أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - مرايا















المزيد.....

مرايا


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 7229 - 2022 / 4 / 25 - 13:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كم مرة في اليوم تنظر إلى نفسك في المرآة؟ من يستخدم المرآة أكثر، الرجل أم المرأة؟ في الواقع لا تتوفر لدي إحصاءات دقيقة للإجابة عن هذه الأسئلة، ولكل إنسان إجابته الخاصة استناداً إلى تجربته الشخصية، وهنالك وجهات نظر عديدة حول المرآة، مثلاً: هل كثرة النظر في المرآة دليل على الثقة بالنفس، حيث يُسر الإنسان بالنظر إلى نفسه، ويشعر بالرضا! أم أن من يكثر النظر في المرآة غير راضٍ عن نفسه، ولا يتقبل شكله، فيبحث عمّا هو خطأ لتصحيحه!

غالباً، أَستخدمُ المرآة في الحمّام صباحاً لحلاقة الذقن وتصفيف الشعر، ثم أتفحص ثيابي مرة ثانية أمام مرآة الخزانة، وثالثة لأتأكد من شكلي أمام مرآة أخرى عند المدخل قبل مغادرة البيت، ورابعة باستخدام مرآة السيارة، وخامسة في المصعد.. وفي كل مرة أشاهد المنظر ذاته! ولو صادفتُ مرآة أخرى لن أتردد باستخدامها!

في كل بيت مرايا عديدة، فهي رخيصة الثمن، وعدا وظيفتها التقليدية، هي أيضاً جزء من ديكور المنزل.. وهي أيضاً متوفرة خارج المنزل أينما وليت، وفي حقائب السيدات.. ورغم شدة بساطتها، لدرجة أننا لا نطرح سؤالاً عن مدى أهميتها، ولكننا لا نستطيع تصور الحياة دونها!
وهذا يقودنا إلى سؤال محير: كيف كان الناس يعيشون قبل اختراع المرآة؟ ومتى صُنعت أول مرآة؟ وكيف كانت دهشة أول من رأى نفسه وجهاً لوجه؟

غالباً كان الإنسان القديم يستخدم برك المياه الساكنة لرؤية وجهه، أو كان يضع الماء في أوانٍ بدائية ثم ينظر فيها، وبالتأكيد سيرى صورة ضبابية مشوشة، وبالكاد يميز فيها ملامحه.. ويُقال إن أقدم مرآة مصنعة كانت حجارة شبه مصقولة من نوع من الزجاج البركاني الطبيعي، ومثل تلك المرايا الحجرية وُجدت آثارها في مناطق عديدة حول العالم، وتعود إلى مئات السنين قبل الميلاد، كما عُثر على مرايا من النحاس المصقول في بلاد الرافدين وفي مصر القديمة تعود إلى العصر النحاسي.

أما الصينيون فقد استخدموا مرايا البرونز حوالى 2000 قبل الميلاد، كما صنعت مرايا من أمزجة معدنية (مثل النحاس والقصدير) في الهند. ويعتقد أن أول مرآة معدنية مغطاة بالزجاج قد صنعت في مدينة صيدا في القرن الأول الميلادي، كما طور الرومان تقنية لتشكيل المرايا الخام عن طريق تغطية الزجاج المنفوخ بالرصاص الذائب.

وعُثر على لوح مسماري يعود للألف الثانية قبل الميلاد جاء فيه أن امرأة نبيلة سومرية تسمى «سيدة أوروك»، لديها مرآة مصنوعة من الذهب الخالص.

كانت تلك المرايا مصنوعة من معادن ثمينة، وكانت باهظة الثمن، ولا يستطيع اقتناؤها سوى الملوك والأثرياء، ومع ذلك كانت تعطي صورة غير واضحة، وشبه معتمة، وإذا لم تكن المرآة مستوية تماماً (تحدباً أو تقعراً) ستبرز أنفاً ضخماً، أو صورة مقلوبة، أو مضحكة..
أما أول مرآة زجاجية مستوية في التاريخ تعطي صوراً واضحة فكانت في العام 1835، وقد اخترعها الكيميائي الألماني «جوستوس ليبيج» وذلك بطلاء سطح الزجاج بالفضة المعدنية.. أي أنّ عمر المرايا في تاريخ الإنسانية أقل من مئتي سنة.

قبل هذا التاريخ، وُلد ملايين الناس، وعاشوا حياتهم بطولها وعرضها، وماتوا دون أن يروا وجوههم مرة واحدة!

كان على المرأة حتى تعرف شكل وجهها أن تسأل شريكها، فيصفه لها: يا جميلتي، عيناك واسعتان بنيتان، شعرك خروبي كالحرير، أنفك دقيق، شفتاك مكتنزتان.. ثم تسأل صديقتها (التي تغار منها) فتقول لها: يا مسكينة، شعرك منكوش، وعيناك غائرتان متعبتان، وبشرتك تغطيها التجاعيد، وبين أسنانك ورقة بقدونس كاملة.. يبدو أنكِ تعشيت أمس طبقاً من التبولة!

وهذا يستدعي السؤال: أيهما أسبق التبولة أم المرآة؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين.. المرآة تحتاج زجاجاً، وكيمياء معينة.. وهذا يذكرنا بالمقولة المنسوبة للقذافي «قبل اختراع الكهرباء كنا نشاهد التلفاز في العتمة»..

