أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - فاطمة الفلاحي - ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ثورة التجديد الشعري– في بؤرة ضوء















المزيد.....



ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ثورة التجديد الشعري– في بؤرة ضوء


فاطمة الفلاحي
(Fatima Alfalahi)


الحوار المتمدن-العدد: 6737 - 2020 / 11 / 19 - 21:35
المحور: مقابلات و حوارات
    


وعند زليخته ، نتيه بين النبوءة وبين فتنة الغواية
إلى مدينتي....
لماذا لا أعبركِ إلا راحلة ..؟

شاعر من مدينتي
سلب أنهار الشعر ودفنها في جسد الكلمة، فقد استفاق على حقول الحب وعلى سماء من الدهشة .. ودمعه يلتهب شوقًا عند ناصية "خذني لبغداد" وتلتهمه أطراف الحكاية و"حنين الشرق" وتفاصيل عمر في "خباء الليل" يمشي بيطء .
وكأنه يقول: أيتها الأرض لتعلمي بأنني قد عدت لحرثكِ، بذور شعري ...!

- مكي النزال اسمه، شاعر شاهق الحضور، وِلدَ في حنايا ضوء الفلوجة الأنبارية عام 1957، لأسرة عریقة، يتنفس جرح وهموم العراق بكل مافي خصور قصائده ومقالاته حد آخر حرف في أبجدياته. امتشق حسام بنية القصيدة العربية الجديدة، أشعل بيارق الأمل في ألم الطريق داعيًا إلى الوحدة الوطنية وبناء عراق حضاري يليق بنا وعلى مقاساتنا .. يمطر قلبه الشعر دون تكلف، صياد ماهر للصور الشعرية، التي لاتخلو من تلوين الإيقاع البصري والسمعي ، يتخذ من التناص حكمة ..

• عند "زُلَيخَته"، نتيه بين النبوءة وبين فتنة الغواية ومغامراته ليدسنا بين حيرة رفضه وقبوله في التشبيهات وغزله الأنيق، وكأنه شاعرًا مطبوعًا، يجيد زمام الموقف الشعري .. قصائده أضرحة جميلة لأحلامنا المستحيلة والشعراء يتبعهم العاشقون.
• في عناب "اللهفةُ البكر".. يعصر خمارها الرشيق ويتيه عند ملتقيات الروح. حيث نقف إجلالًا عند ناصية "قصائدُ مقاطعاتِ الفُحول"..
• وفي محراب "قصائد قالت وقُلتُ".. كان يدرك أن ما كانت تهمُ قوله ساعة غادرها صوته، فهتفت أعماقه " تخلقنا ذات ظروف"
• يتسربلنا تقى الوجع للصلاة في محراب عيني العراق الزاهدتين وتبكينا روايةُ "كاميرا الحبِّ والحرب"- من قصص المقاومة- فتنتشلنا امرأة تغتسل بالعطر المقدس وتمنحنا بسملتها عند تفاصيل روائح الفردوس والأغنيات في ديوانه "خُذني لبغداد".. "سامِريني" عن "رحيلُ قمر"، و"اللَّيلةُ العميقة"، "سَكَراتُ الشِّعر"، وعن "سَيِّدُ البحر"، و"كَتَفُ النَّسيم"، و"ألقُ الإياب" و"أجنحةُ الزواجل" كي "أرتِّبُ نافذتي في انتظار القمر" و شمْسُ الليل.
• كثيرون من يجيدون "سِجال" و" سحر المشاغب" و"صَلاةُ قافية" عند "عتباتُ النَّجم، فقد " سَئِمَتْ أيّامُنا أعذارَنا "،وأنا "غريبُ الخمسين" ، فـــ"أعيديني" إلى " قوافي أروى" و"انفلاتُ السِّرّ من قيدِ الحشمة " وإلى " جَمْر" "نَبْضُ القصيد" و "طوفانُ الحُمَم" "على جِمارِ الجوى"
• "سأظلُّ أكتب فيك شعرا"" أيتها التائهة" ..

"إلى غاضبة " ثائرة ودمعها المالح يتقاطر صرخاتُ... حزينة !!!

• " عُذرًا غَفوتُ" يا "عُكّازُ الرُّوح " فقد حاولت أن أتلو عليك "اشتعالُ الوجد" في "ثواءُ الليل" حين يكون ""قلبي على شفتي" وعلى "أطراف الوجود" أنا " الفاتكُ التَّقي" الذي يتكوم في "غزوةُ الليل"فيبعثر " الهزيعُ الاخير" من " القمرُ المخاتل، والحالم بــــ"إغفاءةٌ على سُرُرِ المنُتهى" لـــ" رشيقةُ الخَطو" ويعيش معها"" ليلانِ وفجر" و" جنونُ قلب" في خباء الليل" وبينه وبينها شهقات النور و"نبضة رعناء "
• من "هجاء عاشق" و"سيِّدُ الحرف"، "هائم على وجه بغداد"، هو" الشاعرُ الذي قتل قلبَه" " في ضِيافةِ فنجان" عرافة بنبوءة عنها تحدها "مسافات " اهتراءُ قلب" وما هي إلا "وجهٌ على كف الريح" حيث تسرقه " تبتُّلات قمر" وقت "إنفلاق الفجر"
• أين تذهب بالليل عن" جَفنٌ مسهد" و" حكايا""جنونُ الليل " ويا أنا " قتيلُكِ قلبي".
• عن"أنيس الساهر" "تقول لي الورقاء" في " بصيرةُ الحب" "فتوحاتُ جرح" و" صفعةُ الريح"و" ذبولُ قافية" و"جنونُ الشوق" وعصف "وجيبُ الوجد" بقلبه لـــ "حضورُ غائبة" فــــأ"خبيء الهدُب" في " دسيسُ الوساد "
• ومن "قوافي ذئب" و" وضوءُ الجَفاف" "ذبحوكِ يا بغداد" وقد " ضاع مني العراق"
• فتوالت القبور على أهلها "شهيد" يعقبه شهيد "والحرُّ يتُعبهُ الوقوف" "يا تباشيرَ ضِياءٍ في عُيوني" فقد "رَضيتُ" "ولاداتٌ من خارج الارحام" فشتان مابين رحم الشرود واستدارة "رَحى الصبر" يا "نَدامى الغُربة" الذين يرصدون حكاية "حفلٌ على هامش الحزن" و" دمعتان على الطاولة" و" دموعٌ حمراء" أورثونا إياها "أصحابُ السجن"
• و"فسادُ الصورة" بقيت معلقة ترميه بشرر في "رحلةٌ بينَ المنافي" فكانت "رؤيةٌ مِن زاويةٍ ميتة" ..
• بقصائده منح الحرية للحبيبات " رسائله اليومية"، يداهمن قلوبنا دون استئذان، فنمتلئ بالمتعة والخوف من تبعات مجريات ذاك العشق .......

رسالة بتاريخ 29/12/2011 كانت :
أججي النار في بقايا هشيمي * وانضحيها بشهدك المختومِ
ارسمي درب تائهٍ ليس يدري * كيف يمشي بدربه المرسومِ
لا تقولي تعبت، لن تتعبيني * ما أنا بالمعذب المهزومِ
أنت دفء السنين لما تمادى * ثلجها في فضائيَ المأزومِ
أنت روح الحياة والكون موتٌ* يتمادى بنبضه المزعومِ

* * * * *
ورسالة أخرى بتاريخ 17/5/2012 كانت :
لا تنامي خائفة
وهجُ عينيك يخيف الليل بالضوء البهيج
لا تنامي غاضبة
أنت في روض أمانينا الأريج
سافري - إن شئت - للريف الجميل
زيّني وجه الحقول
أفعميها بنضارٍ في يديك
اطلعي في الأفق نجمة
أرسلي الأنفاس نسمة
واملأي الدنيا تراتيلاً ورحمة
لا تنامي ودموع العين تهمي
أرجحي الدنيا على حبل دلالك
أسكني قلبي على حلو وصالك
أشرقي فالليل إن اشرقت هالك
واستريحي
أغمضي عينيك في وسط الضجيج

* * * * * *

• آلاف الرسائل الشعريَّة التي نشرها في منتديات كان آخرها "منتدى القصيدة العربية" والتي انتشرت لتكون رسائل نصية ومقتبسات بين جيل الشباب، ويتذاكره أساتيذ الأدب مع طلابهم في الجامعات كل صباح.
• صاغ من أحكامه النقدية وشومًا تجدها في كلّ مكان في كتاباته (على المنتديات ووسائل التواصل) لتزيد من شساعة المجال البصريّ للقارئ لتغذّي مخيّلته؛ لكنه يرفض أن يسمى ناقدًا فالنقد فن آخر غير الشعر والكتابة الإبداعية، له مزاولوه الذين يتقنون عمله وهو لا يريد أن "يتطفَّل" على فن غيره.
• مداد قلبه؛ كتب القليل من القصائد باللغة الإنجليزية،: كــــ "بينغ بونغ و تنت" ؛ لكنه كتب مئات المقالات بهذه اللغة التي خاطب بها العالم الظالم المتغافل عن قضية وطنه فكانت مقالاته مختلفة عمّا يكتب الآخرون لأن لغتها مزيج من الألم والثورة واللمسة الشعرية المنسكبة بين السطور!

• أما في السياسة فلقد نشط معارضًا للاحتلال واختارته مدينته مفاوضًا عنها بعد أن ثارت وقادت مقاومة عراقية من أنبل المقاومات في التاريخ. عرفه أهله والمحتلون مفاوضًا صلبًا وبقي في العراق لأربع سنوات (حتى سنة 2007) بالرغم من خطورة بقائه، لكنه اضطر بعد ذلك لاختيار المنفى ليعمل هناك مع القوى الوطنية المناهضة للاحتلال وأسسوا معًا اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي وهو المشروع الأبرز على الساحة لتوحد الصف العراقي الممزق والمشتت.
• في العراق ولأسباب سياسية لم تمتلئ رفوف مكتبته رغم غزارة نتاجه الأدبي.
• ومن حقائب الغربة أصدر كتابين في التحليل السياسي هما الفلوجة والسلاطين والفشل الذريع.
عمل قبل الاحتلال في القطاع الخاص
• أسس مع عائلته حي نزال في مدينته الفلوجة
• اشتغل في التجارة والصناعة والزراعة
• اشتغل مديرًا للشؤون المحلية في شركة تويومنكا اليابانية وهو في سن الرابعة والعشرين

* * * * * *
أما بعد الاحتلال (2003) فقد اشتغل في الوظائف والمواقع التالية:
• مساعد ميدان من المستوى السادس في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين
• منسقا دولیًّا للإغاثة مع منظمات عديدة
• عمل صحفيًّا ومستشارًا إعلاميًّا ثم سياسيًّا
* * * * * *
يكتبه النجاح بين صفوف الناجحين، فوقع بشهد الإمتياز، حاصلًا على :
• شهادة الكفاءة العلیا في الترجمة – جامعة نین – بریطانیا،
• نال جائزة مؤسسسة (بروجكت سنسورد) الأكاديمية الأميركية عن أفضل مقال 2010
• بكالوریوس التربیة من جامعة الأنبار.

