أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جميلة شحادة - هدية ليست بالبريد المستعجل














المزيد.....

هدية ليست بالبريد المستعجل


جميلة شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 7208 - 2022 / 4 / 1 - 17:07
المحور: سيرة ذاتية
    


أذكر ذلك اليوم جيدًا، كان يوم أربعاء من أيام أيار الحارة، وكانت الساعة قد تجاوزت الخامسة مساءً بعشر دقائق. كنت أجلس وراء مكتبي في غرفتي أصارع حلّ المعادلات الرياضية استعدادًا للامتحان في اليوم التالي، وكنت حينها في الصف الثامن. وكأن قلقي من امتحان الرياضيات لم يكن كافيًا، ليدخل والدي عليّ بهيبته ووقاره، حاملًا بيده مظروفًا بلون ورديّ. رفعتُ بصري عن الدفتر الذي أمامي، نظرتُ إليه، رأيت المظروف الوردي بيده، ولمحتُ ابتسامة مرتسمة على شفتيْه. أيقنتُ أن المظروف لي، لكنّي أجهل مرسلُه. ربما مرّت بضع ثوانٍ، وربما دقيقة، لا أعرف كم من الوقت مرَّ قبل أن أتنبّه لحديث والدي إليّ. لقد تزاحمتِ الأسئلة في رأسي عمّن يكون مُرسل الرسالة التي حملها إليَّ والدي العزيز بنفسه هذه المرة، هل هو ابن الجيران؟ لا! هذا مستحيل؛ فالحي الذي أسكنه لا يعرف فيه الجار جاره. هو حي بَعدَت فيه البيوت عن بعضها في آواخر سنوات السبعين من القرن العشرين، حتى وصلت بين البت والآخر مسافة نصف كيلومتر مربع، وربما أكثر، وربمّا أقل. على أي حال، ليس هذا هو السبب، أو على الأقل ليس السبب الوحيد؛ فكم من مرة سمعت أمي تقول: "مصر على المشتاق ليست بعيدة "، ردًا على قريبات أبي عندما كنَّ يتحججن لها ببعد حيّنا عن حيِّهن الذي يسكنوه في الناصرة، وأن هذا البعد هو سبب قلة زيارتهن لها. وعدت أخمن مَن هو مرسل الرسالة؟ هل هو أحد أبناء صفي؟ لا أظن. هل هو من إحدى صديقاتي في النادي؟ لا أظن، فلو كان كذلك لأخبرتني المرسِلة بنيتها الإرسال قبل أن تصلني الرسالة، وكان هذا الأمر متبعًا بيننا. قطع والدي عليّ ظنوني وتخميناتي وتفكيري، عندما سمعته يسألني وابتسامته الجميلة ما زالت تعلو شفتيه، ويمد لي بذات الوقت، يده لأتسلم المظروف:
"مِنْ وين بتعرفيها؟ هاي من هيليسنكي يابا.
تفاجأتُ بما سمعت. تناولت المظروف، فتحته، قرأت الرسالة التي فيه، وكانت قصيرة جدًا، وقد كُتبت باللغة الإنجليزية:
- مرحبًا جميلة! أنا ريكي، ويسرّني مراسلتكِ.
تذكّرتُ حينها، أن معلمة اللغة الإنجليزية قد أحضرت لنا مجلة قبل شهرٍ تقريبًا، فيها إعلان لطلب مراسلات أفراد من جيلنا من خارج البلاد باللغة الإنجليزية، شرط أن يكون لنا ذات الهوايات. وكان هدف المعلمة، كما أخبرتنا، هو تقوية ملَكة اللغة الإنجليزية عندنا.
بالأمس، فتحتُ صندوق بريدي بعد غياب شهرٍ عنه، فلا حاجة لي بفتحه في يومنا هذا وفي ظل وجود وسائل التواصل الكثيرة والمختلفة، بالرغم من أنني ما زلت محتفظة به، وأدفع رسومه سنويًا، وأرفض أن أستغني عنه. تمامًا كرفضي الاستغناء عن الهاتف الأرضي، رغم عدم استعماله.
"عصفورٌ من الشمس" كان ينتظرني في صندوق بريدي عندما فتحته بالأمس. وعصفورٌ من الشمس، هو إصدار للأستاذ محمد بدارنة يحوي بين طياته مختارات إبداعية، قيّمة لعددٍ من المبدعين. فرحتُ بهذه الهدية المميزة، وفرحت بإعادتها لي الى زمنٍ جميل، زمن المراسلات والرسائل، زمن الأغلفة الملونة، وزمن هواية جمع الطوابع، وزمن تكبد عناء الوصول الى مكتب البريد في ساحة عين العذراء في الناصرة لإرسال الرسائل. لقد أعادتني الى الحدث الذي ذكرته في البداية وهو غيض من فيض. لقد أعادتني الى زمن الشوق وانتظار وصول الرسائل، والى شوق أمي "الغريبة" الى وصول رسائل من أفراد عائلتها، التي كانت تتسلمها عادة بيدها، بعد أن تكون قد ملّت هذه الرسائل من كثرة التجوال بين الأيادي وتنقّلها من يدٍ الى يدٍ الى يدٍ حتى تصل الى يدها المحطة الأخيرة. كانت هذه الرسائل عبارة عن بطاقة تتسلمها أمي بكثير من اللهفة، وقد ظهر فيها رسم أحد إخوتها مع أبنائه أو بناته أو زوجته؛ رسم تظهر الشخوص فيه جميعها باسمة، غير أن عِبارات الشوق واللهفة، وحُرقة البُعد ولوعة الاغتراب المرفَقة للرسم، سرعان ما تذيب الابتسام، وتشعل اللوعة في القلب والوجدان.
كان الفرد منّا آنذاك يتأنى وهو يكتب الرسالة، ويبذل جهدًا حتى يظهر الخطُّ جميلًا. وها أنا في هذه اللحظةِ، أستذكر صديقتي سميحة عندما طلبتْ مني ذات مرة ونحن في الصف التاسع، نسْخ رسالتها التي سترسلها الى عمتها والتي تقطن الريفَ في الدنمارك بخطي. سميحة التي عرفناها متفوقة بصياغة العبارات الجميلة، والتي أشاد المعلمون بإبداعها في كتابة القصة والمقالة والمسرحية، كان خطها كقوْل معلم اللغة العربية لها: خطكِ يا سميحة كما "خرابيش الجَّاج"، وعِباراتكِ كعبارات الحجَّاج.
كان الفرد منّا آنذاك يذهب الى المكتبة ليبحث في بطون الكتب عن أبيات شعرية قد نظمها شاعر لحبيبته، أو عن عبارات منمقّة تفيض منها المشاعر قد كتبها أديب لأمه، أو عاشق لأرضه ووطنه، لكي يأخذ منها ما يلائم رسالته، ظنًا منه أنه بذلك يزيدها جمالا، وربمّا قيمة، دون مراعاة ذِكر مصدر النقل أو ذِكر اسم القائل.
جميلة هي تلك الرسائل المكتوبة على مهل، المفعمة بالأشواق، المليئة بالحنين الى مرسليها. تلك التي كانت تحمل لهم شذى ورود المكان، وعبق الزمان، وترسم لهم لون البحر، وتبعث لهم بعبير الليمون والبرتقال. تلك التي كانت بحروفها تجعلهم يحلقون فوق المكان، ويعبرون المسافات، ويسافرون عبر السهول والجبال والبحار، ويستكشفون دفء القلوب وجمال المكان.



