أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال حسن عبد الرحمن - رواية للفتيان السندباد البحري طلال حسن















المزيد.....



رواية للفتيان السندباد البحري طلال حسن


طلال حسن عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 7712 - 2023 / 8 / 23 - 01:44
المحور: الادب والفن
    




شخصيات الرواية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ السندباد البحري
2 ـ السندباد الحمال
3 ـ الخادم
4 ـ القبطان
5 ـ الجد ماجد
6 ـ التاجر حسن
7 ـ الحورية لؤلؤة
8 ـ ابن عم الحورية
9 ـ الصياد العجوز
10 ـ الملك
11 ـ الوزير العجوز
12 ـ الحارس الضخم
13 ـ السجان
14 ـ مسؤول السجن
15 ـ جارية الملك
16 ـ حراس



" 1 "
ـــــــــــــــــــ

طوال فترة الصباح ، من يوم تموزي قائظ ، ظل الحمال سندباد ، منهمكاً بحمل قفصه ، الذي ينقل فيه ما يتبضعه بعض الزبائن ، ويسير به متعباً إلى بيوتهم ، مهما كانت بعيدة .
وعند منتصف النهار ، أوصل ما تبضعه تاجر من خضراوات وفواكه ولحوم إلى قصره ، الذي يقع في حيّ التجار ، وقفل عائداً إلى السوق ، وقد هدّه الحرّ وشدة التعب .
وفي طريق العودة ، مرّ بقصر ضخم ، بابه موارب ، وقد بدت منه حدائقه الواسعة الغناء ، التي جاءته منها روائح طيبة لمختلف الأزهار ، وأنسام عذبة ، فيها شيء من الرطوبة الباردة .
وتوقف الحمال عند الباب الموارب ، وتلفت حوله وقال بصوت واهن : إنني متعب جداً ، فلأجلس هنا قليلاً ، ريثما أرتاح .
وجلس الحمال متنهداً ، ونظر عبر الباب الموارب ، ثم قال : يبدو أن هذا القصر لتاجر غنيّ جداً ، ترى ما علة أن يكون هو تاجراً غنيّاً ، وأن أكون أنا مجرد حمّال ؟
وصمت لحظة ، ثم قال ساخراً : العلة واضحة ، لقد تزوجت أمي الغريرة حمالاً فولدتني حمالاً ، أما هذا التاجر ، فقد كانت أمه أكثر ذكاء من أمي ، فتزوجت تاجراً .
ومن بين أسنانه الجائعة ، الغاضبة ، تابع الحمال قائلاً : لن أدع ابنتي تتزوج حمالاً ، مهما كان السبب ، هذا إذا تزوجتُ ، وصار لي بنت ، في يوم من الأيام .
وأغمض الحمال عينيه المتعبتين ، اللتين أثقلهما النعاس ، ويبدو أنه استغرق في النوم ، فقد أفاق على صوت رجل آمر يهزه قائلً : أيها الحمال ، أفق من نومك .
وأفاق الحمال ، وما إن رأى من أفاقه ، حتى هبّ واقفاً ، وقال بصوت مذنب مضطرب : عفواً ، يبدو أنني غفوت .
فقال الخادم : لا عليك ، تعال معي ، سيدي التاجر يريدك .
وبدا الخوف على الحمال ، حين سمع هذا ، وقال : عفواً ، يا أخي ، ماذا فعلت ليستدعيني سيدك ؟ كنت متعباً جداً فغفوت ، و ..
وقاطعه الخادم بصوت هادىء : اطمئن ، أنت لم تفعل شيئاً ، لقد سمعك سيدي عرضاً ، ويريد أن يتحدث إليك ، تعال معي .
ورغم خوفه وتردده ، سار الحمال وراء الخادم ، حتى دخل به غرفة واسعة من غرف القصر ، يقف عند أحد نوافذها رجل في أواسط العمر ، يرتدي ملابس تزينها الأحجار الكريمة ، فنظر الرجل إليه ، وقال : أهلاً ومرحباً بكَ ، تفضل اجلس .
وفغر الحمال فاه ، فهو لم يعتد من قبل ، على مثل هذا الترحيب والمعاملة الطيبة ، من صاحب قصر في مثل هذا الغنى ، ثم قال : عفواً ، يا سيدي ، أنا .. أنا حمال .
وابتسم الرجل ، وقال : وأنا تاجر ، كلانا يكدح من أجل لقمة العيش ، ما اسمك ؟
أجاب الحمال بصوت متردد : اسمي .. اسمي سندباد .. يا سيدي .
واتسعت ابتسامة الرجل ، وقال : يا للصدفة ، أنا أيضاً اسمي سندباد .
وتمتم الحمال مندهشاً : السندباد البحري !
وهز سندباد رأسه ، وقال : بالضبط ، هكذا أعرفُ ، السندباد البحريّ .
وصمت لحظة ، ثم قال : كنتُ على مقربة من باب الحديقة ، قبل قليل ، وسمعتك صدفة تتكلم .
وقال الحمال متردداً : عفواً سيدي ، إنني أن لا تظن أنني أحسدك ، فقط أردت أن ..
وقاطعه سندباد قائلاً : لا عليك ، أنت ضيفي اليوم ، سأحكي لك ما لم أحكه لغيرك .
ونظر عبر النافذة ، المطلة على حديقة القصر ، وكأنه ينظر إلى الماضي البعيد ، وتابع قائلاً : اسمك سندباد ، وأنا سندباد ، سأحكي لك ، وكأني سأحكي ما سأحكيه ..للسندباد .




" 2 "
ـــــــــــــــــــ

بعد الغداء ، أوى التاجر سندباد إلى فراشه كالعادة ، يريد أن يرتاح قليلاً ، ويفكر في ما سيرويه لسندباد الحمال ، عند لقائه به اليوم ، خلال ساعات الليل .
وكما فكر منذ البداية ، قرر أن يروي له كلّ شيء ، ومنذ البداية ، وإلا ما قيمة الرحلات السبع ، مع كلّ ما فيها من مغامرات وغرائب وأخطار ، إن لم يتحدث عن الدافع الحقيقي ، الغامض ، الذي يكمن وراءها جميعاً ؟
وأغمض التاجر سندباد عينيه ، وأرهف سمعه ، وكأنه يريد أن يسمع ثانية ، ذلك الصوت ، الذي سمعه لأول مرة ، قبل أن يبدأ رحلته الأولى ، ولم يعرف وقتها حقيقته ، ومن أين يأتي ، يهيب به أن تعال .. تعال .. تعال .
من هنا بدأت الرحلة الأولى ، والتي كانت أساس الرحلات كلها ، وربما لولاها ما كانت رحلات السندباد البحري السبع .
واستجابة لذلك النداء الغامض ، تعال .. تعال .. تعال ، جمع سندباد ما ورثه عن أبيه من ثروة ، واشترى بضاعة مناسبة ، ليتاجر بها مع التجار الراحلين صوب الجزر والمدن والأقطار البعيدة ، عبر البحار المختلفة ، التي يراها للمرة الأولى في حياته .
بدأ رحلته من بغداد ، عاصمة الخليفة هارون الرشيد ، متجهاً بتجارته إلى ميناء البصرة ، حيث يتجمع التجار ، من مختلف أنحاء العراق ، وينطلقون على السفن الشراعية ، نحو شتى الأقطار في العالم .
وركب سندباد من البصرة ، مع مجموعة من التجار ، إحدى تلك السفن ، وانطلقت بهم صوب البحر ، في صباح مشرق ، تهب فيه أنسام دافئة رخية عذبة .
ومنذ الساعات الأولى ، لدخولهم البحر ، تعرف السندباد على عدد من تجار الموصل وبغداد والبصرة ، ومدن العراق الأخرى ، وراحوا يتجاذبون أطراف الحديث ، حول رحلاتهم المختلفة ، والمتاجرة في مختلف الجزر والمدن والأقطار البعيدة .
كما تعرف على البحارة ، والقبطان الشاب ، وتعرف على جده ماجد ، الذي تجاوز السبعين ، والذي مع ذلك ولعشقه الشديد للبحر ، ومعايشته له فترة طويلة ، يصرّ عل مرافقة حفيده ، في كلّ رحلة بحرية يقوم بها .
ولعل حبّ القبطان الشاب لجده العجوز ، وإرضاء له ، كان يوكل له أحياناً ، قيادة السفينة ، وتوجيه دفتها ، وخاصة إذا كانت الرياح هادئة ، والبحر ساكناً ، عاقل الأمواج .
وعند منتصف النهار ، في اليوم الثاني لدخولهم البحر ، توقف سندباد عند سياج السفينة ، ينظر إلى الآفاق البعيدة ، وقد اختفت اليابسة تماماً ، ولم يعد يرى حوله ، سوى مياه البحر ، تمتد زرقاء هادئة على امتداد البصر .
وانتبه سندباد إلى تاجر تجاوز منتصف العمر ، يتوقف إلى جانبه ، والتفت إليه مبتسماً ، إنه تاجر من الموصل اسمه حسن ، وقال : الجو رائع اليوم ، والبحر هادىء .
وابتسم التاجر حسن ، وقال : نعم ، إنه هادىء حتى الآن ، وأرجو أن يبقى هادئاً .
ونظر سندباد إليه صامتاً ، فقال التاجر حسن : أظن أن هذه هي رحلتك الأولى في البحر .
وردّ سندباد قائلاً : على العكس منك ، مادمت قد خمنت أنها رحلتي الأولى .
وضحك التاجر حسن ، وقال : ليلاي هي حياة البحر ، وأنا مجنونها .
وقال سندباد : رغم أن مصاعبها ، ومخاطرها ليست قليلة .
وضحك التاجر حسن ثانية ، وقال : نعم ، لكن عذوبتها وسحرها أكثر بكثير ، بحيث لم أستطع حتى الآن أن أقاومها ، وأقرر البقاء في مدينتي الهادئة الجميلة .
وصمت التاجر حسن لحظة ، وقد كفّ عن الضحك ، ثم قال : إنني من الموصل ، ورغم أنها أم الربيعين ، فإنني أشعر بالضيق والاختناق ، على العكس من هنا ، وسط البحار ، أكون مرتاحاً تماماً ، وأشعر أنني حر .
وصمت التاجر حسن ، ولاذ السندباد بالصمت أيضاً ، وراح يتطلع إلى الآفاق البعيدة ، كأنه يبحث عن شيء افتقده ، ثم قال : يبدو أننا ، في هذا المكان بعيدون عن البرّ .
فقال التاجر حسن : لن نرى براً ، ربما خلال أكثر من أسبوعين .
وتساءل السندباد : ولا حتى جزيرة صغيرة ؟
فردّ التاجر حسن : ولا حتى بقعة جرداء من اليابسة ، يا سندباد .
وصمت لحظة ، ثم قال : أحياناً ، وهذا ما لم أره شخصياً ، تظهر جزيرة صغيرة ، جرداء على الأغلب ، وسرعان ما تختفي .
لم ينبس سندباد بكلمة ، فمال عليه التاجر حسن ، وقال : لديّ شراب عرق السوس موصلي ، تعال معي إلى قمرتي ، وتذوقه .



