أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - عبور الزمن: عندما يعود الماضي ليطارد الحاضر















المزيد.....

عبور الزمن: عندما يعود الماضي ليطارد الحاضر


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 7755 - 2023 / 10 / 5 - 22:46
المحور: الادب والفن
    


في لحظة غامضة، عادت إليَّ ذكرياتٌ كانت مفقودة في أعماق الزمن، ذكرياتٌ لا تحمل سوى لمحات متباعدة عن وجه ذلك الشاب الصغير الذي عرفته منذ عقود. بينما كنت أجلس في هدوئي المسائي وملامح الحياة المستمرة من حولي، جاءت رسالة غير متوقعة عبر نافذة الدردشة في برنامج تواصل هو أيضا سمعي وبصري.
قليلة كانت اللحظات حتى انتابتني مفاجأة كبرى،. فقد كانت تلك الرسالة تتحدث عن الزمان البعيد والشاب الذي كان له مكانة خاصة بين من عرفتهم منذ الصغر. أجبتُ الرسالة بسرعة مذهلة، ومن ثم بدأ الحديث الذي طالما انتظرته.
الصدمة لم تترك مجالًا للتفكير العقلاني. تمادى الحديث، واكتشفت أنه غادر بلدنا منذ سنوات طويلة جدًا، باتجاه أروقة بلاد أوروبية غربية. تغيَّرت ملامحه، وأصبح رجلاً يحمل في قلبه زوجة وطفلة، مستقرًا في عالمٍ جديد. تبادلنا الأحاديث حول أيامنا السابقة، وكيف انتقلنا من أحلام الشباب إلى واقع الكبار. ثم جاءت الزوجة، تظهر على الشاشة بابتسامة دافئة ورحبت بي بلطف، قائلةً إنها سعيدة بمعرفتي وبأن زوجها أخيرًا عاد إلى حضن أصدقائه القدامى. في هذه اللحظة، أدركت أن الصداقة ليست قابلة للنسيان، وأنها تحتاج إلى الزمن والمسافة لتتحول إلى أشياء جديدة، تتحدث عن حياة مليئة بالمفاجآت والأحلام التي تستمر في الارتفاع عالياً في سماء الزمن.
بعد ذلك، دخلنا في رحلة غريبة من التواصل عبر الصوت والصورة، هي رحلة عبر الزمن إلى الماضي وامتدت لسنوات طويلة. كانت أيام التواصل في رحلة تمرّ كلحظات قصيرة ونتبادل الأحاديث بتذكر أمور من الماضي واستعراض لأصدقاء ومجموعات اعتقدت أن أصداء أصواتهم تصلنا عبر الأجهزة. وبقينا هكذا نمدد تذكار الماضي ليكون جزءا من الحاضر.
ولكن، لغرابة الأمر، عندما اتصلتُ به في إحدى المرات، لم يكن هناك جواب منه، بل كانت زوجته هي التي أجابت بدلًا منه. وكان صوتها يحمل طابعًا غريبًا من الحزن والقلق. سألتُها عن حاله ولماذا لم يجب، وكان جوابها يتسم بالحذر.
قالت بصوتٍ هزيل وخافت: "هو موجود في المنزل، لكنه يختبئ في زاوية هادئة، يتأمل ويبكي." كانت هذه الكلمات تلقي بظلال غامضة على محادثتنا. ثم تابعت: "في أوقات أخرى، عندما جلسنا حول طاولة العشاء، كان يرفع نظره بحسرة إلى وجهي ووجه ابنته، ودموعه تنسكب بلا توقف".
تساءلت عن أسباب تلك الدموع متشوقا لأعرف فيما إذا كان ناك سببا محددا أم أنها وطأة الزمن ترخي بظلالها فوق رأسه وهو في بلد غريب يشعر فيه بحنين إلى موطنه الأصلي وطفولته...! ولكن الجواب كان غامضًا أيضًا. "إنه يبكي من أجل الماضي...،" أجابت بصوت خافت ومتردد. سألتها بدهشة: "أي ماض؟" فأجابت بتأني: "ماضي بلدكم" توقفت قليلا ثم لفظت "وحاضره..."
استحضرت في رأسي صورة ذلك الرجل فألقيت نظرة حزينة نحوها متمنيا أن أعرف بدقة أكثر ما يبكيه! ماذا يبكي ذلك الإنسان الذي كان صديقًا قريبا لي قبل عقود. لم يعد هو الشاب الذي تعرفت عليه، بل أصبح غريبًا مكبوت الأحزان! سألتها بلطف: "هل بالإمكان أن تخبريه أنني اتصلت به؟" فأجابت بحزن: "سأخبره، ولكن ليس الآن..."
كان لوصول كلماتها الهامسة إلى أذني وقعا مبهما وأشعرت بدب القلق ينزلق برقة إلى داخلي، كما لو أنها نغمات أولى لأغنية غامضة. كانت الأسئلة تتلوى وراء باب ذهني كالمفاتيح المفقودة، وفيما يتعلق بماضي بلادي وحاضره، لم يكن لدي أدنى فكرة عن السرّ الذي يحزنه، فلم يكن صديقي من النوع الذي يتألم بسهولة أو يفقد السيطرة على مشاعره! ولهذا اتجه قلبي نحو ماضٍ غامض، وأنا أحاول فهم ما يراوده، ما يجعله يتألم بهذا الشكل العميق. تزايد فضولي لأعرف ما يحمله في عمق روحه، كيف يتخلل ذاك الوجه الصلب والعيون الباردة هذا البكاء الذي لا ينقطع.
