أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الإرادة الفردية والسلطة في الثقافة العربية














المزيد.....

الإرادة الفردية والسلطة في الثقافة العربية


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 7835 - 2023 / 12 / 24 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


باستثناء النساء والعبيد والأطفال، كان رجال القبيلة الأحرار متساوون تقريباً في حرية الإرادة وممارسة القوة. رأس القبيلة، أو شيخها، لا يعدو كونه المتحدث والناطق باسمهم جميعاً، لا يتمتع بسلطة قهرية تُذكر على أي واحد منهم ولا يملك من آلية أو مؤسسة قائمة لممارستها. مثل هذه السلطة كانت اختصاصاً مشتركاً لكل هؤلاء الرجال، ويتم ممارستها بأيديهم أنفسهم مجتمعين عقب اتفاقهم على قرار. لكن نفس هذه الإرادات الفردية الحرة، حال اختلافها وتناحرها معاً، كانت كفيلة بنسف كيان القبيلة ذاته لولا وجود رابط غليظ كاد يطمس الحدود الفاصلة بين الإرادات الفردية وإرادة القبيلة الجمعية. القبيلة هي عائلة كبيرة، أو تجمع من العوائل تربط بينها صلات الدم والقربى والمصاهرة. وقد شكلت هذه الوشائج والصلات البيولوجية الجمعية قيداً صُلباً يصعب الفِكاك منه على جميع الإرادات الحرة للرجال الأفراد المكونين لكيان القبيلة، ومن ضمنهم حتى شيخها نفسه. الخروج على إجماع وعُرف القبيلة جريمة تطال عقوبتها الجميع دون تمييز، من أدنى فرد فيها حتى شيخها أيضاً. في النهاية، لا أحد يعلو فوق القبيلة، وآثم يستحق النبذ والطرد وحتى القتل كل من يَشُذُ عن إجماعها.

كان ذلك هو مصير ابن قبيلة قريش ومدعي النبوة، محمد بن عبد الله. لكنه برهن أيضاً على أن الانشقاق عن القبيلة، رغم صعوبته البالغة، لم يكن مستحيلاً. غير أن حالات الانشقاق النادرة مثل هذه ما كانت لتظهر حتى تنزوي سريعاً في لُحمة الوحدة البيولوجية العضوية الناظمة والحافظة لكيان القبيلة. لذلك، فور سيادة محمد وعودته فاتحاً لمكة، سرعان ما التَأمت وحدة القبيلة ثانيةً مع بعض التعديلات في توازناتها الداخلية. كذلك بقيت الآلية التوافقية لصنع وتنفيذ القرارات داخل القبيلة بين بطونها أو مراكز قواها الرئيسة هي نفسها القائمة من قبل.

إضافة إلى نجاحه في الانشقاق لفترة وجيزة على قبيلته ذاته، نجح محمد أيضاً في وضع النواة لحلف بين القبائل داخل مدينته مكة وما حولها. وأيضاً، لم يكن مثل هذا التحالف بالشيء الجديد بقدر ما كان امتداداً لأعراف وتقاليد قديمة ومتبعة وراسخة عبر المنطقة كلها. فكلما لاح خطر مشترك تعجز أي قبيلة وحدها عن صده، أو تبلورت في الأذهان غاية كبرى ترى فيها كل قبيلة عائداً لها، وفي الوقت نفسه تعجز أي منها عن بلوغها منفردة- مثل غزوة واعدة ومُبشرة بغنائم وفيرة تكفي الجميع وتستلزم تضافر قواهم للظفر بها- كان لزاماً على كل قبيلة التنازل عن بعض من إرادتها الفردية الحرة لصالح الإرادة الجمعية للحلف لحين زوال الخطر أو اقتسام الغنائم، ثم ينفض الاتحاد وتعود كل قبيلة لحالتها الحرة السابقة.

وهذا هو ما قد حدث بالفعل فور وفاة محمد. لكن خليفته، أبو بكر الصديق، كان هو من وضع البذرة الأولى لتحول جوهري في طبيعة علاقات القوة والسلطة وممارستهما في حياة وثقافة العرب. أسوة بما سيفعله أبراهام لينكولن في العالم الجديد بعد نحو ألف سنة لاحقة ضد ولايات الجنوب الأمريكي عقب خروجها من اتحاد بدأ طوعياً، أعلن الصديق وخاض حرباً ضد القبائل العربية التي انشقت عن حلف طوعي دخلته بمحض إراداتها الحرة مع النبي محمد. وكان مُقدراً لهذا المنحى الجديد- غير المسبوق في تاريخ وثقافة العرب- أن ينمو ويتطور إلى بُنْيَة سلطة مركزية غريبة ودخيلة بالكامل على أسلوب حياة العرب المعهود حتى ذلك الوقت.