* * * * * *

خُلع عليه لقب "هبة الفرات"
لم تستطع الأصوات النشاز إسكاته أو التشويش عليه، فها هو صوته يصل لمحبيه ولبني وطنه وأمته شعرًا وخطابةً ومقالًا وموقفًا وعملًا دؤوبًا في السياسة والإغاثة والمجتمع.
هو من ينادي لبناء هيكل نقدي وتاريخي لأدب المقاومة التي ما زال يتغنى بمجدها وعزِّها.
وهو الباحث الذي وضع الأساس لبحوث تحت عنوان (أدباء الموقف)
وهو القريب من نبض الأقلام الشابة مشجِّعًا ومباركًا لكل إبداع نبيل.
وهو الشاعر الأغزر إنتاجًا في تاريخ الشعر.
وأخيرًا هو صاحب (المعلَّقة) الطويلة التي تلقفها النقّاد ليوسعوها دراسة وتحليلًا ليستفيد منها الباحثون والدّارسون والطَّلبة.

* * * * * *

كل يوم الوطن ينزف أسماء أبطاله ..
عد بي من أرصفة المنافي وأكف الغربة ، حيث وطن خالٍ من المكائد.

قال: في أسماء أبطاله وبالغرباء والوطن:
أمضيتَ نصفَ العمر تبحث عن وطن = والنصف في وطنٍ تفتش عن سكن
أدّيتَ ما يرجو الجميعُ محاربًا = والكل يهتفُ مُت شهيدًا يا ابن من....
وإذا كبوتَ تفتقت افواههم = عن قيعةٍ فيها الخبائثُ والنتَن
لا غرْوَ يا ابن نقيّةٍ أن يفترى = في الأكرمين من ابن خضراء الدّمَن
فردًا مضيتَ تذبُّ عن نعمائهم = حشد الذبابِ وخضتَ ألوان المحن
لم ترجُ من ثمنٍ لعُمرك ينقضي = في حبّهم، ورضاك عنك هو الثمن
يا فارسًا لله وجّه وجههُ = لله درّكَ كم بذلت بغير مَنّ
كم راودتكَ المغرياتُ عن الذي = أحصنتَ في صدرٍ تحمّلَ بالشجن
وكم احتملتَ من المصائبِ مُرّةً = وكم ارتقيْتَ وكان غيرك يُفتَتَن
آليتَ أن تلقى الردى مستبسلاً = والآخرون يغالبون رؤى الوسن
يتنعّمون بجُبنهم وخوائهم = وتدور نجمًا لا تقيّدهُ وكَن
لم تُلقِ بالاً للحياة وزهوها = وسموت فوق الخوف من عسف الزمن
وحزمتَ أمتعة الرحيلِ إلى الذرى = في جنّةٍ مع خير من فيها قَطن
بوركتَ من عبدٍ تسيّدَ أمرَهُ = ومضى لسيّدهِ ينزّه عن درَن
وتركتَنا في قلب عاصفة الغوى = في كل يومٍ بالنوازل نُمتَحَن
نهفو إليك بما نطيقُ من الخُطى = ونُعيدُ ذكرك كلما ليلٌ أجنّ
زمنٌ مضى مُرًّا وروحك بيننا = حتى كأنّك بعد موتك تؤتمن

- يجيبنا الشاعر مكي النزال على أسلتنا في ثورة التجديد الشعري عند الشاعر مكي النزال
1.التناصية استحالة العبث خارج اللامتناهي
في غيابة الذكريات
رميتُ بقافيةٍ للهوى لم تمُت
وعدتُ لقلبي بما كان للحبِّ يوماً قميصاً
عليه دمٌ ليس إلاّ ..
أحمرٌ للشفاه اللواتي نطقن الكذب
قلتُ: ياقلبُ لا تبكِها ..،

تناص مع سورة يوسف؛ فالقميص يرتبط بالحب والفتنة ومابقي للشاعر سوى القميص الذي يشم فيه رائحة الحبيبة المتمثلة بالوطن فيه، ولم يبق للعراق سوى اسمه الذي بات قفارًا دون أهله، بل بات مشاعًا.
1. هل يمكن القول ونحن نتحدث عن التناص إن أنماط اللفظ تعددت عند الشاعر مكي النزال فقام بإعادة آلية توظيفها عند اختيار المكان المناسب والحدث؟

اختيار موفق للون نادرًا ما أكتبه ولقصيدة اشتهرت على الإنترنت وفي المحافل الأدبية التي كنت أرتادها مشاركًا على المنبر في العقد الأول من هذا القرن.
لم يرضَ عنها بعض النقاد حين سمعوها أول مرة، لكنهم عادوا فأعطوها حقَّها من التمحيص ثم الثناء.
التناص هو حالة من الاقتباس المشروع، فالشاعر يُحاكي نصًّا ما ولكن بلغة وأسلوب جديدين يعبِّر بهما عن نفسه وينتج إبداعه بروح جديدة تتناغم مع النص الأصلي الذي يرتفع سقفه بتفاعله مع نبض جديد، سيما وأن الشاعر لا يستخدم هذه السمة الشعرية إلا مع نصوص راقية تليق بذائقته.
وفي هذه القصيدة وغيرها كانت لغتي حاضرة مع الصورة الأصلية ممّا ميَّز النصوص وجعلها أقرب للمتلقي الذي يمزج إعجابه بالأصل مع انبهاره بالجديد. ولعل ما يجعل النصوص أقرب لنبض المتلقي هو الانهمار الفطري للشعر دونما تكلف يجعله ينفر ويتقوقع في صدفة الأصل الذي يحبه ويعيشه تاريخًا جميلًا لا يريد له أن يُخدش.
نعم، الناتج الجديد يكون متأثرًا بالمكان والزمان الجديدين وكذلك بروحية التفاعل في اللوحة التي رسمها القديم في قريحة الشاعر. النص الجيد (المتناص معه) هو إزميل نَحَتَ في روح الشاعر (الجديد) في زمان ومكان ثم ظهر هذا النحت في زمان ومكان آخرين. كل هذا وغيره من عوامل (منها المخاطَب مثلًا) تتفاعل بجو مختلف ليظهر لنا هذا النتاج الذي – إن وُفِّق – يكون إضافة إبداعية جديدة للشعر.
وبما أنك ذكرت القميص، سنجده متعدد المعاني لو رجعنا للقصة القرآنية العظيمة؛ فهو الذي عليه الدم الكذب (وقد ورد في القصيدة)، وهو الذي أعاد النظر ليعقوب؛ وهو الذي قُدَّ من دبُر! فنحن إذن نتحدث عن قمصان يوسف ذات الرمزيات المختلفة، لا عن قميص واحد. (على الأنبياء السَّلام).

****
2. وهل أضفى التَّناص صفة الاستمرارية لظاهر النص وباطنه في شعرك من حيث تعدد الأصوات داخل النص الشعري الواحد؟

أحب التناص فطريًّا وربما لأني نشأت كغيري من العراقيين والعرب في واحة القرآن وارفة الظلال.
في النص القصير أدناه ورد تناصّان أحدهما القميص والآخر الهدهد، بينما في النص الذي اوردتموه كان هنالك القميص والذئب؛ لكن في كل مرّة يختلف التوظيف فجميع الشعراء تقريبًا لهم تناصات مع القرآن الكريم أو غيره (قد يكون التناص مع أمثال أو قصائد قديمة أحيانًا).
والسؤال هنا: هل أجاد مكّي النزال هذا الفن؟ وهل أخذه جاهزًا من غيره أم انَّه جاء به بلغته الخاصة؟ وما درجة إبداعه فيه؟ أسئلة كبيرة ننتظر من النقاد والمهتمين بالشعر الإجابة عنها في كل مرة تُذكر.
دَمٌ كَذِبْ
عَلى قَميصِ قِصَّةٍ
لَمْ تُخْتَتَمْ كَما يَجِبْ

وَهُدهُدٌ طَوى المَدى
وَطافَ دونَما هُدى
فَضاءَ حُلْمِهِ الرَّحِبْ
وَعادَ خالِيَ الوِفاضِ

يا أَحْمرًا تَغَمَّدَ الْبَياض
أَيُّ ذِئْب؟
وَأَيُّ جُرحٍ نازِفٍ
إِلَيْهِ تَنْتَسِب؟

حَقائِقٌ لِلزِّيفِ تَنْقَلِب
فَتُكْرَمُ المُدى
وَالْحَقُّ يَحْتَجِب

3. بماذا تعرف مفهوم التناص في الثقافة العربية ؛ هل المصطلح intertextuality ترجح ترجمته إلى التناص أم إلى " بَيْنصّية" يعني(بين- نص) ؟

أشير أولًا أن التناص مصطلح جديد لا تذكره المعاجم لأنه حديث وقرأت لكم أنه "بألوان ثلاث أولها وثانيها الاجترار والامتصاص وثالثها التحوير وظهر مصطلح التناص أولما ظهر عند(جوليا كريسيفا) عام 1966م،إلاّ أنّه يرجع إلى أستاذهاالروسي (ميخائيل باختين)،وإن لم يذكر هذا المصطلح صراحة واكتفى( بتعددية الأصوات)،و(الحوارية)،وحللها في كتابه فلسفة اللغة ،وكتاباته عن الروائي الروسي (دستويفسكي)،وبعد أن تبعته جوليا وأجرت استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها (ثورة اللغةالشعرية)،عرّفت فيها التناص بأنه (التفاعل النصي في نص بعينه)ثم التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين وتوالت الدراسات حوله،وتوسع الباحثون في تناوله ، وكلها لا تخرج عن هذا الأصل،وقد أضاف الناقد الفرنسي (جيرار جنيت)لذلك أن حدد أصنافا للتناص .
وبعد ذلك اتسع مفهوم التناص ،وأصبح بمثابة ظاهرية نقدية جديدة وجديرة بالدراسة والإهتمام،وشاعت في الأدب الغربي،ولاحقا انتقل هذا الإهتمام بتقنية التناص إلى الأدب العربي مع جملة ما انتقل إلينا من ظواهر أدبية ونقدية غربية ضمن الاحتكاك الثقافي ،إضافة إلى الترسبات التراثية لأصلية." (انتهى الاقتباس بتصرف).

