أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمل سالم - التركة















المزيد.....

التركة


أمل سالم

الحوار المتمدن-العدد: 6858 - 2021 / 4 / 3 - 09:49
المحور: الادب والفن
    


-يا أحمد احضر فورًا.
كانت هذه هي العبارة الوحيدة التي احتواها تلغراف وصل توَّا من بلدتنا، التلغراف هو أول تلغراف يرسل لي من البلدة، وهو مرسل من أخي محمد، يبدو أن حدثًا جللًا قد حدث في البلدة.
بلدتنا قرية تابع لمركز، وهو بدوره يتبع مديرية. فمن قبل دخول الحملة الفرنسية إلى مصر وهي تقسم إلى مديريات. كانت مصر مقسمة إلى ستة عشر إقليما طبقًا للتقسيم الإداري الذي كان معمولاً به في عهد الحكم التركي، أدخل والي مصر محمد على باشا تعديلاً في هذا التقسيم بأن جعل من مصر سبع مديريات، وجعل عليها حكامًا أسماهم المديرين.
المهم أنني أتعلم في المرحلة الابتدائية، ومن ثم أنا في القاهرة العاصمة.
أنهيت التعليم في الكتّاب، حفظت ما تيسر لي من القرآن الكريم على يد الشيخ حفظه الله، أجاد حفظه الله تعليمي اللغة العربية، والنحو والصرف، والكتابة والإملاء، وما تيسر لي وله من علوم القرآن، ثم قرر أبي أن أكمل تعليمي، فأرسلني إلى المدرسة الابتدائية الموجودة بالمديرية؛ وذلك لعدم وجود مدارس ابتدائية في قريتنا، لكن سني كان قد تخطى بأيام الحد الأقصى المسموح بقبولي وهو سن الثانية عشرة، فاضطر أبي لإرسالي إلى القاهرة- والتي نطلق عليها في بلدتنا مصر-؛ وذلك لوجود مدرسة هنا تعفي من شرط السن، وتقبل الطلاب حتى سن الثالثة عشر.
حضر أخي محمد -هو الذي أرسل التلغراف اليوم– معي، وقمنا باستئجار حجرة في أحد المنازل القريبة من المدرسة، واشترينا سريرًا من الجريد، فرشنا عليه حرامًا من الصوف، كان جدي لأبي الشيخ "محمد أحمد الطيب" قد غزله من صوف الأغنام، ثم أوكل أمر صناعته على النول لجدتي هندية، حيث أقام نولًا في الدار وتولت هي نسجه. للحق ليست هي وحدها التي قامت بهذا الدور، وإنما شاركها بنات كثيرات من عائلتنا كبيرة العدد. كانت عندما تفرغ الواحدة منهن من عمل حاجيات الدار تجلس لتنسج فيه، وعندما انتهت جدتي منه طبقوه، ووضعوه في خزانة في الجدار؛ لحين إرساله معي إلى المديرية. هذا جزء مما كانوا يفعلونه مع كل من يستعد للذهاب لتلقي تعليمه من عائلتنا؛ فهي بالإضافة إلى كونها عائلة كبيرة العدد تبغي أيضًا أن تكون عائلة رفيعة المكانة، ولن يرفع مكانتها سوى زيادة عدد المتعلمين من رجالاتها.
ثم بعد ذلك اشترى أخي محمد وابورًا نحاسيًّا ماركة "بريموس" يعمل بالجاز، قال أخي محمد يومها:
- كلمة "بابور" أصلها فرنسي Vapeur، وتعني بخار الكيروسين الممتزج بالدخان، لقد قالوا لنا ذلك في المدرسة يا أحمد أفندي، وكان هذا اسمي في شهادة الميلاد؛ فقد سماني أبي هذا الاسم تيمنًا به وتفاؤلًا في تعليمي وحصولي على الرتب الثلاث: الأفندية، والبهوية، والباشوية، المعمول بها في مجتمعنا. واشترى لي أيضًا حَلة نحاسية وطبقين، وبرَّادًا لعمل الشاي، وكوبين من الزجاج.
