أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - حاتم الجوهرى - العرب بين الكوزموبوليتان والجلوبال: مفارقة النمط الثقافي في القرن الـ21 وبدائله















المزيد.....


العرب بين الكوزموبوليتان والجلوبال: مفارقة النمط الثقافي في القرن الـ21 وبدائله


حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)


الحوار المتمدن-العدد: 7754 - 2023 / 10 / 4 - 02:47
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


مقدمة: مأزق اللحظة التاريخية الراهنة ومركزها الثقافي
يقف العالم الآن أمام لحظة تاريخية فارقة تتكرر على فترات متباعدة من التاريخ الإنساني، حينما يصل نموذج حضاري ما بشكله الثقافي الناعم وبتراكمه التقني الخشن إلى مرحلة الانسداد والتفسخ والإفلاس، وتصبح الحالة البشرية عامة في مخاض صعب وتتدافعها عدة عوامل متناقضة ومتنافسة، ما بين محاولة النمط الآفل التشبث بالحياة ومد فترة بقائه حيا مهيمنا، وبين محاولات الجماعات البشرية الأخرى التقدم للأمام ومنح الظاهرة البشرية قبلة حياة جديدة، ونمط حضاري جديد يبدأ بفكرة ناعمة تدفع الحماس في عروق أهلها، ليقدموا تراكما تقنيا عاما جديدا.
وفي واقع الأمر مع نهاية القرن العشرين تعاطت الذات العربية –مثلها مثل جميع الذوات والجماعات البشرية الأخرى في العالم- مع مفهوم جديد للثقافة العالمية أنتجته الذات الغربية عبر تمثلها الأمريكي تحديدا والذي تصدر الحضارة البشرية وتراكمها التقني أيضا، حيث شهدنا تحول النمط الثقافي السائد عالميا في الغرب إلى ما عرف بمفهوم الـ"Globalization" أو "العولمة"، وهي المفردة التي تُشتق من الكلمة "Globe" بمعناها الذي يشير إلى "الكرة الأرضية"، وإذا أجرينا درسا مقارنا عن مفهوم "النمط الثقافي" السائد عالميا قبل ذلك بفترة والمفهوم الذي كان يستخدمه الغرب ذاته، سنجد أن الأدبيات تحيلنا إلى مفهوم الـ"Cosmopolitan" الذي راج عربيا في صيغته "كوزموبوليتانية" أو "كونية"، والمشتق من المفردة "Cosmos" بمعنى "كون" .

وهنا يُطرح السؤال ما الدلالة الثقافية والتفسير لتحول الغرب من مفهوم "الكوزموبوليتانية" إلى "العولمة"، وهل كان هذا تطورا ثقافيا نحو الانفتاح والتحرر أم نحو الانغلاق والتقيد، وبشكل أوضح هل كان يشير إلى "التعدد الثقافي" (Multiculturalism) أم يشير إلى "الأحادية الثقافية" (Monoculturalism)!

الكوزموبوليتانية حتمية التعايش
بين التنوع والتعدد الثقافي
بداية على المستوى التاريخي دعونا نقول أن مفهوم "الكوزموبوليتانية" كان يشير عادة إلى ثقافة المدن ذات التعدد والتنوع الثقافي، وتحديدا إلى مدن البحر المتوسط حيث تعاقبت وتجاورت طبقات من الجماعات البشرية وتمازجت وتعايشت (في شمال مصر ومنطقة جنوب اليونان وساحل بلاد الشام، قبل أن تتمدد غربا في سواحل شمال وجنوب البحر المتوسط عموما)، وكونت ثقافة متجانسة تقوم على السفر والترحال والحركة والانتشار والتكرار والمشابهة أيضا، لأن معظم العناصر الثقافية المتنوعة والمتعددة نفسها تكررت وتبادلت الوجود والمنافع التجارية في حوض البحر المتوسط ومدنه.
من ثم كان النمط الثقافي المعبر عنها والذي يشير إلى فكرة "النمط الثقافي الرائج عالميا" يعبر فعليا عما هو "عالمي"، لأن ما هو عالمي بهذا المفهوم كان يشير إلى مجموعة الثقافات والعادات التي تشكلت من تمازج وتعايش جماعات بشرية متنوعة في حوض البحر المتوسط، من ثم كان معنى "عالمي" يرتبط بالتعدد والتنوع والثقافي، وليس بثقافة ما بعينها، وكانت "الثقافة الكوزموبوليتانية" تعني ثقافة المدن البحرية التي أصبحت محطات تجارية يؤمها الجميع لتبادل المصالح والمنافع والمنتجات، وتلك نقطة مهمة للغاية فهنا وظيفة تلك المدن في استقبال الجميع سواء طوعا أو كرها –عبر غزوات الطامعين أو الباحثين عن المزيد من الموارد- فرضت عليها تلك الثقافة المتعددة "الكونية".

