أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - محمد علي الشبيبي - الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/ 5















المزيد.....



الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/ 5


محمد علي الشبيبي

الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 14:01
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


مقدمة (الحكم الثالث) خمس حلقات، تتناول الحكم الثالث على الشهيد حسين الشبيبي. حيث صدر بحقه هذا الحكم بأربع سنوات، بعد أن الحق في قضية فهد بالرغم من أنه اعتقل قبل فهد وصدر عليه حكمان -كما مر في حلقات سابقة-. لطول المادة قررت تقسيمها الى حلقات. كل حلقة تتناول عناوين فرعية تتعلق باعتقال فهد -المتهم الرئيسي في القضية-، وبعض من جلسات المحاكم، ومناقشة الاسلوب البوليسي في التحقيق وعدالة المحكمة ونزاهة القضاة، وتنتهي بقرار المحكمة بإصدار قرار الإعدام بفهد وبعض رفاقه والحكم على آخرين بالسجن ومنهم حسين حتى صدور قرار تخفيض حكم الاعدام.
ملاحظة: سأكون جداً ممتناً لمن يرسل معلومات موثقة لإغناء ما نشرته من حلقات عن الشهيد حسين مدلت الشبيبي ورفاقه الخالدين (فهد وصارم)، أو أية ملاحظة مهمة.
* * *
5- مجريات المحاكمة وقرار الحكم!

صورة في الموقف العام سنة 1945. الواقف الثالث على يسار الناظر الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم)، والثالث
من اليمين الشاعر محمد مهدي الجواهري. خلال زيارة وفد الصحفيين الديمقراطيين للشهيد حسين في المعتقل.
الجالس الثاني من اليمين (كما أعتقد) المحامي الشهيد كامل قزانجي بقية الأسماء مجهولة