#جميلة_شحادة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكاتبة والأديبة جميلة شحادة تلتقي طلاب إعدادية ابن خلدون في ...
- الإبداع، والأدب، وقلة الأدب
- عقبات تواجه النساء في المجتمع العربي الفلسطيني عند خروجهن ال ...
- مسارحُ اللَّعِب
- * الإنسانية لا تتجزأ يا سادة!
- هل أخطأنا؟
- -الصامت- حديثٌ عن الواقع عبْرَ الأسطورة
- لن أرسلَ إبني الى المدرسة
- الرغيف الأسود، والطفولة البائسة في وطنها
- -أدنى من سماء-، مختارات شعرية تفيض بالشجن
- وجوهٌ صفراء
- الكاتبة والقاصّة جميلة شحادة تلتقي طلاب مدرسة بئر الأمير في ...
- نحرس الحُلم، ونرعاه بالعلم والثقافة حتى يزهر
- في يومهم، تحية تقدير لهم
- الفرق بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار
- خواطر
- قبل المحطةِ الأخيرة
- مَن أنا؟
- يا خسارة يا بو خالد
- تُجّار الكلام


المزيد.....




- عبرت 17 دولة.. فتاة تجتاز قارتين من لندن إلى لاغوس
- إسرائيل تزعم قصف مبنى عسكري تابع لحزب الله.. وكاميرا CNN تجو ...
- مراسلنا: سماع دوي انفجار في سماء العاصمة السورية دمشق
- ماذا نعرف عن اللوحات الأثرية المكتشفة في مدينة بومبي الروما ...
- تقصي الحقائق: ماذا نعرف عن مقتل باسكال سليمان؟
- مفاجأة جديدة لمحبي هاري وميغان.. قبلة على المباشر تعيدهما إل ...
- السجن 15 عاما لسفير أمريكي سابق تجسس لحساب كوبا
- تشكيل المجلس الرئاسي الانتقالي في هايتي بعد أسابيع من المفاو ...
- -المشكلة أعمق-.. خبير يفسر أسباب استيراد الاتحاد الأوروبي عش ...
- وزير الداخلية التركي: إجلاء نحو 100 شخص بعد حادث تحطم تلفريك ...


المزيد.....

- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني
- ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية / جورج كتن
- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جميلة شحادة - هدية ليست بالبريد المستعجل