" 3 "
ـــــــــــــــــــ

مرّت أيام عديدة ، والبحر عاقل الأمواج ، تنقل خلالها سندباد ، بين العديد من الأصدقاء الجدد من التجار والبحارة ، وإن كان معظم وقته ، يقضيه مرتاحاً ومتمتعاً ، مع صديقه التاجر الموصلي حسن .
وأكثر من مرة ، قال سندباد للتاجر الموصلي حسن : آه يا أخي ، إنني أحنّ إلى اليابسة ، أية يابسة ، حتى لو كانت صحراء .
ويردّ التاجر الموصلي حسن ضاحكاً : مهلاً ، يا سندباد ، سترى اليابسة قريباً ، بل وستملها ، وتحن إلى البحر .
وذات يوم ، والشمس تكاد تميل إلى الغروب ، ارتفع صوت أشبه بصرخة مندهشة حد الذهول : جزيرة .. جزيرة .
وسرعان ما اختلط بالصرخة الأولى ، عدة صرخات بدا بعضها حائرة ، مترددة : جزيرة .. جزيرة .. جزيرة .
واعتدل التاجر الموصلي في فراشه ، وتمتم : جزيرة ! يا للجنون ، هذا مستحيل ، نحن في وسط البحر .
وأسرع سندباد ، وأطل من حاجز السفينة ، حيث تجمهر بعض التجار ، ورأى بالفعل جزيرة صغيرة خضراء سندسية ، وتمتم مذهولاً : حقاً إنها جزيرة ، جزيرة صغيرة جداً .
ومن بين المتجمهرين قرب السياج ، سارع أحد التجار ، إلى موقع الدفة من السفينة ، وهو يصيح : أيها القبطان .
وبدل القبطان ، رأى التاجر الجد العجوز ماجد ، يمسك بالدفة ، فقال له : أيها الجد ، توقف ، هناك جزيرة صغيرة أمامنا ، نريد أن ننزل إليها ، ونرتاح فيها قليلا .
وتوقف الجد ماجد ، والدفة بين يديه ، وقال مذهولاً : ماذا تقول ، يا رجل ؟ الجزر مازالت بعيدة عن هذا المكان .
فأمسك التاجر يد الجد العجوز ، وأخذه بعيداً عن الدفة ، وقاده إلى سياج السفينة القريب ، وأشار بيده ، وقال : أنظر .
ونظر الجد ماجد ملياً ، صحيح أن عينيه عجوزتان ، أتعبتهما الأيام وأنواء البحار ، لكن ما يراه جزيرة خضراء حقاً ، وأوقف السفينة متردداً ، وهو يقول : أيها الإخوة ، أرجوكم ، أصغوا إليّ ، لا تتعجلوا ، دعونا نتأكد أولاً أنها جزيرة فعلاً .
وقهقه أكثر من تاجر ، وهم يندفعون نازلين إلى الجزيرة الصغيرة الخضراء ، وظن بعضهم أن الجد ماجد قد خرف ، حتى أنه غير متأكد من أن ما رآه قد لا يكون جزيرة .
وتقافز التجار فوق الجزيرة الصغيرة الخضراء ، وكان بينهم سندباد ، وراحوا يركضون مقهقهين سعداء حول الجزيرة ، فأقدامهم لم تلمس الأرض ، منذ أن غادروا ميناء البصرة .
وأطل التاجر الموصلي حسن ، من سياج السفينة ، ورأى صديقه التاجر سندباد يركض فرحاً حول الجزيرة ، مع عدد من التجار ، فصاح بأعلى صوته : سندباد .
وتوقف سندباد ، ورأى التاجر الموصلي حسن ، يطل قلقاً من أعلى السياج ، فصاح بأعلى صوته : أخي حسن ، انزل ، الجزيرة جميلة ، رغم أنها صغيرة ، انزل ، انزل .
وتوقف التجار مذهولين ، قلقين ، حين شعروا بالجزيرة الصغيرة الخضراء ، تميد تحت أقدامهم ، وهنا أطل القبطان من أعلى السفينة ، وصاح بأعلى صوته : ماذا تفعلون هناك ؟ اصعدوا إلى السفينة ، اصعدوا ، اصعدوا .
وقال الجد ماجد : هؤلاء الحمقى ، قالوا إنها جزيرة ، فنزلوا مسرعين إليها ، دون أن يصغي أحدهم إلى تحذيري المتكرر لهم .
وتوقف التجار فوق الجزيرة الصغير الخضراء ، التي راحت تميد بهم أكثر وأكثر ، فصاح بهم القبطان : أيها المجانين ، هذه ليست جزيرة ، وإنما حوت كبير جداً ، من نوع حيتان العنبر .
وتدافع التجار المرعوبين متصايحين نحو سلالم السفينة المصنوعة من الحبال ، ولم يمهلهم الحوت ، فقد انتفض بقوة ، وغاص إلى أعماق البحر ، ومعه غاص عدد من التجار ، الذين لم يستطيعوا التشبث بالسلالم ، وغابوا في الأعماق ، وكان بينه التاجر الشاب سندباد .
وأسرع القبطان الشاب إلى الدفة ، وهو يقول : لنبتعد بسرعة عن هذا المكان ، قبل أن يعود هذا الحوت اللعين ، ويحطم السفينة ، ويغرقنا جميعاً ، ويغيبنا في أعماق البحر .