آ- ظروف الاعتقال:
منذ اليوم الأول من اعتقال فهد ورفاقه، عوملوا بقسوة وبأسلوب منافي لمبادئ حقوق الانسان. فتعرض زكي بسيم لتعذيب شرس وعومل بقسوة، كذلك رفيقه عبد العزيز عبد الهادي، وهذا ما تطرقت إليه في الحلقة الأولى (بداية الكارثة/ روايات عن التحقيق). هذا الارهاب البوليسي الذي مارسته التحقيقات الجنائية مع المعتقلين خلال التحقيق يتنافى مع ما جاء به دستور عام 1925. حيث جاء في المادة السابعة من الباب الأول الذي يتناول "حقوق الشعب" في القانون الأساسي لعام 1925 ما يلي: (الحرية الشخصية مصونة لجميع سكان العراق من التعرض والتدخل، ولا يجوز القبض على أحدهم، أو توقيفه، أو معاقبته، أو إجباره على تبديل مسكنه، أو تعريضه لقيود، أو إجباره على الخدمة في القوات المسلحة إلا بمقتضى القانون، أما التعذيب، ونفي العراقيين إلى خارج المملكة العراقية، فممنوع بتاتاً)، فالتعذيب بموجب الدستور ممنوع بتاتا!؟. لكن التحقيقات الجنائية مارست التعذيب بكل حرية أثناء التحقيق ودون مساءلة قانونية، ومارست أسلوبا مهينا مع المعتقلين بزجهم في المرافق الصحية خلال فترات التحقيق والتعذيب، للحط من معنوياتهم وكرامتهم وإنسانيتهم. كل ذلك بقصد كسر شوكة المعتقلين وتحطيم معنوياتهم لانتزاع الاعترافات على رفاقهم وكشف أسرار الحزب التنظيمية.
وبعد أن أنتهى التحقيق معهم في مديرية الاستخبارات في مركز بغداد نقلوا الى أبي غريب، وحشروا لأشهر في زنزانات ضيقة (2,5X2,5)م داخل بنكلة، لا يمكن للمعتقل من التحرك فيها إضافة لانعدام الضوء والتهوية الجيدة. لكن المعتقلين واجهوا ظروف الاعتقال السيئة بصمود مع مناشدات متواصلة للسلطات التنفيذية والقضائية لتحسين ظروف اعتقالهم، وقدموا عدة مذكرات للسلطات العليا، شارحين فيها مطالبهم، والتي كانت لا تتعدى أكثر من السماح لهم بفتح أبواب زنازينهم داخل البنكلة لتتسنى لهم القدرة على الحركة، ولم تنفع مناشداتهم ومذكراتهم، فاضطروا لإعلان الاضراب عن الطعام يوم 13 حزيران "مفضلين الموت جوعا على الموت البطيء" كما ذكر فهد في بيانه أمام المحكمة الجنائية العليا -الكبرى- في جلسة 21 حزيران 1947[19].
لم تقدر المحكمة حالة المضربين الصحية، فقد حضروا جلستها الأولى وهم في يومهم التاسع من الاضراب، وكانوا منهكين جسديا ومشوشين فكريا -وخاصة فهد كونه أول المستجوبين الرئيسيين في المحكمة- ، فكيف يتسنى لهم التعبير عن أفكارهم وصياغة أجوبتهم ودفاعهم في المحكمة وهم في هذه الحالة من الإعياء بسبب طول الإضراب والأقفاص -الزنزانات- التي عاشوا فيها لأشهر، ولكن السلطات كانت تقصد ذلك بهدف تحطيم معنوياتهم وتشتيت أفكارهم وإضعاف دفاعهم في المحكمة. لو كان قد توفر الحد الأدنى من العدالة والإحساس الانساني لتم الاتفاق مع المعتقلين في تلبية مطلبهم وإنهاء الاضراب قبل موعد الجلسة بأيام، أو على الأقل بيوم واحد، ليتسنى لهم حضور جلسات المحكمة وهم في كامل نشاطهم وقدراتهم الذهنية والجسدية، لا أن يتم ذلك قبل الجلسة بدقائق. أليس مثل هذا التصرف إضافة لمجمل التعامل مع المعتقلين منذ الساعة الاولى لاعتقالهم دليل على تجاوز لما هو مثبت في الدستور الاساسي.
ب- العدالة المزيفة!
بدأت الجلسات الأولى في محكمة جزاء بغداد الأولى يوم 18 أيار 1947، برئاسة عبد العزيز الخياط. كان عبد العزيز الخياط الملقب بعبد العزيز الأعرج -وكما يذكر النعمان- معروفا في الأوساط القضائية بسفاهته وانه جاهز وحاضر في ذهن الفئة الحاكمة متى احتاج الأمر الى محاكمة صورية للتنكيل بخصومها ولإصدار الأحكام التي يشتهيها الحاكمون على خصومهم السياسيين. لقد كان الخياط عضوا مزمنا في المجالس العرفية، وهو الذي أصدر أحكاما بالإعدام على قيادة الجيش العراقي في حرب 1941. ويصفه الكثيرون بأنه يفتقر الى الحياء القضائي في محاكماته وفي أحكامه "وسفاهته"[20].
وما يزيد من شكوك بعدالة المحكمة ويؤكد صوريتها ليس فقط اختيار حاكم عُرف بسفاهته واستعداده لرئاسة محكمة صورية، بل أن يكون من ضمن هيئة المحكمة معاون التحقيقات الجنائية عبد الرزاق عبد الغفور بصفة مدعي عام، وكان يقف بجانب الحاكم ليسيره! وهذا ما ذكره الراحل مكرم الطالباني -أحد محامي الدفاع عن فهد- في مقاله (الرفيق فهد كتب عني مرتين في جريدة "القاعدة") فكتب: [ ... ثم استدعى الرفيق فهد للإفادة. وكان معاون مدير التحقيقات الجنائية عبد الرزاق يقف بجانب الحاكم يسيره كما يريد]. لاحظوا هذا السيناريو المدبر من قبل سلطة الحكم وجهازها الأمني -التحقيقات الجنائية-، كيف أنها ترسل أحد ممثليها كمدعي عام وهو عبد الرزاق عبد الغفور معاون مدير التحقيقات الجنائية، ومارس تعذيب المعتقلين -حسب إفادة زكي بسيم لقاضي التحقيق- ليلازم الحاكم واقفا بجانبه في جلسات المحكمة كي يسيره ويشرف على مداولاته مع المتهمين، وهذا من وجهة نظري المتواضعة كوني غير متخصص بالقانون امتهان وإساءة لاستقلال القضاء للأسباب التالية:
أولاً: التحقيقات الجنائية هي سلطة تنفيذية، وتعيينها لأحد معاوني مدير التحقيقات كمدعي عام -حتى ولو كان التعيين بإرادة ملكية- في قضية سياسية وحتى إذا لم تكن سياسية لا يجوز إطلاقا، لأن الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية يجب أن يكون واضحاً وإلزاميا لسير عدالة واستقلالية القضاء، والمعاون عبد الرزاق عبد الغفور -ضابط أمن- هو من ضمن السلطة التنفيذية. فضباط الأمن مكلفون بتنفيذ القانون والتحقيق في الجرائم، بينما المدعون العاميون يمثلون الادعاء العام ويسعون لتحقيق العدالة من خلال المحاكم. الجمع بين الوظيفتين يثير تضارباً في المصالح ويقوض استقلالية القضاء.
ثانياً: أن المدعي العام جزء من هيئة الادعاء ويجب أن يحافظ على مسافة مهنية بينه وبين القضاة (الحاكم)، أي تجنب أي علاقات شخصية أو اجتماعية قد تؤثر على نزاهة وحيادية القاضي في إصدار الأحكام، وضمان استقلاله عن التأثيرات الخارجية، مع الالتزام بالموضوعية والتجرد عند التعامل مع القضايا المعروضة عليه، وذلك لتعزيز ثقة الناس في النظام القضائي وتحقيق العدالة. ويتطلب هذا التعامل الحيادية والمهنية في بيئة العمل -المحكمة- فكيف سيوفق بين دوره كمعاون تحقيقات جنائية قام بتعذيب المتهمين ومنهم زكي بسيم وبين دوره كمدعي عام لتحقيق العدالة! كما يجب أن يكون دوره مستقلا عن القضاة لا موجها ومرشدا ومساهما في الدسائس -كما سنرى- لأن الجلوس أو الوقوف بجانب الحاكم وتنبيه وتسيير الحاكم يثير تساؤلات حول استقلالية القضاء وحياديته.
ثالثاً: ينص الباب الخامس المتعلق بالسلطة القضائية، المادة 71 من القانون الأساسي العراقي لعام 1925 على أن: (المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها). وهذه المادة تتعلق باستقلالية القضاء، بينما وجود مدعي عام معاون في التحقيقات الجنائية يعتبر تدخلا فاضحا من قبل السلطة التنفيذية في شؤون المحكمة. فكيف تكون "المحاكم مصونة" والسلطة التنفيذية لها ممثلها كمدعي عام ليتدخل في شؤونها ويوجه الحاكم!