الجلوبال شيوع ثقافة بعينها
وتبنيها من قبل الثقافات الأخرى
لكن حين نعود إلى المفهوم الجديد الذي قدمته الذات الغربية في نهايات القرن العشرين أي الـ"Globalization" أو "العولمة"، سنجد أنه ارتبط بسيادة "ثقافة واحدة" ولم يعبر أبدا عن فكرة التعدد والتنوع الثقافي التي كان الغرب يزايد بها على الجميع، فلقد ارتبط بسيادة النمط الثقافي الأمريكي على وسائل الحياة المعاصرة الناعمة والخشنة، وتلك نقطة مهمة للغاية في رصد النمط الثقافي وآلية انتشاره وسيطرته، أي أن النمط الأمريكي في وسيلته للانتشار قام على امتلاك مسارات الحياة المادية أو الخشنة، مثل طريقة الحياة في المطاعم والأزياء واللغة ذاتها، وفرض هذه المسارات من خلال وسائل إعلام جديدة ومهيمنة واسعة الانتشار (Mass Media) اعتمدت على السينما والإعلام المرئي والصحافة والمراكز الأكاديمية والثقافية، حيث ظهر هنا مفهوم "القوة الناعمة" أي القبول الطوعي بالثقافة الأمريكية من خلال إلحاحها على الذهن وتكرارها وجاذبيتها دون إكراه عبر الإلحاح والشيوع والتكرار والترويج المستمر...


ما بعد هزيمة الماركسية اللا طبقية
من "الكونية" والتعدد إلى "الكوكبية" والأحادية
وكان ذلك أيضا بعدما طرحت الذات الغربية تصورا مهما للوجود العالمي، باعتباره "صراعا حديا" بين ثنائية مقدسة ومطلقة لا يوجد بعدها في الوجود البشري، وهي فكرة الصراع الثنائي بين المثالية المطلقة المسيحية الرأسمالية (التي طورها الفيلسوف الألماني هيجل)، وبين المادية المطلقة الإلحادية الشيوعية (التي طورها تلميذه ماركس نقلا عنه).
من ثم تصور البعض أن انهيار امبراطورية الاتحاد السوفيتي (امبراطورية الشر كما كان يصورها الإعلام الغربي المسيحي) يعني أن السيادة المطلقة أصبحت من نصيب المثالية المسيحية المطلقة الرأسمالية التي تمثلها أو التي ورثت مشروعها دولة "الليبرالية الديمقراطية" في أمريكا، ومن ثم بالتالي أصبح النمط الثقافي الأمريكي له السيادة، خاصة مع وجود ترويج عالمي لفكرة الاستقطاب الثنائي بين المادية والماركسية، وتحويل العالم كله إلى كتلتين كبيرتين تم غسيل مخهما ليتخيلا أن هذا هو محور وجود البشر الجديد والمطلق!
حيث أنتجت الذات الغربية في تلك اللحظة مفهوما جديدا للتعبير عن تخيلها للنمط الثقافي الجديد السائد عالميا، وهو مفهوم الـ"Globalization" أو "العولمة" الذي ترجمه البعض بمعنى يبدو أكثر دلالة وهو "الكوكبية"، وهي ترجمة دالة لحد ما، حيث تشير إلى أن الذات الغربية انتقلت من مفهوم "الكونية" (الكوزموبوليتانية) إلى ما هو أضيق "الكوكبية"، انتقلت من "الثقافة الكونية" التي تسع الجميع وتقوم على التعدد، إلى وهم "الكوكبية" والسيطرة على كوكب الأرض، من خلال سيطرة الثقافة الأمريكية، وهو ما جعل البعض يعتبر أن الـ"Globalization" أو "العولمة" تشير في حقيقتها إلى "الأمركة" (Americanization).