" 4 "
ــــــــــــــــــــ

فتح سندباد عينيه ، وفوجىء بوجه فتاة ، يقطر الماء من شعرها ، تطل عليه من علٍ ، فحدق فيها ملياً ، ثم تساءل : هل أنا في الجنة ؟
وافتر ثغر الفتاة عن ابتسامة مشرقة ، وهزت رأسها ، وقالت : نعم .
وهتف سندباد بفرح : أنتِ حورية إذن .
فقالت الفتاة ، وابتسامتها تزداد إشراقاً فوق ثغرها : نعم ، أنا حورية ، حورية بحر .
وقطب سندباد مفكراً ، ثم قال : لم يقل لي أحد ، أن في الجنة حوريات بحر .
وأشارت الفتاة إلى ما حولها ، وقالت : هذه الجزيرة ، هي جنة البحر ، الذي تراه هنا ، وأنا حورية من حورياته .
وتحامل سندباد على نفسه ، واعتدل قليلاً ، وعلى ضوء القمر ، الذي كان يطل بدراً من فوق الأشجار ، راح يتطلع إلى ما حوله ، ورأى غابات من الأشجار ، تسد الأفق .
والتفت سندباد إلى الحورية ، وحدق فيها ملياً ، ثم تساءل : من أنتِ ؟
وردت الحورية قائلة : أنا الحورية لؤلؤة ، وأمي هي ملكة هذا البحر .
وتطلع سندباد إليها ، وقال : وأنا سندباد ، تاجر من بغداد ، عاصمة الخليفة هارون الرشيد ، ركبت سفينة تجارية من البصرة ، وآخر ما أذكره ، أننا رأينا جزيرة صغيرة خضراء ..
وابتسمت الحورية لؤلؤة ، وقالت : هذا الخطأ وقع فيه الكثيرون ممن مخروا بسفنهم هذا البحر ، وكانت حياتهم هي الثمن .
ونظر سندباد إليها مندهشاً ، وقال : لكنني كما ترين ، مازلت على قيد الحياة .
فقالت الحورية لؤلؤة : إنها الصدفة ، فقد كنت ألهو على مقربة من ذلك المكان ، ورأيتك تتهاوى إلى الأعماق ، وقد فقدت الوعي ، فأسرعت إليك ، وحملتك إلى هذه الجزيرة .
وصمتت الحورية لؤلؤة ، إذ تناهى صوت من بعيد ، ورفع سندباد رأسه ، وتطلع نحو مصدر الصوت ، وقال : أصغي ..
وأشارت له الحورية أن يسكت هامسة : هش .
وتطلعت نحو مصدر الصوت ، ثم قالت : إنه صياد السمك العجوز .
وقال سندباد : الوقت مازال مبكراً .
فقالت الحورية لؤلؤة : كبار السن ، كما تعرف ، يستيقظون مبكراً ، ونحن على ما يبدو في أواخر الليل .
وتراجع سندباد خائفاً ، وهو يقول : لنبتعد عن هنا ، أخشى أن يراني .
وتلفتت الحورية حولها ، وقالت : أنت محق ، تعال سآخذك إلى تلك الأشجار .
وتحامل سندباد على نفسه ، ونهض بصعوبة ، ثم راح يسير ببطء ، مستنداً إلى الحورية ، حتى وصل الأشجار ، المطلة على شاطىء البحر .
وتوقف لاهثاً وراء إحدى الأشجار ، وتوقفت الحورية على مقربة منه ، وقالت : هذا مكان منعزل ، قلما يأتي إليه أحد ، غير هذا الصياد العجوز ، ويبدو أن كوخه في الجوار .
وقال سندباد : كنت أظن أن هذه الجزيرة غير مأهولة .
فقالت الحورية : سكانها بسطاء وطيبون ، تسلط عليهم ملك عدوانيّ شرير ، بعد أن تآمر على أخيه الملك الطيب ، وأزاحه عن العرش .
وقال سندباد : ما أكثر أمثال هذا الملك ، أرجو أن أغادر الجزيرة ، وأعود إلى بغداد ، دون أن أقع بين يديه الشريرتين .
ومال القمر للغروب ، فتطلعت الحورية إلى البحر ، وقالت : الليل يوشك أن يرحل ، عليّ أن أعود إلى البحر ، لابد أن أمي قلقة عليّ الآن ، وقد يأتي ابن عمي للبحث عني .
ونظر سندباد إليها ، وقال : إنني وحيد على هذه الجزيرة ، أرجوك لا تتركيني وحدي ، ابقي إلى جانبي بعض الوقت .
فردت الحورية قائلة : لا عليك ، سأذهب الآن ، وأطمئن أمي ، انتظرني ، سأعود إليك الليلة ، عند ظهور القمر .
ومضت الحورية نحو البحر ، فهتف سندباد بها : لؤلؤة ، أرجوكِ ، لا تتأخري ، سأنتظرك على أحرّ من الجمر .
ولوحت الحورية لؤلؤة له ، دون أن تتوقف ، وقالت : إلى اللقاء .
وتابعها سندباد بعينيه المتعبتين ، وهي تركض تحت أضواء الفجر الأولى ، ثم تقفز إلى البحر ، وتغوص إلى أعماقه الدافئة .


" 5 "
ــــــــــــــــــ

أغفى سندباد ، بعد أن عادت الحورية إلى البحر ، واستغرق في نوم عميق ، ولم يفق حتى صعدت الشمس إلى منتصف السماء ، وأطلت ساطعة دافئة ، فوق مياه البحر .
ولأنه لم يأكل شيئاً منذ البارحة ، شعر سندباد بالجوع يعضه ، لكن ما العمل ؟ إنه ليس في قصره ، ليصيح بالخادم : هاتِ الطعام .
هنا ليس ثمة خادم ، ولا هاتِ الطعام ، ليس هنا غير الجوع ، والجوع يعض ، ولا يرحم ، ما العمل إذن والحالة هذه ؟
وتحامل سندباد على نفسه ، ونهض بشيء من الصعوبة ، وتلفت حوله ، ثم خطا ببطء وتوجس ، متوغلاً في الغابة .
حقاً هذه الجزيرة جنة ، كما قالت الحورية لؤلؤة ، فهنا أشجار مثمرة ، تجري من تحتها مياه رقراقة شفافة عذبة ، وما عليه إلا أن يأكل ويشرب ، حتى يشبع ويرتوي .
وأخذ يتنقل بهدوء ، من مكان إلى آخر ، يأكل من هذه الشجرة أو تلك ، حتى شبع ، ثم توقف عند نبع ماء ، ينبثق من بين الصخور ، وأخذ حفنة من الماء براحتيه ، وشرب حتى ارتوى .
وتجول سندباد في أرجاء الغابة ، وحاول أن لا يبتعد ، حتى لا يضل الطريق ، ولا يستطيع العودة إلى شاطىء البحر ، حيث سيلتقي الحورية ليلاً ، عند ظهور القمر .
وتوقف سندباد ، وتلفت حوله متوجساً ، فقد تناهت إليه حركة من مكان قريب ، أهو واحد من أعوان الملك ؟ من يدري ، فهذا الملك شرير ، كما تقول الحورية ، وهو لا يريد أن يقع بين يديه .
وتنهد بارتياح ، حين برزت من بين الأشجار غزالة ، يرافقها خشفها الصغير ، ورأته يحدق فيها ، فتوقفت لحظة ، ثم سارت مبتعدة ،ون أن يبدو الخوف عليها ، يتبعها خشفها الصغير .
وقفل سندباد عائداً إلى حيث كان بين الأشجار المطلة على شاطىءالبحر ، ترى أليس في هذه الغابة وحوش ضارية ؟ يا للعجب ، جزيرة جنة ، أناسها ـ كما تقول الحورية ـ طيبون ومسالمون ، إلا ملكها الشرير .
وأوى سندباد إلى الشجرة ، التي أغفى في ظلها لأول مرة ، وأغمض عينيه ، ها هو قد أكل حتى شبع ، وشرب حتى ارتوى ، فلينم قليلاً ، حتى يرتاح ، ريثما يحل الليل ، ويبزغ القمر ، وتأتيه الحورية لؤلؤة ، من أعماق البحر .
وأفاق سندباد ، والشمس تميل للغروب ، على صوت يأتي من شاطىء البحر ، ونظر إلى مصدر الصوت ، وإذا الصياد العجوز ، يسحب قاربه إلى الشاطى ، ويحمل شبكته ، وما اصطاده من سمك ، ويتجه بخطى متعبة ، بعيداً عن الشاطىء .
وخطر لسندباد خاطرة ، فنهض بهدوء ، وبهدوء أشد ، ومن مسافة بعيدة ، راح يسير في أثر الصياد ، لعله يعرف موقع كوخه ، في هذه الغابة .
وتوقف الصياد العجوز أكثر من مرة ، ومعه كان يتوقف سندباد حذراً ، من الواضح أن الصياد العجوز كان ينوء تحت ثقل الشبكة وما اصطاده من اسماك ، وتمنى سندباد لو يتقدم منه ، ويعرض عليه مساعدته .
لكن هذا أمر خطر ، فقد يسرع هذا الصياد العجوز ، لسبب من الأسباب ، إلى الملك الشرير ، ويشي به ، ويقع ما لا تحمد عقباه .
وتوغل الصياد العجوز في الغابة ، حاملاً شبكته ، وما اصطاده من أسماك ، وسرعان ما توقف أمام كوخ صغير ، عتيق ، أبلاه الزمن ، يكاد لا يظهر بين الأشجار الكثيفة المحيطة به ، ثم دفع بابه المتداعي ، ودخل فيه ، وأغلق الباب .
وتوقف سندباد ، هذا هو إذن كوخ الصياد العجوز ، وتلفت بحذر حوله ، لا أحد هنا غيره ، ومن يدري ، لعله يعيش وحده في الكوخ .
وتراجع سندباد قليلاً ، ثم استدار ، وقفل عائداً من حيث أتى ، فهاهو الليل يسدل ستائره ، وفي السماء العميقة ، تلمع أولى النجوم ، وسيبزغ القمر ، وعندئذ تأتيه الحورية ، من أعماق البحر .