وأقول: أما الاجترار والامتصاص فهما مجرد اقتباس دون أن نغير النص أو أن نغير فيه شيئًا قليلًا وهنا يأتي الظلم للثالث (الذي أسموه التحوير) وهو المبدع الذي لا أسميه تحويرًا بل تطويرًا مبدعًا فيه جِدَّة تخدم النصّين المتناصَّين معًا. وبما أن المصطلح جديد عندنا فلقد حاول اللغويون إعطاءه كلمة متوافرة فاختاروا textere اللاتينية ومنها أُخذ الآخران في الفرنسية والانجليزية (كما وردا في السؤال). بهذا سأتطرف قليلًا وأقول إن كل المسميات وبكل اللغات تدخل في القواميس الحديثة فقط ويأخذ اللاحقون ما قاله السابقون دونما نقاش لا طائل منه.
ولولا أن المصطلح أصبح واقع حال لقلتُ إن تسمية (التشارك النصّي) هو الوصف الأصح، لكن المحدثين يحبون أن يضيفوا بصماتهم الحداثية على الترجمة.
وفي نهاية جوابي الطويل أنوّه لمصطلح آخر حديث هو (التَّلاص) وفيه يعني النقّاد الأصلاء أن بعض الطارئين على الأدب يسرقون صور غيرهم بحجة التناص، فهم ليسوا إلا لصوص الأدب ولا يليق أن نسايرهم في ادِّعائهم ولذلك وجدوا لهم مصطلح التلاص سخرية منهم وتنكيلًا بهم.
***
2.النظام التقفويّ في أجود الشعر
4. أين وجد الشاعر مكي عذوبة الألفاظ في بيته الموزون وتأثيره في النفوس والقلوب ماليس لغيره، من التعاضد في شعره من حيث قوة الترابط الدلالي بين سلاسل المنطوقات، فتكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها،نسجًا وحسنًا وفصاحة، وجزالة ألفاظ، ودقة معان وصواب تأليف؟

لن أدَّعي من العلم أكثر ممّا أستحق فأنا (كما قيل لي وذكرته في مكان آخر من حوارنا) شاعر مطبوع لا أخطِّط القصيدة ولا أرسم خريطة قبل خط الشروع. من المؤكد أنني تعلمت اللغة خارج المدرسة لأني خريج الفرع العلمي؛ وأدين لمن علموني في المدرسة بالفضل بعد الله تعالى، وكذلك لأبي وأخي الأستاذ قيس النزال ورجل آخر ربما هو الأهم وهو الأستاذ الدكتور محـمد عبود الزبيدي الفلوجي والذي أفخر بتسميته شيخي. هذا الرجل شاعر هجر الشعر لأسباب تخصه لكنه كان مشجِّعًا كبيرًا لي. إن أهم ما فعل هو أنه بيّن لي مواطن القوة فيما أكتب وترك لذكائي (وأنا بعدُ فتًى صغير) أن أستنتج مواطن الضعف!
وجوابًا على السؤال أقول: صرت أقرأ ما أكتب فأتوقف عند كل كلمة أجد فيها ضعفًا فأغيرها، وكل ذلك فور الانتهاء من كتابة القصيدة. ولكي أكون صادقًا ودقيقًا أستثني قصيدة كتبتها نهاية شهر حزيران 2020 وكانت مختلفةً تمامًا لكونها طويلة جدًا ولحوحة جدًّا وكأنها ترفض التوقف فأوقفتها عند البيت 333 وهي الآن قيد الطبع في ديوان مستقل ستكون فيه وحيدةً شريدةً كحالي منذ 17 سنة!
وعودًا للسؤال، فإن الجاحظ قال ما يجب أن يقال ويعاد كل يوم ولكل شاعر أو متشاعر لكيلا يختلط الحابل بالنابل ويسقط الناس في تيه وهم يقرؤون ولا يفهمون فيهجرون الشعر ويكرهون الشعراء.
إن الجاحظ يشير – ضمنًا – لما يسمى بالسهل الممتنع الذي لم يرِد عن الأجانب وهو لون عظيم يُقبل عليه المتذوقون علماء كانوا أو بسطاء.

***
5: هل حاولت يومًا التلاعب بالنظام التقفويّ " السطري" في سياق بعض السطور الشعرية على سطرين ، فبدت وكأنها خالية من التقفية ؟

إن القافية في القصيدة العمودية النظامية ركن لا يُمَسّ ومخالفتها تُعَدُّ خللًا لا يقلّ خطورةً عن الكسر في الوزن أو اللحن في اللغة.
لكن إن حصل خلل واحد كأن يكون خطأ في تشكيل القافية كورود الحرف مجرورًا بينما القافية منصوبة، وهذا يسمّى بالإقواء. في هذه الحالة يشار لهذا الخلل فيقال أقوى الشاعر في البيت (كذا) من القصيدة.
قد يرد عند الشاعر أن يلتزم ما لا يلزم فتكون صدور أبياته بقافية موحدة سواء كانت نفس قافية القصيدة (التصريع) أو قافية أخرى مختلفة، وهذا مما لا بأس به شريطة أن يتقن الشاعر معانيه ومبانيه ولا يقحم نفسه في ما يربكه فيقع في فخ الحشو والنظم الفقير من الشعرية.

***
3.مقاييس جديدة للقصيدة بعد ثورة الحداثة
6: بعد ثورة الحداثة التي تعرضت لها القافية، هل أخضعتَها لمقاييس جديدة تنسجم مع طبيعة هذه الثورة وقوانينها؟ وهل اضطررت إلى التضحية بجزء من قيمتها الدلالية كي تحافظ على الشكل العام للقصيدة؟

من مسمّى (قصيدة حرَّة) نستنتج أنها تفلَّتت من القيود، وأنها (الحريّة) نسبيّة كما في كل مكان تحل فيه.
هنالك قصائد تتحرر من القافية، لكن معظم الشعراء لا يلغون القافية نهائيًّا وإنما ينوّعونها وإن نجحوا في ذلك التنويع يكن كلام د صالح صحيحًا. مع إصراري (وأنا أكتب قصيدة التفعيلة) على أن القافية الواحدة والبحر الواحد في الشعر العمودي ليسا قيدين ضارين، وأن الشاعر المتمكن لا يعجز عن تنويع الإيقاع (فطريًّا أو صناعة) ليجعل المتلقي لا يمل قراءتها، بل ويترنم بها.
وإليكم عيّنة (عشوائية) مما كتبت ملتزمًا كثيرًا ومنوِّعًا قليلا:

ساهِرُ الطَّرْفِ حَبيبي
ليسَ شَوقًا
لَيسَ عِشقًا
لَيسَ تَذكارًا لطيبي

بَلْ هُمومٌ
ووجومٌ
وعِثارٌ في الدُّروبِ

وَأَنا السّاهِرُ وَحدي
أَتَمنّى لو حَمَلْتُ العِبءَ عنهُ
وإن اشتدَّ وجيبي

يا طويل الليل إني
لستُ آتي بعجيبِ
إنَّما أَرقيكَ بالنَّبْضِ يُصَلّي
وَتُسَلّيكَ جراحاتي تُغَنّي
فَأَنينٌ قَد يُغَنّى
فَيُسَلّي

نَمْ بِعَيْني
وَالتَقِطْ سِلْمَكَ مِن بَحرِ حُروبي

وانسَ جُرحي
فهوَ لاهٍ بكَ عن نزفٍ رهيبِ
لَيْسَ بِالأَمرِ الغَريبِ

فَأَنا الصّامِدُ والصّابِرُ
ما دُمتَ طبيبي
وَأَنا الواهبُ والحارِسُ
ما دُمتَ حبيبي.

والشاعر المضحي بجزء من شعرية قصيدته هو شاعر خاسر؛ فالأساس في القصيدة وقيمتها هو كم الشعريَّة الموجود فيها والباقي كله مجرد شكليات قد تكون مكملة أو مقيِّدة وفق العوامل المعروفة للقصيدة: (الشاعر؛ الملهم؛ الظرف؛ القيود؛ التمكن من اللغة بالإضافة للجو العام).
وربما في هذا يتمايز الشعراء، فربما كان في عصر المتنبي مئات أو آلاف الشعراء الذين اندثر ذكرهم أو كاد، لأنهم لا يمتلكون الأدوات الداخلية (الفطرة الشعرية المطبوعة) والخارجية المذكورة أعلاه.
انظروا مثلًا لشاعر مطبوع لكن لغته ضعيفة؛ كيف سيعبّر عن شعريته؟ ونظرة أخرى لمعلم لغة عربية يتقن العَروض ولغته العربية راقية لكنه لا يمتلك الملَكة الشعرية؛ ماذا سيكون وقع قصيدته؟

***
4.تقنيات الشعر الحر
7: فقد مارس أغلب الشعراء في العالم العرب تقنيات الشعر الحر وأرهصوا بقصيدة الومضات مستخدمين إيقاع الأفكار وإلماعية الفكرة بدلًا من إيقاع القافية، لتحقيق الانسجام والوحدة والتوازن الفني في بنيتها العامة.. هل دانَيتَ قطوف الومضة في بعض أشعارك أم أخلصت للقصيدة العربية وانقدت لشروطها؟

سأعتبر السؤال ذا شقَّين؛ أولهما الومضة وثانيهما النص النثري الذي سأتحدث عنه متسائلًا: هل الشعر الحر هو ما يسمى قصيدة النثر؟ أظنه ذلك، وابتداء أقول إن هذا اللون الأدبي ظلمه مبدعوه بتسميته لونًا من ألوان الشعر فبات وباتوا تحت نيران شعراء العمود والتفعيلة يؤازرهم في ذلك نقاد وأكاديميون وذوّاقون.

