أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - قسوة














المزيد.....

قسوة


سلام إبراهيم
روائي

(Salam Ibrahim)


الحوار المتمدن-العدد: 1819 - 2007 / 2 / 7 - 11:57
المحور: الادب والفن
    


قسوة
أخذوه في ليلة حالكة والجبل يهتز ويضاء بالانفجارات المتوالية وأزيز الرصاص وقنابل التنوير. أخذته في باطن السحر والضجيج والبرد دون معطفه العسكري القديم الوجوه الأليفة ذاتها. الليلة تشبه ليلة وقوعه بأيديهم قبل أربع أو خمس سنين، حينها انذل ناسياً سوية مجده القديم. ظل هاجس الموت يسكنه وهو يقبع في رطوبة غرفة الطين العفنة المظلمة، ثم أخذ بالتذاوي مع مرور الشموس وانبعاث إلفة غريبة مع أولئك الأعداء. كانوا يمارسون عليه السخرة طوال النهار، لكنه يجد الساعات التي يقضيها في الهواء الطلق أسعد الساعات، أشجار وضحك، عيون ماء وصبايا القرى المارات، أشجان التذكر عن المدن البعيدة والنساء الطفولة والأحلام والعائلة التي يتبادلها مع الحارس الموجه فوهة بندقيته نحوه أينما حل، وهو يقطع الحطب، يحمل الصخور، يتناول الطعام أو أثناء التغوط في العراء. عاد لا يجفل حينما يمازحه أحدهم قائلاً:
ـ ستعدم غداً!.
وهو يرى وجوههم المرحة، فيرد ضاحكاً بوجل:
ـ كل شيء إلا هذا ما زلتُ صغيراً لم أر من الدنيا شيئاً.
أحياناً يداخله الرعب فيسأل بوهن:
ـ أحلفك بأبيك.. صحيح؟.
فيضحك الحارس، مؤكداً بأن كلامه مجرد مزاح، فتتلاشى الرعدة الماحقة، المرجفة صلابة العظام.
كانوا يدفعونه بخشونة، مع رهط السجناء السائرين على مسالك منسية تبتعد عن الضجيج والأضواء الهاطلة عناقيد خلف القمم. يتعثرون تحت السماء الفاترة الخفيضة ونجومها العالية المتذاوية في عمق أودية سحيقة. على فسحة مستوية يضيع عند حافتها الممر الوحيد المهجور، أوقفوهم وأمروهم بالحفر بمعاول صدئة كانوا يحملونها طوال الطريق. كان مشتتاً بأخيلة بقايا الأحلام وهو يختبر صلابة الأرض والقلوب. مع أول ضربة أدرك الأمر برمته، فالتفت مبحلقاً بالوجوه التي انطبعت في القلب. الوجوه التي أطعمته وهددته، سقته وضربته، مازحته وألجمته، أرعبته وبادلته شجن التذكر. بادت قواه فسقط المعول. زجروه بأصوات خشنة.. خنقته العبرة، وأوجعته النبرة القاسية، القاطعة. حاول التماسك كالآخرين اللائذين بصمتهم، والمشغولين بالحفر. حاول.. دون جدوى.. فانفجر معولاً يردد بصوت مذبوح:
ـ لماذا.. لماذا.. لماذا..؟.
هبطت عليه الأخامص لاسعة. أخرسه الفزع من قسمات وجوههم الكالحة، الكابية التي كانت بالأمس مرحة، تمازحه وتأمله بفرج قريب. ابتدأ بطعن التراب، وإزاحته عن مستطيل بقدر طوله وعرضه. غرسوه على ساحل حفرته. اهتز للحظة تلقيه وخزات الرصاص المخلصة، وطارت به إلى فضاءات أسحار أبدية باهتة الظلمات، وسكون نجوم شاحبة خرساء. ترنح كسكران قبل أن يتهاوى في يم حفرته الضحلة.
كان ثمة من ينتحب.. وانسدل صمت.
30/8/1994



#سلام_إبراهيم (هاشتاغ)       Salam_Ibrahim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التآكل
- جورية الجيران
- نخلة في غرفة
- في ذكرى الرائي عزيز السماوي
- موت شاعر 1 بمناسبة وفاة الشاعر الصعلوك كزار حنتوش
- بمناسبة موت الشاعر كزار حنتوش3 موت شاعر
- بمناسبة موت كزار حنتوش2 موت الشاعر
- تشوه بنية الإنسان في البيئة العربية المغلقة والقامعة- الجزء ...
- تشوه بنية الإنسان في البيئة العربية المغلقة والقامعة- الجزء ...
- تشوه بنية الإنسان في البيئة العربية المغلقة والقامعة- الجزء ...
- تشوه بنية الإنسان في البيئة العربية المغلقة والقامعة- الجزء ...
- تشوه بنية الإنسان في البيئة العربية المغلقة والقامعة
- أزقة الروح قصة قصيرة
- قصة قصيرة-جنية الأحلام
- تحجر
- العصفور
- حصار يوسف
- بمناسبة محاكمة صدام حسين وأعوانه بقضية الأنفال عندما أدخلني ...
- بمناسبة محاكمة صدام حسين وأعوانه بقضية الأنفال...عندما أدخلن ...
- بمناسبة محاكمة صدام حسين وأعوانه بقضية الأنفال...عندما أدخلن ...


المزيد.....




- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - قسوة