" 6 "
ـــــــــــــــــــ

عند منتصف الليل ، طلع القمر من خلف الأشجار ، وعلى الفور ، طلعت الحورية لؤلؤة ، من أعماق البحر .
وعلى رمال الشاطىء الفضية ، وتحت ضوء القمر ، رأى سندباد الحورية لؤلؤة ، تقبل نحوه مشرقة ، وعلى ثغرها ابتسامتها الطفولية الجميلة .
ونهض سندباد مرحباً : أهلاً لؤلؤة .
وأسرعت الحورية لؤلؤة إليه ، وهي تقول : ابقَ في مكانك ، أخشى أن يراك أحد .
وتوقف سندباد ، وقال : نحن في منتصف الليل .
وردت لؤلؤة قائلة : عيون الملك الشرير ، لا ينامون ليلاً ولا نهاراً .
وتراجع سندباد نحو الشجرة ، وقال : تعالي نجلس هنا إذن .
وجلست الحورية ، وقالت : نعم ، هذا أفضل .
وجلس سندباد على مقربة منها ، وراح يتأملها على ضوء القمر ، ثم قال : لو تعرفين ، يا لؤلؤة ، كم خشيت أن لا تأتي .
وضحكت لؤلؤة ضحكة في صفاء ضحك الأطفال ، وقالت : إن وعودي دقيقة جداً ، إنني حورية .
وقال سندباد : وهذا ما يعجبني .
وابتسمت الحورية ، وتساءلت بلهجة مداعبة : ماذا يعجبك مني ، دقة موعدي ، أم كوني حورية .
وتطلع سندباد إليه ، وقال : كلاهما .
وابتسمت حورية فرحة ، ولاذت بالصمت لحظة ، ثم قالت : حدثني ، كيف قضيت يومك ، في هذا المكان من الغابة ، وأنت تنتظرني ؟
ونظر سندباد إليها ملياً ، وهو يحدثها قائلاً : نمت قليلاً ، ثم تجولت في الجوار ، وتناولت بعض الفواكه ، وأي فواكه .
وصمت لحظة ، ثم تساءل : وأنت ؟
ونظرت الحورية إليه ، وقالت : حدثت أمي عنك ، يا سندباد .
واتسعت عينا سندباد دهشة ، وقال : لابد أنها حذرتك مني ، فأنا إنسان .
وقالت الحورية : في عروقي ، إلى جانب دماء الحوريات ، تجري دماء إنسان .
ونظر سندباد إليها متسائلاً ، فتابعت لؤلؤة قائلة : لقد أحبت أمي بحاراً في شبابها ، وارتبطت به مدة ، لم تطل كثيراً .
ولاذ سندباد بالصمت ، فقالت الحورية : لم تلمه أمي ، فقد حنّ إلى وطنه وأهله ، واستقل أول سفينة مرت بالجزيرة .
وصمتت الحورية برهة ، ثم قالت مبتسمة : أنت أيضاً ستستقل أول سفينة تمرّ بهذه الجزيرة ، فأنت إنسان .
ونهض سندباد ، وقال : الناس ليسوا سواسية ، يا حورية ، بعضهم كأبيك ، وإن لم تلمه أمك ، وبعضهم يختلف .
ونهضت الحورية ، وقالت : يبدو أن القمر سيغيب قريباً ، عليّ أن أذهب .
ووقف سندباد في مواجهة الحورية ، يتأملها بصمت ، ثم قال : لؤلؤة .
ونظرت الحورية إليه صامتة ، وقال : ليتني رأيتك في غير هذه الجزيرة .
وقالت الحورية ، دون أن تبتسم : لكن ، للأسف ، رأيتني هنا .
وقال سندباد : أنا مدين لكِ بحياتي .
وقالت الحورية : لا تقل هذا ، ما فعلته واجب ، وقد أسعدني جداً التعرف عليك .
وقال سندباد : سأنتظرك غداً .
ومضت الحورية نحو البحر ، وهي تقول : إلى اللقاء ، يا سندباد .
فقال سندباد ، وهو يتابعها بعينيه : إلى اللقاء ، يا لؤلؤة ، لا تتأخري .
وظل سندباد يتابعها بعينيه المحبتين ، حتى دخلت البحر ، وغاصت إلى الأعماق .




" 7 "
ــــــــــــــــــ

أفاق سندباد مبكراً ، رغم أنه لم ينم إلا في ساعة متأخرة من الليل ، فقد كان لا يفكر فقط في الحورية ، التي راحت تتوغل في أعماقه يوماً بعد يوم ، وإنما أيضاً كان يفكر في طريق للهرب من الجزيرة ، قبل أن يقع في يد ملكها الشرير .
ومع أن الحورية لؤلؤة ، نصحته أن لا يبتعد عن مكمنه بين الأشجار ، أو يقترب من الشاطىء ، إلا أنه تسلل عبر الأشجار ، وراح يمشي على رمال الشاطىء ، لعله يرى سفينة قادمة إلى الجزيرة ، أو مارة بها ، ولو من بعيد ، فيراه بعض ركابها ، وينتشلونه من محنته ، ويأخذونه بعيداً عن هذه الجزيرة ، وملكها الشرير .
وتوقف سندباد ، وقلبه يخفق بشدة ، فقد لمح في الأفق المضبب البعيد ، نقطة متحركة ، ترى .. أهي سفينة ؟ لماذا لا .
وعلى الفور ، انطلق راكضاً ، عبر الشاطىء الرملي ، إلى البحر ، وهو ينزع قميصه الأبيض ، وخاض في المياه الضحلة ، ملوحاً بالقميص ، لعل أحداً من ركاب السفينة يراه من بعيد ، لكن النقطة السوداء المتحركة ، بدل أن تكبر راحت تصغر ، حتى تلاشت ، وانمحت من الأفق .
وتوقف سندباد عن التلويح بقميصه ، وعاد محبطاً إلى الشاطىء ، تلك النقطة السوداء المتحركة ، في الأفق المضبب ، أكانت سفينة حقاً ، أم أنها مجرد سراب ؟
لكن السراب ، على ما يعرف ، يظهر في الصحراء ، وليس في البحر ، من يدري ، لعل للبحر سرابه الخادع أيضاً .
وغادر سندباد الشاطىء ، لكنه لم يعد إلى مكمنه بين الأشجار ، بل توغل في الغابة ، متجولاً في أرجائها ، على غير هدى .
وبدون شهية ، راح يأكل من ثمار هذه الشجرة أو تلك ، حتى شبع ، وشعر بالعطش ، وتوقف عند النبع ، وانحنى ليشرب قليلاً من الماء ، لكنه توقف ، وأرههف سمعه ، وقلبه يخفق بشدة وتوجس ، فقد ندت حركة مريبة من بين الأشجار القريبة ، أهي الغزالة وخشفها ؟
ورفع رأسه ، والتفت سريعاً ، ولمح خيال رجل يتواري وراء إحدى الأشجار ، وتلفت سندباد حوله ، إنه ليس الصياد العجوز ، وخفق قلبه خوفاً ، أهو عين من عيون الملك الشرير ؟ من يدري .
وعلى عجل ، وبدون أن يشرب ماء من النبع ، تراجع بحذر ، وبحذر أشد ، قفل عائداً إلى مكمنه ، بين الأشجار القريبة من أشجار الشاطىء .
وظل سندباد ، قابعاً في مكمنه بين الأشجار ، يراقب منه البحر ، والشاطىء الرملي ، ومحيط المكان ، وهو يتوقع ، في كلّ لحظة ، أن ينقض عليه حرس الجزيرة ، ويقودوه إلى الملك .
وفكر ، لابد من مغادرة هذه الجزيرة ، وفي أسرع وقت ممكن ، وإلا لن يخرج منها حياً ، ولن يرى وطنه ، وحبيبته بغداد ، مرة أخرى .
وخطر له ، مرة أخرى ، أن يطلب من الحورية لؤلؤة ، وكذلك من أمها ، أن يساعداه ، لعلهما يستطيعان ، بطريقة أو أخرى ، إيصاله إلى سفينة مارة ، أو تدلان سفينة ، قد تقترب من الجزيرة ، إلى مكمنه ، فيأتون إليه سراً ، وينقذونه من محنته ، قبل أن يقع في يد الملك الشرير .
وقبل أن يصل سندباد إلى قرار ، قد يساعده على تجاوز محنته ، ويعيده إلى وطنه ، استغرق في نوم عميق ، ولا يدري كم استغرق في النوم ، عندما أفاق ، إثر حلم غريب ، فقد رأى فيما يرى النائم ، الصياد العجوز ، يمخر البحر بقاربه ، ويلوح له من بعيد ، أن تعال .
وفتح عينيه ، وإذا بهما تقعان على الصياد العجوز ، يسحب قاربه إلى الشاطىء ، ثم يحمل شبكته ، وما اصطاده من أسماك ، ويسير بخطواته الثقيلة المتعبة ، نحو كوخه ، القابع خلف الأشجار المطلة على شاطىء البحر .
واعتدل سندباد ، وراح يتابع الصياد العجوز ، وفكر في الاستعانة به في محنته ، لماذا لا ؟ فقد يفيده في تجاوز محنته ، بقدر ما قد تفيه الحورية لؤلؤة أو أمها حورية البحر .