لم يمر وقت طويل حتى عدت للاتصال به مرة أخرى، كان ينبغي لي أن أستعيده من تلك الزاوية المظلمة التي يختبئ فيها. وبينما كنت أنتظر اتصاله، أغمضت عيوني للحظة وخيالي تجول بين لحظاتنا السابقة، كيف كنا نمضي الأوقات سوياً في الماضي، وكم كانت تلك الأيام بسيطة وخالية من هذه الألم الغامض...
ثم جاء الاتصال، وبدأت حوارنا من جديد، بحثاً عن إجابات على أسئلتي اللاهثة في سماء الغموض. وبسرعة ودون استئذان أدرت الكاميرا كي الاتصال بالصوت والصورة. كان يرد على استفساراتي بترقب حذر ونظرات القلق تتراقص في عيونه، لقد كانت كلماته تتسلل بحذر من بين شفتيه كأنه يحاول الإمساك بأمور غامضة تراوده. وأما الصمت الطويل بين جمله وأخرى فقد كان يؤكد مدى تقطع خيوط الزمان والمكان بيننا.
أما أنا، فقلت له بلطف، "الآن لايبدو كل شيء على ما يرام. أتمنى لك الخير وسأعاود الاتصال بك في الوقت المناسب." انقطع الاتصال بيننا وبدأت أنتظر، أيامًا مرت ببطء، وكان الصمت يلف الأجواء. لم يرد علي في تلك الفترة، وأصبحت أشعر بحاجتي الملحة إلى فهم ما يجري في عقله.
لذا، قررت العودة إلى التواصل معه مجددًا، وهذه المرة لم أتردد. انتزعت جهازي من مكانه، وكأنني أراد الكشف عن الحقائق المخفية في روحه، وأطلقت المكالمة. وبصوت يُسمع على مسافة، بدأت زوجته تتحدث بأعلى صوتها، تعلن أن هذا الاتصال هو مني له وكأنها تريده أن يتكلم.
كان السرُّ يكمن في تلك اللحظة، وفي رد فعله وتصرفه الفوري. حينها أصبحت كلماته مفتوحة وواضحة تمامًا، مختلفة عن الكتمان الذي اعتدت عليه منذ بدأ مسلسل الغموض يتراقص في تبيان شخصية جديدة بالنسبة لي. كان ينطق بكلمات تسرد الأحداث كما هي، دون أي تشويش أو التباس. للمرة الأولى، شعرت بالارتياح لأنني سأفهم الآن ما يجري. قال: "بعد أن حصلت على الثانوية العامة، قررت الالتحاق بكلية الحقوق في جامعة دمشق. وهناك، لم يكن لدي نجاح في أي من المواد. لهذا السبب، قررت أن أنهي خدمتي الإلزامية، وبمجرد الانتهاء منها، سأفكر جديًا في مستقبلي."
كانت هذه الكلمات البسيطة هي السرّ الذي انتظرت لفهمه. كان يحكي بوضوح عن بداياته وكيف انطلقت الأحداث. وبالتالي، بدأت تتضح لي ملامح قصة حياته في تلك اللحظة المشؤومة. قال: "بدأت أفكر بالمسار الذي ستأخذه حياتي. لكن القدر كان يحمل لي مصيرًا غير متوقع إذ بدأت تلك الأحداث المروعة تتكشف في وطني، والصدامات المسلحة اجتاحت المناطق. وقتها انقلبت حياتي رأسًا على عقب حينما انتقلت إلى تلك المدينة اللعينة. تلك الدروس التوجيهية السريعة كانت تنص على كيفية التصرف أمام أي شخص نلتقي به، وقد كانت النصيحة الوحيدة واضحة: لا يوجد بريء هناك، إنها ساحة حرب، كل وجه تصادفه يمكن أن يكون قنبلة موقوتة، وكل ظهور مختبئ يمكن أن يكون خيانة في انتظار لحظة مناسبة. إنها حرب، وفقدانها يتطلب تغيير قوانين البقاء في عالمنا." لم تكن هذه الكلمات مجرد تحذيرات. بل كانت إشارات حمراء تنبئ بالخطر الذي يحيط بنا، بينما نحاول البقاء على قيد الحياة في هذا الزمن المظلم...وكانت هذه الكلمات التحريضية تملأ رأسي، مثل أفعال النار الجارفة تنتاب الغابات الكثيفة. كانت تلك الأقوال تهيمن على تفكيري وتغذيه بالغضب والحماس. كانت فكرة قتل الخونة وحماية نفسي تتجاوز كل الحدود.
في أحد الأيام، وبينما كنت متمركزا غرب ملعب المدينة، رأيت شخصًا يمشي ببطء ويحمل الخبز فوق يديه. لم تكن هذه الرؤية تثير لدي سوى الشكوك والاعتقاد بأنه يخفي سلاحه في داخل أو تحت الخبز. لذا، لم أتردد، بل اتخذت قراري بسرعة، القرار الذي لن أندم عليه لاحقًا....وبثقة مطلقة سددت، ولم يكن لدي أي نوع من الريبة. وعندما سقط على الأرض لم يكن السلاح بين ما تبعثر وتناثر من يديه، كان يحمل فقط الخبز. وهكذا بدأت البداية، وكانت هذه هي المحنة التي اختبرتها لأنجز المزيد. وعندما أسقطت حياته أرضًا، لم يكن هناك سوى هدوء مريب!

