أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - معين بسيسو... الشاعر الذي مات في المنفى وظلّ صوته في فلسطين














المزيد.....

معين بسيسو... الشاعر الذي مات في المنفى وظلّ صوته في فلسطين


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8347 - 2025 / 5 / 19 - 15:03
المحور: القضية الفلسطينية
    


معين بسيسو، الشاعر الفلسطيني، لم يكن مجرد كاتب أو أديب، بل كان ذاكرة حيّة لفلسطين المخنوقة بالحديد والنار. مات في لندن، بعيداً عن غزة التي أحبّها حتى الاحتراق، ولم يجد له قبراً في تربتها، كما لم يجد الشعب الفلسطيني حتى اليوم وطناً كاملاً يأويه. كان موته شبيهاً بموت كثير من الأحلام الفلسطينية: صامتاً، في غرفة باردة، بعيداً عن الدفء الوحيد الممكن — دفء الأرض التي وُلد منها، والتي كان يحلم أن يُدفن فيها.

حين توقفت أنفاس معين بسيسو في المنفى عام 1984، أُصيب رفاقه برعشة الموت الغريب، وبدأوا يتساءلون: أين سندفن موتانا؟ لم يكن السؤال عن القبور فقط، بل عن الأرض التي صودرت، عن الخريطة التي أُحرقت، عن الهوية التي تُسحق كل يوم تحت جنازير الاحتلال. كانت غزة يومها محتلة، كما هي اليوم، وإن بأشكال جديدة: بالحصار، بالدم، بالخوف، بالخيانة.

غزة التي كتب عنها معين لم تكن كهذه التي نراها اليوم؛ كان يراها شيئاً يشبه القصيدة: حيّة رغم الجراح، عنيدة رغم الجوع.
أما اليوم، فهي مدينة مثقوبة، مثقلة بالموت، تُقصف وهي تصلّي، وتُدفن وهي تنجب. غزة اليوم لا تحتاج إلى شعر لتبكي؛ تكفيها صور الأطفال تحت الركام، وعيون الأمهات المُعلّقة في السماء.

معين، الذي كتب عن الزنازين والسجون، كان يدرك أن المنفى الأوسع ليس خارج الوطن، بل داخله — حين لا تجد مكاناً لتصرخ، حين تخاف من القصيدة، من الحقيقة، من المرآة. وقد ترك في دفاتر فلسطينية سيرة وطنٍ بأكمله، لا سيرة رجلٍ فحسب. كتب عن السجن، عن الرفاق، عن الأمل المحروق، عن وطن مشطور إلى منفى وحنين، عن حزبٍ كان يحلم بالعدالة، فاستفاق على ضياع كل شيء، ما عدا الكلمات.

يقرأ القارئ الفلسطيني اليوم محاكمة كتاب كليلة ودمنة، فلا يرى فقط مسرحية، بل يرى محاكمات غزة الداخلية، ويرى في صمت العالم تكراراً أبدياً للمهزلة. كأن معين لم يكتب زمنه فقط، بل كتب الأزمنة القادمة — حيث يُحاكَم الأمل، ويُعدَم الخيال، وتُباع الحقيقة في مزادات السياسة.

رحل معين كما يرحل الفقراء، دون ضجيج رسمي، دون وداع يليق بشاعرٍ من طين البلاد. رحل في مدينة لا تشبه شوارع غزة الضيقة، ولا رائحة بحرها، ولا صراخ أطفالها. وكما كان خائفاً من أن يُنسى في المنفى، تُنسى أعماله اليوم بين أرشيفات الغبار؛ لا يُدرّس كما يجب، ولا يُحتفى به كما يستحق، وكأن النسيان عقوبة تُضاف إلى الموت.

لكن الشعر لا يموت. يظلّ نبضاً ساخناً في يد قارئٍ يتألم، أو في صدر شابٍ يبحث في الأنقاض عن بيتٍ كان.
يظلّ معين حيّاً في قصيدة تقول إن الأرض لا تموت، وإن المنفى مؤقت، وإن القبر الحقيقي هو النسيان.

اليوم، في ظل الخراب الذي يلفّ غزة، في ظل الغارات والنكبات المتكررة، يعود معين لا كشاعر فقط، بل كنداء.
نداءٌ يقول إن هذا الشعب، الذي علّق صوته على حبال الانتظار، لا يزال يكتب، لا يزال يحلم، لا يزال يدفن شهداءه في المقابر ذاتها التي لم تجد لجثمان معين مكاناً.

في ذكرى رحيله، نقرأه لنحزن، ونحزن لنكتب، ونكتب لأن هذا الشعب، الذي مات أكثر من مرة، لا يزال يُولد من جديد، كما القصيدة، كما غزة، كما معين بسيسو.