" 8 "
ـــــــــــــــــــ

اقترب سندباد متلفتاً ، من كوخ الصياد العجوز ، ثم طرق بابه بهدوء ، وتراجع قليلاً ، وراح ينصت ، لكنه لم يسمع رداً ، فتقدم وطرق الباب ثانية ، ووقف جانباً ينتظر .
وفتح الباب ، بعد قليل ، وأطل منه الصياد العجوز ، وما إن رأى سندباد يقف جانباً ، حتى اتسعت عيناه دهشة ، وقال : إذا كنت إنساناً ، وليس جنّياً ، فأنت عربي .
وردّ سندباد ، دون أن يتحرك من مكانه : نعم ، أنا عربيّ ، من بغداد .
فقال الصياد العجوز : آه ، هارون الرشيد .
وقال سندباد : أنت تتكلم العربية .
ولمعت عينا الصياد العجوز الخابيتان ، وقال : في شبابي ، عملتُ مع تجار عرب ، وتعلمت اللغة العربية .
ثم تنحى قليلاً ، وقال : عفواً ، تفضل ، نحن أيضاً نكرم الضيف مثل العرب .
ودخل سندباد الكوخ ، فأغلق الصياد العجوز الباب ، وأشار له أن يجلس ، وقال بصوته الشائخ : تفضل ، اجلس .
وجلس سندباد على حشية قديمة بالية ، وقال : عفواً أيها العم ، أخشى أن أكون قد جئت في وقت غير مناسب .
فقال الصياد العجوز : لا عليك ، إنني أعيش هنا وحيداً ، بعد أن توفيت زوجتي ، ورحل ابني عن هذه الجزيرة إلى جزيرة بعيدة ، أنت تعرف الشباب ، هذه الجزيرة لا تلبي طموحه .
وصمت الصياد العجوز لحظة ، ثم قال : عفواً ، عليّ أن أكون عربياً معك ، فأنتم العرب تكرمون الضيف أولاً وقبل كلّ شيء ، قبل أن تسألوه عن الهدف من الزيارة .
وهمّ سندباد أن يتكلم ، فقاطعه الصياد العجوز متابعاً كلامه : عندي لبن وخبز ، هذا عشائي ، أم تريد أن ..
وقاطعه سندباد قائلاً : بل خبزاً ولبناً .
وعلى الفور ، وضع الصياد العجوز أمام سندباد ، رغيفاً من الخبز ، وإناء فيه شيء من اللبن ، وجلس قبالته ، وقال : تفضل ، لنأكل معاً .
وراحا يأكلان الخبز واللبن ، دون أن يتفوه أحدهما بكلمة واحدة ، وتوقف سندباد عن تناول الطعام ، فتوقف الصياد العجوز هو الآخر ، ونظر إلى سندباد ، وقال : عفواً ، يا بنيّ ، لا أريد أن أتدخل في شؤونك ، لكني لا أعرف من أين أتيت إلى هذه الجزيرة ، فأنا لم أرَ سفينة ترسو على شواطئنا منذ فترة طويلة .
فتطلع سندباد إليه ، وقال : أنت محق ، لقد مررتُ بظروف لا تصدق .
وصمت لحظة ، ثم قال : كنت في سفينة ، مع عدد من التجار ، وفي وسط البحر ، رأينا جزيرة صغيرة خضراء ، فنزلت إليها مع بعض التجار ، دون علم القبطان ..
وتوقف سندباد عن الكلام ، فهز الصياد العجوز رأسه ، وقال : لابد أنها كالعادة ، لم تكن جزيرة صغيرة .
فقال سندباد : نعم ، كانت دون أن نعرف ، حوتاً ضخماً ، كأنه جزيرة صغيرة خضراء .
وقال الصياد العجوز : هذا ما تصوره العديد من البحارة والمسافرين ، المتشوقين لرؤية البرّ ، فدفع بعضهم حياته ثمناً لذلك .
ونظر سندباد إلى الصياد العجوز ، وقال : وهذا ما حدث لنا ، فقد غرق العديد ممن نزلوا معي إلى ما ظنناه جزيرة خضراء .
وسكت سندباد ، وهرب بعينيه هذه المرة ، عن عيني الصياد العجوز ، فأطرق الصياد العجوز رأسه ، ثم قال : يبدو أن هناك سراً ، لا تريد لسبب من الأسباب ، أن ترويه لي .
وتوقف الصياد العجوز عن الكلام ، لكن سندباد ظل مطرقاً رأسه ، دون أن يتكلم ، فتابع الصياد العجوز قائلاً : هذا حقك ، لكن يا بنيّ ، كن حذراً من الملك ، فهو شرير للغاية .
ورفع سندباد رأسه ، ونظر إلى الصياد العجوز ، وقال : لعل هذا لا يكفي ، قد أقع في أيدي الملك وأعوانه ، مهما كنتُ حذراً ، لابد أن أغادر الجزيرة ، وبأسرع وقت ممكن ، ولهذا جئت إليك ، لعلك تساعدني في ..
وسكت سندباد متوجساً ، وتلفت الصياد العجوز حوله ، ثم قال بصوت خافت : بنيّ ، من الأفضل أن تذهب ، أخشى أن يكون أحد أعوان الملك ، يراقب الكوخ .
وعلى الفور ، وبدون أن يتفوه بكلمة ، هبّ سندباد من مكانه ، وتسلل إلى خارج الكوخ ، ومضى تحت جنح الظلام ، عبر أشجار الغابة ، إلى مكمنه ، بين الأشجار الكثيفة ، القريبة من شاطىء البحر .


" 9 "
ــــــــــــــــ

في منامه ، رأى سندباد فيما يرى النائم ، أكثر من كابوس ، أحدها ، ولعله آخرها ، مجموعة من الغربان الغريبة الضخمة ، انقضت عليه فجأة ، لا يدري من أين ، وصاح به أحدها بصوت منفعل شرس : انهض .
وفتح سندباد عينيه مذعوراً ، وإذا مجموعة من الحرس ، المدججين بالسلاح ، يحيطون به من كل جانب ، يتقدمهم حارس ضخم شرس ، أشار له برمحه غاضباً : هيا ، انهض .
وهبّ سندباد واقفاً ، وقد تملكه الخوف ،وقال متمتماً : الملك !
وعلى الفور ، أشار له الحارس الضخم برمحه غاضباً ، أن تحرك .
وتحرك سندباد ، متعثراً في مشيته ، بين الحرس المدججين بالسلاح ، وسار به الحارس الضخم ، عبر الغابة ، إلى قصر الملك ، الذي تحيط به حديقة واسعة الأرجاء .
وأخذه الحارس الضخم ، إلى داخل القصر ، وقاده عبر ممرات عديدة إلى غرفة العرش ، حيث الملك ووزيره العجوز .
وانحنى الحارس الضخم للملك ، وقال : مولاي ، هذا هو الغريب .
وحدق الملك في سندباد ، ثم أشار للحارس الضخم ، أن أخرج ، فانحنى الحارس الضخ للملك ، ثم مضى إل الخارج .
وخاطب الملك سندباد قائلاً : ما اسمك ؟
فردّ سندباد : اسمي .. سندباد .
وصاح الملك : قل يا مولاي ..
وعلى الفور قال سندباد : يا مولاي .
وتابع الملك صائحاً : وانحنِ .
وانحنى سندباد على الفور ، وظل منحنياً ، فقال الملك : اعتدل .
واعتدل سندباد خائفاً ، فقال الملك : والآن أنظر إليّ ، وتحدث .
ونظر سندباد إلى الملك ، وقال متأتئاً بصوت مضطرب : مو .. مولا.. ي ..
ثم إلتفت إلى الوزير العجوز حائراً مستاجداً ، فقال الأخير : جلالة الملك المبجل ، يريد أن يعرف أولاً ، من أنت .
فردّ سندباد متردداً : أنا تاجر .
وتساءل الوزير العجوز : من أين أتيت ؟
فقال سندباد : من البحر .
ونظر الملك إلى الوزير ، وهو يتميز غيظاً ، فتابع سندباد قائلاً : كنت في سفينة ، مع مجموعة من التجار ، ورأينا وسط البحر ، ما ظنناه جزيرة صغيرة ، فنزلنا إليها ، وإذا هي حوت ضخم ، سرعان ما غاص في البحر ، وغاص معه العديد من التجار .
وصمت سندباد لحظة ، ثم تابع قائلاً : وكتبت لي النجاة ، فوصلت إلى هذه الجزيرة .
وصاح الملك غاضباً : سباحة !
ولاذ سندباد بالصمت ، فقال الوزير العجوز : لابد أن جدتك كانت سمكة قرش ، يا سندباد .
وفغر سندباد فاه ، ثم قال : لا يا سيدي ، أنا كما ترى ، إنسان .
واقترب الوزير العجوز منه ، وقال : سندباد ، أخبرنا ، وكن صادقاً ، كيف وصلت ، من وسط البحر ، إلى جزيرتنا هذه ؟
ولاذ سندباد بالصمت ، فانفجر الملك غاضباً : أريد الحقيقة ، والحقيقة وحدها .
واقترب الوزير العجوز من الملك ، وقال : سنعرف الحقيقة منه ، يا مولاي ، عاجلاً أو آجلاً .
وزام الملك ، كاظماً غيظه ، فالتفت الوزير العجوز إلى سندباد ، وقال : ستكون الليلة ضيفاً علينا ، في السجن طبعاً ، وسندعك تفكر حتى الغد ، وبعدها ستقول لنا الحقيقة ، أو تكون طعاماً لسمك القرش في البحر .
ثم التفت إلى الباب ، وهتف : أيها الحارس .
وعلى الفور ، أقبل الحارس الضخم المتجهم ، وانحنى ثم قال : سيدي .
فقال الوزير العجوز : خذ ضيفنا هذا ، وأودعه السجن حتى الغد .
وأخذه الحارس المتجهم ، وأودعه زنزانة داخل سجن تحت القصر ، وأغلق عليه باب الزنزانة ، ومن إحدى الزوايا المظلمة ، جاءه صوت واهن يتمتم : بنيّ .. سندباد .
والتفت سندباد مندهشاً ، وقال : من ! الصياد ؟
وتقدم الصياد العجوز منه بتثاقل ، وقال : لقد أخذوني حالما خرجت من كوخي .
وهزّ سندباد رأسه ، وقال : عفواً أيها العم ، لقد سببت لك أذى شديداً .
فقال الصياد العجوز : لا عليك ، هذا قدري .
وصمت لحظة ، ثم قال : لقد سألوني عنك ، فأخبرتهم بكل ما أعرفه ، لكن هناك أمر لم أسألك ، ولن أسألك عنه ، وهذا ما يريدون أن يعرفوه منك ، ولعلهم إذا عرفوه سيتخلصون منك .
وصمت الصياد العجوز ثانية ، ثم قال : الوزير العجوز ثعلب ماكر ، غدار ، احذره .
وبعد منتصف النهار ، جاء عدد من الحرس ، وأخذوا الصياد العجوز ، وقبل أن يخرجوا به من الزنزانة ، نظر إلى سندباد ، وقال بصوت واهن حزين : وداعاً ، يا بنيّ .



