أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جدو جبريل - الدعوة إلى إحياء -الخلافة الإسلامية- بعيون غربية 2















المزيد.....


الدعوة إلى إحياء -الخلافة الإسلامية- بعيون غربية 2


جدو جبريل
كاتب مهتم بالتاريخ المبكر الإسلامي والمنظومة الفكرية والمعرفية الإسلامية

(Jadou Jibril)


الحوار المتمدن-العدد: 7257 - 2022 / 5 / 23 - 19:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


محور : نظرة الغرب للإسلام

هل يعتبر نظام الخلافة نظاما ديكتاتوريا ؟

عموما، بدافع الكراهية المطلقة للديمقراطية ، يولد كل مشروع شمولي نظامًا ديكتاتوريًا ، يقوده زعيم واحد كامل القوة ، يسود على شعب مؤطر من قبل حزب واحد يحتكر الدولة ويجعلها الأداة المطلقة لهيمنته. لا يوجد كتاب يصف هذا النوع من النظام بشكل أفضل من الرواية التي نشرها "جورج أورويل" تحت عنوان "1984" (1) في سنة 1949.
_____ (1) رواية تحكي عن ظروف الأطفال والمراهقين في ظل النازية بالمرموز _____

كره الديمقراطية والعداء لها
تتحد الأيديولوجيات الشمولية في كراهيتها للديمقراطية. هكذا قال "موسوليني" في عرضه للعقيدة الفاشية: "تنكر الفاشية أن العدد ، بمجرد حقيقة كونه رقم ، يمكن أن يوجه المجتمعات البشرية. ينفي أن هذا العدد – ويعني الأغلبية- يمكن أن يحكم من خلال التشاور الدوري. إنه يؤكد عدم مساواة الرجال التي لا تمحى ، والخصبة ، والخيرة التي لا يمكن موازنتها بفضل حقيقة ميكانيكية وخارجية مثل الاقتراع العام. [...] الفاشية ترفض في الديمقراطية الكذبة التقليدية السخيفة المتمثلة في عدم المسؤولية الجماعية ، وأسطورة السعادة والتقدم غير المحدود ". وجادل هتلر في كتابه "كفاحي" بأن "العباقرة ذوي القدرات الاستثنائية لا يخضعون لنفس القواعد التي تخضع لها البشرية العادية. لا يوجد قرار بالأغلبية ، فقط القادة المسؤولون [...] بحكم طبيعتها ، لا يمكن لمنظمة ما أن تعيش إلا من خلال قيادة عالية ذكية ، تخدمها كتلة توجهها المشاعر ".
ويبدو أن نظام الخلافة يسير على هذا المنوال، إذ أن المدافعين عليه يعتبرون أن قيم الجمهورية والديمقراطية هي فقط شبكة من الأكاذيب والكفر الذي أمره الله بقتاله ونبذه مع إعلان كفر أتباعه. ويتحججون بجملة من الدفوعات، أهمها:
- العلمانية هي فصل الدين عن شؤون الدولة.، في حين المسلم يعلم، علم اليقين، أن الله وحده هو المشرع ، وأن من يضع القوانين خارج إطار القرآن والسنة فهو كافر لأنه يشرع وكان الله. ويؤسسون حكمهم هذا على "الآية 40 من سورة يوسف:
"مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"

- لا يقبل الإسلام حرية الضمير لأن النبي قال: "أُمرتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله تعالى". كما يستشهدون بالحديث الوارد في صحيحي مسلم والبخاري ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) .

- الإسلام دين العدل ولا يؤمن بالمساواة كما تقرها مبادئ الديموقراطية والجمهورية. فالكفار والمسلمون ليس لا يتساوون بصريح العبارة في القرآن كما جاء في الآية 9 من سورة الزمر: ﴿( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. كما لا يتساوى الرجال والنساء كما جاء في الآية 34 من سورة النساء: ﴿(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)﴾.