كذلك ظلمته صفة (الحر) فتخيّل ملايين الفاشلين أن ذلك يعني (خربشات منفلتة) فجرَّدوا أقلامهم وأطفأوا الأنوار وأشعلوا الشموع وحرصوا على إعداد فناجين القهوة لكي تكتمل الصورة التي يقنعون أنفسهم الحالمة أنها اللوحة المكتملة لما يظنونه قصيدة وهم واهمون!
إن أهم عاملين في هذا اللون الأدبي هما الإيقاع والصورة الجديدة فإن تمكن المبدع منهما كتب نصًّا محلِّقًا يستحق عليه التثمين العالي.
وعلى عكس ما يجري اليوم من إنتاج ملايين النصوص التافهة، سيكون هذا النَّص نادرًا وربما لن يشكِّل أكثر من واحد للألف من الذي نقرأه كل يوم، وربما كل لحظة.
نعم، كتبت في هذا اللون، لكني أُقرّ أنه ليس ساحتي ولا ملعبي.
أما الومضة فهي من ألوان النثر الأدبي الجميل وهي مقطوعة مختصرة قد تعبِّر – إن نجحت – عن الكثير بكلمات قليلة.
لي في هذا اللون الكثير من النتاج الذي شجعتني المنتديات الأدبية على كتابته.
تمرّ غيمةٌ تحمل منك رسالة

يا إلهي...!
يبدو أنها أخطأت العنوان
وأنني سأنتظر الغيث مرة ً أخرى!
سكبتُ من الحبر ما يكفي لتلوين البحر بمزيد من زرقة
وما زال قلمي يتدفق حبرًا
ولا يكفّ عن محاولة رسم لوحة ملامحها أنت

فيعرف حينها أنه قد نجح في امتحان الإبداع
دمعتان على خدّيْ الصباح
واحدة للشوق
والأخرى لذكرى غائب
وبسمةٌ توشكُ أن تتلألأ
في أمل ٍ للقاء جديد
أديم النظر إليك
أتأملك
أنسى من وما حولي
كأني جغرافي انبهر حين اكتشف قارة جديدة
أرى دمك يسيل من جراحي
ودمعي يفيض من عينيك

***

5.التزيينية والرؤية الشكلية في الصور التشبيهية
8.أ. هل اعتمدت الرؤیة الشكلیة في الصور التشبيهية ، والتشابه في تراكيبها في ديوان "خباء الليل ؟
مع أنِّي سأخذل السُّؤال، لكن الحقيقة أهمّ فديوان خباء الليل لم يكن مدروسًا على الأسس أعلاه وإنما جمعت أكثر من مائة قصيدة ذُكر فيها الليل واختار الناشر سبعة وخمسين منها ليكون الديوان بحجم مناسب.
ربما جاءت القصائد متناغمة لأن الغرض واحد والأجواء متقاربة لكن كل هذا لم يكن مقصودًا.

ب‌. وهل جمعت المتناقضات فيه؟
ربما توجد التناقضات في كل ما كتبت لأن التناقضات تملأ واقعنا وخيالي الشعري يستعير من الواقع الكثير.
وإذا أجاد الشاعر صياغة التناقضات في عِقد واحد أفلح في كتابة قصيدة جيدة ملوّنة وكأنها لوحة.
لكن، ومع وجود المتناقضات، هنالك الكثير من التوافق ضمن القصيدة الواحدة وبين قصيدة وأخرى وكل هذا يشكل البانوراما المنشودة للديوان (إن أكن قد أفلحت في ذلك كما أزعم).

ت‌. وهل منحت الشاعر الكامن فيك حق التصرف وفق مايمنحه الخيال من سبل للإيحاء؟
نعم منحت الشاعر في داخلي أن يحلِّق بخياله ضمن حدود التزمتها منذ الصغر، فلا وصف للجسد ولا تجاوز على الذات الإلهية أو الثوابت الدينية، ولا تسخير الشعر للنفع المادي أو للهجاء الرخيص.
قلت الشعر في الغزل والفخر والاشتياق للأوطان ومدح النبيّ الكريم، صلى الله عليه وسلم، ومن يستحق من الناس (ومعظمهم شهداء) وهجاء الطغاة ومقارعة المحتلين وبعض الحكمة وحتى بعض التندُّر والمداعبة البريئة.
وفي كل ذلك كان للخيال أن يوحي ما يشاء للأنامل الممسكة بالقلم أو الناقرة على لوح المفاتيح لتبوح ببعض ما في النفس والقلب توريةً وإفصاحًا؛ وداعةً وعنفوانًا؛ نارًا وجليدًا؛ بقليل من الفرح وكثير من الأحزان.

***

9. هل خضعت للعناصر التزیینیة الشكلیة التي أدخلها المحدثون في عمود الشعر العربي، وبات عليك من الضرورة إدراجها كضرورة لإتمام مقومات المفهوم العربي للشعر؟
الاستعارة ميزة شعرية قديمة ربما وُلدت مع الشعر ولا بد من حضورها عند الشاعر الموهوب سواء انهمرت (وهي الأجمل) أو اصطنعها بما يملك من أدوات لغوية (وهي أصعب على الشاعر وأضعف وقعًا على المتلقي).
يرى بعض المحدثين أن الكثير من ميزات الشعر استوردت من الشرق والغرب، وهذا خطأ فادح لا بد من التنبه له، فهي أصيلة في شعرنا العربي.
وكذلك الصورة التي صاروا يقولون عنها ما لا يعلمون وسأعطيكم مثلًا:
مِكَر، مِفَر، مُقبل، مُدبِر، مَعًا ... كجُلودِ صخرٍ حطّهُ السَّيْلُ من علِ
هذا البيت لامرئ القيس وهو من أقدم ما وردَنا من الشعر العربي في العصر الجاهلي..
انظُر معي وتدبَّر
مِكَرٍّ صورة
مِفَرٍّ صورة
مُقبلٍ صورة
مُدبرٍ صورة
أمّا معًا فهي التي صنعت من تلك الصور بانوراما ناطقة!
فعلامَ يظنُّ المحدثون أنهم جاءوا بجديد عندما يتكلمون عن الصورة؟!
نعم، تجدون الصورة في شعري وتجدون الإيقاع المضاف للوزن وتجدون السهل الممتنع والاستعارة والالتفات وهذا كله ليس قولي وإنما ما سمعته من الفضلاء أمثالكم من نقاد وذواقين وشعراء.



6.الكون القمعي على قيد الوطن
10. متى وجدت أن ماتكتبه كان أداة تحريضية ضد القمع السياسي والاجتماعي والفكري وكل ما يشوه إنسانية الإنسان؟ وهل عوقبت على ذلك؟

أول مقطوعة شعرية كتبتها كانت:
"إننا نحن القوافي والقصائد
نحن زغرودةُ أُمٍّ
نحن أنشودةُ عائد
كان شعبي صامدًا ويظل صامد"

كتبت للثورة والحزن والجياع في زمنٍ كان هادئًا موادعًا وعائلتي تغدق عليَّ المحبَّة والعطاء، لكنِّي تأثرت بفلسطين الثائرة وجياع الأحياء الفقيرة وأحزان نساء فقدن أحبتهنَّ وجعلن السَّواد عباءات وبكين وهنَّ بأوج الفرح!
لم أكن مع السُّلطة لكنِّي وقفتُ مع الوطن وكلَّما تنافر الاثنان وقفت مع الثاني بعنفوان حتّى يفيء الأول له لأعود لخيالي ومناجاتي.
وحين احتلَّ المجرمون بلدي ثرت ككثيرين غيري، فالعراقي ثائر بطبعه، لكني لم أُعاقَب يومًا على ما قلت وكأنِّي (كما قالت عرّافة لجارتنا العجوز): هذا الولد محصَّن بسور سليمان، فضحكتُ من أعماق قلبي ولكني تذكرت قولها في كل قصف على مدينتي وعند كل حاجز عسكري للاحتلال الأمريكي وذيوله المدمنين على المخدرات والدم. ثرتُ بكلِّ ما أملك من عنفوان ووقفت مع بنادق المقاومين الأبطال في (الفلوجة) العظيمة وبغداد المجد وقدتُ حملات الإغاثة وهاجمت الطغاة بظهوري على شاشات التلفزة الفضائية من خلال قنواتها العربية الكبرى وبعض القنوات الأجنبية، وكذلك بكتاباتي باللغة الإنجليزية، ولم أُبقِ فعلًا يُغضب الطغيان إلّا وفعلته، ولا قولًا يكرهونه ويحبُّه الأخيار إلّا وقلته.
كلُّ هذا وأنا محاط برعاية ربِّي ورحمته حتّى حلَّت سنة 2007 وفيها كانت عقوبتي على كل ما فعلت حين اضطررت للرحيل عن العراق أو أن أُلقى في سجون اشتهرت بإهانة نزلائها وسلبهم كرامتهم.