وما جرى لمحامي الدفاع كامل قزانجي يؤكد دور التحقيقات الجنائية عبر ممثلها عبد الرزاق عبد الغفور "المدعي العام" في التأثير على مجريات المحاكمة واستقلاليتها وممارسة الدسائس للإيقاع بمحامي الدفاع. فقد روى الراحل مكرم الطالباني في مقاله المار الذكر، ما يلي:[عندما قرر الحاكم تأجيل المرافعة الى اليوم التالي، طلبت انا والمحامي كامل قزانجي تزويدنا بوثائق من الحزب الشيوعي "اعداد من جريدة القاعدة وبيانات الحزب الشيوعي وبرنامجه". أمر الحاكم معاون التحقيقات بذلك. وعند ذهابي الى التحقيقات لهذا الأمر أخذوا مني وصلاً بما زودوني به من الوثائق. انا ايضاً طلبت ختم وتوقيع المسؤول على تلك الوثائق، ويظهر ان السيد كامل قزانجي لم يطلب ما طلبت. في اليوم الثاني من المرافعة، سألني الحاكم "شيخ حبيب ماذا يقرب مني." قلت: انه عمي. وأثناء الحديث بين كامل قزانجي وبعض المتهمين حول القضية، وبناءً على ايعاز من معاون الأمن -عبد الرزاق عبد الغفور- قال الحاكم: ما بك تتكلم كثيراً؟ قال: مداولة مع موكلين، قال: انت شيوعي مثلهم، فتشوا حقيبته. فتش معاون الامن حقيبته، فاخرج منها الوثائق التي استلمها منه. قال المعاون: اننا لم نزوده بشيء والدليل على ذلك ان التي زودنا بها المحامي مكرم الطالباني عليها ختم الدائرة وتوقيعي. اوقفوا كامل قزانجي اثناء الجلسة وأرسل في اليوم الثاني مبعداً الى بلدة بدرة. وقدمنا نحن المحامين استقالاتنا احتجاجاً على ما جرى]
هل صادفتم نذالة وحقارة أكثر من هذا التصرف والإنكار، حتى اسلوب الحاكم باتهام كامل قزانجي بالشيوعية والأمر بتفتيشه، دون تفتيش مكرم والمحامين الآخرين، كان مبيتا، وكأنه ينتظر هذه الفرصة المخطط لها مسبقا لتفتيش المحامي كامل قزانجي وتوجيه التهمة له. وفعلا أن هذا الحاكم -عبد العزيز الخياط- أثبت أنه في منتهى التفاهة والانحدار ويفتقد للنزاهة والمهنية وأنه أداة بيد التحقيقات الجنائية وممثلها المعاون عبد الرزاق عبد الغفور. فلو كان يتمتع بأبسط درجات مهنية القاضي النزيه لما سمح لضابط الأمن أن يقف بجانبه أثناء جلسات المحاكمة ليتلقى منه توجيهاته. هكذا كانت التحقيقات الجنائية الأداة القمعية ضد القوى الوطنية وهي لا تتورع في تدبير المؤامرات وحياكة الأكاذيب في سبيل الإيقاع بمعارضي النظام. كان جو المحكمة واضحا كل الوضوح بخضوعه لدسائس التحقيقات الجنائية. كل هذه التصرفات تكشف لنا أن المحكمة والحكم كان مبيتا بهدف القضاء على الحزب الشيوعي وقيادته، وإن مصير قادة الحزب الشيوعي قد تقرر مسبقا.
من المعروف أن للمحامي حقوق وأن كل القوانين التي تحدد حقوق المحامين تؤكد على (أن ينال المحامي من المحاكم والدوائر الرسمية وشبه الرسمية والمراجع الاخرى التي يمارس مهنته أمامها الرعاية والاهتمام اللائقين بكرامة المحاماة وان تقدم له التسهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه. ولا يجوز أن تهمل طلباته بدون مسوغ شرعي "المادة 26 من قانون المحاماة") فكيف نفسر اعتقال المحامي كامل قزانجي أثناء تأدية واجبه!؟
والسؤال الذي أود أن أطرحه: هل يجوز اعتقال محامي الدفاع خلال جلسة المحكمة!؟ والمعروف حقوقيا أن القوانين الحقوقية التي تهمها سير العدالة دون تشويه او انحراف، تمنع اعتقال محامي الدفاع لمجرد عثورهم على مناشير ممنوعة بحوزته فهي ليست بالخطرة لأن زميله مكرم الطالباني يحمل نسخا منها وهي أصلا موجودة في ملفات المعتقلين وليست بالجديدة، وخاصة أن هذه المناشير حصل عليها المحامي كامل قزانجي من ممثل التحقيقات الجنائية وخطأه الوحيد تعامل مع المعاون بحسن نية ولم يطلب ختمها وتوقيعها من قبله، فاستغلت التحقيقات خطأه وخططت للإيقاع به، وحتى وإن كانت هذه المناشير بحوزته صادرة عن طريق حزب محظور فيمكن السماح له بمواصلة الجلسة وترك مسألة التحقيق معه بعد أدائه لواجب الدفاع. كما ان قانون نقابة المحامين -حتى في تلك السنوات- يمنع اعتقال محامي الدفاع أثناء جلسة المحكمة لحماية دوره في الدفاع عن موكليه، كما تنص القوانين على احترام حقوق المحامي وكرامته. ان حصانة محامي الدفاع تتطلب عدم اعتقاله أثناء جلسة المحكمة لمجرد حمله لمناشير ممنوعة في حقيبته، إلا إذا كان هناك اشتباه قوي بارتكابه جريمة أخرى أو إذا كانت هذه المناشير تشكل تهديدًا مباشراً لأمن الجلسة. كما أن حصانته تتطلب الحصول على إذن من الجهات المختصة لاعتقاله ، مثل نقابة المحامين، قبل اتخاذ قرار الاعتقال، ويجب أن يتم التحقيق في البلاغ المقدم ضده، بينما اعتقال القزانجي حدث في دقائق!. كما تتطلب الحصانة بعدم جواز اعتقال محامي الدفاع لمجرد انتمائه لجهة محظورة إلا إذا كانت هناك أدلة كافية تثبت تورطه في نشاط إجرامي مرتبط بهذه الجهة. فالمحامي يتمتع بحصانة مهنية تحميه من الاعتقال التعسفي لمجرد ممارسته لمهنته، حتى لو كان ينتمي إلى جهة قد تكون محظورة، ما لم يثبت تورطه في نشاط غير قانوني. لكن التحقيقات الجنائية وبالتنسيق مع رئيس المحكمة -عبد العزيز الخياط- هدفهم فرض جو بوليسي على المحكمة للحد من بسالة وصمود المعتقلين وإرهاب محامي الدفاع.
ومسألة أخرى تؤكد أن قرار الاعدام والعقوبات تقرر مسبقا، وهذا واضح من سير الاستجواب في محكمة الجنايات الكبرى، وعدم اهتمام رئيس المحكمة بإجابات المتهمين، وعدم مناقشتهم وكأنه يقول لهم أن قرار الحكم قد صدر ولا قيمة لما تدلون به من دفاع! وهذا ما أشار إليه الراحل سالم عبيد النعمان من ملاحظة: [ولاحظنا من سير المحاكمة أن رئيس المحكمة كان هادئاً اذا قورن بعبد العزيز الخياط ولاحظنا أيضاً أنه لم يبذل أي اهتمام للتحري عن الدليل فكأن الحكم والعقوبة قد أعدتا سلفاً.
استمعت المحكمة بعد أن انتهت من استجواب فهد الى أقول بقية من تناولتهم لائحة الاتهام، كانت تسجل أقوال من تستجوبهم دون أن تناقش أحداً ثم أنهت المحاكمة وقررت تأجيلها الى موعد غير محدد لإصدار الحكم...][21].
كما أن الجلسات الأولى في محكمة الجزاء بعد أن بدأت علنية جلساتها الثلاث الأولى أعلن الحاكم عبد العزيز الخياط بتحويل الجلسات سرية[22] لا لسبب جدي ومبرر سوى أن الحاكم لم يعد يتحمل إجابات المتهمين وخاصة إجابات فهد الذي فرض هيبته في قاعة المحكمة، فوجد الحاكم في إجاباتهم إحراجا له ولحكومته حتى تمادى الحاكم في منع المتهمين من تقديم إجاباتهم بالطريقة التي يرونها ضرورية لدفع التهم عنهم. وكان نقل هذه الجلسات على صفحات الجرائد له أثر كبير وتعاطف مع المعتقلين واستنكار لأسلوب التحقيقات الجنائية في معاملتها للمعتقلين، مما سبب إحراجا للسلطة ومؤسستها الأمنية -التحقيقات الجنائية- فأعلن الحاكم سرية الجلسات، وبالتأكيد جاء هذا القرار استجابة لرغبة السلطة التنفيذية لما سببته جلسات المحكمة من استياء واستنكار شعبي. وهذا الاجراء بإعلان الجلسات سرية يتناقض مع ما جاء به دستور 1925 حيث نصت المادة الثانية والسبعون على ما يلي: (يجب ان تجري جميع المحاكمات علناً، إلا إذا وجد سبب من الاسباب المبينة قانونا في جواز عقد جلسات المحاكمة سراً ويجوز نشر المحاكم والمرافعات، إلا ما يعود منها الى الجلسات السرية، وتصدر كافة الاحكام باسم الملك). فما هي الاسباب التي أدت فجأة الى قرار الحاكم سوى أنه رد فعل انفعالي من رئيس المحكمة -عبد العزيز الخياط- وينم عن عجزه في مواجهة ومحاججة المتهمين لإثبات التهم عليهم، و تنفيذا لتوجيهات التحقيقات الجنائية والنظام الحاكم الذي كان يخطط للتخلص من قيادة الحزب الشيوعي بأي ثمن ووسيلة كانت! كل هذه الاحداث والتعامل يثبت لنا عدم استقلالية المحكمة وإنها تنفذ توجيهات التحقيقات الجنائية.

