أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - علي الوائلي في نصه (صمت) يشخّص حالة الوعي والانقلاب الفكري















المزيد.....

علي الوائلي في نصه (صمت) يشخّص حالة الوعي والانقلاب الفكري


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 7835 - 2023 / 12 / 24 - 11:19
المحور: الادب والفن
    


علي الوائلي في نصه (صمت) يشخّص حالة الوعي والانقلاب الفكري
مقدمة: هموم قصيدة النثر
ثمة رأيان في قصيدة النثر، رأيان لا ثالث لهما، بحسب ما هو مشهور في عالم الأدب والنقد، اليوم، وأعني بـ "اليوم" العقود الخمسة الأخيرة، إلى لحظة كتابة هذه السطور. وثمة تفاوت وردود أفعال معتبرة ازائها.
الأول: هو الهروب من سلطة الوزن والقافية، للدخول في مناطق آمنة، يمارس فيها الشاعر، حريته بالكامل، وهو يسير في هذه المناطق الوعرة، لا يخشى المخاطر والقوانين والالتزامات التي وضعتها تلك السلطة، والخروج منها يصبح ضربًا من الجنون.
الثاني: هناك من يستسهل كتابة النص النثري - القصيدة؛ لذلك نجد كل من هبّ ودب طفق ينثر كلماته، بما يحلو له، وبما يملي عليه فكره البسيط، وثقافته المحدودة في هذا الاطار.
هذا هو ملخص القول المشهور، في الوسط الأدبي، بغضه وغضيضه، بخصوص قصيدة النثر(التي هي اليوم تملي الخافقين). بحسب معرفتي.
والحقيقة، أنا أتفق، الى حدٍ ما، بالرأي الأول، لكن ليس بالمعنى الدقيق، لما يروّجون أصحاب هذا الرأي، لأنّ قصيدة النثر أصبحت لونا قائمًا بذاته، لها من يكتبها بحرفية وابداع وثقة بالنفس؛ لذلك نجد كبار الشعراء اشتغلوا على هذا اللون، فابدعوا أيما ابداع، ليس في العراق فحسب، بل على مستوى الوطن العربي، وهو مما لا ينكره مُكر، إلّا جاحدًا من باب المزاج النفسي.
ونتفق بشدّة مع الرأي الثاني؛ ونقول ثمّة من شوّه هذا اللون من الابداع، بل الصحصح أنّه لم فهم ولا يعي قصيدة النثر، وهم كثيرون جدًا، فهم يخلطون بين القصة القصيرة جدًا، وبين الخاطرة؛ فيمزجون ذلك مزجا عجيبا، ويتصورون أن ما يكتبونه هو قصائد نثرية بالمعنى المتعارف عليه. ولهذا زاد الطين بلة، و وجدت بعضهم يسّطر مجرد كلمات، لا تغني عن شبع القصيدة، ولا تسمن من جوع الابداع؛ فهي كلمات مفككة، وجُمل ليست متسقة، وليس فيها روحية الشعر، ولا وحدة موضوع (كون قصيدة النثر من أهم أركانها: هو وحدة الموضوع)، فضلا عن المباشرة، وركاكة المفردات وفقر الجملة البلاغية. وللأسف أنّ المواقع الإلكترونية، والمنصات الاجتماعية هي مَن جعل المياه الضّحلة تطفو على العذب الزلال.
(الصمت) كنص رمزي
الشاعر علي الوائلي في نصه الموسوم بـ "صمت" الذي هو الآن بين أيدينا، رسم لنا صورة شعرية رمزية، اختصر فيها هموم الكتابة، ومعاناة الكاتب مع القلم الذي، أحيانا، لا يريد أن يطاوعه، حيث الكتابة لا تطاوع صاحبها، إلّا في اجواء خاصة، في طقس مقدّس، في وقت معلوم عند الكاتب، أحيانا يختاره الكاتب بنفسه، لا يأتي بسهولة وليونة، ما لم يستحضر فيما يروم الخوض فيه، عاصرًا مُجّمعًا أفكاره في اجواء يسودها السكون والهدوء؛ ثم يشرع بالحرث على قاع الورق، كي يجني المحصول، كما يفعل الفلاح المزارع.