ورحل معين، وظلّت غزة تنتظر. لم يودّع بحرها، ولا مشى في زقاقها الأخير، ولا انحنى على ترابها ليلقي السلام. ظلّ الحنين بين يديه قصيدة ناقصة، تتعثّر كلما ناداها من المنفى، وتبكي كلما اشتاقت لصوته.

كان يقول: "غزة، إذا لم أُدفن فيكِ، فاجعلي قصيدتي شاهداً على قبري."
لكن القصيدة وحدها لا تكفي، ولا السماء تكفي لمن كان يريد الأرض، كلّ الأرض، ولو موضعاً بحجم جسده المنهك.

معين بسيسو...
بقي في الغربة جثماناً، وفي غزة روحاً، وفي شعره... فلسطين التي لا تغيب.

[محمود كلّم] كاتب فلسطيني يكتُبُ في الشَّأنين السِّياسيِّ والوجدانيِّ، وَيُعنَى بقضايا الانتماء والهُويَّة الفلسطينيَّة. يرى في الكلمة امتداداً للصَّوت الحُرِّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النِّضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خالد الحسين... أبو الشهداء حين مات الصَّبرُ ونام مسدسُ المَا ...
- فلسطين... خذلانٌ لا ينتهي ومفاتيحٌ لا تصدأ!
- من عُمق الغياب... الشهيد نزار بنات يخاطب محمود عباس (أبو ماز ...
- الجُوعُ... جنازةٌ يوميّةٌ في غزّة!
- غزة تتسلّم الطحين... إن بقي أحدٌ ليستلمه!
- إِهانةُ وطنٍ: عندما يُسلِّمُ النِّظامُ السوري رُفاتَ العدو و ...
- شيرين أبو عاقلة… سقوط الحقيقة في غابة الوحوش
- غزّة ومغولُ العصر... وقلوبُنا المُحصّنةُ بالصّمت
- غزّة وحدها في مُواجهة العالم
- كَشكَش يحرُسُ العدالة... وخليل نزار بنات ينتظرُ الغائبين
- وداعاً سكايب: رثاء لصوتٍ كان يعبر المسافات
- مخيّم شاتيلا يسقي غزّة: رسالةُ حُبٍّ من تحتِ الرُّكامِ
- الخُذلانُ يتكرّر... من جبل أُحد إلى رُكام غزّة!
- حين تُصبحُ النّكبةُ في غزّة خبراً بلا ذاكرة
- غزّة تنزفُ... واليمن آخرُ الأَوفياءِ
- هل يمُوتُ نوح في طُوفانه؟! فلسطين وثباتُ الأَنبياء
- غزّة… الشّجرةُ التي لا تنكسرُ
- من أَعماق القبر... الشهيد نزار بنات يُحاكمُ -رئيس الوزراء ال ...
- من تحت التراب... الشهيد نزار بنات يكتب لمحمد اشتية
- غزَّة... حين يُكتَبُ التَّاريخُ بدم الشُّهداءِ


المزيد.....




- قبل زيارته إلى الصين.. ماذا قال بوتين عن جهود موسكو وبكين لب ...
- تحليل لـCNN: ترامب-حاضرا- رغم عدم مشاركته في اجتماع لقادة ال ...
- محكمة الاستئناف الأمريكية تقضي بعدم قانونية بعض الرسوم الجمر ...
- الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا ينمو بنسبة 0,3% في وقت تواجه ...
- -المبادرة الفلسطينية- تطالب بنقل الجلسة الأممية بشأن فلسطين ...
- مكالمة هاتفية مسربة تطيح بحكم رئيسة وزراء تايلاند
- زيلينسكي: روسيا حشدت 100 ألف جندي في شرق أوكرانيا
- مأساة غزة تصل إلى بافاريا التاريخية بألمانيا
- محكمة أمريكية: ترامب -استغل سلطات الطوارئ بشكل غير قانوني- ل ...
- أمريكا توضح أهمية مناورات -النجم الساطع 25- التي تستضيفها مع ...


المزيد.....

- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ااختلاق تاريخ إسرائيل القديمة / سعيد مضيه
- اختلاق تاريخ إسرائيل القديمة / سعيد مضيه
- رد الاعتبار للتاريخ الفلسطيني / سعيد مضيه
- تمزيق الأقنعة التنكرية -3 / سعيد مضيه
- لتمزيق الأقنعة التنكرية عن الكيان الصهيو امبريالي / سعيد مضيه
- ثلاثة وخمسين عاما على استشهاد الأديب المبدع والقائد المفكر غ ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - معين بسيسو... الشاعر الذي مات في المنفى وظلّ صوته في فلسطين