أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - مجرد كوب شاي














المزيد.....

مجرد كوب شاي


معتصم الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 8293 - 2025 / 3 / 26 - 22:18
المحور: الادب والفن
    


لن أنسى ذلك اليوم في المحطة.
كنتُ في سفرٍ طويل، أجلس في ردهة مكتظة، حيث تعج الأصوات بالإعلانات والهمسات وخطى العابرين المتسارعة. ومن خلف الزجاج العريض، كانت القطارات تمرّ، كأنها أفكارٌ حائرة — أطيافٌ معدنية في حركةٍ لا تنتهي.
كان المشهد مألوفًا: فوضى، عجلة، وجوهٌ عابرة في ممرات الانتظار. وفي خضم الضجيج، رأيت رجلاً يقترب. خطواته متثاقلة، مشيته غير متزنة. في اللحظة الأولى، حسبته سكرانًا.
اقترب مني، وقال بصوت خافت:
"يا طيب، هل لك أن تعينني؟ مجرد كوب شاي… ربما ما يسدّ الرمق."
ترددت. تأملته.
كانت في عينيه نظرة تعب — ليست فوضوية ولا متوسلة، بل مجرد تعب. لكن الريبة غلبتني.
"لا… ليس شايًا، بل يريد شيئا غيره ربما خمراً. وربما استدراج ل شيئا غير ذلك .. حيلة أخرى."
هكذا قلتُ في داخلي، ورفعت الجريدة أمام وجهي، حائطًا صامتًا.
لم أجيبه. لم أرد الانخراط.
وبحركة متعمدة، وضعت حقيبتي على المقعد المجاور، لأغلق عليه حتى هذا الملاذ.
استدار، وهمس متمتا وهو يبتعد:
"كنت أعلم أنك لن تعطي."
مشى مترنّحًا، وقبل أن يبتلعه الزحام، لمحت تحت سرواله شيئًا جعل قلبي يتوقف:
لم تكن ساقًا… بل طرفًا صناعيًا.
شعرت بصفعة داخلية. صدمة تعيد ترتيب الصورة.
ربما لم يكن سكرانًا.
بل فقير، جائع، مكسور.
ومعيب أني لم أرَ إلا قناعي الخاص.
أحسست بعارٍ داخلي، كأن نارًا التهبت في صدري.
كيف خلطتُ الحاجة بالخديعة؟
والألم بالادّعاء؟
ولو كنتُ مكانه، بساقٍ معدنية وبجوعٍ صامت… أكنتُ سأخطو أفضل؟
كلماته ما زالت ترنّ في أذني — صافية، موزونة، عقلانية.
لم يتذمر. لم يصرخ.
بل قالها بأسى… كما لو كان آسفًا من أجلي.
عقلي لم يستطع أن يهدأ.
وبينما أنظر حولي، رأيته ثانية — يجلس في زاوية بعيدة، كأنه يخشى أن يكون مرئيًا.
كان يمضغ كسرة خبزٍ يابس، دون شربة ماء.
ثم نهض، ومضى نحو المقهى، يعرج.
في تلك اللحظة، نهضتُ. لم أمشِ… بل اندفعت.
"سأدفع له كل ما يحتاج، ليس الشاي فقط، بل كل ما يرغب."
دخل المقهى، وأنا خلفه بلحظات.
لكن حين دخلت…
كان قد اختفى.
سألت النادلة، بقلقٍ حارق:
"هل رأيتِ رجلًا يدخل؟ بعكاز، بساق صناعية؟"
قالت:
"لم يأتِ أحد بهذه المواصفات."
نظرتُ حولي — لا وجود له.
والباب؟ واحد فقط.
عدت إلى مقعدي، لكن قلبي بقي واقفًا.
ومضت بي فكرة… ماذا لو لم يكن مجرد رجل؟
ماذا لو كان ملاك كريم بهيئة ولي من اولياء الله الصالحين نفسه… جاءني متخفيًا، جائعًا، ضعيفًا؟
وأنه، هدية القدر التي طالما تغنّت بانتظارها…
أدرتُ له ظهري؟
الكتاب يقول، أننا جميعًا سنُستَوقف أمامه يومًا.
ورأيت المشهد أمامي:
سينظر إليّ، بعين المحبة والحقيقة، ويقول:
"لم أطلب سوى كوب شاي…
لكنّك لم تُعطني."
وهنا لم أعد أطلب الغفران فقط،
بل صرتُ أطلب بصيرة،
عينيه، لا عيني.
قلقه، لا ريبي.
يا رب،
اشفِ قلبي من العمى،
واغرس في عينيّ نورًا يرى الإنسان كما تراه أنت.
لئلّا أفقدك مرة أخرى… وأنت تقف أمامي،
بوجه متعب…
وقلب ينتظر...



#معتصم_الصالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليوم العالمي للام
- لعبة القدر
- فبراير
- ارق
- مراهق في عالم الكبار
- حين أبحرت سفينتي
- في شارعي
- لماذا يُهين الناس الآخرين: تحليل اجتماعي نفسي
- حافة الجسر
- البطل المشوه بالزمن 3
- نسيج أبرة
- ChronoGuard: البطل المشوه بالزمن - نسيج الزمن-
- معركة الضياء
- -الدخان والمرايا
- احتضان النقص
- تفرد
- منارة
- الغرض من الحياة
- رغبات مراوغة: أرواح عميقة
- الدائرة الخاطئة


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -خانقاه بيارة- في كردستان العراق
- بن يونس ماجن: هطول غزير
- عاصفة غضب في مهرجان برلين السينمائي بسبب محاولات تهميش القضي ...
- -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال ...
- تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م ...
- تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم ...
- المريخ في الأردن: حكايات الرمال التي عانقت خيال السينما
- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - مجرد كوب شاي