أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد فاروق عباس - جمال عبد الناصر وونستون تشرشل ..















المزيد.....

جمال عبد الناصر وونستون تشرشل ..


أحمد فاروق عباس

الحوار المتمدن-العدد: 7299 - 2022 / 7 / 4 - 20:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يأتى شهر يوليو من كل عام ومعه رياح السموم المعتادة ضد ثورة يوليو ١٩٥٢ وقائدها البطل جمال عبد الناصر ..

وبرغم تعدد صور الهجوم على عبد الناصر ، إلا أنه أتخذ في السنوات الأخيرة شعارا يكاد يكون موحدا ، يرفعه كل خصومه على إختلاف مشاربهم ، من أنصار العهد الملكى إلى أنصار الإخوان المسلمين ، ومن كبار ملاك الأراضى السابقين إلى كبار رجال الأعمال الحاليين ..

والشعار الذى يرفعه هؤلاء فى السنوات الأخيرة أن عبد الناصر كان متخصصا في الهزائم ، ويلعبون على جهل الناس بتاريخ بلدهم والبلدان الأخرى ..

ولا أعرف كيف يكون بطلا للهزائم من أخرج واحدة من أكبر امبراطوريات التاريخ - وهى الإمبراطورية البريطانية التى لم تكن تغيب عنها الشمس - من مصر ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من غير المسرح السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط كله بمجيئه ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من تحدي أكبر دولتين اوربيتين - بريطانيا وفرنسا - وأمم قناة السويس رغم انفهما ، ونجح في استخلاصها لمصر من فم الأسد البريطانى والوحش الفرنسى ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من أيقظ شعوبا من رقدة القرون الطويلة ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من ساعد ثورة الجزائر عام ١٩٥٤ بالمال والسلاح حتى انتصرت عام ١٩٦٢ ؟!
كيف يكون بطلا للهزائم من وقف بجانب ثورة اليمن حتى أصبحت جمهورية مستقلة فى جنوب شبه الجزيرة العربية ؟!

ولكن ..
ربما من يتكلم عن الهزائم يقصد حرب ١٩٦٧ ..
وهى هزيمة قاسية حقا ، واعترف بها عبد الناصر بنفسه ..

ولكن ينسى الناس أن وراء حرب ٦٧ قصة كاملة ، يصر أغلبهم على تجاهلها ، قصة بدأت من يوم أصر عبد الناصر أن يبنى في مصر دولة حرة مستقلة ذات سيادة ، لا تأخذ أوامرها من لندن أو باريس أو واشنطن أو موسكو ..

وبرغم الأخطاء التى وقع فيها عبد الناصر وقادة الجيش فى إدارة الحرب ، فلم يكن ذلك ضمن الخوارق أو الأمور غير المألوفة ، بل هى قصة الحرب منذ نشأ الإنسان .. نصر مرة وهزيمة مرة ، نجاح مرة واخفاق مرة ..

أقصد أن الأمم تنتصر وتنهزم ، وتصعد وتتعثر ، وتتقدم وتتأخر ، وهذا هو حالها مع الزمن ودورته ، ومع الأيام وتقلباتها ..

وفى تجارب الأمم أمثلة لا تنتهى ..

وسنأخذ منها مثالين لشخصيتين ، رفعتهما اممهم إلى مصاف الخالدين برغم هزائم مروعة تسببوا فيها ، ولكن الحساب النهائى كان في صفهما ، وهما نابليون بونابرت وونستون تشرشل ..

١ - قاد نابليون بونابرت فرنسا بعد اضطرابات ثورتها الكبرى ، وبدلا من بناء فرنسا من الداخل بعد أن انهكها حكم الإقطاع والملكية المستبدة قاد الجيوش الفرنسية لاحتلال أوربا والشرق ؛ فبعث بجيوشه إلى ايطاليا وإسبانيا وألمانيا واراضى الإمبراطورية النمساوية المجرية ، كما ذهب بجيشه إلى روسيا وتجمد هناك فى جليد روسيا وشتاءها المرعب ، ومات من جيشه مئات الآلاف ..

وجاء هنا إلى مصر ، يحاول تكوين امبراطورية شرقية ، تقطع طرق مواصلات إنجلترا إلى درة التاج البريطانى .. الهند ، ومكثت حملته فى مصر ثلاث سنوات دون أن تحقق شئ ..

وبعد عقدين من الحروب المتواصلة فى أوربا وروسيا والشرق تحالف ضد النسر الفرنسى ممالك أوربا كلها وفتكوا به فى معركة واترلو ، وانهزم نابليون وتم أسره ووضعه فى جزيرة سانت هيلين حتى مات !!
وتقدمت جيوش الحلفاء إلى فرنسا تعبث بها كما تشاء ..

وبرغم مئات الآلاف من القتلى الفرنسيين ، وبرغم هزائم نابليون المروعة ، مازال الفرنسيون يعتبرونه أعظم إسم فى تاريخ فرنسا الحديث ..