-حتى لو أن شخصًا ما حضر من زملائك، أو من أهلنا في البلدة، يجد طبقًا يأكل فيه، وكوبًا يشرب الشاي فيه.
وبعد أن أنفق محمد أخي كل ما معه من أموال، حيث لم يتبق معه سوى أجرة المواصلات للعودة، وقبل أن يتركني ويعود إلى بلدتنا، نظر إليَّ بعينين مليئتين بالحب المشبوب بانكسار من يندب حظه، ثم أوصاني:
-خد بالك من مصروف الشهر، اقسمه على أيامه، الجنيه صعب الحصول عليه، الجنيه مربوط بديل تعلب يا أحمد أفندي.
اشتريت أنا مما أعطاني أبي مصروفًا لشهر بورمة بحاملها الحديدي، وغطاءها، وكوزًا لوضعه على غطائها. هذه البورمة تستخدم لتخزين الماء وشربه منها، والصحيح أننا في الشتاء، والجو برد قارص، والشخص منا لا يحتاج الماء كثيرًا، لكن هي لتخزين الماء وليس لتصقيعه. سيمر السقا.
-سبيل يا عطشان.
-تعال يا عم محمد.
-العوض على الله ... عليه العوض.
-تعال يا شيخ.
لن أقول له يا عم مثل أقراني؛ أنا تعودت ألا أقول يا عم إلا لأعمامي. أفتح له باب الحجرة ليدخل ويملأ البورمة من قربته المليئة بالماء، والتي يحملها على ظهره، ويمسك بفوهتها بيده اليمنى وباليسرى يرفعها؛ حتى تصب الماء في الخزانات والأزيار.
وفي الصيف، سنعود إلى قرانا؛ حيث الإجازة الصيفية. لدينا أكثر من بورمة هناك، وعدة أزيار نشرب منها، كلها في البيوت وفي الدرب الذي يؤدي إلى بيوتنا، هذا الدرب به عدد كبير من البيوت، كل ساكنيها أهلنا، وليس ثمة غريب.
كان البيت الذي أقمت فيه عبارة عن غرف أعدَّها صاحبها لإقامة التلاميذ؛ فالمدرسة الابتدائية التي أنا فيها مدة الدراسة بها خمس سنوات، وغالبًا ما يقيم الطالب الخمس سنوات بنفس الغرفة؛ إن استأجرها العام كله، فهو يشغلها في الشتاء، ويغلقها على حاجياته صيفًا. يبدأ الالتحاق بالمدرسة الابتدائية من سن السابعة، ولذا تجد تفاوتًا في التلاميذ؛ ففي الصف الأول الابتدائي مَن عمره سبع سنوات، ويجلس إلي جواره تلميذ عمره ثلاثة عشرة سنة. أنا الآن في الصف الثالث وعمري خمسة عشرة سنة تقريبًا. وتبقى لي سنتان وبعدها ألتحق بالمرحلة الثانوية، ومدة الدراسة بها خمس سنوات، مقسمة على مرحلتين: الأولى: مدتها أربع سنوات تنتهي بامتحان الثقافة العامة "القسم العام"، والثانية: مدتها سنة دراسية واحدة "سنة التوجيه"، أحصل في نهايتها على شهادة الدراسة الثانوية العامة "القسم الخاص"، وتتشعب فيها الدراسة إلى ثلاث شعب، هي: العلوم، والآداب، والرياضيات، وتخضع لإشراف جامعي على امتحاناتها. أنوي أن أتوقف عند سنة التوجيه، وأكون قد حصلت على التوجيهية، سأحاول أن أبحث عن عمل بها، فأكفي أبي من المصاريف التي يصرفها عليَّ.
-يا أحمد احضر فورًا.
يقلقني جدًا هذا التلغراف! سأجمع حاجياتي وسوف أسافر إلى البلد على الفور. ما يقلقني أن المسافة بين البلدة والمركز نصف ساعة بالحمار، ثم إننا نركب القطار لست ساعات كاملة. ربما يكون مكروه حدث لأبي أو أمي، لا قدر الله، بهذا لن ألحق جنازة أحدهما.
