أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - مفهوم الميغالومانيا والتواضع لدي المتأسلمين















المزيد.....

مفهوم الميغالومانيا والتواضع لدي المتأسلمين


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 6870 - 2021 / 4 / 15 - 21:57
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الميغالومانيا Megalomania هي ”جنون العظمة“ الذي يشكل إلى جانب«جنون الارتياب» أو«هذيان الاضطهاد» مرض البارانويا Paranoia، فالمرء المصاب بجنون العظمة يعاني حتمًا من جنون الارتياب أو هذيان الاضطهاد، ويكون لديه شعور مفرط بتقدير ذاته، وعدم الاعتراف قط بضعفه أو جهله، ويتسم بالعناد المبالغ فيه لإثبات صحة معتقداته وأفكاره، مهما كانت خاطئة، ولديه ردود أفعاله شديدة الحدة تجاه تصرفات الآخرين حتى وإن كانت طبيعيّة؛ حيث يعتقد أنهم يحتقرونه أو يضطهدونه بشكل أو بآخر، أو أنهم يسخرون منه، أو يتآمرون عليه، ويفكرون حتى في قتله. وكثيرًا ما يتطور به الحال إلى الهلاوس السمعية والبصرية، لسيطرة أفكار ومعتقدات عليه، لها منطق خاص من اختراعه هو، فيتَّسم سلوكه بالشك والريبة والاعتقاد الدائم بإمكانية خداع الآخرين له، والترتيب للإيقاع به، بمن فيهم أقرب المقربين له، رغم أنهم يعملون جميعًا ما في وسعهم لترسيخ وتضخيم إصابته بهذا المرض، فهو شديد الخوف من معرفتهم أية معلومات عنه، يستخدمونها في إيذائه عندما ينقلبون عليه، وهم بلا شك سوف ينقلبون عليه بصورة أو بأخرى في وقت ما.
الفيلسوف الصيني كونفوشيوس (551 - 479 ق م) قال: ”المعرفة الحقيقية هي أن تدرك مدى جهلك“.
وقبل أكثر من ألفي عام اعتبر الفيلسوف اليوناني سقراط التواضع أعظم الفضائل الإنسانية، وأن أحْكم الناس وأكثرهم رجاحة للعقل من يبادر بالإقرار بجهله أو بعجزه. وقال عن نفسه: ”إني أعرف اني لا أعرف“.
بينما الفيلسوف البريطاني برتراند راسل قد اقترب أكثر من الحقيقة، فقال: ”مصيبة عصرنا هو أن من لا يفهمون يشعرون بالتفوق، بينما الأذكياء فعلاً تملأهم الشكوك“.
عندما يعتبر الإنسان نفسه ذا ذكاء خارق، ومعرفة أكيدة، وعلم لا يضاهى، وهو الوحيد المميز بين الناس، وأن كل أحكامه وقرارته سليمة، وأنه قادر على تحقيق المستحيل، ومن ثم ينظر إلى الناس الآخرين نظرة الاحتقار، ويعاملهم على أنهم أطفال قُصَّر أو أغبياء، يكون بذلك قد وصل الى أول مراحل الجنون، و بدأ مشواره مع داء العظمة. وتبلغ هذه الكارثة ذروتها عندما يُصاب قادة العمل أو حُكام الدول الجهلة والعجزة وقليلي الأدب بنفس الداء، لأن إصابتهم به تنعكس مباشرة على أعمالهم وتؤَثِّر على العاملين معهم وعلى مجتمعاتهم. عندئذ يصيبه مرض الفصام schizophrenia، فيفقد الاتصال بالواقع، ويدخل في عالم الهلوسة (سماع أصوات غير حقيقية)، والإيمان بمعتقدات زائفة (أوهام)، والتفكير والسلوك غير الطبيعيين، وقلة التعبير عن المشاعر، وضعف الهمة والدافع (البلادة)، وتدني الوظائف الذهنية (الإدراك)، ومشاكل في الأداء اليومي، بما في ذلك العمل، والعلاقات الاجتماعية، والعناية الشخصية بالنفس.
