|
|
الأرواح العارية
محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 7063 - 2021 / 10 / 31 - 02:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
للفساد ناموسه وللغباء قانونه وللتخلف مرتكزاته . وهذا الثالوث المرح متى اجتمع في شعب من الشعوب أو أمة من الأمم انتشرت فيه الزندقة بكل أشكالها وصورها و تلاشت معه هيبة الدولة وقوانينها وانحدرت نحو الهاوية . والغباء القاتل هي أن تفرط بحقوق الدولة أمام المصلحة الشخصية لأن هذا التفريط متى عمّ بين الناس صار مثل الأوبئة القاتلة والسرطان المتغلغل لأنه يصيب المواطن بِحَوَلٍ في التفكير خطورته أكبر بكثير من الحول في العين . فكيف يكون الأمر إذا الاثنان : حَوَل التفكير وحَوَلُ الرؤية في شخص واحد ؟ وفي نفس الإطار يفسر الحَوَل في التفكير أفكارا مثل " الرجل المناسب في المكان المناسب " في الدول المتخلفة على أنه مطابقة " الشهادة " على " المركز الوظيفي" بغض النظر عن شخصية وثقافة حامل الشهادة على مبدأ " اللهم إني قد بلغت " . يزدهر الغباء في مثل هذه الأجواء ليصبح فسادا فريدا أعمى البصر والبصيرة يأتي على الأخضر واليابس ولا يترك شيئا أمامه . وقد يبرر ذلك الانحراف المعياري في تنفيذ مشاريع دول العالم المتخلف ويجعلها من بداية دورة حياتها خارج الخدمة . يحكى أنه في يوم من الأيام حدث في الإتحاد السوفيتي حكاية لها دلالتها في حَوَلِ البصيرة على المستوى الرسمي في إحدى المؤسسات إذ أنها كانت تمجد الأغبياء وتحتفي بهم وتعلق الأوسمة على صدورهم ولا تدري أنها بفعلتها كانت تدمر قيم الوطن تحت شعارات زائفة أقلها التوفير . القصة التي بين أيدينا من مذكرات خروتشوف يقول فيها : "اتصل بي الرفيق جوزيف ستالين و قال تعال إلى مكتبي بسرعة يا نيكيتا ، هناك مؤامرة كبيرة تجري في البلاد ." وصلت وكان معنا مجموعة من الوزراء. وقال ستالين : " يا رفيق نيكيتا ، لدينا معمل إطارات (دواليب)، و هذا المعمل هدية من شركة فورد الأمريكية. وينتج الإطارات منذ سنوات و بشكل جيد و لكن فجأة! و منذ ستة أشهر بدأ تحول غريب في المعمل . تقول التقارير التي أمامي أن هذا المعمل بدأ ينتج دواليب تنفجر بعد بضعة كيلومترات، و لم يعرف أحد السبب. أريدك أن تذهب إلى المعمل فورا وتحقق في المشكلة وتكتشف السبب . وفي اليوم التالي ، وصلت المعمل و باشرت التحقيق فورا . كان أول ما لفت نظري هو لوحة أبطال الإنتاج على مدخل المعمل. تأملت تلك اللوحة جيدا فعليها توضع صور أفضل العمال و الإداريين و الذين عملوا بجد و نشاط خلال شهر. ثم بدأت التحقيقات مباشرة من الإدارة من أعلى رتبة فيها حتى أصغر عامل ولا أحد منهم يعرف الأسباب. قررت النوم في المعمل حتى انتهاء التحقيق لكي أحل هذا اللغز المحير الذي لا يعرف سببه . استيقظت في الصباح الباكر . وقفت في أول خط الإنتاج وقمت بمتابعة أحد الإطارات و مشيت معه من نقطة الصفر حتى خروجه من المعمل. و أصبت بالإحباط. كل شيء طبيعي وكل شيء صحيح وكل شيء متقن ولكن عند تجريب الإطار انفجر بعد بضعة كيلومترات . اجتمعت بالمهندسين والعمال والإداريين وأحضرت المخططات وقمت بالاتصال بالمهندسين الأمريكيين لمعرفة السبب و لم نصل إلى حل . لقد بدا كل شيء على ما يرام . أشرفت بنفسي على تحليل المواد الخام المستخدمة في صناعة ذلك الإطار . أثبت التحليل أنها ممتازة جداً و ليست هي السبب أبداً . و انفجر الإطار مرة أخرى من دون سبب . انتابني شعور مزري بالإحباط، و أحسست بالعجز الكامل تجاه هذه المعضلة و بينما أنا أمشي في المعمل مساء أفكر في الأمر ، لفت نظري لوحة الأبطال المعلقة على جدار المعمل. على رأس قائمة الأبطال اسم أحد المهندسين وما لفت نظري أن هذا المهندس على رأس القائمة منذ ستة أشهر خلت ، أي منذ بدأت هذه الإطارات بالانفجار من دون سبب. لم أستطع النوم تلك الليلة . قمت باستدعاء هذا المهندس إلى مكتبي فورا وبدأت محاورته واستجوابه و التحقيق معه. و قلت له.. أرجوك يا رفيق. اشرح لي كيف استطعت أن تكون بطل الإنتاج لمدة ستة أشهر متتالية؟ قال : لقد استطعت أن أوفر الملايين من الروبلات للمعمل و الدولة. قلت : وكيف استطعت أن تفعل ذلك؟ قال : ببساطة قمت بتخفيف عدد الأسلاك المعدنية في الشبكة المعدنية في الإطار وبالتالي استطعنا توفير مئات الأطنان من المعادن يوميا وهذه الأطنان ثمنها عملة أجنبية . غمرتني السعادة الكبيرة لأنني عرفت حل لغز انفجار الإطارات أخيرا و لم أصبر حتى الصباح لأخبر الرفيق ستالين بسبب انفجار الإطارات . اتصلت بستالين فورا وشرحت له ما حدث معي في المعمل و بعد دقيقة صمت قال بالحرف الواحد : " والآن، أين دفنت جثة هذا الغبي الأحمق ؟" أجبته قائلا : " في الواقع لم أعدمه يا رفيق. سأرسله إلى سيبيريا في رحلة استجمام ليموت هناك ، لأن الناس ستلومنا ، ولن تفهم لماذا نعدم بطل إنتاج." يتكرر مشهد بطل الإنتاج هذا في الكثير من الدول الغارقة في التخلف والرجعية وقد يفسر وجود هذا الشخص في بعض الدول كبطل إنتاج سبب استيراد بعض الدول العائمة على بحر من النفط للمشتقات أو انعدام وجود المصافي أو عدم وجود صناعات بترو كيميائية أو الأزمات الخانقة في العديد من المجالات . ربما كان شعار هذه الدول " خبزنا كفاف يومنا ." في الواقع... ليس بالضرورة أن تكون فاسداً أو سارقاً لتؤذي المجتمع أو الدولة وتدمر ماضي الأمة وحاضرها والمستقبل. يكفي أن تكون غبياً لا يميز بين القيم والمعايير والرغبات الشخصية وقلة المعرفة وتقبل بانحراف معياري في تنفيذ المشاريع يصل أحيانا حتى 90% من قيمة المشروع . و مع الأسف الشديد، نحن نضع الأغبياء في المواقع الهامة والأساسية تحت شعارات نفسرها على مزاجنا وهوانا ، ونبدع في تكريمهم و بالنتيجة ينهار الوطن أمام الجميع . تأكدوا يا سادتي أن الأرواح العارية لا تسكن إلا أجسادا عارية .
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لماذا ينهار الاقتصاد، دروس وعبر؟
-
نغم الحياة
-
الحب الحازم
-
التكنولوجيا في التعليم
-
أسطورة بعل الأوغاريتية ، اللوح الرابع
-
عزاء
-
سطور كتبت في الغابة في يوم عاصف
-
بلدي سورية من صراع الوجود إلى صراع الحدود
-
الحاسوب والجرائم والمستقبل
-
هل تخطىء الحواسيب في التصويت الإلكتروني
-
الإرهاب التكفيري والإرهاب الإسرائيلي
-
وما يسطرون
-
هل نحن أحرار ؟
-
صوت نداء الطبيعة وقوة الشفاء للتردد 432 هرتز
-
جنازة الحب
-
الغباء صنو الفساد
-
الأخرون هم الجحيم
-
التوحد والصراخ الداخلي
-
التكامل الأفقي والشاقولي في الاقتصاد
-
كيف نتكيف مع الغد
المزيد.....
-
فيديو متداول لـ-ترحيب سكان مدينة التربة في اليمن بدخول قوات
...
-
لماذا قد يؤثر الجدل حول أيقونة للسيدة العذراء مريم على الانت
...
-
7,4 مليون زائر و6,7 ليتر بيرة.. أرقام قياسية جديدة في مهرجان
...
-
غزة.. مبادرة ترفيهية للتخفيف عن الأطفال
-
مناورة إسرائيلية -محكمة- لدعم إثيوبيا في -محور بربرة- وكبح ن
...
-
RT ترصد الأوضاع في جنوب لبنان
-
تبون: العلاقات الروسية الجزائرية لم تفتر
-
الكويت تصدر 6 مراسيم بسحب الجنسية من 415 شخصا
-
رباعي القرن الأفريقي في العلمين.. رسائل على وقع التصعيد الإث
...
-
موسم العسل في لبنان يتراجع.. النحّالون يواجهون المبيدات والأ
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|