تطايرت الدموع من عينيه، لملم أشياءه على عجل؛ حيث وضع ملابسه في جلبابه، وكوره على شكل بؤجة، ثم وضع فيها عصا تحمله من حيث الربطة، ثم حملها على كتفه، وأغلق باب حجرته بقفل، ثم مشى.
-يا أحمد احضر فورًا.
أصبح لديه أحساس يشبه التأكيد بأن أمر ما لحق بأبيه، كونه أكبر سنًّا من أمه، لابد وأن يكون مات فجأة.
مسكين أبي، مسكين أبي "جاد الرب" لقد جارت عليه الدنيا، ترك أبوه "محمد أحمد الطيب" بيتًا كبيرًا له ولإخوته؛ "الشيخ حسن" و"الأستاذ أحمد"، وسميت أنا على اسم الأخير تيمنًا باسمه. لقد كان جاد الرب أكبر أخوته؛ لذا عمل في الفلاحة مع أبيه، وفي أرضه، وعند الحاجة كان يعمل أجيرًا في أراض يملكها آخرون، وكان يكبر أخاه الأوسط الشيخ حسن بخمس سنوات.
-سنرسل حسن ليتعلم في الأزهر يا جاد الرب.
-أرسله يا أبي، وسأعمل بجد في الفلاحة؛ لنوفر له مصاريف تعليمه.
نال الشيخ حسن قسطًا من التعليم الأزهري هناك، وعاد ليعمل خطيبًا بمسجد بالمركز. ولما جاء دور أخيه الأصغر الأستاذ أحمد أرسله أبوه ليتعلم تعليمًا عامًا، قيل أن الشيخ محمد أحمد الطيب باع من الأرض الكثير؛ ليمكن ابنه أحمد من تلقي التعليم هناك حتى حصل على شهادة كلية الحقوق.
-كان اسمها مدرسة الحقوق، لكن عندما التحقت بها أنا غيروا اسمها، وصار كلية الحقوق، أنا أول دفعة في هذه الكلية.
وتزوج الأستاذ أحمد زيجة ارستقراطية، يقال أن زوجته واحدة من قريبات أحد العمد المشاهير هناك. العمدة في قرانا كان بمثابة خديوي مصر أو ملكها؛ فهو في قريته مسئول عن كل كبيرة وصغيرة تحدث في زمامها، وهو الآمر الناهي في قريته. أقام عمي الأستاذ أحمد في مديرية من مديريات الصعيد اسمها مديرية جرجا، وقلل من زيارته لأهله؛ حتى إنه عندما أعلموه أن جدي محمد أحمد الطيب مريضًا زاره مرة واحدة، ولم يعد إلا عندما عرف بوفاته.
-يا أحمد احضر فورًا.
مات جدي محمد أحمد الطيب إلى رحمة الله، وحان ميعاد تقسيم الميراث من أراضٍ ودور، رأوا أن يقسموا الدار أولًا؛ فقد كان كبيرًا، فقسموه إلى ثلاثة أقسام متساوية، بحيث إن كل قسم يأخذ نصيبًا من الدار ونصيبًا من زريبة الحيوانات. لم يكن لدينا نحن بيت جاد الرب حيوانات كثيرة، كنا نمتلك حمارًا يركبه أبي، وجاموسة واحدة هي عماد البيت من سمن ولبن وجبن عندما تلد، كما إننا كنا نبيع الفائض منها، ولدينا عدد من الشياه نصنع من لبنها الجبن، وعدد من الدجاجات لزوم البيض. أغنام وماشية وطيور عمي الشيخ حسن أكثر منا بكثير، وكانوا يفصلون بيننا وبينهم بأقفاص من الجريد. في القسمة أعطوا لكل واحد من الأخوة الثلاثة نصيبه، وعملوا على أن يكون التوزيع بحسب السن، فجاد الرب الأول يأخذ القسم الأول، والشيخ حسن الأوسط يأخذ القسم الأوسط، والأستاذ أحمد الثالث يأخذ القسم الأخير. ولأن الأستاذ أحمد يشغل منصبًا مهمًا في المديرية التي يعمل بها وقد نال من الترقيات ما ساعدته عليه زيجته؛ مما مكنه من تخطي زملائه بل والسابقين عليه أيضًا، وسيكون له زوار كثر أفندية وبهوات، هكذا ادعى في البداية، فقد استرضى أخويه أن يأخذ الثلث الخارجي المطل على شارع كبير، ورضي الشيخ حسن على الفور، وقال:
-أنا نصيبي أوسط، ففي كلا الحالتين لن يتغير وضعي، هذه بينك يا أستاذ أحمد وبين جاد الرب.