النظرية المطلقة والأزمة الحقيقية للذات الغربية
ونسقها الثقافي العميق
وفي حقيقة الأمر لا يمكن نقد "العولمة" أو "الكوكبية" وثقافتها؛ دون نقد فكرة "النظرية المطلقة" (Absolute theory) وثقافتها بين الليبرالية والماركسية، واعتبارهما نهاية الفكر البشر ولا يمكن تجاوزهما أو تجاوز خرافة أنهما ذروة الوجود البشري، لأن النظرية المطلقة تلك تشبه مركز النسق الثقافي العميق للذات الغربية، والذي يمسك بها من كل الزوايا ويرفض أن يعتقها ويمنحها الحرية..
نشأت النظرية المطلقة عند الفيلسوف هيجل في ألمانيا عندما كانت ألمانيا تسمى "بروسيا" وعندما كانت ملكية، حيث اعتبر هيجل أن أزمة الفلسفة البشرية تقوم على فكرة الحدية أو الصراع بين الأفكار المتضادة، وتحديدا بين جناحي الفلسفة أو الطبيعة البشرية عبر التاريخ والصراع بين المادية والمثالية، فطور فكرة مركزية للجمع بينهما –في تخيله- والقضاء على الأزمة البشرية المستمرة منذ القدم وسماها النظرية المطلقة، وهي فكرة الجدل أو الجمع بين النقيضين (المثالي والمادي) أو المثالية المطلقة، وقدم دور الدولة الملكية المسيحية بوصفها التمثل لهذ الفكرة المطلقة، والتي ستقوم على فكرة الطبقية والتحكم في التراتب الاجتماعي في المجتمع، بهدف تطويره باستمرار تحت سلطة الملك والكنيسة، وبهذا يحل مشكلة الدنيا (المادية) والدين (المثالية) ويقدم –من وجهة نظره- نظرية مطلقة ونهائية لوجود البشر وحياتهم وأزماتهم في الأرض!
ولكن أزمة النظرية المطلقة وثقافتها المتعالية عند الذات الغربية لم تقف عند هذا الحد، فلقد كان لهيجل تلميذ يميل للفكر المادي، سيقوم بتغيير فلسفة هيجل قليلا ويعكس نظريته المطلقة لتعبر عن المادية المطلقة، وليس كما طرح هيجل عن المثالية المسيحية المطلقة، وهذا التلميذ هو كارل ماركس، حيث سيقدم ماركس تصورا يقوم على أن اللا طبقية هي الحل النهائي والمطلق للوجود البشري، وأن دولة العمال العريضة هي الهدف والحل لأزمة البشر عبر التاريخ (وليس دولة النخبة والدين والملك)، وأن النظرية المطلقة الحقة تقوم على حل الجدل المادي المثالي حلا ماديا ينتصر في نهاية المطاف لقوى العمل، وصولا إلى الدولة العمالية العالمية واللا طبقية، عكس ما طرحه هيجل عن الدولة الملكية الطبقية.

القرن الـ 21 تعدد أقطاب ثقافي أم إعادة إنتاج للثنائية الحدية الغربية
حقيقة الصعود الصيني والتحدي الروسي للغرب