وفي طرفة متداولة أنّ أعرابيا زار المدينة لأول مرة في حياته، وحينما دخل المصعد رأى في المرآة شخصاً يقابله تماماً، يشبهه، ويرتدي نفس زيه التقليدي، فسأله: الأخ من عشيرتنا؟!

في الواقع لا تتوفر دراسات علمية (في حدود علمي) عن مدى تأثير المرايا على حياتنا، وعلى حالتنا النفسية.. ربما لأنه لا يوجد إنسان حالياً ليس لديه مرآة.. ولكن أذكر أنه بعد مكوثي لفترة في العزل الانفرادي شاهدت نفسي لأول مرة منذ أشهر عديدة، فأطلتُ النظر في وجهي مذهولاً مرتبكاً، وكأنني أراني لأول مرة.

قديماً استخدمت المرايا لأغراض أخرى غير مشاهدة الذات؛ للتمائم السحرية، ولصد العين الشريرة! وفي أسطورة شعبية متوارثة أن من ينظر في المرآة آخر الليل قد ينقلب إلى قط أسود!

بعد انتشار المرايا على أوسع نطاق، صارت تُستخدم لتفسير نظريات فلسفية معقدة، وللإجابة عن السؤال الإشكالي: أيهما أسبق في الوجود: الوعي، أم المادة؟ وتُستخدم لضرب الأمثلة الشعبية، والحِكم، وفي أنواع عديدة من الفن، وفي الأدب والشعر والرواية تُستخدم كرموز على تعدد الشخصيات، وتناقض الشخصية الواحدة.. وقد اتخذ الفنان السوري الكبير ياسر العظمة اسم «مرايا» لأشهر مسلسلاته، الذي يقدم صوراً متعددة عن مجتمعاتنا، ومسلكياتنا.

وإلى جانب المرايا المستوية التقليدية، هنالك مرايا محدبة، ومقعرة، قد تراها في المجمّعات الترويحية للتسلية والسخرية من الذات، وللضحك على الأشكال العجيبة التي تعكسها تلك المرايا.. كما روجت شركات منتجات التجميل مرايا مقعرة، تُظهر تفاصيل الوجه بشكل أوضح، وعند استخدامها تظهر بعض التجاعيد المخفية، فتسارع النساء لشراء ما يخفيها من كريمات ومساحيق.

وقد باتت المرايا اليوم جزءًا مهماً من صناعات بالغة التعقيد.. كالمرايا المستخدمة لتجميع الضوء، وفي عملية استقبال موجات الرادار والتلفزة، وفي تكبير الصورة لأطباء الأسنان، وفي مصابيح السيارات، وفي المجهر الضوئي (الميكروسكوب)، وفي بناء تلسكوبات الرصد الفلكي (تلسكوب تشيلي العظيم، وتلسكوب مرصد كيك في هاواي)..

أنظر لنفسك كثيراً في المرآة، تأكد من أناقتك، ومن حُسن هندامك.. ولكن قبل ذلك، وبعده، أنظر إلى مرآة روحك.. لعلك ترى بعضاً من عيوبك المخفية، واجه نفسك بصدق وشجاعة، راجع أفكارك، تصرفاتك.. فجمال روحك أهم وأبقى من جمال شكلك.



#عبد_الغني_سلامه (هاشتاغ)       Abdel_Ghani_Salameh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روح العراق وأسراره
- لباس المرأة
- التقويم العالمي والزمن الشبحي، وأعياد النوروز
- حول الحرب الروسية الأوكرانية
- إسلاميون خارج النسق
- أم كلثوم
- محنة الطفل ريان، وتجليات الإنسانية
- أين نحن من العالم؟
- عِلم التضليل
- سأعتزل الفن
- كيف حدث التغيير؟ وما الذي تغير؟
- أديان بلا مذاهب
- نظرية الأكوان الموازية
- أثر الفراشة
- مسيحيو الشرق.. مرة ثانية
- الأمن الغذائي، ومشكلة الجوع
- خلل في سلاسل الإمداد والتوريد
- حين نبيع صروحنا العلمية - كلية الزراعة أبو غريب
- الفلسطينيون في إسرائيل.. دراسة بحثية
- زوجات المشاهير


المزيد.....




- أوليغارشي سابق عمل مع بوتين يوضح لـCNN خطورة تهديداته: ليست ...
- فيديو يظهر لحظة تحطم مروحية في فناء منزل بأمريكا
- فاينانشيال تايمز: توقعات بشتاء بارد في أوروبا وسط أزمة طاقة ...
- روسيا وأوكرانيا: تساؤلات بشأن توريد الأسلحة الفرنسية إلى كيي ...
- ليبيا: العثور على قبر جماعي يضم 42 جثة مجهولة الهوية في مدين ...
- الخارجية الإيرانية: أبلغنا العراق وإقليم كوردستان بضرورة وقف ...
- في اربيل .. الكاظمي وبارزاني يبحثان الأوضاع السياسية والأمني ...
- الوكالة الدولية الطاقة توصي الأوروبيين بتوفير الطاقة بمعدل ا ...
- وزير الدفاع الأمريكي يتعهد بمساعدة تايوان في الدفاع عن نفسها ...
- الفيلسوف الروسي دوغين: القواعد اختفت وروسيا تتعامل مع قوة بر ...


المزيد.....

- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - مرايا