٢ - ونستون تشرشل ..
كان تشرشل وزيرا للبحرية البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى ، وهو مهندس والمسئول الأول عن أكبر هزائم بريطانيا فى الحرب - ويعدها أخرون أكبر هزائم بريطانيا عموما حتى ذلك التاريخ - وهى هزيمتها المذلة في جاليبولى ( الهجوم على الدردنيل ) عام ١٩١٥ ..

كان تشرشل دائم الإلحاح على مجلس الوزراء البريطانى بفتح جبهة الدردنيل ، والاستيلاء على شبه جزيرة جاليبولى ، تمهيدا لاحتلال تركيا وطرد الألمان منها ، وفتح الطريق لمساعدة روسيا فى حربها مع الألمان ..

وكان أكبر قواد البحرية البريطانية جون فيشر ضد هذه الفكرة تماما ، وتغلب رأى السياسة على رأى المتخصصين العسكريين ، وبدأت العمليات العسكرية فعلا بطلب من تشرشل فى فبراير ١٩١٥ ..

وقبل بدء الهجوم الرئيسي بثلاثة أيام تم تنحية قائد القوات البريطانية بحجة مرضه ، وفشل الهجوم تماما ، ومنيت القوات البريطانية بخسائر فادحة ..

وأصر تشرشل على إعادة الهجوم على جاليبولى مرة أخرى ، واسندت قيادة القوات البريطانية إلى قائد ثالث ، وفى أبريل بدأ الهجوم الثانى ، وتكبدت القوات البريطانية خسائر كبيرة وفشل الهجوم للمرة الثانية !!

وأصر تشرشل على إعادة الهجوم مرة ثالثة !!
استمرت المناوشات وحرب الاستنزاف طوال يونيو ويوليو ، وفى أغسطس بدأ الهجوم البريطانى ، وفشل الهجوم للمرة الثالثة ، ومثل المرتين السابقتين تكبد الجيش البريطانى المنهزم خسائر هائلة ..

وفى هجوم أغسطس الأخير تكبد فيلق انزاك وهو القوة الضاربة في الجيش البريطانى ١٢٥٠٠ قتيل ( ثلث الفرقة كلها ) وفقدت الفرقة الأسترالية النيوزلندية ٥٨٠٠ رجل ، وفقدت الفرقة ١٣ وحدها ٥٠٠٠ رجل ، ومات ٧١١ من أصل ٧٦٠ جندى من كتيبة ولنجتون الشهيرة ..

وكان لمصر نصيبها من المشاركة في المجهود الحربى البريطانى ، فقد امتلأت كل مستشفيات مصر بالجرحى والمصابين البريطانيين ، ولما لم تكفى استولى البريطانيون على المدارس والفنادق وحولوها الى مستشفيات عسكرية !!

ومنعت الرقابة البريطانية على الصحافة فى مصر - والهند - نشر أى أخبار عن الهزائم البريطانية المروعة فى جاليبولى والدردنيل خوفا من فقدان بريطانيا لهيبتها في أعين الشعوب التى تستعمرها !!

ومن الجدير بالذكر أن معركة جاليبولى هى التى صنعت من مصطفى كمال أتاتورك الاسم الأكبر والأهم فى تاريخ تركيا الحديث ، فقد كان هو قائد القوات التركية المدافعة عن جاليبولى ..

أنسحب الجيش البريطانى تماما من جاليبولى فى ديسمبر ١٩١٥ ، وفى الإنسحاب تركت القوات البريطانية كميات كبيرة للغاية من السلاح ..

وبلغ اجمالى خسائر الحرب فى جاليبولى ٢٣٠ ألف جندى قتيل ( منهم ٢٧ الف فرنسى ، حيث شاركت فرنسا بجزء صغير في الحملة ، ونحو ٢٠٣ ألف قتيل من الجيش البريطانى ) ..

.. لم يعترف تشرشل بأخطاءه القاتلة في الحرب توقيتاً وتخطيطاً وتنفيذاً ، وألقى بالمسئولية على أخطاء التنسيق وأخطاء العسكريين في الحملة ، وقد وصفه أحد الصحفيين الإنجليز المشاركين في الحرب فى جاليبولى بأنه " رجل نرجسي ، يعيش حالة إنكار كاملة بشأن الكارثة العسكرية التى حرض عليها " ..

( المصدر الرئيسى الذى اعتمدت عليه هو كتاب " الحرب العالمية الأولى فى الشرق الأوسط " لكريستيان كوتس أولريخسن ، ونسخة من الكتاب متاحة أونلاين بصيغة pdf ، لمن يريد الاطلاع عليها ، والجزء الخاص بحملة جاليبولى يغطى الصفحات من ١٢٥ - ١٥٣ ) ..

استقال تشرشل من الوزارة بعد تلك الهزائم المدوية وذلك الفشل الكامل ..