11.هل شعرت بأن الوطن يشبه القيد، وأن الكتابة خارج الوطن أفضل من داخله، فتمنيت أن تطول دروب المنافي كي تنتج أكثر؟

الوطن مُلهمٌ كبير ولا يمكن أن يكون قيدًا، لكن الغربة تضيف للشاعر والأديب دوافع أخر للكتابة ومنها الشوق للوطن ومن فيه والشعور بالظلم إضافة للانفتاح على أجواء جديدة مختلفة وعوامل كثيرة كلها تحفِّز على الإبداع وتفجِّره.
حين سافرت لبريطانيا لغرض الدراسة كان هنالك الكثير من الجديد كالضباب والمطر في الصيف واختلاف المباني والشوارع وأجواء الجامعة، وربما الأهم هو الشعور بالحريّة في مرحلة ريعان الشباب.
وحين اخترت المنفى كان اختياري عربيًّا بين سوريا والأردن وهما بلدان مختلفان عن العراق مهما تشابها معه في الكثير؛ فكان الزيتون والياسمين واختلاف اللهجات وأجواء الحياة. كل هذا وغيره يضاف لما سبق ليكوّن واقعًا جديدًا يتعاطى معه الشاعر والأديب ليقول شيئًا جديدًا.
لا أنسى أن الوطن المحتل فجّر براكين الثورة التي كانت ينابيع جمر تدفَّقَ ليثري ما كتبت بروح الانتماء وحب المقاومة والالتصاق بالقيم. تذكرت فرسان الصهوات وفرسان المنابر الذين خلدهم التاريخ وعتبت على سجن أبي فراس الحمداني الأمير والفارس والشاعر، بل ربما عاتبته هو لأنه فقد عنفوانه في قصيدته المشهورة المغناة فقاطعتها بقصيدة تشيد به بالرغم ما شابها من عتاب.
وقاطعت رائعة عنترة الشاعر الفارس وجوهرة امرئ القيس وحزينة ابن الأحنف وغيرهم كثر من الفحول الذين تركوا لنا إرثًا وجب علينا الحفاظ عليه والعناية به.
وطننا اليوم هو ابننا الأسير وأبونا الجريح وأمنا الثكلى وشرفنا المنتهك فسيّان إن بقينا فيه وإن غادرناه لأنه يبقى وطننا الجميل الذي إن عدنا له سنكتب له وفيه البشريات ونكون من يعيد زراعة نخيلة الذي اجتثه الهمج مضيفين له ما نجلب معنا من أشجار الزيتون والفستق الحلبي. سنزرع الياسمين جوار الرازقي؛ والعنّاب جوار المشمش.
سنجلب معنا القهوة التركية لتكون أختًا لقهوة مضايفنا العربية وشاينا المهيَّل.
ولا بأس أن يتذكَّر الشعر جراحنا فينبش آلامها من عمق الذِّكريات لتكون الملح في أطباق سرورنا فنكتب ما يُضحِكُ ويُبكي ولا ننسى أن تكون دبكة الشام مرافقةً لدبكتنا (التشوبي) في أعراس أولادنا وأحفادنا وفي احتفالات نصرنا وحريَّتنا.
وإذا وافتنا المنية قبل ذلك فلا بأس أن نُدفن في مقابر الغرباء فاقدين آخر أحلامنا في أن نجاور رفاق دربنا الَّذين دفنّاهم في ملعب كرة القدم في فلُّوجتنا العظيمة فنكون مالك ابن الرَّيب المعاصر.


7.حق صلاة البوح في جوف قصبة بردي
12.متى منحت الشاعر مكي النزال حق الكتابة في جوف قصبة بردي، ليتسرب منه العقل فينزف شغفًا من جنون؟

كنتُ مجيدًا في درس الإنشاء (التعبير) في المرحلة الابتدائية وأعتبرها بدايتي في الكتابة، لكني قلت الشعر (المقطوعة في الجواب الأول) قبل أن أبلغ الرابعة عشرة من عمري وما زلت أكتب حكمتي وجنوني وكفاحي معبِّرًا عن مكنونات نفسي وعن أفراح وأتراح غيري من بني البشر ولا سيما أبناء مدينتي وبلدي وأمَّتي.
كرَّمَني أستاذي (عبد الكريم الهيتي) بكتاب في مهرجان المدرسة السنوي تقديرًا لإبداعي في كتابة السهل الممتنع فلم يأخذني الغرور، وانقلب عليَّ لسبب لا أعرفه فلم أنكسر. ما دامت أصابعي تمسك بالقلم أو لوح المفاتيح فأنا أكتب غزلًا وثناء على الشهداء وحُبًّا للوطن وحضًّا على مجابهة الجبروت والطغيان. لم أقل يومًا: لا شأن لي بقضية تبنيتها ولم أتراجع عن موقف.
في سنّ الخامسة عشرة خاطبتُ العالم وعاتبه على ما يجري فيه وكانت صرختي مدوِّية ثمَّ تقمًّصتُ دوره فتكلمت بلسان حاله وهو يدفع بحجَّته ويذبُّ تهمي عنه.
وانطلقتُ في عالم الشِّعر حين أخبرني شيوخه أني شاعر مطبوع حباني الله موهبة الشعر الموزون دونما رجوع للعَروض والتقطيع، فكتبت القصيدة العمودية وشعر التفعيلة بلا تردد.

أنا الشاعر
أنجبتُ ألف قصيدة ٍ حسناء ِ = ِ ورفدتها بتعطّف ٍ وسخاء ِ
ربّيْتُ أيتام الحروف على الندى = ونأيتُ بالنجوى عن اللقطاء
نافحتُ عن أغلى المدائن ثائرًا = ورسمتُ دربَ الخير للأبناء ِ
وهتفتُ والدنيا ثوت في صمتها: = "لا" للسكوت بحومة الأصداء
أطلقتُ حرفي شعلة ً قدسية ً = لتنيرَ للسارين في الظلماء ِ
شهدت لي الساحاتُ أني ثائرٌ = أبليتُ في درب السلام بلائي
أشعلتُ في الليل المخيم أحرفي = وبثثتُ روح الشعر في الأشلاءِ
تشتدّ من حولي رياحُ تفاهةٍ = هبّت تعكّرُ خلوتي ونقائي
نافحتها بالنبضِ حتى أيقنتْ = أنْ لا عواء يسودُ في الأرجاءِ
فحّتْ أفاعي الفاشلين بدوحتي = بصغائرٍ ممجوجةٍ رعناءِ
ألجمتُ من لمزوا الحياةَ بثورتي = وصرختُ في لجج الدجى الدهماءِ
تتنفس الدنيا رهيف مشاعري = والوردُ يرقبُ في الجفاف سخائي
أزجي القصيدَ لمنْ يثمّنُ نبضهُ = وأفيضُ للسارينَ فيه عطائي
للزاهداتِ بفحش قولٍ صغتهُ = من عفّتي طوقًا من اللألاءِ
للمتعَبين على دروبِ شقائهم = يتوسدون حجارة الرمضاءِ
لم أمتدحْ من يملكون مصائرًا = وذوي النعيمِ، وسادة الخيلاءِ
بل للشهيدِ رسمتُ أجمل صورةٍ = والناذرين الروح للعلياءِ
أغدقتُ مما حزتُ، لم أبخل به = فأنا رسول الشعرِ للفقراءِ
تغفو الخيول وصهوتي لما تزل = تعدو بأرضي الحرة الشماء
فلتستمع لصهيل قافيتي الدنا = فالقول، كل القول، طيّ ندائي
لن أستريح بعالمٍ لا يرعوي = عن بث سمّ الزيف عمقَ دمائي
أمضي وروحُ الحقّ تسري في دمي = أهبُ الحياةَ بعسرتي ورخائي
جاءت إليّ الأرض تشكو همها = فجعلتُ من أعبائها أعبائي
يا كونُ كن ما شئتَ أبقَ أنا أنا = قطب الرحى في حربك الشعواءِ

***

13.هل فشلت يومًا بإكمال نصٍّ ما، حين زالت عنك انفعالات اللحظة ومؤثراتها، فأحجمت عن الكتابة لتتقن صلاة البوح؟ هل فتشت يومًا في مخزن الأفراح الكامن في ميدان الكتابة عن شيء كان ينقصك؟

لا يوجد نص غير مكتمل فالكتابة الإبداعية تعلن عن نفسها ولو بكلمات قليلة والمبدع الحقيقي لا يحاول، بل يكتب وإن توقف دفق الكتابة يتوقف فإن اقتنع بما كتب نشره كما هو وإلا فيتركه في مخطوطاته في انتظار هطل جديد قد يكون أو لا يكون.
أنا والكتابة صديقان منذ وعيت وهي فرحي مهما كان المضمون، وهي جزء من تكويني. قلت مرة ما معناه: لا اذهب للبحر ولا أفتش عن النهر، فالعالم كله في داخلي.
ولإثراء الجواب أقول: هنالك قيود على الشّاعر أن يمتثل لها، فهنالك الحدود الشَّرعية والأخلاقية وبعض التحفظات الاجتماعية التي لا ينبغي للشاعر والأديب أن يتخطاها.


8. النقد المنهجي

14.إذا اجتمع القارئ والناقد والزمن بين ثنايا الورق والحبر مَن منهم له كلمة الفصل فيما تكتب؟

إنما نكتب لنُقرَأ ونبلغ رسالتنا، بل أقول رسالاتنا، فالشاعر والمؤلف والكاتب عالم حافل بالدهشة والتَّدوين والتحليل والتحليق الحرّ في آفاق الحياة الرَّحبة والابتعاد إلى حيث اللاوعي واللامعقول، والغوص في بحار الحقيقة لاقتناص لآلئ الأخيلة الكامنة تحت سطح المنظور.
وهو أيضًا صوت الوعي الجماهيري وقائده للحكمة التي قد تكون جنونًا؛ أليست الشجاعة ضربًا من الجنون؟

لا قيمة لمبدع لا يتفاعل مع قضايا ناسه وبلده وأمته وفي ذلك قلت:

قصيدة "قوافي العِزّ"