- التبشير واجب على كل مسلم لأن الله يأمره بذلك كما تنص الآية 125 من سورة النحل: ((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)) . وكما أكد أيضا الحديث الوارد في صحيح البخاري : ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار)).

باختصار ، أي مسلم يطالع ميثاق العلمانية يعرف ما تتضمنه من كفر من وجهة نظر الدين الإسلامي. وعندما تسمح لأطفالك التعلم في المدارس العصرية – العلمانية- ستفسد فطرته وطبيعته الأصلية، مما يؤدي به إلى الانخراط في صفوف أهل الجحيم. وإذا زعمت أنه قد يتعلم الكفر لكنه لا يقترفه فهذا مردود عليك في نظر السلفية بمقتضى فحوى الآية 140:
(( وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰابِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا )) .

في المدارس العصرية يتم تدريس التسامح واحترام القيم الإنسانية وتعدد المعتقدات وحرية الاعتقاد. لكن المسلم يجب عليه – بل هو مطالب بذلك - أن يكره الكفر والكفار فيعتبرهم أعداء الله كما فعل الأنبياء حتى من قبل النبي محمد. وهذا ما جاء الآية 4 من سورة الممتحنة : ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) . وأيضا الآية 21 من سورة المائدة : (﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾)، والتي يفسرونها كالتالي: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة -أي المطهرة، وهي "بيت المقدس" وما حولها- التي وعد الله أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار، ولا ترجعوا عن قتال الجبارين، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة". توضح آيات كثيرة أخرى وجملة من الأحاديث الصحيحة أن كره الكافرين – بسبب دينهم – واجب – لا مندوحة عنه- على كل مسلم مؤمن.

الخليفة ، قائد وحيد - سلطة برأس واحد
يتجسد النظام الشمولي من قبل زعيم واحد يتمتع بالسلطة المطلقة.

ويتم تقديم هذه السلطة المطلقة لشخص واحد على أنها ضرورية لتحقيق المشروع السياسي. في مارس 1919، أكد لينين: "في عصر النضال العنيف ، عند تحقيق الديكتاتورية العمالية ، يجب الإقرار بمبدأ السلطة الشخصية ، ومبدأ السلطة الأخلاقية للقائد واحترام القرارات التي يتخذها من طرف الجميع دون مناقشات طويلة ". والأكثر دهاءً ، أن الفاشية أدمجت أيضًا في خطابها البعد التأليهي الذي يميز الطغاة الاستبداديين، أسطورة البطل - كما كان يوصف "موسوليني" مثلان البطل الكامل في ضوء الشمس ، العبقري الملهم والمبدع . وكان على الشيوعية أن ترقى بعبادة الشخصية ،التي أنتجتها للديكتاتوريين، إلى ذروتها . لكن من أصالة الخلافة الإسلامية عدم تمجيد النفس لأن كل المجد وجب أن يعود إلى الله ، فالخليفة القدير ليس موضوع أي عبادة متباهية. إلا أن قوته المطلقة تنبع من الله وبالتالي لا تحتاج إلى دعاية وإشهار.
القائد الوحيد، من المشهور، أنه معصوم من الخطأ في جميع المجالات هو مصدر كل شيء. وكان من أكثر شعارات النظام الفاشي استخداما: "موسوليني دائما على حق!". أما بالنسبة لماو تسي تونغ في الصين ، فقد أعلن في عام 1958: "هناك نوعان من عبادة الشخصية ، أحدهما صحيح ، ومن ثم فإن موضوعه الأفكار الصحيحة لماركس وإنجلز ولينين وستالين. يجب أن نبجلهم إلى الأبد ؛ إذا لم نبجلهم ، فسيكون ذلك خطأ. الحقيقة بأيديهم ، فلماذا لا نبجلهم؟ نحن نؤمن بالحقيقة ، والحقيقة هي انعكاس لما هو موجود بشكل موضوعي. يجب على الحزب أن يقدس زعيمه".
والخليفة ، من جانبه ، هو رجل كالرجل ، لكن في عنقه وصاية الدين وإدارة الشؤون على الأرض، على أساس ديني. إن الله يلزم الأمة بالاجتماع بدليل الآية 103 من سورة آل عمران: (﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾). وظلت "داعش" تؤكد على أن "التجمع لا يكون إلا تحت سلطة رئيس هو الخليفة الإمام والأمير، وأن الله يلهمه السياسة الواجب اتباعها والتشكيك فيها قد يرقى لمرتبة الكفر ، أو أن هذا الفعل يعتبر جريمة يعاقب عليها بالإعدام في أرض الخلافة.