من زاوية أخرى حين نعود لصلب الموضوع ويطرح السؤال حول اللحظة التاريخية الراهنة وجوهرها الثقافي في حقيقته و"النمط الثقافي السائد عالميا"؛ وهل يوجد بديل ثقافي جاد لمشروع العولمة/ الكوكبية/ الأمركة! وكذلك ما علاقة العرب بالموضوع إلى جوار الجماعات البشرية والتمثلات الثقافية الأخرى؟
سنجد البعض في هذا السياق يعتبر أن الصعود الصيني والتحدي الروسي للغرب، يعد قلقا وتحديا لمشروع الهيمنة الثقافية الخاص بالعولمة، حيث تطرح الصين نفسها كقوة اقتصادية بوضوح وكقوة ثقافية بدرجة أقل – من خلال طريق الحرير وفعالياته-، وتطرح روسيا نفسها كقوة كبرى تمتلك من الموارد والتفوق العسكري ما يمكنها من ردع التمدد الغربي نحوها.
ولكن هل في حقيقة الأمر يعد الحراك الصيني الروسي بديلا ثقافيا منافسا لمشروع العولمة أم لا! الإجابة التي قد تكون صادمة للبعض، أن هذا الحراك ليس بديلا أبدا عن مشروع العولمة الثقافية وليس عبورا بالتجربة البشرية للأمام..
لأن هذا الحراك لا يطرح تصورا ثقافيا جديدا بقدر ما يعيد إنتاج تصورات قديمة، وذلك على عكس ما قد يتخيل البعض لأن الصين في جوهر مشروعها الوجودي تنتصر للنظرية المطلقة الأوربية في شكلها الماركسي، من خلال الحزب الشيوعي الحاكم رغم تحول سياساتها إلى الشكل الليبرالي في كثير من المجالات، وفي علاقة الصين الرسمية بثقافتها التاريخية تنتصر لازالت للتصورات الشمولية الماركسية المطلقة على إرث الكونفشيوسية رغم توظيفها له كأداة للتمايز والتفاعل الثقافي النسبي مع الآخرين.
أما روسيا؛ وفي تصورها الوجودي الجديد الراهن تنتصر للأشكال الليبرالية مثلها مثل الصين، لكنها على المستوى الثقافي قدمت شكلا جديدا للنظرية المطلقة (ليس بين الماركسية اللاطبقية الشيوعية وبين الهيجلية الطبقية الليبرالية)، يتمثل في نظرية "الأوراسية الجديدة" التي تعتبر مركز العالم ووجوده يقوم على صراع حدي بين جانبين يمثلا الذات الأوربية/الغربية أيضا، وهما جرمان البحر الأطالسة نسبة إلى المحيط الأطلسي وغرب أوربا وتمثلهم أمريكا (ورثة القبائل الجرمانية الغربية التي سيطرت على أوربا الغربية) وبين جرمان البر الأوراس نسبة إلى منطقة أوراسيا التي تقع بين قارة أوربا وأسيا (ورثة القبائل الجرمانية الشرقية التي سيطرت على أوربا الشرقية) وتمثلهم روسيا.


الذات العربية والبديل المهمش
الذي ينظر له الجميع بدونية واستخفاف

على الجهة الأخرى تقف الذات العربية في زاوية وحيدة ومتفردة لا يلتفت إليها المعظم أو يتجاهلونها عن عمد، حيث قدم القرن الحادي والعشرين تجربة ثقافية جادة في موقفها من المسألة الأوربية والنظرية المطلقة (ماركسيا وهيجليا)، وهو ما جرى في العقد الثاني من القرن الجديد وتمثل في مشروع الثورات الشعبية العربية بموجتيها في بداية العقد وفي نهايته، وهي ثورات شعبية لأنها خرجت بعد تفكك التمثلات الأيديولوجية العربية (إرث المسألة الأوربية) يمينا ويسارا ولأنها خرجت بشعارات ومطالب ترفض الأشكال السياسية الجاهزة، على عكس مما تم استخدامه لتفكيك زخم هذه الثورات وحضورها عبر توظيف اليمن واليسار في كل الدول العربية، حتى يصل الأمر لحالة الانسداد وإعادة إنتاج التمثلات القديمة نفسها.
ورغم وضوح خطاب الشعوب العربية في رفضها للبدائل الثقافية الأيديولوجية يسارا ويمينا، إلا أنها لم تجد صوتا أو كتلة ثقافية متجانسة جديدة تعبر عنها بدرجة الوضوح نفسها، لأن الخطاب الثقافي العربي ما زال -في جوهر نسقه الثقافي- أسيرا للاستقطابات ذاتها التابعة للمسألة الأوربية، والشعارات الديماجوجية ذاتها بين اليمين وفرق الدين السياسي من جهة وبين اليسار والليبراليين من جهة أخرى، مع الإشارة إلى جمود "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي في العالم العربي بمركزها وكتلتها الرئيسية التي تمثلها المؤسسات العسكرية ودورها المدني.

كيف يمكن شق الطريق للمستقبل
وإنقاذ البشرية من وهم النظرية المطلقة والأحادية الثقافية (المستترة أو الظاهرة)!