لقد لاحظنا مثلًا كيف أن "العقيد معمر القذافي" في ليبيا جسَّم هذه الكارثة بكل جوانبها طوال فترة حكمه (42 عامًا)، وكان في حاجة ماسة للعلاج في مصحّة نفسية، بحسب قول د. أحمد عكاشة رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي خلال حواره فى قناة الحياة !.
ومع أن القذافي كان نموذجًا فجًّا وصارخًا، فإنه لم يكن استثناء في منطقة موبوءة بداء جنون العظمة، ومن ثم ينطبق هذا القول تمامًا على عبد الناصر وخلفائه العسكر من بعده في مصر وصدام حسين في العراق وعلي عبدالله صالح في اليمن وغيرهم الكثيرين منذ فجر التاريخ. هذا المرض العضال يزداد تشبثًا بقادة وحكام العربان كل يوم، فأفرز حاليًا مجموعات منهم يتمتعون بقدر من جنون العظمة والبارانويا يفوق العلم والخيال!
الأمر ليس سهلا بالنسبة لهؤلاء الحكام وغيرهم، فهم وغيرهم يعانون من الشعور بالاضطهاد ولديهم طموح، ولكنه طموح أناني يتمركز حول الذات، ويحتقر ذوات الآخرين. تمامًا كما هو الحال في الثقافة التي نشأوا عليها وترعرعوا في أحضانها، وهم يعرفون معرفة تامة بحقيقة أمرهم، جهلة وعجزة ولا يحظون بأدنى شرعية للاستحواذ على السلطة، ويحيطون أنفسهم بثلة من المنتفعين الذين على شاكلتهم، لكي يبثوا في وجدانهم دفعات قوية من جنون العظمة والارتياب وعدم اليقين| إنهم بالفعل ضحايا غير أبرياء!
***
في مقابل الميغالومانيا، يكون التواضع الذي ثبُت علميًّا وعمليًّا أنه يكسب من يتحلى به مزيدًا من الوعي بذاته وذوات الآخرين، ويكون لديه قدر أكبر على المعرفة، فيتخذ قرارات أفضل، ويجيد حل مشاكله الحياتية، مما يجعله يتمتع بقدرة أكبر من الانسجام مع الحياة.
إنَّ الأهمية القصوى للتواضع تظهر بوضوح لدى القادة والحُكَّام تحديدًا، حيث كان التركيز العلمي لعقود طويلة على أهمية تمتعهم بقدر من تقدير الذات والثقة بالنفس، واعتبر ذلك حلا سحريا لكثير من النقائص البشرية لديهم، ولكن ليس بالضرورة أن يكون تقدير المرء لذاته وثقته بنفسه نقيضا لتواضعه، بل العكس هو الصحيح، فتواضعه يقوِّي من ثقته بنفسه ويدعم تقديره لذاته وذوات الآخرين، فلا جدال في أنَّ سيدة مثل المستشارة الألمانية ”أنغيلا ميركل“ لديها قدرًا كبيرًا من تقدير الذات والثقة بالنفس، ومع ذلك يشار إلى أنَّ اشتغالها بالعلم قبل اشتغالها بالسياسة كان سببا في تحليها بقدر أكبر من التواضع، الذي يتضمن النزوع لإعادة التفكير في افتراضاتها والحوار مع غيرها من المسؤولين السياسيين وغير السياسيين، والإصغاء لهم بكل عناية قبل اتخاذ القرارات، ويُعتقد أن هذا الأمر ساعدها في تجاوز العديد من الأزمات خلال عملها كمستشارة لألمانيا على مدار الخمسة عشر عاما الماضية. كذلك عُرف عن الرئيس الأمريكي السابق إبراهام لنكولن تواضعه وقدرته على الإقرار بخطئه، مما جعله أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة. إنَّ من فوائد تواضع القائد، هي تأثيره بصورة إيجابية ومباشرة على العاملين معه، فلقد أظهرت البحوث النفسية والاجتماعية الحديثة أن القائد الأكثر تواضعا يشجع الموظفين العاملين معه على الانخراط أكثر في العمل وجعلهم يشعرون بالرضا عن عملهم، فتواضعه يدعم التواصل بشكل أفضل بين أفراد فريق العمل، ويجعل الموظفين لا يخافون من الإعلان عن معارضتهم للقرارات التي يرون أنها غير صحيحة، كما يصبحون أكثر استعدادا للإقرار بالأخطاء التي يرتكبونها، لأنه هو نفسه يعترف بخطئه. كل هذا من شأنه أن يخلق بيئة عمل صادقة وبناءة. ولا يوجد أي داع لأن يخشى القائد من أن يقوِّض التعبير عن التواضع سلطته، طالما أنه يعبر عن تواضعه بالشكل الصحيح، وكانت لديه رغبة أمينة في المعرفة والصراحة، ممَّا يجعله يحظى بتقدير واحترام من العاملين معه، حتى وإن اهتزت ثقتهم بكفاءته المهنية.