ادعى "موسوليني" و"هتلر" أنهما يجسدان الإرادة الوطنية ؛ وادعى "ستالين" و"ماو" وزوجته أنهم يجسدون المجتمع الشيوعي قيد الإنشاء. ويجسد الخليفة الوعد بتحقيق "مدينة الله على الأرض". ومسلحاً بالقرآن والسنة والشريعة ، يؤسس شرعيته على الالتزام بتوجيه "مجتمع المؤمنين" نحو الخلاص الأبدي والفوز في الآخرة. فقط السياسة أو الأفعال - المعترف بها على أنها غير متوافقة مع الشريعة- من شأنها أن ترفع التزام الطاعة المطلقة الذي يستتبعه قسم الولاء (البيعة) الذي أقرضه مؤيدوها لها. وغالبا ما يستشهد – بهذا الخصوص – بالآية 30 من سورة البقرة: ﴿( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) .
وفقًا للممارسة التي أرستها الدولة العباسية (750- 1258م) ، لا يمكن مخالفة قرارات الخليفة أو تجاهلها أو انتهاكها. والمعارضون أو المتمردون - أولئك الذين لا يخضعون لسلطته المطلقة - يعتبرون خونة للإسلام ، وبالتالي عرضة للموت.

"الحزب الوحيد"

في الأنظمة الديكتاتورية، يقوم الحزب الوحيد بتنفيذ المشروع الاستبدادي. ولتحقيق هذا الغرض ، يستولي على جهاز الدولة التي تتحد معه. ينشر ويدافع عن الأيديولوجية التي تحتكر السلطة وتتعهد باحتكار الفكر. في عام 1936 ، حدد الحزب الفاشي الوضع الجديد بشكل لا لبس فيه: "قبل كل شيء ، "الدوتشي" هو زعيم الحزب الوطني الفاشي. وبهذه الصفة ، أصبح تاريخيًا رئيسًا لجميع الأجهزة التي تنظم الحياة الوطنية ؛ وبهذه الصفة ، فهو ليس فقط تاريخيًا ، ولكن أيضًا قانونيًا وسياسيًا في المكانة المرموقة التي حددها له القانون والتي أكدها له الشعب الإيطالي بإخلاص وحماس ؛ هذا هو السبب في أن الحزب الوطني الفاشي كان ولا يزال منشط الدولة الجديدة ، العنصر المركزي والديناميكي للنظام". في مؤتمر الحزب النازي الذي انعقد في "نورمبرغ" عام 1934 ، ابتهج "الفوهرر" قائلاً: "نحن من يقود الدولة". وكتب هتلر في كتابه "كفاحي": "الدولة وسيلة لتحقيق غاية. هذه الغاية هي الحفاظ على مجتمع من الكائنات الحية، من نفس العرق ومن نفس التكوين الجسدي والنفسي وتعزيزه. يتعلق هذا الحفظ أولاً وقبل كل شيء بالسلامة العرقية ".