لن نكون متشددين إذا قلنا أنه في حقيقة الأمر؛ مفهوم "الثقافة العالمية" أو "النمط الثقافي العالمي" سواء كان في ثقافة القرن العشرين أو ثقافة القرن الحادي والعشرين، كان مفهوما يدل على "ثقافة أحادية" رغم كل الدعاية والبروباجندا، ورغم سياسة القطبين والصراع الثقافي بين شرق أوربا (اللاطبقي الشيوعي الماركسي) وغرب أوربا (الطبقي الرأسمالي الهيجلي) التي سادت في القرن العشرين، ثم انتصار ثقافة الغرب في تمثله الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين، لأن الحالتين كل منهما تعبر عن فكرة "النظرية المطلقة"، وخرافة أن الغرب في لحظته التاريخية الحالية هو ذروة التطور البشري ونهايته، ولا تطور بعده..
من ثم لا يمكن تصور مستقبل للبشرية إلا بظهور بديل للمسألة الأوربية/ الغربية وخرافة النظرية المطلقة تلك، والحقيقة أن الذات العربية رغم كل العشوائية التي قد تبدو عليها إلا أنها تعد الأمل الحقيقي للبشرية في تجاوز المسألة الأوربية وخرافة النظرية المطلقة أحادية التصور الوجودي للنسق الثقافي البشري برمته، ولكن كيف يمكن ذلك، في ظل التراجع العربي الشديد والحصار الذي تعرضت له الثقافة العربية! وأدى إلى انكماشها داخل الجغرافيا السياسية الخاصة بها، لصالح المشاريع الثقافية الإقليمية المتنافسة معها مثل: (الصهيونية- الأفروسنتريك- العثمانية الجديدة- المشروع الشيعي الإيراني)، ناهيك عن مواجهة المشاريع الثقافية الكبرى الجديدة للمسألة الأوربية بين الشرق والغرب.

المفصلية الثقافية الكامنة
و"الدورات الثورية" بديلا "للدورات الحضارية"
في المستوى الواقعي لبزوغ الذات العربية على صعيد "النمط الثقافي العالمي" كبديل لتجاوز المسألة الأوربية وخرافة النظرية المطلقة؛ سيكون علينا اعتماد عدة مفاهيم وتصورات فلسفية وثقافية بديلة وجديدة، أولا اعتقدت الذات الغربية/ الأوربية أنها وصلت لذروة الدورة الحضارية البشرية عبر فلسفة النظرية المطلقة للجدل بين المادية والمثالية (سواء كانت الأولوية للمثالية عند هيجل أو الأولوية للمادية عند ماركس)، وطرح بعض مفكريهم مثل توينبي مفهوم الدورة الحضارية التي تشمل صعود وهبوط جماعات بشرية وتبادلها سيادة النموذج البشري منذ القدم، من ثم يمكن أن نطرح مفهوما جديدا يتمثل في مفهوم "الدورات الثورية"، وأن التاريخ عبارة عن دورات من الثورات المركزية تخلق كل منها "مفصلية ثقافية"، تؤدي لبناء "تراكم حضاري" جديد وظهور حضارة جديدة، وأن التاريخ عبارة عن مجموعة من الدورات الثورية المركزية.
وفق هذا التصور والفلسفة البديلة للتاريخ باعتباره مجموعة من "الدورات الثورية" تتبادلها الجماعات البشرية، سوف نطرح تصورا يتماهي مع الذات العربية في لحظتها الرهنة، وأنها قدمت لحظة ثورية مركزية جديدة في القرن الحادي والعشرين، وأن هذه اللحظة الثورية تملك "مفصلية ثقافية كامنة" تؤهلها لتشكيل وبناء "تراكم حضاري" جديد، يستعيد فكرة "الثورات القيمية والثقافية" بوضوح التي تتمرد على خرافة "المسألة الأوربية" وأنها تمثل نهاية التاريخ وذروته، وعلى مستوى النظرية المطلقة ذاتها بين المثالية والمادية سوف تطرح الذات العربية أنه لا حل مطلق لها سوى استمرارية وديمومة الدورات الثورية، التي تعيد ترتيب العلاقة القيمية (المثالية) والواقعية (المادية) عبر خلق تراتب اجتماعي جديد في كل مرحلة تاريخية، يقوده مجموعة من أصحاب "القيم الإنسانية العليا" لبناء نموذج دولة رائدة يجدد الوجود البشري ويمنحه الإلهام كل فترة، وأن الأصل هو "التجدد الثوري" وليس "المطلق الثوري" أو "النظرية المطلقة" كما تطرح خرافة المسألة الأوربية عند ماركس أو هيجل.. وأن الجماعة البشرية التي تتصدر كل دورة ثورية لن يكتب لها، أو لنمطها الثقافي الاستمرار والديمومة.
وأن التراكم الحضاري الخاص بكل "دورة ثورية" يقوم على تفعيل "الحاضنة الجغرافية" للجماعة البشرية التي تنطلق منها، والتي قد تمتلك جاذبية طوعية وبنية ثقافية تاريخية تجعلها تتمدد في الجغرافيا الثقافية الخاصة بها، لتنشأ الحاضنة الثورية العامة لها، لكن هذا التراكم الحضاري أيا كان شكله غير مقدر له الدوام أو أن يكون تصورا مطلقا كما تَصور العقل الأوربي/ المتطرف في رؤيته للحياة في مرحلة ما بعد العصور الوسطى، أو مرحلة صعود العقل الجرماني المتطرف الذي كان قد خرج من الغابة والبرية لتوه (من شمال أوربا وشبه الجزيرة الاسكندنافية)، والتي تعارفت الأدبيات على تسميتها بـ"الحداثة".
أي أن الذات العربية سوف تسعى لتقديم نموذج إنساني ومفصلية ثقافية جديدة للعالم، لكنها سوف تكون واعية لسنة الحياة البشرية ونظرية "الدورات الثورية"، وأن هذا النموذج غير مقدر له الدوام، إنما سيكون عتبة كبرى في سبيل خروج الإنسانية من كهف النظرية المطلقة الأوربية، قبل أن يصاب بدوره بالجمود والتراخي، لتخرج جماعة بشرية أخرى بدورة ثورية جديدة لتستمر سنة الحياة.

