أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد عبد الكريم يوسف - تاريخ العلم السري















المزيد.....

تاريخ العلم السري


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 7045 - 2021 / 10 / 12 - 02:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تاريخ البشرية تاريخ مزدوج . لدينا التاريخ السياسي الذي يعرفه كل الناس ونعلمه وفق أهوائنا في المدارس . وهناك التاريخ الفكري الذي يمثل التاريخ الحقيقي الذي يعرفه القليلون. التاريخ السياسي واضح للكثيرين بين مؤيد ومعارض له يلفت انتباه المؤرخين والكتاب وأصحاب الرأي والرأي الآخر. ومن خلال تناقضات المؤرخين يمكن أن يدرك القارئ الواعي حقيقة الأمور ويصيب كبد الحقيقة . هناك دائما اختلافات بين الأمم وداخل الأمة الواحدة فالناس ليسوا بنفس المستوى من الخصوبة الفكرية والعطاء والحيوية والعبقرية والنضوج والطموح . وعلى مدى العصور التاريخية المتعاقبة كان طموح الأمم امبرياليا يعتمد على التوسع والاعتداء على الجيران وقمع الحريات العامة والخاصة والتضييق على رجال المعرفة والعلم وسائلها في ذلك القوة والسلطة والبطش والحيوية والرياضة وركوب الخيل. وفي كل الحالات التي اكتشفت فيها الأمم تفوقها وأدركت مقدار قوتها ابتعدت عن القيم الأخلاقية والدينية والتزمت سياسة العدوان والغطرسة . وبين الأمم القوية والأمم الضعيفة تنشأ طبقة من البشر ذات إمكانيات عالية تصل إلى حدود معلومة تسبب الصراعات الفجائية كالحروب والثورات . ومن هنا يمكن أن نفسر التاريخ السياسي والاقتصادي للبشر من خلال فهم القوى المادية على الأرض على الأقل من الناحية النظرية وأحيانا نميل إلى تفسير الحروب والثورات بنفس الطريقة التي نفسر بها الظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين والأعاصير الطبيعية . نحن نشرح الأسباب المباشرة وغير المباشرة ونقيم الأبعاد الثقافية والأخلاقية والدينية والمادية التي حدثت فيها الثورات والحروب . ونجد القادة الميدانيين يعتمدون على العواطف الجياشة لمناصريهم بغض النظر عن حقيقة الأمور .
التاريخ الفكري أقل وضوحا وأهمية للكثيرين ولهذا السبب يبقى محاطا بهالة من السرية والغموض رغم أنه يحرك النشاطات الإنسانية المختلفة وأقصد هنا تاريخ الفن والعلم والعدالة والأخلاق والقيم الدينية والإبداع وتطور القيم الروحية . القيم التي يطورها ويخترعها أشخاص منفردون منعزلون عن بيئتهم في مكان قصي عن الناس .

لا يستطيع قيصر أو نابليون أن يحققا شيئا من دون الاستعانة بأنصارهما أما اسبينوزا وباستور ونيوتن وابن المقفع والحلاج والفارابي وابن سينا والمتنبي والحمداني والصادق فقد حققوا كل شيء على انفراد في عزلة عن المجتمع وقد أجادوا في إنتاجهم أثناء انفرادهم وعزلتهم عن الناس وكان إنتاجهم مهمة مقدسة ساهم إلى حد بعيد في تطور الإنسانية وتطويرها ورفد مسيرة الإنسانية بكنوز باهرة من الفكر والعلم والمعرفة .