وتتبع "داعش" نهجًا مشابهًا: "إن أعظم مهمة للدولة الإسلامية والخلافة هي ترسيخ التوحيد على الأرض وتدمير الشرك الذي يعتبر أبشع خطيئة يرتكبها الرجال لأنهم بذلك يجعلون على قدم المساواة المخلوق مع خالق الكون.
ينطلق الحزب الشمولي من طليعة المفهوم اللينيني للطليعة - مجموعة محدودة للغاية من المناضلين الذين كرّسوا الجسد والروح لـ "القضية" والذين يعملون فقط من أجل انتصارها ، ولو على حساب وجودهم. أما زعيم الحزب الفاشي بين عامي 1926 و 1931 ، فقد عرف هذا الحزب بأنه "جيش من المؤمنين وليس كتلة من المنتسبين ". بعد وصوله إلى السلطة ، تلقى الحزب النازي سيلًا من طلبات العضوية. قرر هتلر منعهم ، مؤقتًا على الأقل. وأوضح تصرفه على النحو التالي: "من بين 45 مليون بالغ ، تم قبول 3 ملايين لجعلهم مقاتلين لدعم القيادة السياسية للأمة ". في نظره ، فقط أولئك الذين شاركوا في النضال من أجل الاستيلاء على السلطة هم من ينتمون إلى "النخبة" التي ستخرج منها الطبقة الحاكمة الجديدة. و عيّن "الفوهرر" الواجب الأساسي الأكثر إلحاحًا وهو الاستعداد للطاعة العمياء خلال تطبيق التدابير الحكومية.
كما دعا سيد قطب إلى نهج مماثل، إذ تساءل كيف تبدأ قيامة الدولة الإسلامية؟ وأجاب إنه أمر على الطليعة أن تقرر بخصوصه وتنطلق في وسط الجاهلية التي تسود الأرض كلها. ولم تكف "داعش" عن ترويج أن المسلمين الذين انضموا إلى "الدولة الإسلامية" "قرروا ترك أرض الكفر ليعيشوا أحرارًا ولا يخضعون إلا لشرع الله ".

كما هو الحال بالنسبة للشيوعيين أو الفاشيين أو النازيين ، فإن "داعش" "حزب" بمعنى "مجموعة منفصلة" ، أي "مجموعة من الناس متحدين ضد الآخرين بسبب آرائهم المشتركة. يظهر هذا بشكل لا لبس فيه في التقليد المزعوم للهجرة إلى يثرب ولبيعة السبعين ي على الاستماع والطاعة في السراء والضراء. وتقدم "داعش" نفسها على أنها مقلدة لهذه الحلقة التأسيسية: عندما بدأ "أبو مصعب الزرقاوي" ومجموعة من المقاتلين في الدعوة إلى التوحيد وضرورة التنصل من الطغاة وجيوشهم وأتباعهم و"دينهم الديمقراطي الخاطئ" ، فهموا أن هذا الدين لا يمكن أن يؤسس إلا من قبل مجموعة تهاجر وتحارب في سبيل الله. لذلك بُنيت هذه الخلافة على المنهج النبوي ، بصبر ، بالتضحية والدم من خيرة هذه الجماعة.
"الدولة – الحزب" الاستبدادية - The Totalitarian Party-State- تسيطر على السكان وتجنّدهم. فهكذا فعل الحزب الشيوعي في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية: أشاع شعارات أساسية بقوة ، بعناد و بانتظام ، وبصورة منتظمة - بشكل لا يطاق - شعارات قليلة العدد لكنها حاسمة وأساسية. كما كان "موسوليني" يعتبر أن الفاشية ليست فقط المشرّع ومؤسس المؤسسات، وأنها لا تسعى إلى إعادة تشكيل أشكال الحياة البشرية ، بل سعت إلى إعادة تشكيل محتواها: الإنسان ، والشخصية ، والإيمان. وتحقيقا لهذه الغاية، لهذا اعتمدت الانضباط والسلطة المطلقة التي تخترق العقول وتسود دون إي مشاركة.