" 10 "
ــــــــــــــــــ

في اليوم التالي ، عند حوالي الضحى ، دُفع باب الزنزانة ، ودخل مسؤول السجن ، ومن حوله عدد من الحرس المدججين بالسلاح .
ونهض سندباد متثاقلاً ، فهو لم ينم ليلة البارحة ، إلا في ساعة متأخرة من الليل ، بعد أن جاء الحرس ، وأخذوا الصياد العجوز إلى مصير مجهول .
وحدق المسؤول في سندباد ، وقال بصوت جاف : وزير جلالة الملك جاء لزيارتك ، إنه في غرفتي الآن ، سآخذك إليه .
ولاذ سندباد بالصمت ، فتابع المسؤول قائلاً بنبرة تهديد واضحة : أنصحك أن تعمل بما يأمرك به الوزير ، وإلا فسيكون مصيرك مصير الصياد العجوز .
وأطرق سندباد رأسه ، دون أن ينبس بكلمة ، فتابع المسؤول قائلاً : هيا ، تعال معي بسرعة ، الوزير ينتظرك .
وخرج المسؤول مسرعاً من الزنزانة ، وهو يقول للحرس ، الذين يحيطون بسندباد : خذوه ، والحقوا بي إلى غرفتي .
واقترب الحرس المدججون بالسلاح من سندباد ، ودفعه أحدهم بشيء من الخشونة ، وقال : هيا ، لا تتماوت ، تحرك .
وتحرك سندباد ، وسار مفكراً بين الحرس المدججين بالسلاح ، في أثر المسؤول المتجهم ، الوزير العجوز ينتظره الآن في الغرفة ، وينتظر منه الحقيقة ، ويا للحقيقة التي يصعب تصديقها ، وهل يمكن أن يصدق الوزير العجوز أو الملك ، أن من أنقذه من الغرق ، وجاء به إلى هذه الجزيرة ، هي حورية البحر ؟
واندفع مسؤول السجن إلى غرفة ، لايبدو أنها زنزانة ، لابد أنها الغرفة الخاصة به في هذا السجن ، وقال لسندباد : تعال ، ادخل .
ودخل سندباد الغرفة ، وإذا هو وجهاً لوجه مع الوزير العجوز ، الذي نظر ألى المسؤول ، وقال : دعنا وحدنا .
وانحنى مسؤول السجن ، ثم تراجع قليلاً وقال : أمر سيدي .
ثم أسرع بالخروج ، وأغلق باب الغرفة ، ونظر الوزير العجوز إلى سندباد ، وقال : بنيّ سندباد ، جلالة الملك يبلغك تحياته ، واعتذاره .
وفغر سندباد فاه ، دون أن يتفوه بكلمة ، وتابع الوزير العجوز قائلاً : لقد وقع خطأ ، فمكانك ليس هنا في هذا السجن الرهيب ، وإنما في قصر من قصور الملك العامرة .
وصمت لحظة ، محدقاً في سندباد ثم قال : سندباد ، نحن نعرف كيف وصلت إلى الجزيرة ، ولعل في هذا معجزة ، تنقذ جلالة الملك .
وصمت الوزير العجوز لحظة ، وقد شاع الحزن في قسمات وجهه الشائخ ، ثم قال : إن الملك مريض ، يا سندباد ، ولن تشفيه إلا من أنقذتك وشفتك من جراحك .
ونظر سنداد إلى الوزير العجوز ممذهولاً ، فمال عليه الأخير ، وأضاف قائلاً بصوت ذي معنى : الحورية .. حورية البحر .
واتسعت عينا سندباد ذهولاً ، لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة ، فقال الوزير العجوز : نحن نعرف كلّ شيء عنها ، ونعرف أنها زارتك مراراً ، وهذا يدل عل طيبتها ، وما نريده منك أن تدعوها لزيارة الملك ، لعلها تعالجه وتشفيه .
ونظر سندباد إلى الوزير العجوز ، وقال : أنا لا أستطيع أن أعدك بشيء ، صحيح أن الحورية أنقذتني ، وعالجت جراحي ، ولكني لا أستطيع أن أضمن موافقتها على الحضور إلى القصر .
ونظر الوزير العجوز إليه ، ثم قال : أنت محق ، لكن حاول ، فقد توافق ، وهذا عمل خيّر ، لن ينساه لك جلالة الملك .
وتلفت سندباد حوله ، ثم قال : أنا في السجن .
فقال الوزير العجوز مبتسماً : هذا كان خطأ ، سنصلحه في الحال ، وقد خصص لك جلالة الملك واحداً من أجمل قصوره ، وستسكنه ما شئت ، حالما يلتقي الملك بالحورية .
ومدّ الوزير العجوز يده ، وأمسك بيد سندباد ، وقال : تعال معي ، يا سندباد ، سأخرج بك من السجن ، وأرجو أن أراك في قصرك الملكي ، في أقرب وقت ممكن ، وهذا يتوقف عليك .




" 11 "
ــــــــــــــــــــ

عاد سندباد إلى مكمنه ، بين الأشجار الكثيفة المطلة على شاطىء البحر ، الذي لم يعد مكمناً ، فهو حرّ الحركة في الجزيرة كلها ، بعد حديث الوزير إليه ، وإطلاقه من السجن .
وأول شيء قام به ، بعد أن ارتاح قليلاً ، تفقده للصياد العجوز ، فتجول على الشاطىء ، لعله يراه أو يعثر على أثر له ، وبدل ذلك عثر على القارب ملقى فوق الرمال ، وكأنه جثة هامدة ، غادرتها الحياة منذ فترة طويلة .
وقبيل المساء ، توغل سندباد في الغابة ، قاصداً كوخ الصياد العجوز ، وحين لاح الكوخ مختبئاً بين الأشجار الكثيفة ، بدا له موحشاً مهجوراً ، قد غادرته الحياة ، مثلما غادرت القارب الملقى على رمال الشاطىء .
وطرق سندباد الباب ، وانتظر قليلاً ، لكن أحداً لم يردّ عليه ، وطرقه ثانية وثالثة دون جدوى ، فمدّ يده إلى الباب ، ودفعه برفق ، وبدا الكوخ من الداخل ، موحشاً لا أثر فيه للحياة .
وتوقف سندباد ، لم يشأ أن يدخل ، والصياد العجوز غائب عنه ، ترى أين هو الآن ؟ يا للمسكين ، ربما كان ضحية لزيارته ، آه .
وقفل سندباد عائداً إلى مكمنه ، بخطى حزينة تائهة ، عبر أشجار الغابة ، وجلس بين الأشجار الكثيفة ، المطلة على شاطىء البحر ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وأفاق مراراً خلال الليل ، وغالباً ما كان يتطلع نحو السماء القاتمة ، التي لا يُرى في أعماقها ، غير نجوم متباعدة ، تنبض بأضواء بعيدة ، فيتحول بعينيه نحو الشاطىء الرملي ، ويرهف السمع ، فلا يسمع غير المياه ، وهي تزحف فوق الرمال ، ثم تنسحب متراجعة إلى البحر .
وتراءى له الصياد العجوز ، أكثر من مرة ، وهو يقول له : احذر الوزير العجوز ، إنه ثعلب ماكر غدّار .
وفكر سندباد ، ربما كان الصياد العجوز على حق ، فها هو المسكين يختفي ، لا أحد يدري أين ، وما هو مصيره ، لكن الوزير العجوز نفسه ، وعلى العكس من الملك الشرير ، عامله برفق ، ولم يطلب منه سوى أن يحاول إقناع الحرية ، بأن تزور الملك ، وتحاول معالجته .
وتراءى الملك الشرير لسندباد ، وكأنه يقف الآن أمامه ، بثيابه المزركشة ، وخنجره اللامع ، وجنونه الخطر ، ذلك اللعين ، لا يبدو مريضاً ، لكن من يدري ، لعل مرضه غير ظاهر ، مهما يكن ، فليأخذه الشيطان ، ويخلص الجزيرة منه .
وقبيل الفجر ، أفاق سندباد على صوت يعرفه ، يهتف به : سندباد .
واعتدل سندباد ، باحثاً عن مصدر الصوت ، الذي ظنه حلماً ، وتمتم هامساً : لؤلؤة !
وجاءه صوت لؤلؤة ، ليس من الحلم ، وإنما من وراء شجرة قريبة : أرجو أن يكون المكان آمناً ، يا سندباد .
وردّ سندباد قائلاً : اطمئني ، يا لؤلؤة ، تعالي ، لا أحد هنا ، أنا وحدي كما ترين .
وبرزت لؤلؤة من وراء شجرة قريبة ، وتقدمت منه متلفتة ، وهي تقول : يخيل إليّ ، يا سندباد ، أن الحرس يتربصون بي ، في كلّ مكان من الغابة ، لا أدري لماذا .
وردّ سندباد قائلاً : إنه الملك ، يا لؤلؤة ، يريد أن ..
وقبل أن يتم سندباد كلامه ، انقض عدد من الحرس المدججين بالسلاح ، من وراء الأشجار ، يتقدمهم حارس ضخم ، عكر السحنة ، وأحاطوا كالطوق الحديدي بالحورية لؤلؤة .
وتلفتت الحورية حولها خائفة ، وصاحت مستنجدة ، حائرة ، متوجسة ، بصوت مضطرب : سندباد !سندباد !
واندفع سندباد نحوها ، وهو يقول : دعوها ، أنتم ترعبونها ، دعوها ، دعوها ، سآخذها بنفسي إلى الملك .
وضربه الحارس الضخم بطرف رمحه ، وهو يقول : ابتعد أنتَ ، هذه مهمتنا .
وتهاوى سندباد على الأرض ، والدماء تنزف من جبهته ، وتوقفت الحورية بين الحرس ، تنظر إليه بمرارة ، وقالت : هذا ما لم أتوقعه منك أنت بالذات ، يا سندباد .
ودفعها الحارس الضخم أمامه ، وقال : هيا ، الملك ينتظرك على أحرّ من الجمر .
ومضت الحورية ، يحيط بها الحرس المدججون بالسلاح من كلّ جانب ، والدموع تغرق عينيها الزرقاوين ، اللتين بلون البحر .




