أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - بإيجاز: وليام شايكسبير وحفريات الروح البشرية/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري















المزيد.....

بإيجاز: وليام شايكسبير وحفريات الروح البشرية/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري


أكد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8260 - 2025 / 2 / 21 - 09:54
المحور: الادب والفن
    


مقدمة عامة مبسطة؛
"شايكسبير يقرأنا بشكل أفضل مما نستطيع أن نقرأ أنفسنا". (نيتشه) ()

لم يبرهن سوى عدد قليل من أعمال الكتاب في تاريخ الأدب أظهروا مثل هذا الفهم العميق للنفس البشرية مثل وليام شايكسبير (1564- 1616()). لا يقتصر عملها على الترفيه أو بناء المؤامرات البارعة؛ بل إنها تكشف عن أكثر التعرجات قتامة في الحالة البشرية، وتكشف بدقة جراحية عن المشاعر والصراعات الداخلية والغموض الأخلاقي الذي يحدد التجربة الوجودية. لم يكتف شايكسبير بخلق الشخصيات؛ بل جرد الروح البشرية بكل تعقيداتها، وتوقع مفاهيم علم النفس الحديث وكشف الحقائق العالمية حول القوة والطموح والجنون والحسد والحب وزوال الحياة.

لا تكمن عظمة شايكسبير في مجرد بناء المؤامرات المفصلة جيدًا، بل في القدرة على نقل التناقضات والمفارقات في الوعي البشري إلى لغة درامية. شخصياتهم ليست مجرد أنماط أو نماذج أولية، بل كائنات موهوبة بعمق نفسي، لا يحدث تطورها فقط في مستوى الفعل، بل في مجال الأفكار والعواطف. إن التاريخ التدميري والمأساوي لروميوس وجولييت (1562)() وتاجر البندقية/شايلوك (1598)() وهاملت (1603)() والملك لير (1606)() وماكبث (1623)() وأوتيلو (1622)() والليدي ماكبث (1623)() ـ كل هؤلاء يتجاوزون الإطار المسرحي ويصبحون مرايا للحالة الإنسانية، لأنهم لا يحملون فقط أشياء عظيمة، بل يحملون أيضاً نقاط الضعف والمخاوف والأوهام التي تتخلل الوجود.

- جدلية الوجود: شايكسبير وغموض الوعي؛
لقد أدرك شايكسبير أن الإنسان ليس كياناً ثابتاً، بل هو تعددية في توتر دائم. إن شخصياتهم تتمتع بداخل كثيف ومتناقض، يتقلب بين الدوافع المتعارضة، بين العقل والعاطفة، بين الرغبة والذنب، بين العظمة والخراب. إن عالم شايكسبير ليس ثنائياً؛ فهو يرفض النمذجة التبسيطية ويحتضن الغموض باعتباره جوهر التجربة الإنسانية.

إن جدلية الوجود هذه واضحة، على سبيل المثال، في هاملت، الذي ربما كان الأكثر تعقيداً بين إبداعاته. إن الأمير الدنماركي رجل ممزق الضمير، سجين وعيه الذاتي، عاجز عن التصرف ليس بسبب الجبن، بل بسبب الإفراط في التفكير. لا ينفذ هاملت انتقامه فحسب؛ بل إنه يزعجها، الفيلسوفة، ويحوله إلى سؤال ميتافيزيقي. إن مونولوجته الشهيرة "تكون أو لا تكون، تلك هي المسألة"()، ليست معضلة ظرفية فحسب، بل إنها صياغة مأساوية للحالة الإنسانية: التصرف أم الاستسلام؟ مواجهة الوجود أم الهروب منه؟