التواضع من شأنه تحقِيق التكافل والمودة بين أبناء المجتمع الواحد، ويزيد من التآلف والتآخي بينهم، ويؤدّي إلى انتشار العديد من الصفات الحسنة كالتعاطف والتعاون والاحترام والوفاء والصدق والإخلاص.
هل سأل أحدنا في يوم ما: لماذا رافق - تحديدًا - فترة حكم البكباشي (رتبة مقدم حاليًا) عبد الناصر، وامتد إلى فترة حكم البكباشي السادات، ظهور مكثف للجواسيس الذين باعوا وطنهم وعملوا لصالح العدو الإسرائيلي؟، ولماذا كانوا دائما من أقرب أقربائهما أو أشد المقربين لهما؟ مثل الجاسوس أشرف مروان صهر عبد الناصر؟ ألم يكن ذلك رد فعل انتقامي لما لدي الرئيسين من جنون العظمة وضيق الأفق؟
(يجد القارئ إجابة واضحة على هذه التساؤلات وغيرها في كتاب ”الملاك، الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل“ تأليف: يوري بار - جوزيف، الطبعة الأولى 2017، الدار العربية للعلوم ناشرون، القاهرة).
***
التواضع مثله مثل الكثير من الخصال الحميدة ينعدم تمامًا في الثقافة الإسلاموية. لذلك نجد إفراطًا في الحديث عنه والزعم بأنه جوهر الإيمان، بينما يجد المتأسلم صعوبة في التحلي به، طالما نشأ في أمة قيل لها: كنتم خير أمَّة أخرِجت للناس، ويدين بدين الحق، ويترعرع في ثقافة متناقضة ومتضاربة وتعيش الحاضر بأوهام الماضي. ثقافة فيها إسهاب في الحديث عن الفضائل الإنسانية والخصال الحميدة التي لا يتم العمل بها خاصة ممن يتشدقون بها ويسهبون في الحديث عنها، وفي مقدمتهم ”أسوتهم الحسنة “، لذلك أمره قرآنية بالقول: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖإِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا } [الإسراء: 37].
من الواضح أن الآية ”تأمر“ نبي الأسلمة بالتواضع، والأمر كما هو معروف يفرضه فعل النواهي، بمعنى أن نبيهم الكريم لم يكن متواضعًا وكان مصابًا بداء البارانويا، مما اقتضى من إلهه أن ينهيه عن ذلك، ويأمره بالتواضع، ولكن لمن يتواضع؟ للناس أمُّ لله، {الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ”الْمُؤْمِنُ“ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر:23 ]، وبصرف النظر عن الهذيان الواضح في الآية بوصف الله بالمؤمن، دون الإفصاح عما يؤمن به، ولماذا وكيف؟، نجد ثرثار الأحاديث النبوية أبا هريرة ينقل عن نبيهم قوله: « ما تَواضَعَ أَحدٌ للهِ إلَّا رفَعَه»، رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن أبي هريرة، حديث صحيح رقم 9008.
ونقل الثرثار عن نبيه أيضًا أنه قال: ( قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار) صحيح مسلم رقم 8/619 وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وغيرهم وصححه الألباني..