سُحقًا لقافيةٍ لم تنتفض ألما = ولم تفض في نزول العاديات دما
ولم تكُن حين يهوي الموتُ في وطنٍ = لكلّ من صمتوا قهرًا يدًا وفما
لا خيرَ فيها إذا ما رُوّعَتْ أُممٌ = إن لم تكن - وحدها - في صدعها أُمما
من استطاب حياة الذلّ ليس له = في الشعر من أملٍ أن يحفظ الذمما
ومن تعاطى خمور اللهو في طربٍ = فليس غير صغيرٍ بعدُ ما فُطِما
كُن ما تشاءُ وعش كالخلق في حُلُمٍ = لكن إذا جدّ جِدٌّ فارفع العلما
أسمِعْ نجوم الليالي صوتَ من سهِروا = وفي أضالعهم لم يفقدوا الحُلُما
وكُن سفيرَ الذين اشتدّ في دمهم = طعنُ النصالِ وموتٌ فيهم احتدما
أرعِدْ بما حملوا من همّ غُربتهم = وإن مَطَرتَ على الباغي ففض حمما
يا ابن الذين بنوا أبياتَهم غُرَفًا = لا تركنَنّ لبيت الوهن مبتسما
هذي البلادُ عتا فيها أخسّتُها = ومجَّد الواهمون العبدَ والقزَما
ورُكّعَت في زواياها مآذنُها = وعادَ في مرجها من يعبدُ الصنما
بلادُ عِزٍّ غزاها الدّودُ منتشرًا = وعاث فيها الردى كالموج ملتطِما
مهدُ السَّراة ومن كانت مواكبهم = تسيرُ بالحقّ بحرًا دافقًا نعَما
من رام خيرًا أوى في ظل خيمتهم = موادعًا خائضًا في خير ما غنما
ومن أراد بهم شرًّا هوى صعِقًا = ولم ينل غير خُسرانٍ، وما ظُلِما
أبوك حسّان فانهل من مناهله = واطعَم ثمار جنانٍ مثلما طَعِما
دع السفوحَ لمن هانوا ومن خُذِلوا = وإن تنادى الغيارى فارتقِ القمما
للشعرِ عند حماة الضاد منزلةٌ = من رامها لم يُضِع في قوله الشمما
أقبِل على ما حباك الله موهبةً = واملأ بدمعٍ جرى من قلبكَ الرّقُما
إن انتصرتَ لمَظلومٍ وكنتَ له = في حُلكة الظُّلْمِ شمسًا تقهر الظُّلَما
لأنت سيفٌ بحرب الحق ممتشَقٌ = منافحٌ يفتدي الإيمان والقيَما
وأنت مُنصِفُ تاريخٍ تدوّنُهُ = وأنت ساقي زمانٍ دبّ فيه ظما
دع عنك نومًا وقُمْ كالنخل منتصبًا = وفي معارك عِزٍّ أشهر القلما*
_
*نُشرت هذه القصيدة في كتاب الشعراء الألف للناشر الشاعر براء الشامي


إن المبدع مزمار جراح النّاس الَّذي يهدهدها ويعزف نزيفها الحان خلود.
وإنه نسّاج سجّاد أحلامهم ومطرِّز رتابة أوقاتهم بخيوط سحره التي يصنع منها زهورًا وطيورًا، ويخطُّ لهم دروبًا تأخذهم حيث يشاء ويشاؤون جمعًا مغرِّدًا موسيقاهم نبض قلوبهم الَّتي شحنها بطاقة إبداعه.

أنا شاعر
أنا شاعر
وقبل الشعر إنسانٌ
أحب الخير والنعمة
أحب الورد
والريحان
أحب شقائق النعمان
أحب اللوز والسكّر
أحب الفستق الحلبي
وتمر مدينتي الأشقر
ولي في غربتي عنوان
ولي في وحدتي ندمان
صديقي الليل
يمنحني الذي أرجو
وحولي نجمه يسمر
فلا أشقى
ولست بحاجة للخمر كي أسكر
جناح الحلم يحملني على الآفاق
كأني القائد المنصور محمولاً على الأعناق
وهل أشتاق؟
بلى يا سائلي
أشتاق
لنهرٍ دفقه كوثر
وأرضٍ ريحها عنبر
وأهلٍ هم خيار الخلق
فيهم طيّب الأخلاق
أنا إنسان

للناقد علينا حق كما لنا عليه حقّ، فهو يرتكز على أعمدة إبداعنا ليرقى بعلمه وإحساسه إلى نجوميَّةٍ لن يحظى بها دون الاتِّكاء على ما نبدع، ونحن نتطلَّع لما يقول فينا بعد بحثٍ وتحرٍّ وتمحيص وكأنه صائغ الذهب وصاقل الألماس ومكتشف الأحجار الكريمة.
وأمّا الزمن فليفعل ما يشاء ولن ندَّخر وسعًا في التَّحايل عليه بحنكة دواخلنا المشرقة ومكر طفولتنا الَّتي تبقى في داخلنا حتى الرَّمق الأخير.
سنكتب بالأخضر ليائس أصاب أملَه الجفاف وبالأحمر لناقم يجور على حقولنا بنار حقده وحسده؛ وبالأبيض لكلِّ قلبٍ بريء في صدر طفل ينظر للسماء في انتظار طائرٍ ملوَّن يغنِّي له، أو في أضلاع فتاة تنتظر أن تدخل مدرسة الحياة بشغف. سننهل من غيمة ما نعبِّئُ بها محابرنا لنغازل عُشبًا وزيتونًا ونخيلًا لفتحه ريحُ السَّموم.

***
9.ظاهرة شعراء الكيس
15.ما رأيك في الكاتبات والكُتَّاب العراقيين وقدراتهم اللغوية في فن الكتابة ومامدى عمقها في مرامحهم؟ وهل بقيت صفحات بعضهم عارية لايسترها إلا غلاف مجموعاتهم الشعرية؟

في كل شيء تكون الكثرة للغث والندرة للسمين وهكذا هو حال الشعر والأدب، لكن العراق أنجب وينجب مبدعين ومبدعات في جميع ألوان الأدب وفي أقسى الظروف التي مر ويمر بها العراق. وسائل التواصل الاجتماعي فسحت المجال للمُجيدين ليوصلوا أدبهم، لكنها أيضًا فتحت الأبواب لمن يحاول دون جدوى. هنا يأتي دور القارئ للتمييز بين الجيد والرديء.
للسّلاطين دور كبير في رفع الرصيد الجماهيري للأديب، فهم يحتضنون مَن يمتدحهم ويُغدقون عليه الأموال والمناصب، ولأن السلاطين لا يفقهون من الإبداع شيئًا فهُم يرفعون الرَّديء ويُبعدون المُجيد إلا في حالات نادرة توافق فيها الإبداع مع الوصول فكانت حالة ارتفاع نجم يستحق المدار.
لقد هجرتُ منابر الشعر والأدب وابتعدت في كتاباتي الصحفية حدّ التخفِّي لمدَّة طويلة لكي أتفادى الوقوع في فخّ التكسُّب ومصيدة المعارضة غير الشرعية، مع أنِّي لا أنفي أن غيري لم يبيعوا ضمائرهم فكان بعضهم وطنيًّا واشتُهر وآخر في معارضة حقيقيَّة لم يبع ضميره. لنقل إني آثرتُ السلامة في واقع مرير لا يصلح لما أقول من الشعر وما أكتب من رواية أو مقالة.
لاحظوا معي أني لم أفصِّل وأُسهب في جزئيَّة المزيَّفين – أو إن شئتم أن تقولوا المُزيِّفين – مع أن بعضهم يحتلُّ مساحة واسعة من السّاحة الأدبية ويرتقي المنابر مكابرًا ومفاخرًا كطاووس أبهره ذيله! هؤلاء سيلفظهم الإبداع ويمحوهم التّاريخ من صفحاته؛ أو ربما يذكرهم تحت فصل: الرَّديء من الشعر في عقود!

أَلا أَيُّها الشِّعرُ ماذا أَرى؟ = أَراكَ تُباعُ وَلا تُشتَرى
رَديئُكَ في حَفلِ رَقصٍ طَغى = وَسادَ المِنَصَّةَ والمِنبَرا
وَما كانَ غَثًّا عَلا صَوتُهُ = وَحَظُّ سَمينِكَ أَن بُعثِرا
تَمادى بِكَ الصبيَةُ التّافِهونَ = وَمَنْ جِئنَ مُبتَذَلًا مُنكَرا
وَلَوْ أَنَّ عَنتَرَةً بَيْنَنا = لَقالَ ادفِنوني بِعُمقِ الثَّرى
أَيُعقَلُ أَنَّ امرئَ القَيسِ لمْ = يُرَحَّبْ بِهِ فانزَوى مُجبَرا؟
وأَنَّ ابنَ كُلثومَ لَمْ يُنتَخَبْ = أَميرًا، وَمَجهولهُم أُمِّرا؟
وَيا وَيْلَهُم إن أَفاقَ لَهُم = جَريرُ، لأَفحَشَ إن جَرْجَرا
أَمَحضُ غَباءٍ يَدورُ بِنا؟ = أَم الأَمْرُ في ظُلْمَةٍ دُبِّرا؟
يَقولونَ: أَقصِرْ وَلا تَلْتَفِتْ = وَغَيْرُكَ عَن هَجْوِنا أَقصَرا
أَفِدْ مِن قَصيدِكَ ما تَشتَهي = فَلَسْتَ نَبِيًّا بِنا مُنذِرا
وَعَبِّئ سِلالَكَ مِن خَيْرِنا = وَإِلّا فَعِشْ بائِسًا مُعسِرا
لَنا البَحْرُ فاختَرْ ضفافًا عَفَت = أَو امضِ على كَفِّنا مُبحِرا
وَقُلْتُ بَلِ البَحرُ لي مَوْجُهُ = سَيُغرِقُ مَن خانَ إن زَمْجَرا
أُسَيِّرُ أَشرِعَتي في المَدى = وَأُلجِمُ ريحَكُمُ الصَّرصَرا
وَأَحمِلُ مَنْ حَلَّقوا أَنجُمًا = وَمَن كابَدوا لِبُلوغِ الذُّرى
أَنا كاهِنُ الشِّعْرِ، أَسمو بِهِ = وَنَسمو مَعًا لا نَذوقُ الكَرى
أَمامي وَخَلْفي لَهُ فِتْيَةٌ = يُراعي كَبيرُهُمُ الأَصْغَرا
إِذا جَرَّدوا فيهِ أَقلامَهُم = تَزَلزَلَ فِرعَوْنُ واستَنفَرا
وَإِن نَسَجوا حَرفَهُم رايَةً = أَحاطَتْ بِحَقِّ الوَرى مِئْزَرا

***
10. المتثاقفون وأحكامهم المسبقة عند ناصية
16.هل صدمك يومًا بمن لديهم أحكام مسبقة- المتثاقفون- وعلاقتهم بالنقد والأدب والكتابة والفكر آيلة للحقد ،ودخل ليناكفك من باب الشقاق والنفاق وإيغال المواجع؟