" 12 "
ــــــــــــــــــــ

بعد تناوله لطعام الفطور ، راح الملك يتهيأ للذهاب إلى قاعة العرش ، تساعده كالعادة ، جاريته الشابة ، وحين انتهى من ارتداء ملابسه ، ووضع التاج على رأسه ، تأملته الجارية جيداً ، وقالت : أنت اليوم مستبشر ، يا مولاي .
وبدت في عينيّ الملك الضيقتين ، اللتين قلما تبتسمان ، نظرة حالمة ، وقال : رأيت الليلة في المنام أنني أطير .
فقالت الجارية الشابة مستبشرة : ليتحقق حلمك ، يا مولاي ، وتطير .
وهنا دخل الحاجب مسرعاً ، وقد علا وجهه الفرح ، وقال : مولاي ، أبشر .
والتفت الملك إليه متلهفاً ، فتمتمت الجارية الشابة فرحة : ستطير ، يا مولاي .
واقترب الحاجب من الملك ، وقال : جاء الحرس بحورية البحر ، وهي الآن في الجناح المخصص لها ، مع الوزير .
وعلى الفور ، انطلق الملك خارج جناحه ، والحاجب يهرول في أثره ، وتابعتهما الجارية الشابة بنظرها ، وهي تقول : طار الملك .. طار الملك .
واندفع الملك إلى الجناح المخصص لحورية البحر ، وإذا الوزير العجوز يقف منتصراً ، وعلى مبعدة منه ، تقف الحورية متكدرة حزينة ، لكن هذا لم يخفي جمالها النادر .
وتوقف الملك مبهوراً ، إلى جانب الوزير العجوز ، محدقاً في الحورية ، وتمتم : لؤلؤة!
ومال عليه الوزير العجوز ، وقال بصوت هامس ، لا يكاد يُسمع : لقد تحقق لنا بخداع سندباد ، يا مولاي ، ما لا يمكن أن يتحقق ، بأية وسيلة أخرى ، مهما كانت .
لكن حورية البحر سمعته ، وأدركت ما يرمي إليه ، مما زاد في كدرها وحزنها ، سندباد إذن لم يتوطأ معهما كما ظنت أول الأمر ، آه سندباد .
وقال الملك ، وعيناه مازالتا تحدقان في الحورية : اسمعني جيداً .
وقال الوزير العجوز : إنني أسمعك ، يا مولاي ، لك الأمر ، وعليّ الطاعة .
فقال الملك ، وعيناه الشرهتان تلتهمان حورية البحر : هذا الشاهد ، يجب أن يختفي .
فردّ الوزير العجوز : أمر مولاي ، سيتكفل زوار الفجر من الحرس ، تنفيذ هذه المهمة .
وتقدم الملك من الحورية ، وتوقف على مقربة منها ، يتأملها وكأنه يتأمل تحفة نادرة : لؤلؤة ..
وحدقت الحورية فيه ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتابع الملك قائلاً : أنتِ لؤلؤة حقاً .
وابتسم الوزير العجوز ابتسامته المعروفة ، وقال : لا تليق إلا لملك مثلك ، يا مولاي .
وقال الملك ، وعيناه مازالتا تلتهمان قسمات وجه الحورية : وهذا ما ينبغي أن يكون .
ومال الملك على الحورية : لؤلؤة ..
وتراجعت الحورية قليلاً ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتابع الملك قائلاً : أصغي إليّ جيداً .
وحدقت الحورية فيه ، ومرة أخرى ، لم تتفوه بكلمة ، فقال الملك : الجميع في هذه الجزيرة يعرفون ، أن ما أريده أحصل عليه ، أو أزيله من وجه الحياة كلها .
وصمت الملك لحظة ، ثم قال : أنت لي ، لقد حصلتُ عليك ، وستكونين لي ، أو لا تكوني ، ستكوني الأولى بين جواريّ ، لؤلؤة لآلئي ، أو لا تكوني أيّ شيء .
وتراجع الملك قليلاً ، ثم قال : هذا جناحك ، وستكون لك وصيفاتك ، سأذهب الآن ، وحين أعود ليلاً ، أريد أن أراك لؤلؤتي حقاً .
وخرج الملك من الجناح ، ولحق به الوزير العجوز ، وهمس له ، وهما في طريقهما إلى قاعة العرش : مولاي ..
وردّ الملك ، دون أن يتوقف : صحيح إنها لؤلؤة ، لكنها امرأة ، وأنا كما تعرف ، لم تقف في وجهي امرأة ، مهما كانت .
وقال الوزير العجوز ، وهو يسير في أثر الملك : أنت محق ، يا مولاي ، ولكن علينا أن لا ننسى أنها حورية من حوريات البحر .
ودخل الملك قاعة العرش ، وقال وكأنه يضع حداً لحديثه مع الوزير العجوز : لم أنسَ ، ولكن لا تنسَ أنت ، من أنا ، أنا ملك الجزيرة كلها .
وتوقف الوزير لحظة ، وقد لاذ بالصمت ، ثم دخل قاعة العرش ، في أعقاب الملك ، وتوقف على مقربة منه ، دون أن يتفوه كلمة واحدة .



