا لحقهم في الحياة. كما يُحرمون من حقهم في الاعتراف بشخصيتهم القانونية، مما يجعلهم "غير مرئيين" أمام القانون، ويمنعهم من الوصول إلى العدالة أو الضمانات القضائية. هذا الوضع يُفاقم شعور الضحايا بالعزلة واليأس، خاصة في ظل غياب أي معلومات عن مصيرهم أو مكان وجودهم.
2. ذوو الضحايا والأقارب والأصدقاء
تُعد أسر الضحايا وأقاربهم وأصدقاؤهم من أكثر الفئات تأثرا بالاختفاء القسري. يعيش هؤلاء في حالة من عدم اليقين المؤلم بشأن مصير أحبائهم، مما يُسبب معاناة نفسية شديدة تُعرف بـ"الخسارة المبهمة"، حيث لا يعرفون ما إذا كان الشخص المختفي على قيد الحياة أم لا. هذا الوضع يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق، الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة. على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، غالبا ما تُعاني الأسر من فقدان المعيل الرئيسي، مما يؤدي إلى تدهور مستوى المعيشة، الحرمان من التعليم، وصعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية. النساء في الأسر المتضررة يواجهن تحديات إضافية، مثل تحمل أعباء الأسرة بمفردهن أو مواجهة الوصم الاجتماعي. كما يُعاني الأقارب والأصدقاء من الحزن المستمر ومشاعر العجز نتيجة عدم قدرتهم على تقديم الدعم أو معرفة الحقيقة.
3. المجتمع
على مستوى المجتمع، يُسهم الاختفاء القسري في نشر الخوف والترهيب، خاصة عندما يُستخدم كأداة لقمع المعارضة السياسية أو النشاط الحقوقي. هذا الخوف يُقوض الثقة في المؤسسات الحكومية ويُضعف تماسك المجتمع، حيث يصبح الأفراد أكثر ترددا في التعبير عن آرائهم أو المشاركة في الأنشطة العامة. كما يُؤدي الاختفاء القسري إلى تآكل الثقة في سيادة القانون، مما يُعزز ثقافة الإفلات من العقاب. في المناطق التي تشهد نزاعات أو اضطرابات، وتُؤدي حالات الاختفاء المتكررة إلى تفكك النسيج الاجتماعي وزيادة الانقسامات. بالإضافة إلى ذلك، تُثقل الأعباء الاقتصادية الناتجة عن دعم أسر الضحايا كاهل المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق ذات الموارد المحدودة.
-الجهود المطلوبة لدعم المتأثرين
لتخفيف آثار الاختفاء القسري، يجب على الدول والمنظمات الدولية والمحلية اتخاذ تدابير شاملة تشمل:
دعم الضحايا: إنشاء آليات للبحث عن المختفين، بما في ذلك قواعد بيانات مركزية وفرق تحقيق مستقلة.
دعم الأسر والأقارب: توفير الدعم النفسي والاجتماعي، بما في ذلك الإرشاد النفسي والمساعدات المالية للأسر المتضررة، مع ضمان حقهم في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
تعزيز تماسك المجتمع: إطلاق حملات توعية للحد من الوصم الاجتماعي وتعزيز التضامن المجتمعي، إلى جانب تعزيز سيادة القانون لاستعادة الثقة في المؤسسات.
-انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالاختفاء القسري
يُعد الاختفاء القسري انتهاكا متعدد الأوجه لحقوق الإنسان، حيث يؤثر على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للضحايا وأسرهم. تشمل الانتهاكات المدنية والسياسية ما يلي:
حق الفرد في الاعتراف بشخصيته القانونية: يُحرم المختفون قسريا من هويتهم القانونية، مما يجعلهم خارج نطاق الحماية القانونية.
حق الفرد في الحرية والأمن: يبدأ الاختفاء القسري غالبًا بالاختطاف أو الاحتجاز غير القانوني، مما ينتهك هذا الحق الأساسي.
الحق في عدم التعرض للتعذيب: غالبًا ما يتعرض المختفون للتعذيب أو المعاملة القاسية أثناء الاحتجاز السري، مما يُفاقم معاناتهم.
الحق في الحياة: في الحالات التي يُقتل فيها المختفون، يُعتبر ذلك انتهاكا لحقهم في الحياة.
الحق في الهوية: يُحرم الأطفال المختفون أو أبناء المختفين من حقهم في الهوية الشخصية، وهو انتهاك واضح لاتفاقية حقوق الطفل.
الحق في محاكمة عادلة: يُمنع المختفون من الوصول إلى العدالة أو الضمانات القضائية، مما يجعلهم عرضة للانتهاكات دون رقابة.