لنكون واضحين نقول: إن هنالك مزيفين ومزورين للإبداع يحسبهم الجاهل مبدعين وهؤلاء يتربصون بكل ذي موهبة لكي ينتقصوا منه ويقصروا من قامته لأنهم يعرفون قيمتهم الحقيقية (الصِّفريَّة) ويريدون تعويض النقص فيهم بالانتقاص من الآخرين. بعضهم يرتدي عباءة الناقد ليضفي على نفسه ما يمكِّنه من رقاب الأعمال الرائعة فيفتش عن خطأ هنا وهنة هناك وفي يده سوط يجلد به ظهور المبدعين بانتشاء غريب! هؤلاء أصبُّ عليهم جام غضبي انتصارًا لمن ظلموهم قبلي، فأفنِّد حججهم الواهية وأدحض أقوالهم الكاذبة وأهدم صروحهم التي شادوا من رمال جافة بائسة. نعم، جرَّب بعضهم حظَّه وناله مني ما جعله يتمنى لو صمتَ وصمتُّ، فأنا بفضل الله قويّ الحجّة ثابت الموقف لا أجامل في الحق ولا أتردد في نصرة المظلوم سيما إن كان شابًّا لم يبْنِ أسواره بعد. ولقد انتصرت للعديد من المبدعين بظهر الغيب حتى جعلت من هاجموهم يقولون: لماذا تقف مع (الصغار) وأجبتهم: أنتم الصغار بسوء أفعالكم وكان أحرى بكم أن تشجعوا هؤلاء وتمدونهم بما يرقى بإبداعاتهم، ولكن كيف تمدونهم بخير لا تملكونه؟

(انضح بما فيك)، هذا أنتَ تنكشفُ = ودون قصدٍ بما أسلفت تعترفُ
تمزقت عنك أستارٌ وأقنعةٌ = وبتّ من آسنٍ تدنو وتغترفُ
عرّيتَ نفسكَ إذ أوغلتَ في كذبٍ = لم تُبقِ ريحكَ زيفًا كنت تلتحفُ
أهذرْ ولا تُخفِ مما فيك غائلةً = عربدْ فقد عافكَ التبجيل والشرفُ
لأنتَ أسوأُ مما قيل في تترٍ = وفي مجوسٍ وفي رومٍ وما وُصِفوا
يا بائع الدين والنهرين في سفهٍ = أراكَ تفخرُ فيما كنت تقترفُ
من بايعوكَ على عِجْلٍ صنعتَ لهم = غثاءُ سيلٍ بأوهى دافقٍ جُرفوا
سيسلمونكَ، تدري أن جحفلهم = مشتّتٌ في مهبّ الريح يرتجفُ
يا بائعَ الوهمِ قد تبقى إلى أمدٍ = يُلقى إليك رغيد العيش والترفُ
أرى النهاية تدنو كلّما زأرت = أُسدُ العراق وجاء الحقّ ينتصفُ
بقلبِ كلّ كريمٍ جمرةٌ زفرت = مما جنيتَ، فكم عانوا وكم نزفوا
طوفانهم قادمٌ لا بُدّ محتدمًا = فيه العزيمةُ والإخلاص والشغفُ
لتُصرعنّ ذليلاً حائرًا وجلاً = مسائلاً نفسك الرعناء: "ما الهدفُ؟!
لمَ انتهيتُ على حبلٍ يؤرجحني = آسى؟ ولن ينفعَ التسآل والأسفُ"
بنو العراق وإن ناموا على مضضٍ = فإنهم بتجلي صحوهم عُرِفوا
سينفضون غبار الضيمِ عن ألقٍ = ويقلعونك من قرنيك إن عصفوا

أرى الشعر من اللسانيات الأنثروبولوجية، يبعث الروح في جمود الكلمات فتنطق وتتحرك برشاقة وفتنة، يحاكي كل اللغات والثقافات؛ فتنسل منه موسيقا داخلية تجذب القارئ إليه.
و جوزيف برودسكي يقول:" إن الشعر شكل من أشكال المقاومة. "

***

11.الشعر سمفونية لغوية
17. ما الشعر بالنسبة إليك؟

لو رضيتم بالاختصار لأجبت: الشعر لي هو النَّفَس!
الشعر صديق لصيق منذ خمسين من سنيِّ عمري، لا يفارقني حيث حللت وارتحلت وحتّى إن نمت!
هو سيِّدٌ يأمرني فأسمع وأطيع، وينادي فأُلَبِّي، ويُملي عليّ فأُدوِّنُ ممتثلًا راضيًا غير متبرِّم ولا معترض وإن قسا وأغلظ.
وهو خادمٌ مُطيع يحملني في هودج فيطوف بي أركان الأرض وآفاق السَّماء دونما كلل أو ملل.
الشِّعر ناطق أمين بما أحمل من شعور، لا يزيد على ما أريد ولا ينقص منه، ويوظف خيالي ليحلِّقا بي في آفاق السِّحر.
وهو رفيق دربي الطويل حين اخترت الثورة ووقفت في صف المقاومة، فكان عتاد قلبي الذي تدفق من قلمي رصاصًا ولهيبًا وبراكين غضب.
وهو سميري ونديمي في ليالي سهري الطويلة.
وهو دواء جراح قلبي وسندي في غربتي وعزائي في هزائمي والتعويض عن خساراتي وتضحياتي.
الشعر عندليب قلبي الَّذي يغرِّد بنبضه ليسمعه سكان الأرض والسَّماء.

الشِّعرُ عندي أدمعٌ وجراحُ = وإِذا صفوتُ فنغمةٌ وصداحُ
أُصغي لهمسِ النَّجمِ في أَقصى المدى = ولومضةٍ من ضوئهِ أَرتاحُ
والوردُ في الأَكمام أَلثمُ خدَّهُ = يهفو إِلَيَّ أَريجُهُ الفوّاحُ
جَهْلُ الخَلِيِّ تَلَوُّنًا بِمشاعِري = لَمْ يُجدِ فيهِ الشَّرحُ والإيضاحُ
يَحتارُ كَيْفَ لِحَنظَلٍ في خاطِري = أَن يَهتَويهِ التِّينُ والتُّفّاحُ
أَنا جالِبُ الأَفراحِ مِن عَينِ الشَّجا = وُمَعَلِّمُ الكَلِماتِ كَيْفَ تُباحُ
وَمُرَوِّضُ الفَشَلِ الذَّريعِ إِذا فَشا = وَإِلَيَّ يُقبِلُ بِالحَياةِ نَجاحُ
أَجتَثُّ شَوْكَ الحُزنِ مِن عَيْنِ الصَّفا = وَتَجِدُّ في عَزَماتِيَ الأفراحُ
وإذا عتا ظلم الطغاةِ وَجَدتُني = هَجّاءَهُم وأَنا الفتى المدّاحُ
قلبي يصير على الثغور سواترًا = والنبضُ نَبْلٌ والقصيدُ سلاحُ
ريحٌ على من بادروا بعدائِهم = ولطالبي غيثٍ ندىً ورِياحُ
ولِمن لها بين الضلوع مُراغَمٌ = وُسعَ المدى مندوحةٌ وبراحُ
تعدو وتصهلُ والضلوعُ تَحِفُّها = ولها بصدري جيئةٌ ورواحُ
لا سِرَّ يُكتمُ في احتدامِ صَبابَتي = بل ثورةٌ يعلو بها الإفصاحُ
روحٌ أنا، تَغدو لِمَن يَغدو لَها = وَكَذا تُجاذِبُ بَعضَها الأَرواحُ
لا يُشتَرى بِالمالِ عِشْقٌ صادِقٌ = بَلْ يُجتَبى بِالصَّبْرِ حَيْثُ يُتاحُ
والصَّرحُ يُبنى بِالعَزيمَةِ والنُّهى = يُعليهِ كَدٌّ ثابِتٌ وكِفاحُ
لا تَعذِليني إِن طَلَبْتُ مَجَرَّتي = وَالحِذرُ عَن إشراقَتي يَنزاحُ
لَكِ سِرتُ وَعرَ الدَّربِ غَيرَ مُحاذِرٍ = وفُراتُ شِعرٍ رائِقٍ يَنداحُ
وَإِذا ذوى قَلَمي بَرَيْتُ أَصابِعي = وَحُشاشَتي وَجوانِحي الأَلواحُ

12.المثقف الشمولي
18. المثقف العضوي وكاتب المقالة مكي النزال متى يكون معه سلطة النص كمطلب كوني تتساوى فيه حياته الخاصة والحياة مطلقًا؟

المقالة أداة تعبير أقرب للمتلقي من الأدب، فهي تخاطب الجماهير بلغة يفهمونها وتشرح لهم الأوضاع التي يعيشونها بملابساتها وتحاول قيادة وعيهم أو – على الأقل – التأثير فيه وتوجيهه إلى حيث يريد الكاتب.
نادرًا ما تكون المقالة معبرة عن مشاعر كاتبها، بل هي تعبر عن موقفه وتنطق بما يجيش في صدور من يكتب عنهم وهي رسالة موجهة بدقة من مكان إلى آخر وينبغي أن تكون ذات قياسات ومعايير دقيقة ومسار محدد.
كتبت مئات المقالات وكان معظمها باللغة الإنجليزية لحساب مؤسسات كبيرة مثل الجزيرة ووكالة إنتربريس وعربي 21 والعربي الجديد، كما عملت محلِّلًا سياسيًّا مستقلًّا واعتُمِدتُ محللًا للشأن العراقي في قناة الجزيرة الإنجليزية لثلاث سنوات.
لم أنظر لنفسي كاتبًا (محايدًا) فالمصطلح قد يعني أن أكون كاتبًا (سلبيًّا)، فعلى الكاتب أن يكون صاحب قضية وطنية أو إنسانية ولا يميل إلى إرضاء المؤسسة التي يعمل لها.
وفيما يخص قضيتي التي نافحت وأنافح عنها ظهرت على معظم القنوات العراقية والعربية والأجنبية المهتمة بالشأن العراقي لأبين الحقائق وأفنِّد المزاعم المزيفة التي يبثها الإعلام الفاسد.

