طارق سعيد أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 03:00
المحور:
الادب والفن
حمدي البطران: حوار"جبريل" هوَ ما رسخني ككاتب
عزة رشاد: الكتابة الإبداعية مغامرة كبرى
منير عتيبة: الكتاب الأول أشعرني بالإحباط
سهير المصادفة: الرسائل هي التي عمدتني شاعرة
يبدو أن ذكرى أول كتاب تأتي دائما بالحب وتطل من ذاكرة الكتاب كل التفاصيل العالقة بأجواء صاحبت نشر كتابهم الأول، عند سؤالهم عنه، تنسحب ملامحهم من هذا الواقع وتذهب حيث تقيم الذكريات ويظهر في حديثهم الكثير من براءة الشباب وطموحه وأحلامه.
الغريب هنا في هذا الاستطلاع أن الحكم المطلق بأن ذكريات نشر الكتاب الأول دائما جميلة هو محض خيال، إنما التجارب الإنسانية لا تتشابه أبدا.
بداية قال الروائي حمدي البطران: وقتها كنا في منتصف الثمانينات، وجلستْ على مقهى، عرفتْ فيما بعدُ أنهُ مقهى "البستان"، كنتَ أجلسُ بمفردي، ثمَ جاءَ شابٌ في سنيٍ وجلسَ معي، تكلمنا دونُ سابقٍ معرفةً، وأخبرتهُ أنني أحبَ القراءةَ، كانَ هوَ أيضا مهتمٌا بالكتابةِ والقراءةِ، كانت لهجته صعيدية وعرفني بنفسه، عبدُ الحكيمْ حيدرْ الحجيليّ، وأخبرني أنهُ ذاهبٌ إلى ندوةِ الأربعاءِ في جريدةِ المساءِ، لحضورِ ندوةِ الكاتبِ محمدْ جبريلْ، حضرتْ الندوةُ متردداوقتها كنتُ أسمعُ عنْ محمدْ جبريلْ وندوتهُ.
•
كانتْ أولَ مرةٍ أحضرَ ندوة، وكانَ هو يعرفُ كلُ روادِ ندوتهِ، فطلبَ مني أنْ أعرفَ نفسي، فقلتْ أنا حمدي عبدِ اللهْ أحمدْ البطرانْ، مقدمُ شرطةٍ، وأهوى القراءةَ، ضحكَ وقالَ: حمدي البطرانْ. وصارَ اسمي الذي عرفتْ بهِ واسمِ الشهرةِ حتى الآن.
ولما رجعتْ إلى بيتي وجدتْ نفسيٍ أمسكَ القلمُ واكتبْ, وكتبتْ قصةٌ قصيرةٌ, بعنوانِ لحظةِ جحودٍ وأرسلتها لمحمدْ جبريلْ, وفوجئتْ بها ينشرها لي في صحيفة "المساءِ" وأخبرني بعضُ أصدقائي أنهمْ شاهدوا اسمي في المساءِ، وكانَ هذا شيءٌ عظيمٌ لي.
وحينما سافرتْ القاهرةُ مرة أخرى ذهبتْ لندوتهِ، وسألني بعضُ الأسئلةِ وكانَ يكتبُ في ورقة أمامه، وطلبَ مني صورةً، وبعدها وجدتْ أولَ حديثٍ صحفيٍ معي، باعتباري كاتبا، ونشرَ صورتي، وهوَ ما رسخني ككاتبٍ.
وعرفت من بعض الزملاء أن الكاتب عبد العال الحمامصي يشرف على سلسلة تعني بنشر الأعمال القصصية، وكنت قد كتبت أولَ مجموعةٍ قصصيةٍ بعنوانِ "المصفقونَ" فقابلته واعطيته مجموعتي، فأخذها، ولم أعرف إن كانت ستنشر أم لا، وبعد عدة شهور أخبرني أحد اصدقائي أنه شاهد مجموعتي القصصية في كتاب، كان هذا في مطلع أغسطس 1989.