يستطيع المجتمع أن يحرق كوبرنيكوس و يسمم سقراط ويصلب يسوع المسيح ويقطع رأس لافوازيه ويقطع أصابع ابن المقفع ويطعمه إياها ويصلب الحلاج ويتآمر على الصادق ويغتال الإمام علي ولكنه بكل تأكيد غير قادر على أن يلدهم أو يركّب فكرهم في رؤوس أناس آخرين.
لقد ساهم الفكر عبر التاريخ في تطوير البشرية وتعليم الإنسانية وتهذيب سلوكها وإحداث التقدم في مسيرة الإنسان وقد تكون هذه الحقيقة غائبة عن عقول الكثير من طلاب العلم والمعرفة هذه الأيام . يستطيع المجتمع أن يتوج الملوك ويحتفل بالرؤساء ويستطيع أن يستمتع بمنظر الجنود مدججين بالسلاح ذاهبين إلى ساحات القتال ويطرب لانتصاراتهم ويستمع بشغف لخطب السياسيين الرنانة لكنه لا يستطيع أن ينجب عالما وفنانا وشاعرا ومفكرا متى شاء. ولا يرى الفيلسوف يشتغل في بيته البائس أو الفنان ينوء بوطء حمله أعباء الحياة أو العالم يكدح في مخبره يدرس النظريات أو الطبيب في مخبره يساهم في القضاء على الأمراض أو الباحث يستكشف الحياة كل يعمل بشغف وحب وعطش للمعرفة . هذه هي حقيقة الكون وسره المنيع. نحتاج إلى الكثير من الحكمة والتأمل لرؤية الأشياء كما هي. قد يعرف البعض قليلا من الخلفية التاريخية للعلم لكنهم لا يعرفون بالتأكيد الميراث الثمين الذي يفوق الخيال والذي لا يمكن للبشر احتسابه بأرقام صغيرة أو سير صامتة .
من يهتم بمعرفة رجال المال والأعمال في اليونان أو مصر القديمة أو وادي الرافدين أو سورية أو روما أو عصر النهضة ؟ أسماؤهم جميعا نسيا منسيا وعندما تدرس تلك الحضارات تذهب مباشرة نحو رجال الفكر والعلم والأدب والبحث و الفن . يهتم الناس أحيانا بالقادة والوزراء ولكنهم يهتمون أكثر بالعلماء ورجال الفكر ممن يدعمون نشاطهم . تذكر الناس سقراط وتنسى حكومة الثلاثين وتذكر الناس أثينا وتنسى إسبرطة . العلم والفكر والفن علوم مرتبطة بدنيا الخلود . العلم والمعرفة وحدهما من يحدد مصير الإنسانية ومستقبلها. هم قلة أولئك الذين يغنون الحياة الروحية للبشرية وينقلونها نحو النور .

هذا يقودنا لفهم المعضلة الكونية وحلها ويمكن أن نسأل أنفسنا : كيف يمكننا أن نوائم بين وحدة الجنس البشري مع هذه الحالة المستعصية من عدم الثقة واللامبالاة وبين عدم التوافق والحرب ؟ كل شيء واضح للعيان. ببساطة الوحدة موجودة ومخفية في الأسفل وراسخة في القعر أما الاختلاف فينتشر على السطح ويعم بين الناس ومصطنع . نشعر بالوحدة في سلوك بعض الناس في كل الأمم يمتلكون إحساسا ورؤية خاصة بالأشياء أهدافهم لا تعتمد على الأنانية أو الإقليمية أو العرقية أو الدينية أو القومية أو الطائفية أو الحزبية أو الأهلية أو العشائرية يهتمون بالإنسان وخيره وتعميم الفائدة على الجميع بغض النظر عن الدين واللون والعرق والمذهب يركزون على الإنجاز الإنساني في كل ميادين المعرفة منهجهم في الحياة يختلف كثيرا عن منهج الاختلاف وهؤلاء هم العلماء. وهناك دائما من يناصبهم العداء لأسباب شتى يأتي في رأس القائمة الجهل وعدم الإدراك وسوء الفهم والصلف والغرور والحسد والفجور. يبرز الجهل كله في مواجهة الحق كله .
إن من ينظر للتاريخ الذي نعلّمه لأطفالنا يجد أنه يركز على المصادر العاطفية التي تبتعد كثيرا عن الحقيقة فالتاريخ يسمي الاحتلال فتحا ومقاومة الاحتلال عنفا وزعزعة أركان الدول معارضة ويتفنن في وصف المعارضات فبعضها سلمي وبعضها مسلح وبعضها معتدل ويزيف الحقائق والروايات بحيث يصبح تعليم التاريخ وتعلمه بعيدا عن الحقيقة. للأسف يركز التاريخ على الجانب المضطرب والعنيف والصاخب من التطور البشري وليس على الجانب الإنساني خدمة لأصحاب والنفوذ والسياسيين وأصحاب السلطة والمصلحة . كنا نود دائما أن يقول التاريخ الحقيقة ويظهر الجانب الجميل والمثمر من تاريخ البشرية الذي يتمثل بالعلم والمعرفة والتقدم العلمي في مختلف المجالات . كنا نتمنى أن يظهر التاريخ أهمية التوازن بين القيم الروحية والقيم المادية رغم أن تقدم البشرية في مختلف العصور قام على سواعد أهل العلم والفن والفلسفة والطب والفكر الفقراء المجهولين للكثير من الساسة ورجال السلطة أدوا واجبهم المقدس في مختبرات بائسة وزوايا غير معروفة حتى في العالم المتمدن لم يكترثوا بالحدود السياسية بين الدول أو التمايز الديني أو العرقي. يقول المثل " تهب الريح حيث تشاء " وهذا هو سر وعظمة العلم ورجاله الأوفياء ينتشر علمهم رغم الكوارث والحروب والاضطرابات والانكسارات والهزائم والانتصارات والثورات والثورات المضادة وكذب السياسيين ومؤرخيهم الكاذبين دوما ولا تختلف الثورات والحروب عن الكوارث الطبيعية كثيرا فالبراكين والزلازل والفيضانات والأوبئة مثل الحروب والثورات لا يمكن التحكم بها والسيطرة على توجهاتها. هناك طبعا من يحتج ويميل إلى التمييز مدعيا أن الكوارث الطبيعية أحداث هامة لأنها تؤثر على حياة الناس وسلوكهم وإرادتهم في الحياة . إن اكتشافات غاليلو ونيوتن وابن النفيس وابن سينا وفلسفة الصادق وحكمة الإمام علي لم تساهم في رفع أسعار الدواء أو الطعام أو المأوى أو الانقلاب المفاجئ في حياة الناس وتعريضهم للبؤس والفاقة والألم . هذه الاكتشافات العلمية والفلسفات الكونية أماطت اللثام عن الكثير من الغموض الكوني وأزالت ظلام عصور طويلة من الجهل وحركت العقل البشري نحو الأمام وفتحت عين الناس على عظمة الخالق والكون الفسيح وجعلت الإنسان يفكر في اكتشاف نفسه والعالم . الكوارث الطبيعية التي لم يسيطر عليها الإنسان حتى الآن والحروب التي يسببها قادة مجانين ليست إلا أشياء عارضة في تاريخ الإنسانية تعيق التقدم العلمي لكنها لا تستطيع أن توقفه أبدا ولن توقفه.
التاريخ الحقيقي للكون بمعظمه لا يزال سريا غامضا لا يعرفه إلا القليلون والتاريخ المرئي الذي نقرأه في الكتب ليس إلا صورة زائلة للمشاهد التي نراها وفي معظمها تختلف عن الحقيقة . التاريخ الحقيقي للكون هو تاريخ العلم و المعرفة الذي يتقدم باستمرار نحو مجد الإنسان وتحضره وسمو روحه . يمكننا دائما أن نحكم على مدى تقدم الأمم والشعوب بمقدار ما تمتلكه من علم ومعرفة وليس بمقدار ما تمتلكه من ثروات وسلطان وقوة لأنها بضاعة زائلة ليس لها أي قيمة .
مراجع
The Life of Science , George Sarton , Henry Shuman ,New York ,1st Edition 1948.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدكتاتورية الرقمية
- زيت الزيتون ، مارك كيرتس
- حب ، صامويل تايلور كوليردج
- آلام النوم ، للشاعر صموئيل تايلور كولريدج
- عندما يصبح الإله صديقا
- الفلسفة المعاصرة
- العَقْدُ النّفسي و تسريع التغيير في المجتمع
- أبانا الذي في فرساي
- الحق أمام البيرنية خطأ وراءها
- نحن و الغد
- العيد اختراع إنساني
- أخلاقنا وأنماط تفكيرنا
- السياسة وفضائحها
- روعة الفيزياء
- الثقافة روح للمستقبل
- محكومون بالأمل
- هل ينجو الادب من السياسة؟
- المرأة المتواضعة
- المرأة الفاضلة
- إذا كان هذا كل شيء