وعلى نفس الدرب سار حزب "أدولف هتلر" ، كما هو موضح ، على سبيل المثال ، في خطاب "جوزيف جوبلز"- Goebbels - (2) في 17 يونيو 1935 ، حيث قال: "الاشتراكية القومية ليست مجرد عقيدة سياسية. إنها نظرة شاملة وشاملة لجميع الشؤون العامة. لذلك يجب أن نبني حياتنا كلها عليها كمسلمة بديهية. نتمنى أن يأتي اليوم الذي لن يحتاج فيه أحد للحديث عن الاشتراكية القومية بعد الآن ، لأنها ستصبح الهواء الذي نتنفسه".
______________ (2) إلى جانب أدولف هتلر ، وهو أحد قادة النازية. كان على رأس
دعاية "الرايخ الثالث".________________________________________

ومن جهتهم يطالب دعاة إحياء الخلافة بالخضوع المطلق للخلافة لأسباب دينية، وهذا لأن "المسلم يعلم – علم اليقين- أن الله هو المشرع الوحيد وأن كل من يسن القوانين خارج إطار القرآن والسنة هو كافر".
وقد جاء في خطبة أحد "الدواعش" ما يلي انتصرنا يا صليبيين في اليوم الذي دمرنا فيه الأصنام وأظهرنا التوحيد في المساجد والشوارع وفي كل مكان. يوم رجمنا الزناة ، أعدمنا السحرة ، قطعنا أيدي اللصوص ، عاقبنا من يشربون الخمر ، وألبسنا نساء المسلمين حجاب الحياء. لقد انتصرنا في اليوم الذي حطمنا فيه صندوق الاقتراع وأقمنا الخلافة بالرصاص وقطع الرؤوس وقيام الصلاة وأداء الزكاة والأمر بالخير والنهي عن المنكر".

عموما، يجب أن تكون الدولة مسؤولة عن تنفيذ الحكومة المثالية ، بكل قوة بعد أن يضمن الحزب الواحد السيطرة.

نظام الخلافة نظام الدولة المطلقة

يجب ألا يفلت السكان من قبضة الدولة الحزبية الشمولية: يعتمد نجاح المشروع السياسي على الخضوع الكامل للأجساد والعقول.
في سنة 1929 ، أكد "موسوليني"، أنه "في الفاشية ، كل شيء في الدولة". وأوضح "باربيريتو" - Barberito - في سنة 1940: أن "الدولة الفاشية أوجدتها الثورة ، أي من قبل الحزب الذي أضحى المحرك الوحيد والفريد والحقيقي للدولة ". لم يُخفِ الحزب الفاشي هدفه المقصود: "jدخل النظام في قلب الحياة الوطنية [... ويتبع المواطنين] طوال تطورهم، بل وحتى قبل أن ميلادهم ، دون التخلي عنهم في أي وقت ، وحثهم على الانضباط والضمير والإرادة [...] والوحدة المركزة بشدة ".
تبنى الشيوعيون الروس صيغة "دولة الشعب كله" لتعريف الاتحاد السوفيتي. يمكن للمرء أن يقرأ في القاموس السياسي الذي نُشر في موسكو عام 1983: "وطن" المجتمع الجديد ، الشعب السوفيتي "، [... الدولة السوفيتية] يعكس مصالح وإرادة جميع العمال ، من الشعب بأسره ". كما كانت جماعة - Volksgemeinschaft-" المجتمع الوطني " - النازية بالتحديد هي التي قدمها هتلر ، في كتاب "كفاحي" ، على أنها "جمعية عمل حقيقية ، وتلاقي جميع المصالح ، ورفض المواطنة الفردية وإنشاء كتلة ديناميكية وموحدة ومنظمة".

وتقدم "داعش" الخلافة على أنها من عمل الله: "فقد بزغ فجر جديد في الكبرياء المهيب بإقامة دولة للمسلمين ، ورفع علم التوحيد ، وأقيمت الشريعة ، وتم تطبيق الحدود - العقوبات ، ورفعت الحواجز وأعلنت الخلافة في العراق وشام واختار المسلمون خليفة لهم وهو حفيد خير المخلوقات. وما علينا إلا الاستجابة لنداء الله. ورغم التقلبات ، لا يمكن لهذه الدولة أن تختفي لأنها: "لا تعتمد بأي شكل من الأشكال على قوتها ، ولا على استعدادها ، ولا حتى على عدد أفرادها. إنها تعتمد كليًا على الله ، وهو الوحيد الذي ينصرها عملا بالآية 126 من سورة آل عمران: ((وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)) .