الحق في سبيل انتصاف فعال: تُحرم الأسر من التعويض أو معرفة الحقيقة حول ظروف اختفاء أحبائهم، مما يُطيل أمد معاناتهم.
على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، يؤدي الاختفاء القسري إلى:
الحق في حماية الأسرة: تُعاني أسر المختفين من تفكك اجتماعي ونفسي، خاصة إذا كان المختفي هو المعيل الرئيسي.
الحق في مستوى معيشي مناسب: تتدهور الأوضاع المالية للأسر، مما يؤدي إلى الفقر والهشاشة الاجتماعية.
3. الحق في الصحة والتعليم: تتأثر الأسر نفسيا واقتصاديا، مما يحد من وصول الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية.
-رؤية الأمم المتحدة واليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري
تؤكد الأمم المتحدة أن الاختفاء القسري لم يعد ظاهرة مقتصرة على مناطق معينة، بل أصبح مشكلة عالمية تُستخدم كأداة لقمع المعارضين السياسيين، المدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، خاصة في سياق النزاعات الداخلية أو مكافحة الإرهاب. يُحيي اليوم العالمي ذكرى الضحايا، ويُسلط الضوء على معاناة الأسر التي تعيش في حالة من عدم اليقين بشأن مصير أحبائها. كما يُشجع على تعزيز التعاون الدولي لمكافحة هذه الجريمة ودعم الضحايا.
في عام 2025، استضاف المؤتمر العالمي الأول حول الاختفاء القسري في جنيف مشاركين من 120 دولة، بما في ذلك أسر الضحايا، لتبادل الخبرات وتعزيز الدعوة إلى العدالة. شددت الأمم المتحدة خلال هذا المؤتمر على أهمية إبقاء أصوات الضحايا في صدارة الجهود، مع التزامها بدعم تنفيذ الاتفاقيات الدولية.
-التحديات وسبل المواجهة
تظل التحديات الكبرى في مكافحة الاختفاء القسري تشمل إفلات الجناة من العقاب، استغلال مكافحة الإرهاب كذريعة للانتهاكات، والمضايقات التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان. مما يعكس الحجم الهائل للمشكلة. كما أن العواقب الاجتماعية والاقتصادية للاختفاء القسري تُفاقم معاناة الأسر، خاصة النساء والأطفال، الذين يواجهون الوصم الاجتماعي والتهميش.
الخاتمة
يُمثل اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري فرصة لتجديد الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان ومكافحة هذه الجريمة البشعة التي تؤثر على الضحايا وأسرهم والمجتمعات بأكملها. من خلال الإطار القانوني الذي وفرته الإعلانات والاتفاقيات الدولية، تسعى الأمم المتحدة إلى تعزيز العدالة ودعم المتأثرين. ومع ذلك، تظل الحاجة ماسة إلى تعاون دولي أقوى، ومحاسبة فعالة، وجهود مستمرة لكشف الحقيقة وإنهاء إفلات الجناة من العقاب. إن تسليط الضوء على معاناة الضحايا وأسرهم والمجتمعات في 30 أب من كل عام يُذكّر العالم بضرورة الوقوف إلى جانب المتأثرين والعمل على عالم خالٍ من الاختفاء القسري.
المراجع
1. الأمم المتحدة، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري. متاح على: https://www.un.org/en/observances/enforced-disappearance
2. الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الأمم المتحدة. متاح على: https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/international-convention-protection-all-persons-enforced
3. منظمة العفو الدولية، تقرير عن الاختفاء القسري. متاح على: https://www.amnesty.org/en/what-we-do/enforced-disappearances/
4. المؤتمر العالمي الأول حول الاختفاء القسري، مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. متاح على: https://www.ohchr.org/en/statements/2025/02/global-conference-enforced-disappearances
5. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. متاح على: https://www.icc-cpi.int/resource-library/documents/rs-eng.pdf
6. تقارير منظمات حقوق الإنسان حول التأثيرات النفسية والاجتماعية للاختفاء القسري.
1. الأمم المتحدة، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.(https://www.un.org/ar/observances/victims-enforced-disappearance)
2. الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الأمم المتحدة.(https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-convention-protection-all-persons-enforced)
3. منظمة العفو الدولية، الاختفاء القسري.(https://www.amnesty.org/ar/what-we-do/enforced-disappearances/)
4. المؤتمر العالمي الأول حول الاختفاء القسري، مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.(https://www.ohchr.org/ar/stories/2025/01/global-voices-unite-first-world-congress-enforced-disappearances)
5. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.(https://www.un.org/ar/observances/victims-enforced-disappearance)
#سرود_محمود_شاكر (هاشتاغ)
Surd_Mahmooed_Shakir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