أزمة الذات العربية والصهيونية:
مخلفات المسألة الأوربية وإرثها الثقافي
الليبرالي/ الماركسي/ الوجودي
وهنا يجب الإشارة إلى كابح وجودي وضعته المسألة الأوربية في قلب الذات العربية، ويمكن تسميته بأبرز المخلفات الثقافية لها، ألا وهو الصهيونية ونسقها الثقافي بأشكاله المتعددة الذي يقف كحارس للخراب وتأكيد التناقضات الثقافية وتجميد ممكنات الذات العربية وفرصها المستقبلية، ذلك لأن الصهيونية تستمد وجودها المباشر من خرافة المسألة الأوربية نفسها، وهو ما لا يلتفت له الكثير من الباحثين العرب ولا يدركون خطورته ودوره المركزي.
حيث أن الصهيونية في علاقتها بالنظرية المطلقة المثالية عند هيجل، تستمد حضورها من الغرب الأوربي وتحديدا الثقافة الأنجلوساكسونية أو الجرمانية عموما، التي طورت نسقا ثقافيا دينيا يقوم على الربط الديني بين اليهود والمسيحية الجرمانية أو البروتستانتية تحديدا يسميه البعض "الصهيونية المسيحية"، يقوم على الربط بين مشروع "إسرائيل" واحتلال فلسطين وبين التصورات الدينية المسيحية ذاتها، وفي السياق ذاته لعلاقة إسرائيل بنظرية المثالية المطلقة عند هيجل يقدمها الغرب في هذا السياق بوصفها واحة الديمقراطية والليبرالية في صحراء من الاستبداد والرجعية.. أي تستمد "إسرائيل" من "النظرية المطلقة" و"المسألة الأوربية" عند هيجل حضورا دينيا (الصهيونية المسيحية) وحضورا دنيويا (الديمقراطية الليبرالية).
ومن "النظرية المطلقة" المادية عند ماركس والشرق الأوربي تستمد "إسرائيل" عدة روافد قوية، الأول نظري يقوم على نظرية "الصهيونية الماركسية" التي طرحها اليهودي الروسي الماركسي بيير دوف بيرخوف، وقدمت مشروع توطين يهود أوربا واحتلالهم لفلسطين بوصفه مشروعا تقدميا يحل مشكلة اليهود عبر التاريخ، باعتبارها أزمة تراتب طبقي مشوه تغيب عنه كتلة العمل المركزية، ومن أجل تصحيح هذا الأمر يجب تجميع اليهود من أوربا والعالم في مجتمع طبقي صحيح التراتب خاص بهم في فلسطين، وبعد إقامة هذا المجتمع كهدف أول ينتقل المجتمع أو الدولة الجديدة تلك للمشاركة في مشروع المادية المطلقة لبناء دولة عمالية عالمية مثلها مثل كل أتباع المادية المطلقة، أما الرافد الثاني الذي تستمده الصهيونية من "النظرية المطلقة" المادية فيرجع إلى لينين الشخصية التاريخية التي وضعت النظرية على الأرض في الاتحاد السوفيتي، حيث استقبل لينين في عشرينيات القرن العشرين ممثلي تيار "الصهيونية الماركسية" ومنحهم صكا بالاعتراف بشرط أن يتحولوا –وفق تصوره- إلى طليعة تقدمية في الشرق الأوسط تدعم مشروع النظرية المطلقة المادية لبناء دولة عمالية عالمية (وذلك عند مشاركة ممثلي الصهيونية الماركسية في الاجتماع الدولي المعروف بالكومينترن أو الأممية العالمية).
وكذلك يبقى القول إن للصهيونية رافدا آخر يستمد قوته من المسألة الأوربية ونظريتها المطلقة من زاوية أخرى ترجع للفلسفة الوجودية عند سارتر، وعلاقة الوجودية بالنظرية المطلقة تتلخص في أنها وضعت لنفسها طريقا خاصا في علاقتها بفكرة نهاية التاريخ والمسألة الأوربية وجدلها بين المادية والمثالية، يتلخص في التمركز حول الذات الفردية وقدرتها على اختيار وعي فردي يحررها من الأنماط الجاهزة (وإن كانت الوجودية تميل عموما للمادية)، حيث قدم جان بول سارتر أشهر فلاسفة الوجودية نظرية لـ"الصهيونية الوجودية" تعتبر مشروع تجميع يهود أوربا والعالم في فلسطين، هو أعلى وعي جمعي ليهود العالم في سبيل بناء وجود فاعل خاص بهم يتمرد على الصورة النمطية التاريخية الجاهزة التي يعاملهم العالم بها.
من ثم لابد من التسليم بأنه لانعتاق العرب من الصهيونية بوصفها مشروعا ثقافيا يتصل مباشرة بالمسألة الأوربية ونظريتها المطلقة (ليبراليا وماركسيا ووجوديا)، لابد لهم من طرح تصورات تنطلق من أفق ما بعد المسألة الأوربية وتفكيك نسقها الثقافي الذي يقع في غوايته معظم المثقفين العرب (بمختلف تصوراتهم الأيديولوجية المطلقة ماديا أو ليبراليا)، ومن ثم تصبح المفصلية الثقافية العربية ومفهوم الدورات الثورية وسيلة وآلية مركزية لانعتاق العرب من الصهيونية ومن الهيمنة الثقافية الأوربية/ الغربية في آن واحد، أي أن تفكيك الحاضنة الغربية حقيقة للصهيونية ينطلق في الوقت ذاته من مشروع المفصلية الثقافية العربية الجديدة وتحققها، وتحولها لنسق ثقافي كامن ومتحقق فعليا.