لم أذوق طعم النوم في تلك الليلة، وقتها كان لدي إحساس بأنني أصبحت مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف أدريس، وفي الصباح، أسرعت لمكتبة الهيئة فوجدتها وكان ملحقا بها دراسة للدكتور محمد التلاوي عميد كلية الآداب بجامعة المنيا بعد، والغريب أنه بعد صدور المجموعة اشتريت منها نسخا كثيرة وزعتها على أصدقائي ومعارفي.
كانت بشاعة الواقع حولي تدفني إلى الكتابة، واكتشفت أن الوسط الأدبي غير معنى بما نكتب ولكن معني بالدرجة الأولى بالعلاقات والشلل في المقاهي والندوات، وما يبذله كاتب مثلي في عشرين سنة، تبذله كاتبة في شهر واحد ويكتب عنها، وعن خصائص أسلوبها، ويجد الكاتب نفسه كلما تقدم في السن وتصقل تجربته يبتعد بفعل فاعل عن الندوات والكيانات الأدبية، ولا يلتفت إليه أحد، حتى صغار الكتاب يتمنون إزاحته من المشهد ليخلو لهم الوسط كله.
وعكة لا خلاص منها
وقالت الكاتبة عزة رشاد إن الكتابة الإبداعية مغامرة كبرى تسم حياة المبدع "ضحيتها" بالقلق وعدم الإرتياح، فلا رضا يشعر به المبدع الحقيقي، لا في الكتاب الأول ولا حتى في الكتاب الأخير، لكن يبقى أن الكتاب الأول مثل الحب الأول لا سبيل للخلاص من أثره أو دعنا نقول لا سبيل للخلاص من الوعكة التي يصيبك بها.
•
لحسن الحظ كنت أتأمل آراء من حولي ولا أتأثر بها لأني كنت مأخوذة بالكتابة قدمت مجموعة قصصية "الأولى" في سلسلة أصوات أدبية الصادرة من الهيئة العامة لقصور الثقافة، ولسوء حظي توقفت السلسلة بسبب أزمة الروايات الثلاث، فذهبت بها لسلسلة أخرى توقف فيها النشر لسبب آخر حتى أنني كنت أضاحك نفسي وأتندر عليها بأن كتابتي منذورة للهباء.
أثناء ذلك كنت بدأت أكتب روايتي "ذاكرة التيه" التي ألحت عليّ فكرتها أثناء اقامتي، أنا ابنة الشرقية، في مدينة بورسعيد عدة سنوات للعمل كطبيبة أطفال بالمستشفى الأميري هناك.
خطر ببالي كتابة رواية عن حياة بنت بورسعيدية من الطفولة إلى النضج كتابة رواية عن الأمل والألم والشغف والبرودة التي تشبه الموت أو تشبه الهزيمة وتهجير أهالي بورسعيد.
رحب الأستاذ محمد هاشم بنشر كتابي الأول "رواية ذاكرة التيه" عرض الرواية على لجنة من عدة كتاب فأجازوا نشرها على الفور بالإضافى إلى أن تقديم المخطوطة للنشر في هذه اللحظة كان له أهمية كبيرة لأن مخطوطتك تظل تناوئك وتستحثك على العودة إليها وإلى الكتابة فيها إضافة أو تعديلا بلاااا نهاية، الحل الوحيد لقطع الحبل السري بينك وبينها هو تقديمها للناشر ، ولما تأخر صدورها توقفت عن السؤال، حتى فتحت.
بعد فترة طويلة جريدة أخبار الأدب مطلع عام 2003 فوجدت مقالا للمبدع والناقد الكبير د. أحمد الخميسي عن "ذاكرة التيه". كانت مفاجأة رائعة.
أمطرت السماء فوق قلبي، كنت أكابد ظرفًا عائليًا قاسيًا بسبب وفاة أختي التي تصغرني بثلاثة أعوام، منقطعة عن العالم، حتى أخرجني هذا المقال من الأسى إلى شغف الكتابة مجددا.