ثم بدأ يتكلم، ليس بلسان رد الرجعيين وقتل الخونة ولا بلغة الحرب، بل بصوت باكً، بوجه يبدو بريئًا. صوته اندمج مع نبرات السرد، وأخذ يحكي عن لحظاته. "عندما وقعت عيني على ذلك المسن، اعتقدت أنه بريء، ولكنني كذبت واقعا رأته عيني وقبلت وهما أسموه حقيقة فيما علمتني إياه دروس قادتي التي شددت على أنه في زمن الحرب، لا يوجد بريء، لقد فاجأته وأسقطته أرضًا."
بعدما انتهى ظلت نظراته تطاردني، ولم أستطع أبدًا التخلص من تلك الصورة المؤلمة. وفي تلك اللحظة، وبعدها أكثر تمنيت أن يكون أحدهم قد قتلني في تلك الحرب، فقط لأتحرر من هذا العذاب النفسي المستمر.

لم يكن لدي تعليق، ولكنه تحدث بلهجة تحمل في طياتها مزيجًا من الحزن والاعتراف: "أعرف أنك عنيد،" قال بصوت متدرج، وكأنه يقرأ ما يدور في أعماق تفكيري. "كنتَ ستفكر ولن تفعل أي شيء مهما حصل. بل و ربما كنت ستساعد هؤلاء لأنك أعقل مني ولا تصدق كل ما تسمعه، ولكن الأجواء كانت مختلفة تمامًا."
ثم تابع: "إنها أجواء مليئة بالموت، حيث الدماء تمطر كالمطر، وأصوات أنين البشر تصدح في كل مكان. كان يشرح لي كيف انقلبت الحقائق رأسًا على عقب. "هذا ما يعذبني،" أكمل بصوت همسي. "عيون هؤلاء الذين صدقت الرواية التي اتضحت خلافها واعتبرتهم خونة، عيونهم تطاردني في الليل والنهار."
كانت الكلمات ترتسم أمامي كصور حية تروي قصة الأحداث. عجزت عن الرد على ما قاله، ولم يكن لدي توقع أن يكون هذا هو الجزء الذي تبقى مختفيًا لفترة طويلة. يسود الصمت بيننا، وفي لحظة غريبة من الحيرة، ألقى بعض الضوء على ما حدث. "كانت غلطتي،" أعلن بصوت مجنون، ثم أغلق الخط بوجهي، ولم يعد يتصل بعد ذلك، واكتشفت لاحقا أنه خاف مني وحظر إمكانية تواصلي معه وبعد ذلك لم أعرف أي شيء عن مصيره.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناقد كاتب وشاعر: وقفة قصيرة مع المثقف مصطفى سليمان
- قمر، ولكن...!
- والمال بدّل أيديولوجية مسرحية تاجر البندقية
- بانتظار الغريبة
- لا يكفر من يصرخ من شدة الألم!
- أهو ذئب في ثوب حمل؟
- نموذج إنجليزي لتفادي المشاكل الاجتماعية السياسية
- إذلال
- مواجهة
- يحيى ويحيى
- حب أو حرمان
- القافلة
- الغرب لم يسرق أخلاقك
- غياب
- قد يكون الحب
- أنت موجود وغيرك موجود
- فرح وصدمة
- غش عابر للامتحانات
- -رخيصة-
- زواج


المزيد.....




- مظفر النَّواب.. الذَّوبان بجُهيمان وخمينيّ
- روسيا.. إقامة معرض لمسرح عرائس مذهل من إندونيسيا
- “بتخلي العيال تنعنش وتفرفش” .. تردد قناة وناسة كيدز وكيفية ا ...
- خرائط وأطالس.. الرحالة أوليا جلبي والتأليف العثماني في الجغر ...
- الإعلان الثاني جديد.. مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 157 الموسم ا ...
- الرئيس الايراني يصل إلي العاصمة الثقافية الباكستانية -لاهور- ...
- الإسكندرية تستعيد مجدها التليد
- على الهواء.. فنانة مصرية شهيرة توجه نداء استغاثة لرئاسة مجلس ...
- الشاعر ومترجمه.. من يعبر عن ذات الآخر؟
- “جميع ترددات قنوات النايل سات 2024” أفلام ومسلسلات وبرامج ور ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - عبور الزمن: عندما يعود الماضي ليطارد الحاضر