على المتأسلم إذَنْ أن يتواضع لإله لا يعرف التواضع، ويتسم بالْهَيْمِنة والْعِزَّة والْجبروت والتكبُّر، والهدف هو التواضع لنبي مزعوم على شاكلة هذا الإله، وأن يتواضع بالمثل لمن يخلفه ممن لا يعرفون التواضع!. عليه أن يطيع الرسول وألي الأمر منه فيما يحددونه له من طاعة الله. لذلك يتبارى تجار الدين دائمًا في الربط الخيالي بين هذا التواضع والتواضع للبشر، في محاولات ساذجة لطمس مرض البارانويا الذي سيطر على نبيهم طوال حياته، وأورثه لخلفائه من بعده، ومازال العمل به جاريًا بين أتباعه حتى يومنا هذا!
هذا المرض المؤدلج دينيًا يتمثل في العنصرية البغيضة والتمييز الحاد ضد الآخرين من غير المتأسلمين، وفهم العالم فهماً أيديولوجياً يدعو الحكام إلى السيطرة على مجتمعاتهم والمجتمعات الأخرى (إن أمكن)، وهيكلتها بناءً على سرديات مقدسة تحمل قدرًا كبيرًا من العداء للآخرين المخالفين والمختلفين، خاصة اليهود والنصارى. هذه السرديات العدائية تحدد لهم السياسات الأمنية وأساليب الحكم التي تفضي إلى انتهاك الحريات وحقوق الإنسان والقانون، بدءاً بدعوات الانعزال والتقوقع لخير أمة أخرجت للناس ووصولاً إلى مراقبة المجتمع وضبطه بالجملة.
ولأن نبي الأسلمة كان مصابًا بوباء جنون العظمة (الميغالومانيا) والبارانويا الذي يرافقه انجذاب شديد نحو الذات والمواقف الارتيابية حول الآخر المختلف عنه أو المخالف له، كان ذلك سببًا دفعه كما يدفع أتباعه الذين يتخذونه ”أسوة حسنة“ إلى ارتكاب الجرائم باسم الله، إذ أن الترابط القوي في الخصائص النفسية لشخصيته، وما بها من قلق وخوف وتفكير بارانوي، جعله فريسة للشعور البدائي بحلول اللعنة الالهية على الناس بسبب عدولهم عن أوامر الله التي هي في الأساس أوامره هو، مما حمله ويحمل أتباعه على ممارسة العنف ضدهم وإجبارهم على الخضوع لتلك الأوامر المفبركة والحيلولة دون لعنة الله المزعومة.
الثقافة الإسلاموية تشكل أيدولوجية سياسيًا منتظمة ومنسقة، ومتواصلة على مر العصور، تعمل على إيجاد نظم فاشية شمولية تستمد شرعيتها من السلوك النبوي، بهدف تدجين المواطنين والسيطرة عليهم. إنها هي المصدر الشرعي للسلطة، بحيث يكون من السهل تفريغها من أي محتوى واختزالها بشخصية الحاكم الإسلاموي وحده، فهو الوحيد القادر على فهمها وتطبيقها وحمايتها من الانحراف وتصحيح مسارها في حالة ابتعادها عن أهدافها، وهو الوحيد القادر على ربط مصالح رجال الدين الإسلاموي بمصالحه الشخصية.
ومن المظاهر العامة للسلوكيات المحمدية التي تتفق مع شخصيته البارانوية، أنّ جميع المتأسلمين على جميع المستويات الاجتماعية والثقافية والتعليمية يعتبرون أنفسهم منظّرين ومفكرين ومنْذرين ومبشرين للعالمين، وأنهم هم وحدهم العلماء بشؤون الدنيا والآخرة، ولا علم لأحد بذلك سواهم!، إنهم يشكلون مجتمعات مصابة بداء الانفصام، تعيش في عالم ملموس ترفضه وتهرب منه بشكل ما، وعالم وهمي لا وجود له، تتخيله أدمغتهم المعتّلة ويتكون من الجنّ والعفاريت والجنات المليئة بالملذات والشهوات الجسدية. هذا ما يعاني منه بالتبعية جميع الحكام ورجال الدين المتأسلمين، لذا نجد فرقًا شاسعًا بين الأفكار التي ينادون بها وبين سلوكهم الحقيقي. إنهم يشعرون بعظمة ذواتهم وقوة نفوذهم بعيدًا عن الواقع والحقيقة تمامًا، كل منهم يشعر أنه نبي أو عالم ومبدع وأغنى الأغنياء وفيلسوف الفلاسفة وطبيب الأطباء وعظيم العظماء ورئيس الرؤساء وملك الملوك وو...، ويستطيع أن يقرأ أفكار الناس ويحل مشاكلهم العويصة بكلمة واحدة، لأن الله هيأه لهذا، إنه الهذيان الذاتي الذي يُكمِل النقص الشديد والخلل العنيف في شخصيته.