-أنا الكبير، والمعمول به أن آخذ وجه الدار، لكن أنا أتنازل لك يا أخي. قال جاد الرب.
ثم قسَّموا الأرض.
-جاد الرب هو من يأخذ الباطن في نصيبه. قال الأستاذ أحمد.
-الباطن بأكمله من نصيبي؟! قال جاد الرب.
-أنت مهنتك الفلاحة وتستطيع حُسن استغلاله. قال الشيخ حسن.
-لكن الباطن أرض معيبة، تملؤها المياه نهاية الصيف عندما يأتي الفيضان، وتظل المياه به إلى شهر ديسمبر. قال جاد الرب.
-تستطيع فلاحته من يناير وحتى أغسطس. قال الشيخ حسن والأستاذ أحمد.
عندها شعر جاد الرب بجور أخويه أثناء تقسيم الأرض. ولأنه الكبير لم يشك في أخويه، وظن أنه يتخيل ذلك، واستمرت الألاعيب واللف والدوران إلى أن انتهى الأمر بظلمه في نصيبه من الأرض الزراعية، ومرغمًا وافق.
-لماذا وافقت وهو ظلم وكل الأهل يقولون ذلك؟ قالت أمي روحية.
-حتى لا يقول الناس أن الأخ الكبير هو من صنع المشاكل وطمع في أخويه، أنا في مكان أبي الآن، وهما ولدايَّ.
ثم بدأوا في بناء الجدر بين أجزاء البيت والزرايب الثلاثة، فبدأوا ببناء الجدار بين الجزء الذي يخص جاد الرب والجزء الذي يخص الشيخ حسن، ثم توقفوا. وتنازل الأستاذ أحمد عن نصيبه لأخيه الشيخ حسن فأصبح الشيخ حسن يمتلك ضعف جاد الرب، وأكثر تميزًا عنه من حيث الموقع. ثم باع الأستاذ أحمد نصيبه في الأرض في نفس اليوم لأخيه الشيخ حسن، وبثمن أقل من ثمنها، ومؤجلًا على أقساط!
حزن جاد الرب، ولم يفسر سبب ذلك وهو الذي مكث في العمل مع أبيه -وأجيرًا أحيانًا- من أجل تعليم أخويه، سافر الأستاذ أحمد عائدًا إلى داره في نفس اليوم. ليلتها لم ينم جاد الرب ولم يتوقف الدمع من عينيه، في الصباح ذهب لأخيه الشيخ حسن.
-لماذا يا حسن ائتمرت والأستاذ أحمد عليَّ؟ هل فعلت لكما شيئاً دون أن أدري أو بغير قصد؟
-بص يا جاد الرب: أنت فلاح، واحتياجاتك قليلة، وبالطبع لا تطمح في تعليم أولادك إن ربنا أعطاك فيما بعد، أما الأستاذ أحمد فهو من رجال المديرية، وغدًا سوف يصبح من رجالات الحكومة، وزوجته لن تسمح له إلا بتعليم أولاده تعليمًا عاليًا. وأنا تعليمي الأزهري يجعلني أصر على تعليم أولادي تعليمًا عاليًّا. الأستاذ أحمد في حاجة إلى ثمن البيت والأرض، وأنت لا تملك؛ فليس لك دخلًا ثابتًا. أنا قسَّطت له ثمنهما معتمدًا على راتبي وهو وافق. قضى جاد الرب عدة أيام مكتئبًا، ولم يرَ أخاه الأستاذ أحمد مرة ثانية إلى الآن.