إن قوة الخلافة المطلقة ليست سوى قوة الله. وتفترض الطبيعة الإلهية للخلافة أن يخضع المسلمون لها دون أدنى تحفظ.
فالدولة بيد الحزب الواحد تصبح أداة لإنجاز مشروع تحول الإنسان والمجتمع. وقد أوضح هذا "موسوليني" حيث قال: " إننا سنخلق ، من خلال عمل اختيار عنيد ومستمر ، الجيل الجديد ، وفي هذا الجيل الجديد ، سيكون لكل فرد مهمة محددة. أحيانًا تجول بخاطري فكرة "الأجيال المخبرية" –نسبة للمختبر: بمعنى آخر ، فكرة إنشاء طبقة المحاربين ، المستعدة دائمًا للموت ؛ فئة المخترعين الذين يتتبعون سر الغموض لكشفه ؛ طبقة القضاة ، طبقة قادة الصناعة العظماء ، عظماء المستكشفين ، الحكام العظماء. ومن خلال هذا الاختيار المنهجي يتم إنشاء الفئات الرئيسية ، والتي بدورها ستخلق الإمبراطورية. بالتأكيد ، هذا الحلم رائع ، لكني أراه يتحول تدريجياً إلى حقيقة".

يجب أن يكون جهاز الدولة مركزيًا بكل قوة. وقد لاحظ "لينين" ، في تعليقه على "إنجلز" ، أن "سلطة القمع الخاصة التي تمارسها البرجوازية ضد البروليتاريا ، ضد ملايين العمال من قبل حفنة من الأغنياء ، يجب استبدالها بـ" سلطة خاصة للقمع "تمارس ضد البرجوازية… نعم ، نريد إلغاء سلطة الدولة ، لكننا لا نريدها بعد ، ولا يمكننا فعلها الآن. لماذا ا ؟ لأن الإمبريالية لا تزال موجودة ، لأن العناصر والطبقات الرجعية لا تزال موجودة داخل البلاد. مهمتنا الحالية هي تعزيز أجهزة الدولة الشعبية - وخاصة الجيش الشعبي والشرطة الشعبية والمحاكم الشعبية - من أجل تعزيز الدفاع الوطني وحماية مصالح الشعب.

يتم تفعيل نفس الآلية على الأراضي الخاضعة لنظام الخلافة.

ما يلفت انتباه المراقبين هو المستوى غير المسبوق - بالنسبة للجماعات الجهادية السلفية - من التخطيط والتعقيد والوسائل. أقامت "داعش" نظام حكم حقيقي بقوانين وإدارة. وقد تم تأسيس القوة بشكل منهجي: الاستخبارات تستعد للغزو العسكري، وبعد الانتصار ، تفرض "داعش" احتكارها السياسي ، وتنصّب شرطتها ، ويمارس السلطة فعلا. وتشير مختلف الشهادات والمعاينات إلى رقابة صارمة للغاية على الأراضي ومراقبة السكان ، بدعم من جهاز استخبارات وقوات أمنية منتشرة في كل مكان. كما أعادت إحياء - بشكل ملحوظ -تشكيل الحسبة – شرطة اقتصادية- وكان قد أنشاها الخليفة عمر بن الخطاب (634- 644 م). وعمل الخليفة العباسي المهدي (775- 785 م) على توسيع صلاحياتها للحفاظ على الآداب العامة والعقيدة ، وتحويلها إلى شرطة للأخلاق. ثم أصبحت شرطة سياسية حقيقية ، تتعقب المعارضين تحت ستار مطاردة المرتدين والزنادقة. وقد أعادت "داعش" تنشيط هذا النظام، إذ خضع السكان للمراقبة المستمرة ، ويتم توبيخهم أو الحكم عليهم بأحكام خفيفة لأدنى خرق (مثل حبسهم في قفص لتدخين سيجارة ، على سبيل المثال). كما يمكن أن يتعرضوا لعقوبات أشد ولا سيما أشكال مختلفة من التعذيب إذا اعتبرت أفعالهم يعاقب عليها بالإعدام (على وجه الخصوص: القتل ، الزنا ، المثلية الجنسية ، الردة ، البدعة ، الخيانة ، الجبن ، التجسس ، العمليات العسكرية ضد الخلافة).