" 13 "
ــــــــــــــــــــ

بين عشية وضحاها ، وعلى غير المتوقع ، تغير الحال ، ليس في القصر وحده ، وإنما في الجزيرة كلها ، وانقلب كل شيء رأساً على عقب .
كيف جرى هذا ؟
ومن كان وراءه ؟
هذا ما لم يعرفه ، وربما لن يعرفه أحد ، حتى النهاية .
ففي ساعة من ساعات الليل ، اختفت الحورية لؤلؤة من القصر ، واختفى معها تماماً ، ويا للغرابة ، الملك الشرير نفسه ، وكأنّ لم يكن له وجود مطلقاً ، في أي مكان من الجزيرة .
هذا ما عرفه الجميع ، منذ فجر اليوم التالي ، لكن ماذا حدث بالضبط ؟
وكيف حدث ذلك ؟
هذا ما لم يعرفه أحد من السكان .
قيل ، والعهدة على القائل ، أن الحورية هربت من القصر ، هربت وحدها ؟ أمر لا يعقل ، لابدّ أن أحداً ، والحالة هذه ، قد ساعدها على الهرب ، ولحق بها الملك ، وكما اختفت الحورية ، مثل ـ فص ملح وذاب ـ اختفى الملك ، دون أن يترك وراءه أثراً يذكر .
وقيل ، وهذا أكثر غرابة ، ولا معقولية ، أن ابن عم الحورية ، وهو من جبابرة أعماق البحار ، ويقال أنه كان خطيبها ، تسلل إلى القصر ليلاً ، كيف حدث ذلك ؟ وأين كان الحرس المدججون بالسلاح ؟ المهم هذا ما قيل ، تسلل إلى القصر ، فأخذ ابنة عمه الحورية ، ومعها أخذ الملك نفسه ، بعد أن قيده ، وكمم فمه ، ثم غاب الثلاثة في عتمات أعماق البحر .
وعلى الفور ، تجمع الناس حول قصر الملك فرحين بالخلاص من الملك الشرير ، وسرعان ما اتجهوا نحو السجن ، وأطلقوا سراح الملك الطيب ، ، عاونهم في ذلك جميع الحرس ، وحملوه على الأعناق مهللين ، وعادوا به إلى العرش ، وعاد كلّ شيء إلى مجراه الأول ، قبل أن يغتصب الملك الشرير العرش ، ويحكم الجزيرة وأهلها الطيبين ، بالحديد والنار .
ودعا البعض إلى إلقاء القبض على الوزير العجوز ، وتقديمه إلى القضاء ، ليقول فيه كلمته العادلة ، لكن الملك الطيب ، وربما لكبر سن الوزير ، فضل أن يعزله ، ويبقيه في قصره ، لا يغادره مطلقاً ، حتى النهاية .
وعلم سندباد بما جرى ، وشعر بالفرح لنجاة الحورية من براثن الملك ، وإن ظل على شعوره بالمرارة ، لما قد تظنه فيه .
وفي اليوم التالي ، أرسل الملك الطيب في طلب سندباد ، واستقبله مرحباً في قاعة العرش ، وقال له : نحن نعتذر عما أصابك ، وهذه ليست من شيم أهالي هذه الجزيرة ، ولك أن تبقى بيننا معززاً مكرماً ، أو تعود إلى وطنك ، على أول سفينة ترسو إلى شواطىء جزيرتنا .
وبدا سندباد مرتاحاً إلى ما قاله الملك ، لكنه قال : أشكرك ، يا مولاي ، إنني مشتاق إلى أهلي ووطني ، وأفضل العودة إلى الوطن .
وابتسم الملك الطيب ، وقال : لك هذا ، وقد خصصنا مؤقتاً قصراً من قصورنا تقيم فيه ، إلى أن ترحل إلى وطنك .
وبدل أن يسكن سندباد القصر ، الذي خصصه له الملك الطيب ، عاد إلى مكمنه بين الأشجار الكثيفة ، التي تطل على شاطىء البحر .
وانتظر في مكمنه ، يوماً بعد يوم ، وليلة بعد ليلة ، وخاصة عندما اكتمل القمر ، وصار بدراً ، أن تأتيه الحورية ، ولو مرة واحدة ، ليوضح لها أنه لم يخنها ، وأنه لم يغدر بها ، ويبيعها للملك الشرير ، ولن يبيعها حتى لقاء لآليء العالم كله .
وذات ليلة ، غاب فيها القمر ، استيقظ سندباد من نومه فجأة ، كأن أحدهم أيقظه ، ففتح عينيه ، وخفق قلبه فرحاً ، فقد لمح على بعد خطوات منه ، في عتمة الليل ، لؤلؤة كبيرة تشع ، فهب واقفاً متلفتاً حوله ، الحورية لؤلؤة كانت هنا ، جاءته وهو نائم ، وقدمت له أعز ما تملك ، اللؤلؤة الكبيرة ، التي أهدتها لها أمها ، لتحييه وتقول له ، إنها تعرف عواطفه ، وتعرف أنه لم يخنها ولن يخونها .
وأخذ سندباد اللؤلؤة الكبيرة بين يديه ، ولعلها أكبر لؤلؤة في العالم ، وضمها بين يديه ، وكأنه يضمها إلى قلبه ، وهي مازالت معه ، وستبقى معه حتى النهاية ، فهي هدية لؤلؤة البحر ، الحورية الحبيبة .. لؤلؤة .




" 14 "
ــــــــــــــــــــ


هيأ الخدم ، على عادتهم كلّ مساء ، مجلس سندباد ، الذي يسمر فيه مع أصدقائه وخاصته ، ليلة كلّ يوم .
وأقبل سندباد ، وقد ارتدى أجمل ملابسه ، وجلس في مكانه المعتاد ، فتقدم منه الحاجب ، وقال : سيدي سندباد .
ورفع سندباد عينيه إليه ، وقال : نعم .
فقال الحاجب : ضيفنا الحمال ينتظر في غرفته أمركم ، يا سيدي .
فأشار له سندباد قائلاً : اذهب ، وأتي به .
وانحنى الحاجب قليلاً ، وقال : أمر سيدي .
ومضى الحاجب ليأتي بالحمال سندباد ، واتكأ سندباد على إحدى الوسائد الوثيرة ، وراح يستعيد سريعاً ما قرر أن يرويه للحمال .
سيحدثه في الرحلة الأولى ، عن الحوت الضخم ، الذي ظنوه جزيرة ، وعن طائر الرخ ، في الرحلة الثانية ، وكيف أن محيط بيضته " 50 " خطوة ، وسيحدثه عما رآه ، في الرحلة الثالثة ، من جنّ وعجائب المخلوقات البحرية ، وفي الرحلة الرابعة ، سيحدثه عن العواصف ، التي حطمت السفينة ، وكيف أنه نجا مع بعض أصحابه ، بعد أن تعلقوا بلوح خشبي ، ووصلوا إلى جزيرة قوم عراة ، وسيحدثه عن الرخ ، في الرحلة الخامسة ، وكيف انقض على سفينتهم ، وأغرقها بمن فيها ، لأن التجار كسروا إحدى بيضاته ، وقتلوا فراخه ، وأكلوا لحومها ، وكيف أنهم تاهوا في البحر ، في الرحلة السادسة ، وتحطمت سفينتهم قرب إحدى الجبال الشاهقة ، ولجأ الناجون منهم إلى جزيرة ، فيها كنوز من الجواهر والياقوت والمعادن الثمينة ، كما سيحدثه عما جرى له ، في الرحلة السابعة والأخيرة ، التي وصلوا فيها إلى الصين ، وكيف صادفوا بعدها ، عدداً من الحيتان الضخمة الشرسة ، التي هاجمت إحداها السفينة وحطمتها ، ولم ينجُ أحد غيره ، حيث تعلق بلوح من الخشب ، وصل به إلى إحدى الجزر المأهولة ، عاد بعدها إلى بغداد ، وأقسم أن لا يسافر ثانية ، بعد أن استغرق في رحلاته السبع " 27 " عاماً .
وتململ سندباد في مكانه ، وفكر ثانية ، سيحدثه عن كلّ هذا وبالتفصيل ، ثم يكرمه ، ويمنحه مبلغاً من المال ، يقيه شرّ الحاجة والعوز ، لكن شيئاً واحداً لن يحدثه عنه ، كما لم ولن يحدث أحداً عنه ، وسيبقى في داخله ، كما اللؤلؤة في قوقعتها ، نعم الحورية اللؤلؤة ، لن يحدثه عنها ، وستبقى تضيء داخله ، وتدفئه ، طول العمر .
وأفاق سندباد على الحاجب ، يميل عليه ، ويقول : سيدي .
ورفع سندباد عينيه إليه ، وقال : نعم .
فقال الحاجب : الضيف سندباد ، يا سيدي .
وتنهد سندباد ، وقال : أهلاً به ، ليتفضل .
وأقبل سندباد الحمال ، وجلس حيث أشار له سندباد ، على حشية وثيرة قبالته ، وقال له : أهلاً بالضيف العزيز سندباد ، سأحدثك الليلة عن رحلاتي السبع ، التي استغرقت " 27 " عاماً .
واعتدل سندباد الحمال في جلسته ، وقال متلهفاً : كلي آذان صاغية ، يا سيدي .
وبدأ التاجر سندباد ، يروي للحمال سندباد ، رحلاته السبع ، الواحدة بعد الأخرى ، ولكن ، وكما قرر منذ البداية ، لن يروي له ، أو لغيره ، لا الآن ولا في المستقبل ، حكايته الغريبة ، التي لا تكاد تصدق ، مع حورية البحر .. لؤلؤة .



#طلال_حسن_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية للفتيان دروفا ـ نارانا ...
- رواية للفتيان سامو وسومو ...
- رواية للفتيان النمر ...
- رواية للفتيان البديل طلال حسن
- رواية للفتيان الزواج المقدس ...
- رواية للفتيان رجل النار ...
- شجرة الزيتون
- رواية للفتيان فتاة الحلم طلال حسن
- رواية للفتيان طيف الاهوار
- اللبوة الجريحة
- رواية للأطفال حي ابن الإنسان ...
- رواية للفتيان جزيرة القمر ...
- رواية للفتيان الجوهرة المفقودة طلال ...
- رواية للفتيان كوخ في أعلى الجبل
- رواية للفتيان إله الدمار ...
- جايا الغزالة
- رواية للفتيان شترا و ريشيا ...
- رواية للفتيان النمر طلال حسن
- الهدنة
- رواية للفتيان وادي الافاعي ...


المزيد.....




- فرح أولادك بأفلام الكرتون المدبلجه .. تردد قناة سبونج بوب ال ...
- فوز فيلم -أنورا- الأمريكي بالسعفة الذهبية في كان.. ومخرج إير ...
- -روتانا- تتهم فنانة مصرية شهيرة بالتشهير
- السعفة الذهبية بمهرجان كان لفيلم -أنورا-
- مهرجان كان: المخرج الأمريكي شون بيكر يتوج بالسعفة الذهبية عن ...
- رحيل الشاعر الأردني زياد العناني عن 62 عاما
- السودان.. رحيل أشهر عازفي -البيكلو- أسامة بابكر التوم يجدد أ ...
- فيلم -آرثر الملك-.. قصة حقيقية عن حيوان أنقذ حياة فريق من ال ...
- الحلقة 26 من مسلسل صلاح الدين الايوبي الحلقة السادسة والعشري ...
- EgyBest: ايجي بست لمشاهدة الافلام والمسلسلات مترجمة مجاناً ب ...


المزيد.....

- أبسن: الحداثة .. الجماليات .. الشخصيات النسائية / رضا الظاهر
- السلام على محمود درويش " شعر" / محمود شاهين
- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال حسن عبد الرحمن - رواية للفتيان السندباد البحري طلال حسن