-يا أحمد احضر فورًا.
قد لا يكون أبي، قد تكون أمي روحية، السيدة المسكينة، أنا أصغر أبنائها، رزقت بكبيرها وهو محمود بعد فترة من عدم الحمل، قال الأهل إن الله لم يكن يقسم الأولاد في رزق أبوي ثم رضي عنهما. وبعد الوقائع التي حدثت من كل من الشيخ حسن والأستاذ أحمد لجاد الرب أخيهم قرر جاد الرب تعليم أولاده جميعًا. كان محمود أولهم، أرسله جاد الرب للتعليم، وقرر أن يلحقه بالمدرسة الابتدائية فأنهاها، ثم التحق بمدرسة المعلمين وأنهى دراسته.
-إنني ساعي البريد، وأنا أنتظر الحلاوة، هذا جواب تعيين، جواب عمل.
-لمن يارجل.
-إنه لمحمود جاد الرب محمد أحمد الطيب.
-اخفض صوتك، اسكت يا رجل.
-لماذا؟!
-شايف الجنازة اللي لسه معدية هناك دي؟ جنازته.
-يا أحمد احضر فورًا.
-ما هذا؟!
التلغراف مكتوب عليه محمد فقط! قد يكون أخي محمد هو من توفاه الله.
-من أرسل التلغراف إذاً؟
-أي محمد من المحمدين، إنهم كثر في أقاربنا.
قبل أن أولد كانت أكبر أخوتي البنات واسمها رقية، قد تزوجت من ابن خالتي واسمه زغلول، في أول ولادة لها أصيبت بحمى النفاس وظلت مريضة لعدة أيام ثم ماتت. تركت رقية طفلتها وبعدها بأيام ولدت أنا. تقدم زغلول هذا بطلب الزواج من أختي الثانية زينب، والتي كانت قد بلغت التاسعة عندما كان عمري ثماني سنوات تقريبًا.
-بهيرة بنت رقية اتربت في بيت جدها جاد الرب، وهي معتادة على خالتها زينب، ما المانع بأن تتخذها أمًّا لها، أتزوجها أنا. قال زغلول.
وتزوجا فعلًا، ما هي إلا أشهر قليلة وحملت، لكن فيما يبدو أنها لم تتحمل الحمل في سنها المبكر، وسخنت وأصابتها الحمى، ورفض زوجها الذهاب بها لطبيب المركز. وأذكر أنني كنت احتضن رأسها في صدري، فنظرت لي وتمتمت، ثم فاضت روحها.
أبي وأمي يموت أولادهما صغارًا، هذا ما أسمعه في الدرب. أنا أتوقع موتي في أي وقت كذلك.
-يا أحمد احضر فورًا.
كان أبي يزرع قطعة أرضه التي نالها بعد تقسيم الأرض قطنًا، فمن القرن التاسع عشر وقد أثبت القطن المصري أنه ذو جودة عالية وشهرة كبيرة، هو ذو نعومة فائقة، كما أنه طويل التيلة. قيل لنا في المدرسة أنه يستخدم في المنسوجات عالية الجودة، ويتم تصدير أغلبية محصول القطن إلى جميع أنحاء العالم بعد اكتفاء حاجة القطر المصري. على أني كلما ذكر المدرس سيرة القطن المصري كلما ندبت حظي وحظ أسرتي وبكيت. إن الموعد المناسب لزرع القطن يختلف باختلاف الإقليم والمناطق، ويتوقف على درجة حرارة الربيع، ففي مصر مثلا نزرع القطن في مديريات الوجه البحري من منتصف شهر مارس إلى نهايته، وفي مديريات الوجه القبلي من من منتصف فبراير إلى منتصف مارس؛ لأن الصعيد أعلى في درجة الحرارة من الوجه البحري. في هذا العام زرع أبي أرضه قطنًا. في الصيف أنهى محمد أخي المدرسة وعاد فباشر مع أبيه زرعة القطن، في نهاية أغسطس حدث ما لا يتوقع.
