أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد محضار - فاقد الشيء














المزيد.....

فاقد الشيء


محمد محضار
كاتب وأديب

(Mhammed Mahdar)


الحوار المتمدن-العدد: 7304 - 2022 / 7 / 9 - 10:15
المحور: الادب والفن
    


المكان مقصف الكلية
الزمان الصباح
موسيقى غربية تصدح من الحاكي. الطلبة والطالبات يتناولون إفطارهم
كان يجلس في أقصى اليمين وحيدا، أمامه هلالية وكوب قهوة سوداء، وفي يده تحترق لفافة تبغ رخيص، عيناه كانتا زائغتين، لا تكادا تثبتان على شيء، وجهه كانت تعلوه صُفرة وشُحوب، على مقربة منه كانت تَجلس طالبتان، سمراء وشقراء، كانتا تدخنان بنهم، وتدردشان بلغة فرنسية خالصة.
قالت الشقراء :
-البارحة يا صديقتي، قضيت ليلة ممتعة مع شاب لطيف وسخي، تصوري أنه دعاني للعشاء بفندق النفيس، وفي الفيلا التي قضينا بها بقية الليل، قدم لي هذا الخاتم من الماس.
افتر ثغر الفتاة السمراء عن ابتسامة مغرية، وقالت :

-إنك ساحرة عزيزتي ، وعيناك الزّقاوان تستعبد كل الرجال
ردت الشقراء:
-عيب صديقي الوحيد أنه متزوج .. لكن لا يهُم ما دام يصرف عليّ بسخاء
-لابد أنه ابن لأحد كبار الميسورين
-بل هو رجل أعمال يملك مصنعا للمُربّى، وثلاثَ مَقَاهٍ
-والله يا صديقتي، هذا صيد ثمين، سيملأ جُيوبك ذهبا، فلا تُضيّعي الفرصة، .
غَيّرتِ الفتاة الشقراء جلستها، ووضعت ساقا على ساق، فانحسر ثوب تَنّورتها، وتجاوز رُكبتيها بِعدة سنتيمترات، أَشعلت لُفافة تبغ، نفثت دُخانها بِانتشاء وقالت:

-ترى أين وصلتْ فصول حكايتك، مع ذلك المهووس بحبك، الذي يطاردك؟
-أتعنين صاحب قصائد الغزل؟؟؟؟
-نعم
-إنني أشفق عليه من أفكاره المتخلفة، فهو على ما يبدو، مازال يعيش بعقلية عصور الأزمنة الحجرية، ويحتاج إلى من يغيره.. تَصوري أنه يغرقني بالقصائد، رغم جفوتي له، وتجاهلي إياه
-إنني أكره هذا النوع التقليدي من الشبان
-لكنهم يقولون أنه النوع الأكثر إخلاصا
-أنا لا أُؤمن بالمثاليات. نَظرتي للحياة مادية صَرفة
ألقت الفتاة السمراء نظرة على ساعتها، رفعت رأسها إلى صديقتها وقالت :
- -هل ستحضرين حصة البصريات؟
- -لا .. فقد مللت من ثرثرة ذلك الأستاذ العجوز .. وأنت؟
-أنا أيضا لن أحضر
غادرت الفتاتان المقصف تحت وابل من نظراته الجائعة، تراقصت بباله جُمل الحوار الذي دار أمامه. شعر بالاحتقار إزاء نفسه، دَبّ الوهن في أعضاء جسده، وتغلغل في أعماقه، رسم القرف على سحنته ألوانا متمازجة من انعدام الرغبة والدونية .
الإنسان يحس أحيانا إذا تمادى في التفكير أنه يعيش دون هدف، دون غاية، وأن خصوصياته مهدورة، وفرديته غائبة، بالمقارنة مع البعض الآخر، ممن جادت عليهم الأقدار باليُسر، وسعة الحال، فهم يتمتعون بلب الأشياء، ويتذوقون قيمة الحياة بحق، أما أمثاله، فإنهم يكتفون بالفتات، ويقنعون بالأشياء الأقل جودة
ترك المقصف، التحق بالمُدرج الثالث، كان الأستاذ الفرنسي قد بدأ في إلقاء محاضرته حول تكوين الخلية، جلس في الخلف، ضاعت نظراته بين الوجوه، لم يكن يسمع شيئا، أو يفهم شيئا..
انتهت المحاضرة عاد إلى البيت، قابلته أمه بأسمالها البالية، وأسنانها الصفراء البارزة، تجاهلها ودخل غرفته الضيّقة التي يتقاسمها مع أخيه، اِرتمى على السرير الخشبي، وغاب في لجّة من الأفكار، تبعته أمه، اِقتربت من السرير، قرفصت، مدت يدها المتغضنة، ولمست شعره بحنو ثم قالت:
-مالك يا بني.. لماذا أنت على هذا الحال؟
رفع رأسه تأملها مَلِيا، رد عليها بتجاهل:
-لا شيء، أشعر ببعض الصداع في رأسي، وأريد أن أرتاح، أدخلت يدها في جيب سروالها البلدي، وأخرجت حِرزا، مَدّته له قائلة:
-خد هذا الحرز ، ضعه في جيبك، فقد خططته لك عند جارنا الفقيه بُوجَرّة، سيحميك من عين البشر، ويساعدك في دراستك
أخذ منها الحرز، ألقى عليه نظرة ازدراء، ثم رمى به من النافذة المفتوحة وصرخ في وجهها :
-كفى.. دعيني أعيش الواقع كما هو
لكن يا بني، حرز الحاج بُوجرّة كله بركات
-بوجرّة محتاج إلى من يمنحه البركة، إنه مجرد مشعوذ أفّاق، يضحك على السُدّج والبسطاء.. أرجوك أُتركيني لحالي..
خرجت الأم تجر أذيال الخيبة، وتلعن هذا الزمن وجيله العاق. خيم صمت رهيب على الغرفة الضيقة.. استعاد صاحبنا من جديد شروده، وغاب في عالم أحلام اليقظة يَعب منه فهو عزاء فَاقد الشيء في هذا الأيام الشاحبة..



مراكش 1980


نشر هذا النص بجريدة بالعلم يوم 22 غشت 1985



#محمد_محضار (هاشتاغ)       Mhammed_Mahdar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فارس من زمن الصمت
- قتل مع سبق الإصرار
- فتنة الصمت
- نص سردي : الصرخة
- شاعر يحكي
- مراكش تبتسم
- لقاء جديد
- قصة للأطفال : خروف العيد
- ابتسامة عابرة
- سقوط نجمة
- قصة قصيرة : غربان الجزيرة
- همسة الحب
- كل هذا الحب
- سنوات العمر الضائعة
- الغاية تبرر الوسيلة
- يقظة ضمير
- استيهامات صباحية
- رحلة ضياع
- ابنة النور
- الكتابة فعل وممارسة


المزيد.....




- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...
- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد محضار - فاقد الشيء