مثل كل الأنظمة الشمولية ، يرهب نظام الخلافة السكان لتأسيس هيمنته المطلقة وتقعيدها. وكل تلك الأنظمة تدعي أنها يجسد إرادة السكان وتضمن سعادتهم - ولو على الرغم من أنفسهم!. لذلك بمجرد الصول إلى السلطة ، لا تتسامح مع أي شكل من أشكال المعارضة. بل أكثر من هذا – في عرف الأنظمة الشمولية لا يمكن تصور وجود معارضة باعتبار أن النظام القائم هو المجتمع المثالي لا يمكن وجود أحسن منه ؟! وبهذا المعنى فإن وجد وعارضون، فإنهم إما "مجانين" أو "خونة" يريدون حرمان الناس من مستقبل مشرق. لذلك وجب التصدي والقضاء عليهم. ويجب أن يثني مصيرهم المحتوم بقية السكان عن المعارضة ، حتى على مستوى الفكر.
_____________________________ يتبع _________________



#جدو_جبريل (هاشتاغ)       Jadou_Jibril#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدعوة إلى إحياء -الخلافة الإسلامية- بعيون غربية 1
- كتاب -الإسلام الفاتح-
- -بدايات الإسلام، معالم لقصة جديدة-
- -القرآن الأصلي:التاريخ الحقيقي للنص المنزل- -أطروحة منذر سفا ...
- نشأة الإسلام السياسي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط2
- نشأة الإسلام السياسي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط1
- إعادة قراءة النص القرآني وتأويله وفق ما يتماشى مع تطورات الع ...
- عوائق السياسة الخارجية الأوروبية في الركح الجيوسياسي
- التاريخ المبكر للإسلام : ما المانع من تنقية الموروث والسردية ...
- التراويح بين البدء واليوم
- تاريخ الإسلام المبكر: على سبيل التوطئة
- اطروحة فرونسواز ميشو
- أيام النسيء
- الموروث والسردية الإسلاميان : ملاحظات حول إشكالية المصداقية ...
- الاستنتاجات والتساؤلات 1
- الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس، لمعروف الرصافي
- الموروث و السردية الإسلاميان
- العقلية الزئبقية التبجيلية التبريرية : نماذج الخروج من الحرج
- العقلية الزئبقية التبجيلية التبريرية : نهج – سمات- خاصيات- ط ...
- العقلية الإسلامية المنتصرة السائدة اليوم


المزيد.....




- عبداللهيان: الجمهورية الاسلامية ما زالت مرساة الامن والاستقر ...
- الأعياد الدينية اليهودية.. توقيتها وطقوسها
- عقب صيامه يوم الغفران اليهودي.. نقل نتنياهو إلى المستشفى إثر ...
- جورجيا ميلوني: كيف ستدير رئيسة وزراء إيطاليا -المسيحية- علاق ...
- نقل نتنياهو إلى المستشفى بعد تعرضه لوعكة صحية في كنيس يهودي ...
- ست حقائق لم تكن تعرفها حتى الآن عن المساجد في ألمانيا
- تحدث عن التطبيع والهزيمة الانتخابية.. سعد الدين العثماني ينف ...
- أحد أهم المؤلفات لفهم حركة طالبان.. قراءة في كتاب -الإمارة ا ...
- لبنان.. ’تجمع العلماء’: سنصلي في المسجد الأقصى بعد زوال الكي ...
- الاحتلال الإسرائيلي يعتقل سبعة أشخاص من باحات المسجد الأقصى ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جدو جبريل - الدعوة إلى إحياء -الخلافة الإسلامية- بعيون غربية 2