ج- نزاهة القضاة
عندما نقلت القضية الى محكمة الجنايات الكبرى برئاسة عبد العزيز الماجد، دارت مجموعة من الروايات حول كيفية اختيار نوري السعيد لقضاة رئاسة المحكمة، وهذا إذا صح فهو تدخل سافر وواضح باستقلالية القضاء لا يقبل البس، ويعزز ما تناولته قبل سطور عن "العدالة المزيفة". وهنا سأذكر أهم الروايات التي انتشرت بعد فترة حول ذلك وتناقلتها شخصيات معروفة بنزاهتها وعدم انتمائها لجهة سياسية، واعتراف بعض هؤلاء القضاة بذلك. وإليكم هاتين الروايتين التاليتين للراحل سالم عبيد النعمان:
[آ- ذكر عبد اللطيف الشواف (89)، الشخصية الوطنية والاجتماعية ما رواه له القاضي المحترم احمد طه رئيس محكمة الجنايات الكبرى في بغداد وهذا الحاكم معروف بجرأته وأمانته وصدقه. قال لصديقه الشواف بأنه تلقى نداء هاتفيا من نوري السعيد رئيس الوزراء يقول انه قادم لزيارته، فأجاب احمد طه "باشا انا متوجه لزيارتكم". اجاب نوري "كلا انا احب التمشي والمحكمة ليست بعيدة خطوات وأصلكم"، وفجأة دخل نوري قاعة المحكمة فوجدني اتذاكر مع احد اعضائها، فنادانی " احمد تعال" ، تقدمت وسلمت عليه ... قال اسمع احمد "نحن القينا القبض على فهد رئيس الشيوعيين"، وأضاف ان كل الاضطرابات والإخلال بالأمن والمظاهرات والمصادمات هي من صنع هذا الشخص وعصابته هذا يريد إسقاط الحكومة والعرش وتكوين حكومة شيوعية ضد الدين واطلب منك عندما تعرض القضية امام محكمتكم .. الحكم عليه بالإعدام. ويقول احمد طه بأنه اجاب على طلب نوري السعيد "اذا عرضت القضية علينا فسوف تجرى المحاكمة الاصولية وفق القانون فإذا وجدنا عمله يستحق الاعدام فلن نتردد في ذلك، اما اذا وجدنا انه لا يستحق الحكم عليه بالإعدام قانوناً فليس من العدل الحكم عليه بالإعدام. الموضوع هو حكم القانون والعدالة في تطبيقه"، وقلت له "باشا لا سامح الله هل ترضى ان يسلك القضاء معكم اذا ما انقلبت الامور لا سامح الله". ويقول احمد طه "لقد غضب نوري"، وقال "زين زين وخرج ولم يودعني بكلمة". والذي حدث ان نقل احمد طه الى رئاسة استئناف بغداد وهذا المنصب القضائي اداري اعلى.
وبعد هذا وقبل ان تحال قضية فهد ورفاقه من محكمة الجزاء الى المحكمة الكبرى اصدرت وزارة العدل القرار القضائي بتعيين الحاكم عبد العزيز ماجد رئيساً لمحكمة الجنايات الكبرى ببغداد.
ب- اما كيف تم تعيين هذا القاضي (عبد العزيز ماجد)، فيروي لنا القاضي السابق مهدي العمار: روى مهدي العمار -وكان حاكم في البصرة- يقول: لقد نقل عبد العزيز ماجد الى رئاسة استئناف البصرة وكان يتبجح انه هو الذي حكم بالإعدام على فهد. وكان يكرر روايته لنا، نحن حكام البصرة الذين اعتدنا زيارته خميس كل اسبوع صباحاً وهي عادة درج حكام البصرة عليها لزيارة رئيس الاستئناف الاسبوعية. ويصف عبد العزيز ماجد كيف عين رئيساً للمحكمة الكبرى ببغداد، إذ استدعاه مدير العدلية العام صبيح ممتاز وقدمه الى الوزير جمال بابان[23] الذي خاطبه بالقول : "نريد ان نحكم على فهد بالإعدام فإذا كنت مستعداً لإصدار الحكم بإعدامه فاني سأنقلك الى بغداد وترأس المحكمة الكبرى فيها"، ويقول الماجد هذا : "سلمني الوزير اضبارة الدعوى المحالة على المحكمة الكبرى وقال اقرأها واخبرنا عن رأيك فيها"، ويدعي عبد العزيز "الماجد" وفقاً لرواية العمار بأنه قرأ الاضبارة وحضر في اليوم التالي الى الوزارة وقابل الوزير واخبره بأنه مستعد لإصدار الحكم على فهد بالإعدام. وهنا تم نقل عبد العزيز ماجد الى بغداد لتسلم رئاسة محكمة الجزاء الكبرى. هذا الحديث كان يكرره مهدي العمار كل ثلاثاء حيث اعتاد زيارته لي حتى وفاته، ثم انه كان يكرر هذه الواقعة اغلب ايام الجمع امام زواري في اليوم المذكور (90)][24].
ويؤكد سالم عبيد النعمان كيف رشى وزير العدلية ثلاثة قضاة، فيكتب: [فبعد أن صدر حكم الاعدام على فهد ورفيقيه زكي بسيم وابراهيم ناجي، استدعى وزير العدل القضاة المذكورين ووزع عليهم مبلغاً من المال قدره (800) ثمنمائة دينار اقتطعت من المخصصات السرية مكافأة لهم، وهذا المبلغ كبير في ذلك الزمن.
وقد اُشيرَ الى هذه الحالة الشاذة وقتها في "مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي" يقول كامل الجادرجي (... ثم انتقل البحث الى اجراءات حسين جميل -وزير العدل سنة 1949-1950 التعريف من عندي س.ن- فيما يخص احالة اشخاص على التقاعد واظهر الجميع ارتياحهم لذلك اما انا الجادرجي فقلت ان القضية ليست احالة بضعة اشخاص الى التقاعد وإنما القضاء اصبح في حالة من الفساد يتطلب وضع خطة اصلاحية شاملة له. وقلت ان الوضع اذا استمر على هذه الحال سوف يسري الفساد الى جميع الحكام ... ثم استطردت فقلت اذا كانت الحالة قد وصلت الى ان وزير العدل يرشي الحكام فكيف يمكن اتقاء سريان هذا الفساد، وشرحت ذلك بقولي "اني علمت بصورة اكيدة ان أحد وزراء العدل السابقين قد اخذ ( 800) ثمانمائة دينار من المخصصات السرية ووزعها على ثلاثة حكام بعد ان حكموا في قضية معينة". قال رؤوف -يقصد كامل أخاه الاكبر الاستاذ رؤوف الجادرجي وهو وزير سابق وكان مجلس القبول منعقداً في داره التعريف من عندي س.ن- مقاطعاً "هل انت متأكد من ذلك؟" قلت "نعم لو لم اتأكد لما كنت اوجه هذا الاتهام الخطير الى القضاء.." ثم اخذ كامل يشرح الخبر وتفاصيله الذي استقاه من صبيح ممتاز وكيف ان هذا الاخير وهو المدير العام للعدلية قد سلم المبلغ الى القضاة بحضور وزير العدل جمال بابان][25].
ويقتطف الراحل عزيز سباهي بعض ما جاء بمذكرات كامل الجادرجي ليكشف لنا كيف أرشت وزارة العدلية ثلاثة قضاة من أجل إصدار حكم الاعدام بفهد ورفاقه، فيكتب في هامش (13) ما يلي:
[(13) في مجلس ضم كامل الجادرجي وناظم الزهاوي وآخرين، دار الحديث حول فساد جهاز القضاء تحدث الجادرجي عن ارتشاء بعض الحكام وقال إن أحد وزراء العدلية السابقين أخذ 800 دينار من المخصصات السرية ووزعها على ثلاثة حكام بعد أن حكموا في قضية معينة. فقاطعه رؤوف الجادرجي: هل إنك متأكد من ذلك؟ فأجاب كامل الجادرجي: نعم لو لم أتأكد لما كنت أوجه هذا الاتهام الخطير إلى القضاء. واستطرد: (كان في حينه قد أخبرني صبيح ممتاز عندما كان يشغل وكالة مديرية العدلية العامة بأن جمال بابان قد استدعى ثلاثة حكام ممن حكموا فهد وجماعته بالإعدام ووزع عليهم مبلغ 800 دينار من المخصصات السرية كتشجيع لهم. وقال صبيح في حينه إنه هو نفسه الذي وزع المبلغ المذكور بحضور جمال بابان. وأضاف صبيح قائلا إن جمال تدخل تدخلا فعليا في محكمة التمييز لحمل المحكمة على تصديق الحكم ولكن الجهود التي بذلها المستر بريجارد رئيس محكمة التمييز كانت قد حالت دون رغبة الوزير في حينه. وقد أيد لي ذلك فيما بعد أحد حكام محكمة التمييز)][26].