إذن عملية الكتابة لا تأتي جزافا على حين غرة، ما لم تتهيأ لها الظروف الخاصة المناسبة، وهي معاناة لا يدركها إلّا الكاتب نفسه.
والنص يرمز فيه الشاعر، برمزية عالية، إلى حالة المنع حيث المتسلطون يخافون الكتابة، ويخشون الكاتب، فالكتابة تُهدد عروشهم، وتضربهم بالصميم. الكاتب لا يحارب بالسيف، أو بالمدفع، انما يحارب بالقلم الذي هو أقوى من سلطة السيف والمدفع.
يقول الشاعر:
"لم تزل أوراقي العجاف
تراودني عن قلمي الأبكم
تدعوني للكتابة
رسائلي المشفرة
تغادر مخيلتي
تسكن دفاتر الذاكرة"
معظم الشعراء لهم خصوصيات، في فن الكتابة، نثرّا كانت الكتابة أم شعرًا؛ كذلك الكتّاب والباحثين، وحتى الفلاسفة على وجه الخصوص، لهم تشفير متعارف عليه في عالم الفلسفة والتفلسف، فمن ديدنهم وطبعهم ذلك. وسنذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، الفيلسوف اسبينوزا، لا سيما في كتابه "علم الأخلاق" الذي كتبه على شكل هندسي، ففيه موّه هذا الفيلسوف مفهوم عبارة "الله" والطبيعة، فقد قيل أنّه كان يقصد بـ "الله" الطبيعة، و بـ "الطبيعة" الله. وقيل غير ذلك، إذ أختلف كثير من شرّاح منهج اسبينوزا عشرات المفكرين، والفلاسفة، فلم يتفقوا على رأي بعينه؛ كما يذكر ذلك فؤاد زكريا في كتابه "اسبينوزا" (راجع الطبعة الثانية لسنة 2005، منشورات دار التنوير- بيروت، سلسلة عالم الفكر). وكأن شاعرنا الوائلي، في هذا النص، أراد هذا المعنى بعينه، بدون أن يطّلع على هذا الكتاب تحديدا، مثلما أرى. كما يقولون بأن الشاعر يبدع، ويتنبأ دائما، وكان يفعل ذلك المتنبي، فسميّ بهذا الاسم.
ما مقامي بأرض نخلة .... إلا كمقام المسيح بين اليهود
وقال في القصيدة نفسها:
أنا في أمة تداركها الله ..... غريب كصالح في ثمود
ويستمر شاعنا الوائلي، في نصه، ليصل إلى قوله:
"والمخاوف تحيط تساؤلاتي
من يسلط الضوء على الحقيقة ؟
واللاهثون وراء الظلم كُثُر
من ينزع رداء الخوف عن كتفه؟
والكل يعاني الارتجاف
من يقتل القلق داخلي؟"
الحقائق كثيرة، ولكلّ شيء حقيقته، ذاتيته جوهره؛ وبصورة عامة؛ فأنّ الحقيقة نسبية، أي لا توجد حقيقة مطلقة، بحسب الغالبية العظمى من الفلاسفة.
والباحث عن الحقيقة، متعب دائما، وهو دائم التساؤل ليستكشف، أوجه الحقائق، إلى أن يهده التعب، كما يعبّر الشاعر الوائلي: "والمخاوف تحيط تساؤلاتي". وإلّا كيف نسير بدرب الاستقصاء، والمخاوف تنتابنا، وتقف ازاءنا لتحول بيننا وبين ما نروم، للوصول إلى كنه الحقيقة، لنمسكها من تلابيبها؟.
وعليه يتساءل الشاعر، بعد أن أدرك معرقلات المخاوف: "من ينزع رداء الخوف عن كتفه؟". كون الخوف حالة طبيعية راسخة في النفس البشرية، كردّة فعل معاكسة ازاء حالة معينة، قد يدركها أو لا يدرها الإنسان، لكنها شاخصة أمامه، لأمر أو لآخر. والخوف هو ليس مخصوص بالإنسان وحده وحسب؛ وانما يوجد حتى عند الحيوان، ويكمن فيه، فالحيوانات الضعيفة دائما تخاف من الأخرى، الأكثر قوة وشراسة منها. وهكذا الامر لكل المخلوقات التي تدب على الأرض، وحسب غريزتها التي منحتها لها الطبيعة. الشاعر يريد القول بأن المخاوف لا يمكن أن نزيحها عن كاهل الانسان، بحيث لا يشعر بوجودها حتى وإنْ كان يجد ريح الخوف تمر قبال أنفه، فذلك من الصعب عليه بمكان.