خاتمة: النمط الثقافي العالمي والمفصلية الثقافية الكامنة بديلا
النمط الثقافي العالمي السائد حاليا يفتقد لفكرة الآخر الثقافي وحضوره الجدي، سوى بشكل هامشي ورمزي، ولا يحقق "النمط الثقافي للعولمة" –في جوهره- وبدائله الراهنة فكرة التعدد والتنوع الثقافي الفعلي في الأنساق والتصورات الكبرى للظاهرة البشرية، بسبب خرافة النظرية المطلقة التي هي مركز التصور الثقافي الوجودي للغرب.
وربما أصبحت فكرة "الثقافة الكوزموبوليتانية" حاضرة على المستوى الفرعي والمحلي في مدنها التاريخية كإرث قديم ومتوارث، لكنها ليست هي السمة أو النمط الثقافي السائد حاليا، سوى على مستوى المظاهر وتجاور الأشياء لكن يظل وهم المسألة الأوربية وخرافة النظرية المطلقة هو القيمة الثقافية الحاكمة والمهيمنة، خلف مظاهر التعدد والتنوع الظاهري تلك.
ويظل النمط الثقافي الذي له فرصة كامنة وممكنة بأن يصبح بديلا للنمط الثقافي الغربي السائد حاليا ومحاولة إعادة إنتاجه، هو النمط الثقافي المرتبط بالذات العربية ومشروع الثورات الشعبية الخاصة بها في القرن الحادي والعشرين، وذلك مع الاتفاق على نظرية "الدورات الثورية"، وحين تبدأ نظرية "الدورات الثورية" تلك في أخذ مكانها باتفاق الجماعة البشرية التي تنتمي لها، على الوعي بأهميتها ودورها عبر التاريخ، من ثم تجاوز الاستقطاب وتفجير التناقضات حولها، ذلك سوف يجعل "مفصليتها الثقافية الكامنة" مشتركا مجتمعيا وثقافيا تلتف حوله تلك الجماعة البشرية، بما يضعها على بداية الطريق الحقيقي والجاد لبناء "تراكم حضاري" خاص بها.
ويجعل من مفصليتها الثقافية وما ارتبط بها من فعاليات وتمثلات ومفاهيم "نمطا ثقافيا عالميا" جديدا، يتم تبنيه بشكل طوعي ناعم من قبل العديد من الجماعات البشرية الأخرى، ويتفاعل مع إرثها الثقافي في شكل ثقافي جديد للنمط الثقافي العالمي، وذلك حتى تظهر دورة ثورية جديدة ومفصلية ثقافية جديدة تجدد الوجود البشري مرة أخرى، في استمرار لسنة الله في الأرض.. حتى يرث الله الأرض ومن عليها في موعد يعرفه هو وحده علام الغيوب.