المزيد.....




- أربع علامات لتجلط الدم يجب ألا تتجاهلها على الإطلاق
- وليد جنبلاط: بعض الجهات الدولية والعربية تريد التصعيد في لبن ...
- صحيفة عبرية تكشف عن دولة عربية مسلمة تستعد لإقامة علاقات مع ...
- -لوفيغارو- الفرنسية -تكشف- أسرار عودة رفعت الأسد إلى سوريا
- واشنطن: مادورو يضع مصير رجل الأعمال أليكس صعب فوق مستقبل الب ...
- اليمن.. مشاهد جديدة من المعارك في مأرب
- واشنطن تؤكد أن المبعوث الأمريكي إلى أفغانستان سيستقيل من منص ...
- وزارة الخارجية الأمريكية تفتح تحقيقات في المرحلة الأخيرة من ...
- الخارجية التركية تستدعي سفراء 10 دول بينها الولايات المتحدة ...
- نصر الله يتهم -القوات اللبنانية- بالسعي وراء -حرب أهلية- ويل ...


المزيد.....

- أخف الضررين / يوسف حاجي
- العدالة الانتقالية والتنمية المستدامة وسيلة لتحقيق الأمن الم ... / سيف ضياء
- الحب وجود والوجود معرفة / ريبر هبون
- هيكل الأبارتهايد أعمدة سرابية وسقوف نووية / سعيد مضيه
- جريدة طريق الثورة، العدد 41، جويلية-اوت 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 42، سبتمبر-أكتوبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 43، نوفمبر-ديسمبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 44، ديسمبر17-جانفي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 45، فيفري-مارس 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 46، أفريل-ماي 2018 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد عبد الكريم يوسف - تاريخ العلم السري