والسبب كما يشرح الشاعر، وعلاوة على مما سبق قولنا، ثمة قضايا بالإنسان هي بالصميم:
"والكل بلا مأمن
من يُهدر الماء على صدور تحترق ؟
والكل يعاني الجفاف
الصمت يهيمن
رغم ثرثرة الجميع".
وكلها مخاوف يعيشها الإنسان منذ آلاف السنين، ومن وجهة نظري الخاصة، إنّ الشاعر اختصر تاريخ البشرية كلها، بهذا النص الغارق بسمو معانيه.
وحقيقة، النص متكامل، ويسير على نسق واحد، يصور فيها الشاعر صورة انسانية، تنبض بمعانٍ جسام، ومن عمق الواقع الإنساني، الذي تعيشه البشرية، واقع يجسّد صميم واقعنا العربي برحمه، وما يضفي عليه من ظلم واضطهاد للإنسان، وسط هجمة شرسة تستهدف عمق الوعي والفكر النيّر، ويراد منه (أي الظالم والمستبد) زعزعة القواسم المشتركة، بين طبقات المجتمع الواحد، من على سطح المعمورة.
ويختم الشاعر نصه:
"والسكون يعم الكوكب
رغم ضجيج الكون
والحفاة يرسمون الهجرة
على طرقات احلامهم
علّهم يجدون أحذيتهم
تنتظرهم بالجانب الآخر".
وهذه هي ختامية موفقة بتصوري، عبّر بها الشاعر، عن احساسه ازاء حالة مُشخّصة، لتكون ذات ابعاد فلسفية تصب في خدمة قضايا الكثيرة، قضايا مشبّعة بالحيف من قبل أناس بعينهم جعلت من أنفسها خصما للفرد وللمجتمع معًا. واعتقد أن الشاعر وفُق بذلك.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل إلى الله!.. الرسالة (1)
- الأسئلة الفلسفية في قصيدة (زمن قميء) للشاعر أحمد مانع الركاب ...
- القاص حميد عمران الشريفي أمام وجوه راقصة
- مدينة الشاعر خالد القطان تأكل عيون ابنائها!
- القاص عبد علي اليوسفي يعزف على أوتار الذاكرة
- أدلة على أن المعري شيخ البلغاء والمتكلمين
- الشاعر حازم الشمري يرثي طفولته ويُودَّع عيديَّةُ العيد
- حكايات لا نخوض بتفاصيلها
- تحت طائلة المُقدس
- المعري وطه حسين*
- نذور تقلع الأضرحة
- فداحة النّدوب
- نستدرجُ الأوزار
- منعطفات تلوّح بالذبول
- جادة المهرب
- الإذعان يخضع للنتائج
- لفت نظر
- نوافذ مغلقة
- بؤس الطريق
- ارشفة الفائض


المزيد.....




- السفارة الروسية في بكين تشهد إزاحة الستار عن تمثالي الكاتبين ...
- الخارجية الروسية: القوات المسلحة الأوكرانية تستخدم المنشآت ا ...
- تولى التأليف والإخراج والإنتاج والتصوير.. هل نجح زاك سنايدر ...
- كيف تحمي أعمالك الفنية من الذكاء الاصطناعي
- المخرج الأمريكي كوبولا يطمح إلى الظفر بسعفة ذهبية ثالثة عبر ...
- دور النشر العربية بالمهجر.. حضور ثقافي وحضاري في العالم
- شاومينج بيغشش .. تسريب امتحان اللغة العربية الصف الثالث الاع ...
- مترو موسكو يقيم حفل باليه بمناسبة الذكرى الـ89 لتأسيسه (فيدي ...
- وفاة المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد عن 70 عاما
- بسررعة.. شاومينج ينشر إجابة امتحان اللغة العربية الشهادة الا ...


المزيد.....

- أبسن: الحداثة .. الجماليات .. الشخصيات النسائية / رضا الظاهر
- السلام على محمود درويش " شعر" / محمود شاهين
- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - علي الوائلي في نصه (صمت) يشخّص حالة الوعي والانقلاب الفكري