هذا الاستعراض لشهود محايدين وقريبين من الاحداث واعترافهم في كيفية اختيار القضاة وتدخل نوري السعيد صراحة وبوقاحة وحقد في مساومة القضاة من أجل تعيينهم مقابل إصدار حكم الاعدام، يثبت لنا عدم نزاهة القضاة وعدم استقلالية المؤسسة القضائية! وإن الإرادة الملكية -التي تعين القضاة- مسيرة من قبل نوري السعيد. ويكفينا ما رواه القاضي أحمد طه رئيس محكمة الجنايات الكبرى في بغداد عندما زاره نوري السعيد وطلب منه الحكم بالإعدام على فهد، وكيف أن نوري السعيد خرج غاضبا من جواب أحمد طه بدون كلمة وداع، وهو يردد كلمة "زين زين ...". والعراقيون يفهمون وكذلك أحمد طه أيضا فهم من هذا الجواب ما يضمره من تهديد و وعيد له! هذا الجواب الذي يتنافى مع أصول الاحترام والخلق الطيب، كما يحلو للبعض أن يصوروا نوري السعيد. وفعلا ترجم نوري السعيد تهديده الى نقل أحمد طه الى رئاسة استئناف بغداد وهذا منصب إداري!
وبعد أن صدر حكم الاعدام تم توزيع الرشى بصورة مكافأة بشهادة الشهود الذين تم ذلك على أيديهم توزيع المبالغ كما أعترف "صبيح ممتاز" الذي كان يشغل وكالة مدير العدلية العامة. فهل يوجد دليل أقوى من هذه الشهادات ومن شخصيات معروفة بالنزاهة ولها مكانتها الاجتماعية والإدارية في الدولة!
د- القرار المسبق ودفاع فهد!
سبق ونشرت جزء من جلسات المحكمتين الجزاء الاولى والجنايات الكبرى -الحلقة الثانية، والحلقة الثالثة- و إجابات فهد على أسئلة رؤساء المحكمة. وللأسف لم أتمكن من الحصول على جميع الجلسات وما دار فيها، وما هو دور المحامين والشهود إن وجودوا ... لذلك اعتمدت فقط على ما نشرته الحوادث وما كتبه الاخرون. ونرى أن فهد في إجاباته كان يتصف بالشجاعة، ويتحلى بالمسؤولية الكبيرة في الحفاظ على تنظيمات وأسرار الحزب، والإيثار العظيم في إجاباته. وأنه بذلك كان مستعدا لتقبل أي حكم جائر يصدر بحقه وبحق رفاقه، خاصة بعد أن عاش وشاهد أسلوب التحقيقات الجنائية في تعاملها مع رفاقه، ومحاولاتها البائسة في الضغط عليهم من خلال حشرهم في زنزانات لا تصلح للبشر.
لذلك سأختصر أهم ما جاء في إجابات فهد على أسئلة القضاة، ومن يريد ان يطلع على كامل إجاباته وردوده ان يطلع على ما نشرته في الحلقتين الثانية والثالثة. كانت لائحة الاتهام التي نشرتها الحوادث في عددها 1405 قد ثبتت أهم التهم لفهد ورفاقه. ونرى أن فهد، خلال التحقيقات وفي محكمة الجزاء الأولى وكذلك في محكمة الجنايات الكبرى، أكد بدفاعه أنه سكرتير الحزب الشيوعي العراقي وأنه يتحمل مسؤولية الحفاظ على تنظيماته وأسراره. وانه انتمى الى الحزب في عام 1932-1933 في فترة لم يكن فيها أي تحريم للشيوعية قانونيا. وطعن بقانون تحريمها الذي صدر عام 1938 بأنه جاء تماشيا مع الأهداف النازية بمحاربة الشيوعية، وأن هذا القانون لم يعد صالحا في الظرف الحالي. ونفى علاقته وعلاقة حزبه بأية جهة أجنبية مستندا في ذلك على ما نص عليه النظام الداخلي للحزب. وأن الحزب لن يقبل أعضاء يعملون في السفارات الاجنبية وفي دوائر دعاياتها.
وعن مصادر مالية الحزب واتهام الحزب باعتماده ماليا على أياد خفية أجنبية، أكد للمحكمة أن مالية الحزب هي اشتراكات وتبرعات الرفاق والمؤازرين وأثمان الادبيات ونفى أي عون أجنبي وتحدى المحكمة أن تبرز أي دليل مادي على اتهاماتها، وهذا التحدي يؤكد وثوق فهد بأن المحكمة تفتقد أي أدلة على اتهامها المزعوم.
وعن اتهام الحزب للعمل لقلب نظام الحكم، أكد ان هدف الشيوعيين العراقيين هو تثبيت النظام القائم وحمايته، وان منهاج الحزب ونشراته تبرهن على ذلك. وفعلا أن الحزب الشيوعي العراقي لم يطرح تغيير نظام الحكم إلا في اعوام الخمسينات من القرن الماضي، ففي تلك السنوات كانت مطالب الحزب تتمحور حول الحريات والديمقراطية وإجازة النقابات وإلغاء القواعد العسكرية ومساندة القضية الفلسطينية وحركات التحرر العربية وشعوب المنطقة .... وللتأكيد على أن الحزب يلتزم بما هو مطروح ببرنامجه الوطني أشير هنا الى أحد أهم اسباب انشقاق راية الشغيلة، الذي حدث على أثر البرنامج الذي أقره بهاء الدين نوري -باسم- في ربيع 1952 والذي صار يعرف بإسم ميثاق باسم، نسبة الى الاسم الحزبي لبهاء الدين نوري قائد الحزب آنذاك . وقد نشر هذا الميثاق دون عقد مؤتمر او كونفرنس او حتى اجتماع للجنة المركزية لمناقشته وإقراره ؟! . لقد غيّر الميثاق ستراتيج الحزب لتلك المرحلة من حكومة وطنية ديمقراطية الى جمهوربة شعبية متماثلاً مع جمهورية الصين الشعبية، أي أنه طرح لأول مرة إسقاط الملكية. لقد فجر ميثاق باسم الخلاف الفكري داخل الحزب وكان ابرز المعارضين في السجون، اللجنة القيادية المسؤولة في"سجن الموقف" في بغداد، وكان سكرتيرها عزيز محمد ومن بين أعضائها جمال الحيدري وإبراهيم شاؤول وحمزة السلمان ويعقوب مصري[27]. وهذا الحدث "الانشقاق" يثبت لنا أن الشيوعيين يعملون وفق منهاجهم السياسي ولا يتجاوزون عليه، وإذا ما قرروا تغيير استراتجيتهم فلابد من أن يقر ذلك في مؤتمر للحزب أو كونفرنس حزبي، وإن أي تجاوز لمنهاج الحزب من أي قائد حزبي سيتعرض للمسائلة الحزبية وقد تترتب على ذلك متاعب للحزب. لذلك أن اتهام فهد بأنه يهدف الى إسقاط النظام الملكي هي تهمة لا تستند على دليل مادي أو حتى نظري.
وأكد فهد خلال دفاعه على موقف الحزب من الاستعمار بقوله -كما جاء في الحوادث-: (... وشيء آخر اننا اعداء الاستعمار ونحن في سبيل هذا لا نتردد عن التضحية حتى اذا اعتبرتنا المحكمة الموقرة مقصرين في تنفيذ بعض القوانين التي ليس لها مساس في القضية الوطنية. ونضالنا ضد الاستعمار يبرر ما قمنا به والمحكمة الموقرة ان تدرس مواقفنا الوطنية وتحكم علينا في هذه القضية). ولكن المحكمة ومن يقف خلفها من سياسيين من أمثال نوري السعيد وأعوانه يرون أن الموقف من الاستعمار ومعاداته خيانة وطنية، وإن فضح العملاء ونقد سياستهم هو نوع من التشهير والتضليل ومحاولة لقلب نظام الحكم!؟.
وعن السجل الذي اعتبرته التحقيقات الجنائية سجل بأسماء أعضاء الحزب الشيوعي، نفى فهد نفيا قاطعا كونه سجل لأعضاء الحزب وإنما هي أسماء لعناصر وشخصيات وطنية اهتم اعضاء الحزب في التعرف عليها بحكم نشاطه الوطني، ونفى علمه بهذا السجل. وعن أسماء الجنود الموجودة في السجل، أكد فهد أنهم ليسوا أعضاء في الحزب وربما سجلت أسماؤهم كوطنيين ولا يعني وجود أسماؤهم في السجل أنهم شيوعيين. وأكد فهد في محكمة الجنايات أن التهم وقرار الاحالة لا تنطبق على الحقيقة، وان الهدف منها تشويه سمعة الحزب... وأن المحكمة لم تبرز أي دليل مادي يثبت صحت هذه الاتهامات.
نعم كانت لائحة الاتهام والإحالة قد صيغتا وأعدتا لهدف واحد وهو تبرير حكم الاعدام، بغض النظر عما توفر من أدلة مادية وما قدمه المتهمون من إجابات وتوضيحات ودفاع! كان لابد لرئيس محكمة الجنايات الكبرى عبد العزيز ماجد أن يفي بتعهده لنوري السعيد بإصدار حكم الاعدام لينال مكافأته، هذا القرار الجائر أتخذ سلفا وتم التخطيط له من قبل التحقيقات الجنائية وبالتنسيق مع قضاة يفتقدون للنزاهة والعدالة.

