أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - طفل الاغتصاب














المزيد.....

طفل الاغتصاب


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8011 - 2024 / 6 / 17 - 15:54
المحور: الادب والفن
    


في إحدى زوايا المدينة المنكوبة، انتهى الأمر بليلى التي تحاول استعادة حياتها بعد أن نجت من أهوال وويلات الحرب. لقد نجت بحياتها فهي مازالت تتحرك وتمشي ولكن الحرب تركت أثرًا لا يُمحى في روحها وجسدها، أثرا تمظهر في حمل غير مرغوب نتيجة اغتصاب جماعي، أصابها كما أصاب كثيرات غيرها أثناء الحرب.
عاشت ليلى في الفترة الأخيرة في عزلة شبه تامة، مكتفية بالصمت والذكريات المؤلمة التي تلاحقها في كل لحظة. كانت تعرف أن الوقت يمضي وأن قرارا مصيريا يجب أن يُتخذ بشأن الطفل الذي ينمو في بطنها. لم تكن تجرؤ على مواجهة المستقبل الذي بدا مظلما ومليئا بالأسئلة التي لا إجابة لها.
وهي في معترك الهواجس والأفكار والخوف جاءت لزيارتها صديقتها القديمة مريم، التي عاشت بدورها تجربة الحرب وتعرضت أيضا للاغتصاب ولكن لم تحمل. أثقلتها تجربة انتهاك جسدها من قبل أولئك الوحوش، ولكنها لم تكسرها وبقيت تملك نظرة أكثر تفاؤلا. جلست مريم بجانب ليلى في تلك الغرفة البسيطة التي أصبحت ملاذًا لأفكار ليلى المتشابكة.
مريم: "ليلى، أعلم أن الوضع صعب. ولكن يجب أن نفكر في الطفل، هذا الكائن البريء الذي لم يختر أن يأتي إلى هذا العالم بهذه الطريقة."
نظرت ليلى إلى مريم بعينين مثقلتين بالدموع والألم: "كلما فكرت في الطفل، أرى أمامي تلك اللحظات البشعة. كيف يمكنني أن أربيه وهو يذكرني بكل ما حدث؟"
أخذت مريم بيد ليلى برفق: "الطفل ليس مسؤولا عما حدث. إنه ضحية مثلنا. يجب أن ننظر إليه كفرصة جديدة للحياة، للشفاء، يجب أن يكون عنوانا لحياتنا الجديدة."
تنهدت ليلى بعمق وقالت: "أحيانا أفكر في تركه لجمعية تهتم به. ربما يكون هذا الأفضل له ولي. ولكن كيف أضمن أنه سيحظى بحياة أفضل؟ كيف أضمن أنه لن يفقد هويته ودينه؟ وربما سيعطونه دينا آخر غير ديني...ولكن، هل امتلكت تلك المجموعة التي عاودت اغتصابي عدة مرات دينا؟ هل كانوا بشرا أم وحوشا نهشوا جسدي وروحي...؟ كيف لي وأنا بهذا الوضع أن أتحقق من أنه طفل أم طفلة!؟ هل يهم ذلك إذ أن النتيجة واحدة وهي أنه طفل الاغتصاب!؟"
هزت مريم رأسها متفكرة: "هذا سؤال مهم. يجب أن نبحث عن توازن. أن يجد الطفل مكانا يكبر فيه بعيدا عن هذه الذكريات المؤلمة، ولكن أيضا أن يبقى على اتصال بجذوره وهويته."
سقطت دمعة على خد ليلى وقالت بصوت متهدج: "ولكن كيف يمكنني اتخاذ قرار كهذا؟ هل سأشعر بالسلام يوما ما بعد هذا القرار؟"
ربتت مريم على كتفها وقالت بحنان: "القرار ليس سهلا يا ليلى، ولا يمكن لأحد أن يتخذ هذا القرار سواك. ولكن يمكننا البحث عن دعم من متخصصين، من أشخاص يفهمون تعقيدات هذا الوضع، يمكنهم المساعدة في اتخاذ القرار الأفضل لك وللطفل."
أخذت ليلى لحظة لتفكر، ثم قالت بهدوء: "ربما أنت على حق. القرار يجب أن يكون قراري، لكن لا بأس من طلب المساعدة. لا أريد أن أتخذ قرارا أشعر بالندم عليه لاحقا."
ابتسمت مريم وقالت: "نحن هنا من أجلك يا ليلى، سنكون معك في كل خطوة. أنتِ لستِ وحدك."
لم تقدم مريم أكثر من تلك الكلمات الممزوجة بالعواطف ولم تبين المقصود بـ"نحن"، ولكن ذلك كان كافيا لدعم الروح المعنوية للمغدورة الحائرة. ففي تلك الليلة، شعرت ليلى ببارقة أمل صغيرة تلمع في ظلام حياتها. كانت تعلم أن الطريق طويل وصعب، وتعلم أنها أمام شتات مجتمع قد يجعل من وليدها أو وليدتها مادة للقهر. وربما ستكون الحرب قد لقنت الجميع دروسًا وسيصبحون أكثر وعيا ويتفهمون ما تفهمه هي بنفسها!
بالمحاكمة النهائية فكرت بأنها ليست الوحيدة المغتصبة وإنما جميعهم اغتُصبوا في الحرب وبأشكال مختلفة. ليكن ما يكون، سأحتفظ بوليدي وسأحميه وسأربيه بطريقتي. وإن سألني عن والده، فسأقول: لقد تركني بسبب الفقر وسافر إلى أستراليا للعمل، واعدا أن يعود لنا يوما.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فانتازيا لامرئي
- حروف مفقودة وأمنية
- بحور الحياة: رحلة أبو نجوان بين زمردة الأمل وألم الوداع
- عبور الزمن: عندما يعود الماضي ليطارد الحاضر
- ناقد كاتب وشاعر: وقفة قصيرة مع المثقف مصطفى سليمان
- قمر، ولكن...!
- والمال بدّل أيديولوجية مسرحية تاجر البندقية
- بانتظار الغريبة
- لا يكفر من يصرخ من شدة الألم!
- أهو ذئب في ثوب حمل؟
- نموذج إنجليزي لتفادي المشاكل الاجتماعية السياسية
- إذلال
- مواجهة
- يحيى ويحيى
- حب أو حرمان
- القافلة
- الغرب لم يسرق أخلاقك
- غياب
- قد يكون الحب
- أنت موجود وغيرك موجود


المزيد.....




- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - طفل الاغتصاب