إن الصلة البيولوجية المباشرة التي تربط مكونات القبيلة بعضها ببعض برباط متين غير موجودة بين القبائل في تحالفها مع بعضها البعض. وكان لابد من خلق رابط مصطنع يعوض غياب هذا الطبيعي المفقود. هنا عرضت القوة الباطشة نفسها حلاً مُجرباً وموثوقاً. لأول مرة في تاريخ العرب، تحتم اللجوء إلى استعمال قوة من خارج القبيلة وضد إرادتها الحرة لإخضاعها لإرادة الحلف. هذه العملية بدأها أبو بكر، ثم استكملها عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص، حتى نضجت في عهد معاوية بن أبي سفيان وقيام أول نظام ملكي وراثي في تاريخ العرب. تشكلت أول مؤسسة مهنية لممارسة القوة من خارج رجال القبيلة بإرادتهم الحرة، وحتى من خارج توافق إرادات تحالف القبائل- الجيش النظامي. وطالما كان هذا الأخير يُغني عن الحاجة لقوة أفراد القبيلة وكذلك حلف القبائل، فما عادت هناك حاجة أيضاً لاستشارة هؤلاء وإقناعهم أو العمل على كسب رضاهم وموافقتهم على أي أمر، صغُر أو كبُر، يعتقد أن فيه تهديد أو مصلحة للعامة.

من الآن فصاعداً، سيتجه المنحنى التطوري للسلطة العربية نحو استئصال أي إرادة حرة تهدد بتشكيل قوة معارضة لكيانها. سيتحول رجال القبيلة المتساوون فيما بينهم والقبائل ذات الإرادة الفردية الحرة في علاقاتها مع بعضها البعض في الماضي، إلى مجرد رعية- كتلة صماء وجوفاء فاقدة لأي شخصية حية مميزة بعد فقدانها حرية الإرادة والفعل المستقل. وسينحصر صُنع الرأي والقرار، وممارسة القوة، على قمة هرم اجتماعي/ثقافي/سياسي متناهية الضآلة، في مقابل قاعدة مهولة من الصم والبكم والعمي الذين لا يفقهون من أمر أنفسهم أو دنياهم شيئاً بعدما سُلبت منهم إراداتهم الحرة الطبيعية. وسيتعين على الثقافة العربية أن تتعلم- بالحديد والنار- التكيف مع هذا المتغير الجوهري الجديد، بل وتَشَرُّبه حتى الركود- وصولاً إلى الزمن الحاضر.



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفهوم القوة في العصر الحديث
- تشريح لمفهوم المقاومة في ثقافة العرب
- الذكاء الاصطناعي في الحرب وأثره على الجيوش
- صعود الديمقراطية الأُصولية-2
- مُسائَّلة في غايات طوفان الأقصى
- صعود الديمقراطية الأُصولية
- بوتين من اجتثاث النازية إلى محاربة الإمبريالية
- المقاومة وعسكرة المجتمع العربي وعلاقتها بالتطرف
- تعريف النصر والهزيمة في وعي ثقافة مأزومة
- شَجاعةٌ تَحت الأرضْ: حين يَختل ميزان الخير والشر
- في طوفان الأقصى، زوال إسرائيل أم الإخوان المسلمين؟
- هل تَقْدر الولايات المتحدة على ردع روسيا والصين معاً؟
- بِدَعْ الضلال الست المُهلكة في القرون الوسطى
- الست الموبقات في نظر المسيحية القروسطية
- فَلِسْطين، حكاية شعب
- فِلِسْطين
- ماذا بعد الطوفان؟
- هل تنجح إيران في تغيير قواعد اللعبة العربية؟
- 25 يناير، رد الاعتبار
- انتخابات مصر


المزيد.....




- هجمات داغستان.. السلطات الروسية تُعلن ارتفاع حصيلة القتلى
- مصور يوثق حفرة عميقة وخطرة للغاية بجبال المسمى بالسعودية.. م ...
- ??مباشر: صحة غزة تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم الإسرائيلي إ ...
- لجأ لشركة -غير مرخصة-.. شاب مصري يصف لـCNN وفاة والده المسن ...
- بعد هجوم قوات كييف الإرهابي على سيفاستوبول.. موسكو تستدعي سف ...
- Foreign Policy: الوجود الأمريكي تراجع بشكل خطير في القطب الش ...
- بوتين يوقع قانونا يسهّل آليات حجب المواقع المحظورة في روسيا ...
- اليونان.. وفاة واختفاء عدة سياح بسبب الطقس الحار -غير المعتا ...
- نتنياهو: المعارك -العنيفة- ضد حماس في رفح -على وشك الانتهاء- ...
- إسرائيل تلوح باستخدام أسلحة غير معهودة ضد لبنان وسط مخاوف من ...


المزيد.....

- تأملات في كتاب (راتب شعبو): قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا 1 ... / نصار يحيى
- الكتاب الأول / مقاربات ورؤى / في عرين البوتقة // في مسار الت ... / عيسى بن ضيف الله حداد
- هواجس ثقافية 188 / آرام كربيت
- قبو الثلاثين / السماح عبد الله
- والتر رودني: السلطة للشعب لا للديكتاتور / وليد الخشاب
- ورقات من دفاتر ناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- ورقات من دفترناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الإرادة الفردية والسلطة في الثقافة العربية