ويظهر هذا الضمير الممزق من جديد في ماكبث، وهي شخصية مأساوية أخرى تولد عظمتها ودمارها من نفس الدافع. إذا كان هاملت مشلولاً بالشك، فإن ماكبث يستهلكه اليقين المطلق. في البداية، كان رجلاً شريفًا، لكنه ينغمس في طموح غير مقيد ورغبة في السلطة، ويخون جوهره ويدمر نفسه في هذه العملية. إن مأساة ماكبث ليست مجرد صعوده وسقوطه، بل إنها اعتراف متأخر ومدمر بأنه كان هو نفسه مهندس دماره. عندما يعلن، وقد غرق في اليأس، "إن الحياة ليست سوى ظل متحرك"()، فإنه يلخص وجهة نظر شايكسبير في الوجود: قطعة عابرة، وهم عابر، وخيال مأساوي كتبته قوى لا نفهمها دائمًا.

- الحب والانتقام والجنون: شايكسبير والأنماط البدائية للدراما البشرية؛
تكمن عبقرية شايكسبير أيضًا في الطريقة التي يصوغ بها الموضوعات العالمية العظيمة، ويحول المشاعر والمعضلات الفردية إلى تأملات في الطبيعة البشرية ككل. الحب، على سبيل المثال، لا يتم إضفاء المثالية عليه أو تبسيطه في عمله؛ بل على العكس من ذلك، يتم تقديمه دائمًا كقوة ساحقة، قادرة على الارتقاء أو التدمير. روميو وجولييت ليست مجرد قصة رومانسية، بل هي مأساة اندفاع الشباب، والرغبة التي تتحدى الأعراف، والمصير الذي يفرض نفسه بلا هوادة.

الانتقام، بدوره، هو موضوع آخر متكرر في دراماهم. في مسرحية عطيل، تؤدي غيرة ياغو واستيائه إلى تدمير البطل، الذي أصبح عاجزًا عن تمييز حقيقة الوهم بسبب تسميمه من قبل المشتبه به. تكمن عبقرية القطعة في حقيقة أن أوتيلو نفسه أصبح وكيلًا لتدمير نفسه، مما يسمح بالتلاعب بانعدام الأمن لديه. لقد أدرك شايكسبير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأعداء الخارجيين، بل في الشقوق الداخلية للروح البشرية.

إن الجنون، الذي يستغله شايكسبير في كثير من الأحيان، ليس مجرد انهيار عقلي، بل إنه وسيلة لكشف الحقائق الخفية. فالملك لير، الذي أصيب بالجنون، أدرك أخيراً جوهر الطبيعة البشرية، بعد أن جردها من أوهام القوة والمكانة. ويتظاهر هاملت بالجنون، ولكن ربما يكون ضميره قد انقسم بالفعل. وفي أعمال شايكسبير، لا يشكل الجنون مأساة فحسب، بل إنه أيضاً وسيلة للهروب من نفاق العالم.

- خلود شايكسبير: لماذا لا يزال يقرأنا؟؛
لم يعلّمنا شايكسبير عن شخصيات عصره فحسب؛ بل علّمنا عن أنفسنا أيضاً. وتصمد أعماله لقرون من الزمان لأنها تتحدث عن الألم والرغبات والمعضلات التي لا تتغير بمرور الوقت. وكانت عبقريته تكمن في التقاط ما هو إنساني في جوهره وإسقاطه في سرديات لا تزال تتردد صداها لدى كل جيل.

عندما نقرأ شايكسبير، فإننا لا نفهم شخصياته فحسب، بل نرى أنفسنا منعكسين فيها. من منا لم يختبر تردد هاملت في مواجهة قرار صعب؟ من منا لم يشعر قط بالإغراء من قبل رغبة لا يمكن السيطرة عليها، مثل ماكبث؟ من منا لم يشكك قط في معنى الوجود، مثل الملك لير؟

زعم نيتشه أن "شايكسبير يقرأنا بشكل أفضل مما نستطيع أن نقرأ أنفسنا"(). والواقع أن أعماله تظل مرآة للروح البشرية، ونصبًا أدبيًا يكشف ليس فقط عن عظمة الفكر، بل وعن عمق التجربة الإنسانية بكل مجدها ومأساتها.