ه- تبديل حكم الاعدام!
وما أن أعلنت أحكام الاعدام حتى قوبلت بحملة واسعة من الاحتجاجات ضد هذه الاحكام واستنكارها في البلدان العربية وأوربا. ولم تشمل حملة الاحتجاج فقط الاحزاب والمنظمات السياسية ذات التوجه اليساري بل حتى في اوساط اخرى مستقلة هالها ان يحكم بالإعدام مناضلون لم يقترفوا ذنبا سوى دفاعهم عن افكارهم وما يؤمنون به! كما أن هذه الاحكام فاجأت العالم العربي والأوربي وتساءلت جريدة "الهدف" البيروتية في عددها ليوم 2 تموز 1947 وهي صحيفة مستقلة هل يحق للسلطة العراقية أن تنهي حياة البشر "لمجرد كونهم شيوعيين"!؟. وتلقت الحكومة احتجاجات رسمية من شخصيات مستقلة روحانية، فتلقت احتجاجات من الشيخ أسعد قدورة مفتي صفد، والشيخ جمال الدين السعدي إمام جامع الجزار في عكا![28].
وعندما عرضت هذه الاحكام على محكمة التمييز للمصادقة طبقا للقانون عارض رئيس محكمة التمييز البريطاني الجنسية المستر بريجارد التصديق على الاحكام، وقد تدخل وزير العدلية جمال بابان في محكمة التمييز لحملها على تصديق الاحكام، ولكن الجهود التي بذلها بريجارد رئيس محكمة التمييز كانت قد حالت دون رغبة الوزير في حينه[29]، وكان هذا الموقف نتيجة الحملة العالمية والاستنكار الواسع لأحكام الاعدام مما أجبر السلطات البريطانية الى التدخل وتوجيه المستشار رئيس محكمة التمييز لعدم التصديق على الاحكام.
ويروي الراحل سالم عبيد النعمان ما يلي: [قال ابراهيم ناجي لي وكان في سجن نقرة السلمان: أثر الحكم علينا بالإعدام فان شقيقتي أصيبت بصدمة نفسية وبكآبة واضحة، راجعت مع زوجها طبيب العائلة "ماكس ماكوفسكي" وهو طبيب العائلة المالكة. سأل الطبيب عن أسباب هذه النكسة المفاجئة فأخبره بأن أخاها الذي كان يعطف علينا قد حكم عليه بالإعدام ولم تستطع تحمل الصدمة. أجاب الطبيب مطمئنا أخته: لا تقلقي فأني كنت بالأمس في زيارة للعائلة المالكة وعلمت أن السفير البريطاني قابل الوصي عبد الاله وأخبره بأن الحكومة البريطانية تطلب إبدال عقوبة الاعدام على فهد ورفيقيه بالسجن وأن قرار الحكومة البريطانية تم إبلاغه الى رئيس المحكمة بريجارد الانكليزي. وقال ابراهيم ان أحد وسطاء وزير العدل كان قد أخبرهم بأن الوزير يستطيع ابدال العقوبة اذا دفع له مبلغ 1000 دينار، وعندما أخبرهم الطبيب بذلك قال لا تدفعوا ولا فلسا واحدا وفعلا فان الوسيط رد على أعقابه بعد أن تيقن الزوج بما أخبرهم به الطبيب واخذوا بنصيحته][30].
وهكذا قررت محكمة التمييز في 13 تموز 1947 تعديل الاحكام فخفضت عقوبة فهد الى الاشغال الشاقة المؤبدة وعقوبة زكي بسيم الى الاشغال الشاقة لمدة 15 سنة وكذلك ابراهيم ناجي شميل. وفي اليوم التالي من قرار تخفيض الاحكام نقلوا المحكومين من غرف الاعدام الى القلعة الثالثة من سجن بغداد المركزي، وفي ليلة 14-15 آب نقلوا الى سجن الكوت[31]. وفي سجن الكوت ستبدأ مرحلة جديدة من نضال قادة الحزب تنتهي بإعدامهم وهذا ما ستناوله في الصفحات القادمة (الحلقة القادمة).
نستخلص من كل ما مر أن القضاء والقضاة كانوا خاضعين للسلطة التنفيذية وليسوا مستقلين عنها، والسلطة التنفيذية كانت أيضا خاضعة للانكليز، الذين شعروا بأصابع الاتهام توجه لهم من خلال الحملة العالمية المستنكرة لأحكام الاعدام، فأمروا ذيولهم في بغداد بتخفيض الأحكام.