الغريب أن نفس ذلك الرجل المسئول الأول عن أكبر هزائم بريطانيا فى الحرب العالمية الأولى هو نفسه من تولى قيادة بريطانيا فى الحرب العالمية الثانية !!

وتحققت على يديه هزائم كبرى لبريطانيا فى الحرب العالمية الثانية أيضا ، نذكر منها اثنتين :
١ - الانسحاب البريطانى المذل أمام الألمان من دنكرك في فرنسا عام ١٩٤٠ ..
٢ - هزيمة بريطانيا الكارثية فى سنغافورة أمام اليابان فى فبراير ١٩٤٢ ، وقد اعترف تشرشل بهزيمة بريطانيا القاسية فى سنغافورة ، ومقتل ٨٥ ألف من جنودها ( مقابل ٤٤٠٠ فقط من اليابان ) وأسر ٨٠ ألف جندى بريطانى !!!

ولكن هناك من يقول .. ان بريطانيا برغم تلك الهزائم المذلة انتصرت فى كلا الحربين ..
والجواب ..
ان بريطانيا لم تنتصر في كلا الحربين ..
بل إن دخول الولايات المتحدة الأمريكية بقوتها ومواردها الهائلة هو من جعل إنتصار بريطانيا ممكنا ..

ولولا دخول الولايات المتحدة الحربين وانقاذها لبريطانيا لكانت خسارتها الحربين محققة ولا شك فيها ..
وليس صحيحا أن أمريكا دخلت الحربين بعد أن كانت نتيجتها تحصيل حاصل ، بل كان دخولها فى كلا الحربين هو ما رجح كفة على أخرى ..
وليقارن أحد الموقف العسكرى البريطانى قبل دخول أمريكا وبعده فى كلا الحربين ..

وإذن ماذا ؟
ألم يكن تشرشل - خلافا للدعاية البريطانية الصاخبة - هو رجل الهزائم فعلا فى بريطانيا ؟!

تمت تغطية كل هزائم تشرشل واعتبرت أمورا طبيعية تحدث في كل الحروب !!
على العكس .. أعتبر تشرشل هو أبو الانتصارات في بريطانيا ، والاسم الأكبر فى بريطانيا فى المائة عام الأخيرة !!

بينما حولت نفس الدعاية البريطانية - وتوابعها من الإخوان وأنصار العصر الملكى والاحتلال البريطانى - الرجل الذي طرد الإنجليز من مصر ، وأرجع أهم ممر مائي فى العالم لملكية بلاده ، واقام الصناعة فى أقدم بلد زراعى في العالم ، وساعد فى تحرير الجزائر واليمن والعراق وإمارات ومشيخات الخليج العربي رجلا للهزائم !!

إلى هذا الحد تعمل الدعاية فى ذاكرة الشعوب ؟!



#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 30 يونيو 2013 ... أسئلة وأجوبة .
- المعنى الحقيقى لما حدث فى مصر فى 30 يونيو 2013 ..
- الديموقراطية الأمريكية
- العراق ولبنان .. وأسئلة حول الديموقراطية !
- لماذا يدافع الإخوان عن تركيا بهذه القوة ؟!
- الخداع في السياسة .. بين المتقدمين والمتأخرين
- قصتنا مع تركيا
- الوحش ينتفض مرة ثانية !!
- ابن تيمية ونحن والغرب
- ليس سيئا إلى هذه الدرجة ..
- مصر .. بين الأمس واليوم
- هل هو فجر عصر جديد ؟
- أنظروا في المرآة !
- يا شباب المسلمين .. فين العزة وفين الدين ؟!!
- عصر الإيمان
- الشك والإيمان .. والسياسة
- قبلة الموت .. الدور الإسرائيلى الجديد والغريب في العالم العر ...
- لماذا يعشق الغرب الديموقراطية إلى هذه الدرجة ؟!
- الاقتصاد والمخابرات ..
- عالم أعيد بناءه


المزيد.....




- قضية حشد تأييد للإمارات والأزمة مع قطر وعشاء محمد بن سلمان ب ...
- قضية حشد تأييد للإمارات والأزمة مع قطر وعشاء محمد بن سلمان ب ...
- بدعوى شتمته والتشهير به.. ترامب يقاضي (سي إن إن) ويطالب بتعو ...
- كوريا الشمالية تطلق صاروخا -غير محدد- حلق فوق اليابان.. وطوك ...
- القوات الأوكرانية تستعيد مناطق في خيرسون وتستعد لمعارك في لو ...
- لأول مرة منذ 2017.. كوريا الشمالية تطلق صاروخا بالستيا يحلق ...
- تسريبات تكشف عن هاتف Galaxy المنتظر من سامسونغ
- روسيا تطوّر بزّات فضائية جديدة لرحلات القمر
- حجب خدمات Google Translate في الصين!
- إيران: خامنئي يتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء ال ...


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد فاروق عباس - جمال عبد الناصر وونستون تشرشل ..