شايكسبير، أكثر من مجرد كاتب مسرحي، كان عالم تشريح للحالة الإنسانية. فقد كشف عن الطبقات الخفية للنفس، وكشف عن نقاط ضعف الروح، وأعطى صوتًا للمعضلات الأبدية التي تحدد الوجود. إن قراءة شايكسبير ليست مجرد تمرين أدبي - إنها غوص في هاوية ما يعنيه أن تكون إنسانًا. إن شئتم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Copyright © akka2025
المكان والتاريخ: طوكيو ـ 02/21/25
ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية
ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).



#أكد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفكر والخلود/ بقلم حنة آرندت - ت: من الألمانية أكد الجبوري
- زيجمونت باومان والحرية غير المكتملة/ الغزالي الجبوري- ت: من ...
- إضاءة: -رسائل سكروتيب- للكاتب سي. إس. لويس/ إشبيليا الجبوري ...
- إضاءة: -حياة هنري برولارد- لستندال/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- العمل بين الأغتراب والحرية وفقًا لزيجمونت باومان/ الغزالي ال ...
- إضاءة: رواية -كاميلا- لفرانسيس بورني/إشبيليا الجبوري -- ت: م ...
- إضاءة: قِصَر الحياة ووهم الخلود في تأملات سينيكا / إشبيليا ا ...
- إضاءة: البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست/ إشبيليا الجبوري ...
- إضاءة؛ -في مديح الحماقة- لإيراسموس روتردام/ إشبيليا الجبوري ...
- بإيجاز: -الزمن الكافكوي: الاغتراب من أجل غرس عبثية الوجود/ إ ...
- برفقتك/ بقلم مانويل التولاغوير - ت: من الإسبانية أكد الجبوري
- صناعة الضحية؟… جيجيك مواجهًا فوكو/ شعوب الجبوري - ت:من الألم ...
- النافذة/ بقلم مانويل التولاغوير بولين - ت: من الإسبانية أكد ...
- الدراما الخفية للفقر في مجتمع الاستهلاك/ بقلم زيجمونت باومان ...
- إعادة التفكير في الحداثة/ بقلم زيجمونت باومان -- ت: من الإنك ...
- بإيجاز؛ -مثقف المشهد-.. من هول الثورية إلى ذهول العدمية / إش ...
- إضاءة: رواية -كاميلا- لفرانسيس بورني/إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- بإيجاز؛ التناقض كجوهر للوجود الفكري/ إشبيليا الجبوري - ت: من ...
- الرأسمالية لا تفسر بمنطق -رأس المال- فحسب (6- 7)/ الغزالي ال ...
- النزاع حول التاريخ الحقيقي


المزيد.....




- فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
- -هندسة التمثيل-: قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي ا ...
- أوبرا -الحرب والسلام- لكونشالوفسكي تفتتح مهرجان -بروكوفييف ل ...
- -مخاطر مهنية-.. فيلم فلسطيني عن التهجير في القدس
- مغامرة بين -مرتزق- و-كاتب فاشل-.. موعد عرض فيلم -صقر وكناريا ...
- فنان روسي بارز يشكك في صحة بعض فيديوهات الباليه الرائجة على ...
- من -خان الحرير- إلى -كسر عضم-.. رحيل الفنان السوري أسامة الس ...
- -سعيد تحسين..الفنان والإنسان-: كتاب يروي سيرة فنان استثنائي ...
- من -ماتروسكين- إلى -تشيبوراشكا-.. شخصيات روسية شهيرة تعود إل ...
- الأمومة في مرآة الأدب المعاصر: صراع الهوية والبحث عن الذات ب ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكد الجبوري - بإيجاز: وليام شايكسبير وحفريات الروح البشرية/ إشبيليا الجبوري - ت: من اليابانية أكد الجبوري