لقد تولد هذا الفصام المحمدي من رحم الشعور القوي بالاضطهاد الذي يجعل المتأسلم في حالة قلق وماليخوليا على الدوام، ولديه قابلية كبيرة للانفجار في أية لحظة، ولذلك يروج دائمًا خطابًا بكائيًا، يذكره بالنكبات والفتن والمذابح التاريخية والاحتلال والغزو الأجنبي والندب على أطلال الماضي وموت الأمجاد وتبديد الهوية الدينية وانحطاط القيم والأخلاق وانعدام الثبات بسبب التطور والحداثة، إن المتأسلمين جميعًا باختلاف مشاربهم يشعرون بهذا الاضطهاد لعجزهم عن الاندماج في صيرورة الحداثة، فالتطور عدوهم، والآخرون الذي تحرروا من القيود النفسية والضوابط الثقافية وساروا في مضمار التطور أعداء بالنسبة لهم، يضطهدونهم ويكرهونهم، يكرهون الفضيلة التي يعتقدون أنها متجسدة فيهم وحدهم والقيم الجميلة التي يزعمون المحافظة عليها. ربما يفسر هذا انخراط بعض شبابهم الهاربين إلى أوروبا في الجماعات الإسلاموية الإجرامية؛ وقد يكون من أبرز أسباب تعذر اندماجهم في ثقافة مغايرة، وشعورهم بالاختلاف والغربة عن المحيط الذي يعيشون فيه، إلى جانب بعض الجزئيات الأخرى كوجود مشاكل اجتماعية أو التعرض للفشل والصدمات النفسية في حياتهم الاعتيادية، كل ذلك يضخم شعورهم الهذائي بالاضطهاد وينمي لديهم النزوع العدواني، ولا يكون ملاذهم إلَّا بالعودة إلى السلف (الصالح)، إلى الهوية المفقودة، وهي هوية غير محددة المعالم وذات وجوه متعدِّدة، فيختارون منها الوجه الأقرب لموقفهم الذي تكوَّن حيال الحياة الاجتماعية، ويتناغم مع شخصياتهم وخصائصهم النفسية المكتسبة، وبالتالي يتجهون نحو الأصولية (النبوية) العدوانية التي تؤكد أسباب الشعور الاضطهادي وتزيد من حدته لديهم.
البارانويا الإسلاموية هي أحد أهم الدوافع وراء تخلف المتأسلمين - حكامًا ومحكومين -، وظهور الحركات الفاشية على اختلاف أضرابها، وهي التي تعمل على أن يسعى الجميع إلى صهر كل مكونات الحياة المختلفة في عقيدة واحدة حتى لا يأتي يوم وتصبح الأمور خارجة عن سيطرتهم، وتضمن لهم بقاءهم واستمرارهم. وهي التي تجعلهم لا يقيمون وزنا للآخر لنزعة التمركز حول الذات Egocentrism المسيطرة عليهم. إنها تخلق القوى الفاشية والعنصرية والأصولية وتحركها تحت غطاء من وهم تمثيلهم للخير في العالم، الحق كل الحق معهم، والحق لا يتعدد ولا يتمدد!. هذه الجزمية والدوغمائية تمنحهم القوة وانعدام الشفقة. إنهم يعانون من وهم المثالية الشغوفة Passionate idealist، الذي يُعَد من الهذيانات البارانوية التي تجعل من الشخص داعية ومبشرا ومنذرًا لا يعرف الكلل والملل لفكرة ما، يكون على استعداد لنشرها والتضحية في سبيلها والدفاع عنها بأية وسيلة، وقد ينتهج العنف لأجل ذلك، هذا التعلق والهوس يفقده الاتصال بالواقع ويحول دون إدراكه لحقيقة الأمور، فيظل حبيسَ المثالية التي ينشدها باستمرار، ويرى في كل مخالف عدوا له ولمثاليته، ويشكل تهديدا لكيانه وعقيدته، مما يبرر الاعتداء عليه واستئصاله.