محمد علي الشبيبي
السويد/ 28 آب 2025
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[19]- حنا بطاطو. (العراق. الكتاب الثاني) الطبعة الاولى بيروت 1992. صفحة 196.
[20]- سالم عبيد النعمان. الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد. صفحة 236.
[21]- سالم عبيد النعمان. (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) صفحة 243.
[22]- سالم عبيد النعمان. (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) صفحة 238.
[23]- جمال رشيد بابان كان وزيرا للعدلية في حينه أي في رئاسة صالح جبر للوزراء!
[24]- سالم عبيد النعمان (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) صفحة 240-241. وفي الهامش (89)كتب النعمان التعريف التالي بشخص عبد الطيف الشواف: (عبد الطيف الشواف تولى القضاء فترة من الزمن يتميز بالاستقامة والنزاهة وبإطلاع واسع في القانون والفقه والاقتصاد وكان خبيرا في شؤون النفط. وفي ايام ثورة 14 تموز -حكومة عبد الكريم قاسم- اسندت اليه وزارة التجارة ثم تولى وزارة النفط وأخيرا فقد صار محافظا للبنك المركزي العراقي وكلها كانت في العهد ذاته وكان يجمع مزايا الديمقراطية الاصيلة. توفى بعيدا عن وطنه في المهجر وفي مصر بالذات التي أحبها وأحب رجال الفكر والقلم فيها الذين احتفوا به وبما يليق بشخصه في حياته ومماته حيث دفن في مصر). وفي الهامش (90) كتب النعمان معرفا بالقاضي مهدي العمار: (مهدي العمار كان قاضيا نزيها وعندما صار عبد اللطيف الشواف وزيرا للتجارة فقد اختير مهدي العمار ليكون مديرا عاما للاستيراد وتقلد عدة مديريات عامة كالحبوب وكان فيها نزيها نظيفا. وكان ديمقراطيا محترما).
[25]- سالم عبيد النعمان. (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) صفحة 244.
[26]- عزيز سباهي (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. الجزء الأول) صفحة 319.
[27]- من مقالة لجاسم حلوائي في موقع الناس الالكتروني بعنوان: (حدث هذا قبل نصف قرن - القسم الثاني - منظمة راية الشغيلة وتجربتي معها [ 2 ])
[28]- حنا بطاطو. (العراق. الكتاب الثاني. الحزب الشيوعي). الطبعة العربية الاولى بيروت 1992. صفحة 199 الهامش (12).
[29]- عزيز سباهي (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. الجزء الأول) صفحة 319.
[30]- سالم عبيد النعمان. (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) صفحة 245.
[31]- حنا بطاطو. (العراق. الكتاب الثاني. الحزب الشيوعي). الطبعة العربية الاولى بيروت 1992. صفحة 199.