يا فراخ العالم اتحدوا
ومن جانبه، قال الكاتب منير عتيبة: إن أول كتاب شاركت فيه كان كتابا بحثيا بعنوان "الإسكندرية مهد السينما المصرية" عام 1995 بمناسبة مرور مائة عام على أول عرض سينمائي في مصر، وفي عام 1998 قررت نشر مجموعتي القصصية الأولى، كانت كل قصصها تقريبا منشورة من قبل في صحف ومجلات كبرى، اخترت أفضل الأعمال من وجهة نظري، ووضعتها تحت إسم إحدى قصص المجموعة "يا فراخ العالم اتحدوا"، وأرسلت الكتاب للمطبعة، وجاءنئ الكتاب بعد أسبوع تقريبًا لم تكن هناك معاناة في نشر الكتاب، المعاناة جاءت فيما بعد، عندما استلمت الكتاب لم أشعر بفرح وسعادة وأنني حققت حلمًا عظيمًا!
•
بالعكس شعرت بالإحباط وكأنني تعجلت، قلت كان يجب أن أعيد النظر في قصص الكتاب، وشكله وعنوانه وظلت النسخ بربطتها لعدة أسابيع لا أربها، حتى ضغط علي حسام وبعض الأصدقاء فبدأت أتقبل فكرة أنني أصدرت كتابي الأول، وقد ظل هذا الشعور معي حتى الآنَ!
أجتهد في الكتابة قدرالإمكان، وأسعى إلى النشر حسب الظروف المتاحة، ثم أستقبل الكتاب بفتور أو بقليل من الحماس الذي لا يتناسب مع ضيف عزيز تعبت عليه وأنتظرته، لأنني أكون مشغولا بالكتاب القادم.
كان إهداء كتابي الأول إلى أستاذي وأبي الروحي خالد محمد خالد، كما أنه كان معي عندما ولدت فكرة قصة "يا فراخ العالم اتحدوا" وشجعني أن أكتبها فورا وأخذها للصحفي الكبير الراحل مصطفى شردي رئيس تحرير جردية الوفد لينشرها على صفحة كاملة في الملحق الأدبي الأسبوعي، فكنت أشعر وقتها أنني أطال نجوم السماء إذ كنت لا ازال طالبا في الجامعة.
إلى أبي..
وقالت الكاتبة سهير المصادفة نشرت عام 1997 أول كتبي، الديوان الشعري الأول: "هجوم وديع"، كنت أكتب الشعر منذ المرحلة الإعدادية، ونشرت في الدوريات الأدبية المختلفة مثل مجلة أدب ونقد، والصفحات الأدبية، كنت معروفة بعض الشيء وأشارك في كل الأمسيات الشعرية، وتأخرت في نشر كتابي الأول كثيرا، حتى أصبحت واثقة تماما من حماس ومحبة الوسط الثقافي لقصائدي.
•
فمزقت كل ما كتبته خلال مراحلي الدراسية المختلفة، وما اطمأن قلبي له صار هو "هجوم وديع"، تقدمت به إلى سلسلة "كتابات جديدة" بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وتم قبول المخطوط، أبلغني بقبوله الشاعر الراحل: "المنجي سرحان"، ولكن صدوره تأخر، ثم تم نشره وأنا خارج مصر، أحضر ندوة في معرض بولونيا بإيطاليا للأطفال، كنت منهمكة آنذاك في ترجمة مشروعي: "الحكايات الشعبية الروسية" للغة العربية وعندما عدت وجدت الديوان محتفى به.
وفرحت به كثيرا، صدرت الديوان بإهداء لأبي: (إلى أبي.. هذا الحقل الغامض الممتد أينما سرت!). وعندما مددت يدي بالنسخة الأولى مطبوعة له، رأيت لمعة الفخر والفرح في عينيه.
وقتها، كنا ما زلنا نرسل لبعضنا بعضا الرسائل الورقية عبر صناديق البريد، ووصلتني من محافظات مصر؛ جنوبها وشمالها رسائل بالغة العذوبة_ ما زلت أحتفظ بها حتى هذه اللحظة بطوابع بريدها - وأعتبر هذه الرسائل هي التي عمدتني شاعرة وكاتبة، ينتظر قراؤها ما تكتب، وإذا غابت يتساءلون: وأين الجديد؟ أين المزيد؟.
الديار 31 مارس 2022
•
#طارق_سعيد_أحمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