#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)       Hatem_Elgoharey#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إدارة التناقضات الدولية وبدائلها الممكنة: العرب بين البريكس ...
- تحديات القوة الناعمة الداخلية لدولة ما بعد الاستقلال بالقرن ...
- معرض الحرف التراثية والمنتجات اليدوية.. تحية للسفارة اليمنية
- الفساد والمسئولية السياسية والقانون بين الشركات والهيئة في ا ...
- القرار 179 وسياسات هيئة المجتمعات والتوافق المجتمعي بالعبور ...
- مطالب الأرض غير المخصصة للنشاط الزراعي بالعبور الجديدة ولقاء ...
- تصريحات الخارجية اليمنية بين المشترك الثقافي وهندسة المصالح
- الدستور والقانون.. في لقاء هيئة المجتمعات بصغار ملاك العبور ...
- في إدارة تنوع المتون العربية وتفكيك تناقضاتها
- المتون العربية بين الكتلة الجغرافية والجغرافيا الثقافية الرا ...
- المتون العربية الجديدة بين دوري الثقافة والحضارة
- المتون العربية وتفكيك غواية الأيديولوجيا المضادة
- مناهج وفلسفات: منهج الدرس الثقافي الحر/ القيمي
- مفاهيم وفلسفات: الذات العربية المختارة
- مفهوم المتون العربية وفلسفته في القرن ال21
- إعادة توظيف التراث ومستودع الهوية المصري
- الإبراهيمية بين حوار الأديان وصدام الحضارات.. أزمة الفهم وال ...
- زوبعة بيت العائلة الإبراهيمية في سياقها الثقافي.. أم سياقها ...
- الدراسات الثقافية العربية المقارنة بين فلسفتين
- استعادة المتن العربي وفرضية الجغرافيا الثقافية الرافعة


المزيد.....




- مقتل فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي بعد مزاعم محاولتها طعن ...
- الدفاع المدني في غزة: العثور على أكثر من 300 جثة في مقبرة جم ...
- الأردن: إرادة ملكية بإجراء الانتخابات النيابية هذا العام
- التقرير السنوي لـ-لعفو الدولية-: نشهد شبه انهيار للقانون الد ...
- حملة -شريط جاورجيوس- تشمل 35 دولة هذا العام
- الصين ترسل دفعة من الرواد إلى محطتها المدارية
- ما الذي يفعله السفر جوا برئتيك؟
- بالفيديو .. اندلاع 4 توهجات شمسية في حدث نادر للغاية
- هيئات بحرية: حادث بحري جنوب غربي عدن
- وزارة الصحة في غزة تكشف عن حصيلة جديدة للقتلى والجرحى نتيجة ...


المزيد.....

- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين
- السودان - الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ - / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - حاتم الجوهرى - العرب بين الكوزموبوليتان والجلوبال: مفارقة النمط الثقافي في القرن الـ21 وبدائله