-اللطعة طلعت في القطنيات يا محمد.
-لا إله إلا الله، أجيب أنفار يا أبوي يلموها، يلموا الورق اللي فيه الدودة.
-مش هينفع يا ولدي، الدودة أكلت اللوزة، الدودة بالليل أكلت الزرعيات.
قيل إن مشرف الجمعية الزراعية قال: إن الأراضي الزراعية التي أصابها الوباء هي عدد قليل من الأفدنة من أكثر من أربعة آلاف فدان زرعت بالقطن في المديرية. يحكي أخي أن البيت كله كان يبكي وهم يسمعون الغناء قادم من الحقول التي يجمع فيها القطن بعد ذلك بأسابيع:
نورت يا قطن النيل
يا حلاوة عليك يا جميل
...
الله أكبر يملا بيوتنا سمن وسكر"
ورأى أخي محمد أنه لن يذهب هذا العام لحلقة تسويق القطن، ولن يسلم القطن للجمعية الزراعية الملكية ويقبض ثمنه؛ فكيف يأخذ مصاريف المدرسة من بيت خال من السمن والسكر؟!
قرر أخي محمد ترك المدرسة والعمل في الفلاحة مع أبيه.
-يا أحمد احضر فورًا.
إن أي حدث في البيت سأتخذ نفس القرار الذي اتخذه أخي محمد، لا يصح أن أنعم أنا بالتعليم على حساب أسرة فقيرة يأكلها العوز، وتوفر من قوتها لتعليم ابن من أبنائها. سأترك التعليم لمن تعلم أباؤهم في هذه الحياة، فإن الملك توريث، والحكم توريث، والتعلم توريث.
كان أحمد يتذكر كل هذه الحوادث التي رأى بعضها، والتي سمع جلها والقطار يأكل فلنكات القضبان متجهًا به إلى قدره، عندما وصل القطار إلى مركزه أجر حمارًا أوصله إلى قنطرة التسعة التي تقع على مدخل بلدته، انطلق إلى بيته وأمام البيت تجمع بعض من رجالات أهله يواسونهم. قابله أخاه على أول الدرب، قائلًا:
-البَهِيمَه مَاتَتْ.



#أمل_سالم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صخور القمر والمريخ، وديناصورات، على كورنيش النيل
- السرير (قصة قصيرة)
- قصص تتحرى السؤال الفلسفي
- نفر العزبة - نيويورك
- الكاتب
- عين الصيرة، بحيرة يحيط بها الأولياء.
- البنوة في أشعار محمود درويش
- رواية -آلة الزمن- بين الأدب والعلم
- الكوارث وتصحيح مسار الإنسانية
- الاختراق والهيمنة المؤسساتية
- -الهؤلاء- رواية تعرية الطغاة
- العقل الجمعي وتنظيم العمل السياسي/ الثوري
- الرؤية المكتملة في ديوان: - تفاصيل حلم ما كملش-
- فصام
- من الذي يستطيع أن ينظم مصر؟
- الخطاب / دين أم تاريخ
- ذاكرة الموتى
- أين تذهب يا بابا؟
- بدون وساطة العبث
- صور معتمة لذاكرة تامة الاستضاءة


المزيد.....




- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق
- الكاتب الأوكراني أندري كوركوف: أعيش زمن الحرب بجوارحي وأكتب ...
- مكتبة البوابة: -الصريم- روايةٌ بنكهةِ الأصالةِ
- -الاستبدال الكبير يقع بأعماق البحر أيضا-.. ضجة مستمرة بعد لع ...
- روسيا وأوكرانيا: إلغاء حفلات روجر ووترز في بولندا وسط رد فعل ...
- استشهاد شيرين أبو عاقلة في سجل توثيقي جديد لمؤسسة الدراسات ا ...


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمل سالم - التركة