#محمد_علي_الشبيبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/ 4
- الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/3
- الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/2
- الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/1
- القرار الهام الذي أصدرته لجنة العفو في وزارة العدلية بعد ثور ...
- الحكم الثاني على حسين محمد الشبيبي (صارم)
- الحكم الأول على حسين محمد الشبيبي (صارم)
- الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم) /4
- الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم) /3
- الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم)*/2
- الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم)*/1
- خطاب الشهيد حسين الشبيبي في قاعة الفارابي يوم 10/12/1946
- الاعتقال الأخير ومحاكمات الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صار ...
- الاعتقال الأخير ومحاكمات الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صار ...
- انقلاب 8 شباط 1963 الدامي! الحلقة الثالثة
- انقلاب 8 شباط 1963 الدامي! (الحلقة الثانية)
- انقلاب 8 شباط 1963 الدامي! (الحلقة الأولى)
- رحيل الروائي والقاص عبد الرحمن مجيد الربيعي
- يوم المعلم
- مقدمة (كشكول سجين)


المزيد.....




- نتنياهو يدين تخريب منزل رئيس الأركان ويطالب بتقديم المتظاهري ...
- إسرائيل.. اعتقال متظاهرين طالبوا بوقف حرب غزة لإعادة الأسرى ...
- حيفا: الشرطة الإسرائيلية تعتقل 6 متظاهرين في وقفة منددة بالح ...
- أسطول الحرية ينطلق إلى غزة الأحد المقبل
- حضور قوي للشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشرو ...
- جنايات بدر تجدد حبس محبوسين احتياطيًا دون حضورهم
- بيان للمكتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراط ...
- محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ي ...
- هل أُعدّت السجون في تونس لاستقبال النقابيين؟
- الضفة.. إصابة 25 فلسطينيا بمواجهات مع الجيش الإسرائيلي في نا ...


المزيد.....

- سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول / ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
- سلام عادل -سیرة مناضل- / ثمینة یوسف
- سلام عادل- سيرة مناضل / ثمينة ناجي يوسف
- قناديل مندائية / فائز الحيدر
- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - محمد علي الشبيبي - الحكم الثالث على حسين محمد الشبيبي (صارم)/ 5