إن الثقافة الإسلاموية تكسب المتأسلمين شعورًا كاذبًا بالتعالي والتميُّز عن الآخرين، مما يجعلهم يعتبرن الآخرين من غير أتباعهم على أنهم خصوم وكفار وأنجاس وقردة وخنازير … إلخ. من هذا الشعور الكاذب واللامعقول تتكوَّن دائمًا الجماعة العنيفة التي لا تتردد في اغتيال الخصوم. هذه الجماعات تعاني بحكم ثقافتها من الشعور السريع والغير مبرر بالإهانة أو الإحباط لإخفاقها في هداية الناس بالطرق الوعظية، مما يدفعها إلى حمل الناس بالقوة على الهداية كما تفهمها، واعتناق تصورها الديني، لأن “الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. إن كل متأسلم مهما علا شأنه أو كثر علمه يرى أن الآخرين قد خانوا الأمانة الإلهية، التي يحافظ عليها وحده، مما يكوِّن لديه نزعة رسولية تجعله يسعى إلى تعبيد الناس لله، المتمثل في شخصه، وتجعله في حرب مستديمة ضد الكل.
التصرفات البارانوية التي تميز الجو العام في مجتمعات العربان والمتأسلمين تجعل من الخوف سمة لا فكاك منها لدي الأفراد والجماعات والمؤسسات الفاعلة، مما ينتج عنه نفسيات وعقليات معتلة ويؤدي إلى بروز التمرد السلبي؛ لاعتبار أن “الفتنة أشد من القتل” والتعلق بفكرة المؤامرة ومعاداة الحرية والتنكر للكرامة الإنسانية.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف دمر العربان الهوية المصرية 2
- كيف دمَّر العربان الهوية المصرية؟
- إنسداد الأفق السياسي في بلاد العربان
- ما بين الأنبياء والأمناء في مصر، ”مشِّي حالك!“
- عن القيم الدينية والقيم الإنسانية
- الغباء السياسي وانعدام الأخلاق
- عقبات في طريق ثقافة التنوير والحداثة في عالمنا الإسلاموي
- لماذا أصيب المصريون ب”متلازمة جينوفيز“؟
- الرسول (الكريم) أهم لدي المتأسلمين من الله!
- متلازمة الأبناء وحكم السفهاء 2/2
- متلازمة الأبناء وحكم السفهاء 1/2
- السادية الإسلاموية والإسلاموفوبيا
- ثقافة القطيع
- العربان ونظرية المؤامرة
- شعب بين المطرقة والسندان 5/5
- شعب بين المطمرقة والسندان 5/4
- شعب بين المطرقة والسندان 5/3
- شعب بين المطرقة والسندان 5/2
- شعب بين المطرقة والسندان 5/1
- الديكتاتور الحقير!


المزيد.....




- وحدة إسعاف وطوارئ برج اللقلق تواصل خدمة رواد المسجد الأقصى ا ...
- 120 عالم دين بحريني يعلنون دعمهم لفلسطين والقدس
- سفير إسرائيل لـDW: المجتمع اليهودي بألمانيا لا علاقة له بأزم ...
- منصور: “عدم الانحياز” تلتحق بالمجموعة العربية والإسلامية بطل ...
- سفير إسرائيل لـDW: الجالية اليهودية بألمانيا لا علاقة لها بأ ...
- خمس فصائل فلسطينية توجه رسائل شكر لقائد الثورة الإسلامية
- مضحيا باليهود وأسياده الصهاينة.. بايدن يؤدب نتنياهو
- تباحثنا في الفاتيكان حول الحظر الاميركي وقضية فلسطين والحوا ...
- عدد من فصائل المقاومة الفلسطينية تبعث رسائل منفصلة الى قائد ...
- ظريف: بحثت مع بابا الفاتيكان الأوضاع في الشرق الأوسط والعقوب ...


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - مفهوم الميغالومانيا والتواضع لدي المتأسلمين