أقولُ ما في صدور الصحبِ من كلمِ = ويستطبُّ ببوحي صاحبُ الألمِ
من كل سربٍ قطاةٌ خفق قافيتي = ترفّ في حدقات الخلق بالحُلُمِ
تزفُّ بشرى نجاةٍ كلّما خطرت = لحاملٍ همَّهُ في كلّ مزدحَمِ
نطقتُها حُرّةً في كلّ نازلةٍ = تُغيرُ صائلةً بالعزم والهممِ
وصغتها خاتمًا طرّزتُهُ ألقًا = وإن أُحيط بها حرّرتُها بدمي
كأنني - حين أسقي عرقَ مُغترِبٍ - = أفيضُ ماء فراتٍ دافقٍ بفمي
لله درّ هتون الشعر إن ذُرِفَت = دموعُ رحمتهِ من أنبلِ الديَمِ
سقى زروعَ حيارى العشق ذابلة = وذاد عن راهبٍ بالفسقِ متّهمِ
ودارَ ينشرُ نورًا من تحنّنهِ = ويتقي ظلمات الحمق بالحكَمِ
متيَّمٌ باللظى يكوي منابعهُ = لا همّ يشغلهُ إلا رواء ظمِي
ومن شكا أرقت عيني لشقوته = وهدهدتْهُ دموع القلب والقلمِ
وليس لي من جزاءٍ غير بسمتهم = ما أشرقت بفمٍ إلا أجاب فمي

***

13.الترجمة كتابة
19. هل تعتبر الترجمة انفتاحًا على إمكانات لغويّة وتعبيريّة جديدة تثري اللغة الأم أم تجدها تتعب النص وتفقده بريقه عند نقله إلى لغة أخرى؟

الترجمة فن ماتع وعلم مهم من أجادهما ولج عوالم جديدة في كل مناحي الحياة. لكن هذا الفن – العلم خطير جدًّا وحسّاس جدًّا ويمكن أن يكون سببًا في الخراب والحروب والتهتُّك العلمي في حال فقدانه الإتقان!
من صفات المترجم الجيد أن يكون فنّانًا عالمًا في انتقاء المفردة والعبارة والجملة، وأن يكون أمينًا صادقًا نبيلًا محايدًا لا يخون حتى عدوّه.
ترجمت صفحات من كتاب الأرض الخراب أو الأرض اليباب للشاعر ت س إليوت، لكني توقفت متهيِّبًا حين وجدتني مضطرًّا لفرض اسلوبي الشعري على نتاج قامة شعرية كإليوت. كنت شابًّا مندفعًا، لكن ذلك لم يمنعني من التفكير العميق والتراجع بالرغم من ثقتي بنفسي مترجمًا.
أنا أيضًا واحد من مترجمي فيسبوك المتطوعين أساعدهم كلَّما أتيح لي الوقت ولي منهم شارات وأوسمة وألقاب.
واليوم أتهيَّب من ترجمة أعمالي الشعرية والأدبية، لكن ربما سأترجم قصصي القصيرة ورواية "كاميرا حب وحرب" إن أسعفني الوقت.
لكنني – وكما اسلفت – كتبت باللغة الإنجليزية مئات المقالات وعددًا قليلًا من القصائد اشتهرت منها اثنتان (سأدرجهما هنا إن وجدتهما فهما على الورق المتراكم)، ووجدت لكم هذه:

Shed a tear for a tiny sparrow,
So helpless in the snow.
That s drowning in his sorrow.
Like a slave that can t say no.
Shed a tear for a moaning widow.
In the camps of misery
Looking pale like a fading shadow.
Where a tent is luxury
Take a look at you, a human
A soul, not only flesh,
A truly man´-or-woman,
With a heart that beats afresh
Take a breath and break the chain,
Let conscience say its word,
Ask why world dies in vain,
Why people sound absurd,
And Take my word for granted
Good hearts are not to borrow.


قصيدة الخيمة
باللعة الانجليزية
مع ترجمتي للعربية
مكي النزال
Makki Al nazzal

A tent
That’s where I was sent
“Go Free”
Said soldiers in big boots
“We’re here to set you free,
No mortgage paid, no rent
Be free to the last extent!!”
“But home I want to be,”
Said I with a crying tone
“Its not miss- gratitude I meant,
It’s just my life, you see,
My children’s schools, my shop,
My neighbors, my society
Mmmy life, don’t you agree?!”
“You’re pain in the soldiers’ neck”
Said Captain Hook to me
“Just go. Lets do our job”
Said, harshly, Sergeant Bob
“Or else we’ll get you Smee
Then sorry you will be.”
I looked at them and said:
“Don’t, please don’t, I’ll flee
Although I don’t agree”
They laughed in joy at me
“The master won’t agree!!”
My story here begins
So fresh, as newly born
In a world of poverty

قصيدة: خيمة
مترجمة عن الانجليزية
شعر وترجمة: مكي النزال

إلى خيمةٍ
أرسلوني
قال لي الجندُ ذوي الجزم العالية:
(إمض حرًا..،
فنحن هنا كي نريحك من قسط دارك
إمضِ حرًا إلى اللا نهاية)
فأجهشتُ: (لكنني لا أريد سوى سقف داري
ولست جَحودًا
أريد حياتي
وأهلي وجاري
مدارس ولْدي
محلّي..،
حياتي
أتفهم؟)
- قال سيدهم – هوك* - (أنت تزعج جندي)
- وقال الرقيب: (فقط إمض ودعنا ننفذ مهمتنا
وإلا ننادي لك "سْمي*"
فتندم!)
- قلتُ: (لا؛ لا؛ سأمضي
بيد أنيَ لست براضٍ)

- (هنا ضحكوا: إن سيدنا ليس براضٍ )
وهنا بدأت قصتي
طازجًا وكأني وُلدتُ حديثًا
بعالم فقري.

* هوك وسمي هما شخصيتان أسطوريتان وهما قرصانان في قصة بيتر بان الشهيرة

14.التنظير في الشعر
20. لأنك شاعر مختلف عبر عن فهمه للثورة والثورات والعلاقة بين الفن الشعر والايديولوجية، هل تظن أن للشعر قدرة على تغيير المجتمع؟

ابتداءً أقول إن أدونيس لم يعط صورة واضحة يهضمها القارئ، بل على العكس زاد الأمر غموضًا. نحن لا نحتاج لتنظير في الشعر، بل لتوفير الأجواء للشعراء ليطرحوا إبداعاتهم وعلينا أن نقدم لهم المساعدة والدعم في النشر والتوزيع والنقد الموضوعي والتسخير الإعلامي والكثير مما يحتاجه الشعراء لكي يُبلغوا رسالتهم الإبداعية والفنية؛ فالشعر رسالة كلما كانت أوضح كانت أكثر نفعًا وأيسر وصولًا.
وجوابًا على السؤال أقول: اسمحوا لي أن أكيّف الفعل فكلمة تغيير مهولة حين تتعلق بالمجتمعات والشعوب، ولذلك يمكن لنا أن نقول إن الشعر يؤثر في المجتمعات بكل تأكيد. وعلينا ان نحدد أن المجتمع الذي يتأثر بالشعر هو المجتمع المتلقي للشعر والمتذوق له، لا المجتمع المنفلت المفتش عن ملذات مادية وجسدية بعيدًا عن الروح وما تشتهي من كلام مفعم بالمشاعر الإنسانية والعاطفية التي تنعش النفس وتحرك القلب.
هنا تجب الإشارة إلى أن المجتمع يريد أن يكون الشعر على قياس ذائقته وألفاظه المتداولة وهنا يأتي دور الشاعر الذي لا يبتعد كثيرًا عن فهم وإحساس متلقيه، على ألا يتماشى مع الإسفاف ولا يهبط بمستوى إبداعه لكي يرضي أصحاب الذائقة الهابطة المفتشين عن متعة عابرة. إن للشاعر دورًا في تنمية الذائقة والارتفاع بالمفاهيم واقتناص صور الجمال والابتعاد عما سوى ذلك.
أما الحديث عن الثورات فذو شجون في بلداننا التي ابتليت بالطغاة والمارقين والمفسدين من شتى الألوان والأصناف الذين جلبهم الاحتلال ليكونوا مطاياه وأدوات تنفيذ مشاريعه الخبيثة.
الشعر في الثورات سلاح وموجِّه وضابط لإيقاع ونبض الثائرين والشعراء قادوا ثورات شعوبهم والتحموا بحشود الثائرين وكم ضحوا بحيواتهم على مذابح الحرية. أقول هذا عن الشعراء الأحرار الذين يستثمرون مواهبهم في حب الأوطان والشعوب، لا أولئك المطبلين من أشباه الشعراء المزيفين. لذلك نجد أن الطغاة يفتشون عن الصنف الثاني ويقربونهم ويخلعون عليهم العطايا لكي يكونوا أدواتهم السيئة في تزويق قبحهم والترويج لمشاريعهم المدمرة.
في بحث لي كتبت عن مسمى محدد هو (شعراء الموقف) وفرزتهم للونين أولهما فرسان الصهوات وهم الشعراء المقاتلين الفرسان. هؤلاء الذين يذكروننا بعنترة وأبي فراس الحمداني وعمرو ابن كلثوم وغيرهم من الأبطال.
شعراء اللون الثاني أمسيتهم فرسان المنابر وهم أصحاب الكلمة الحرة الذين لم يتسن لهم أن يكونوا فرسان ميدان ولكن يبقون فرسانًا بمواقفهم النبيلة وتضحياتهم الجسام وتفضيلهم الفقر على غنى السحت والمنصب المبني على باطل.

الويلُ كُلُّ الويْلِ للشُّعَراءِ = مِنْ فِتْنَةِ التُّجّارِ والأُمراءِ
ومِنَ السقوطِ على موائِدِ ذُلِّهِم = والسير خلف الطبل كالغوغاءِ
يَتَهافَتون على فُتاتِ موائدٍ = مُدَّتْ فِخاخًا للورى الضُّعَفاءِ
يتزاحَمونَ إلى بلوغِ نِهايةٍ = تودي بهِم لمصائِرٍ سَوداءِ
ويُسابِقونَ إلى الحضيضِ تَطَوُّعًا = معَ زُمرَةِ الباغينَ والسُّفَهاءِ
يا مَنْ تَخِذْتَ الشِّعْرَ حِرفَةَ خادِمٍ = لِحُثالةٍ حَكَمَت ببحرِ دماءِ
أرْخَصْتَ ما لو كُنْتَ تعرِفُ قّدْرَهُ = لَعَفَفْتَ عن موبوءَةِ الأجواءِ
أعطاكَ رَبُّكَ نِعمةً ترقى بِها = لَو كنتَ تعرِفُ قيمَة النَّعماءِ
الويلُ، كلُّ الويلِ، للشُّعراء = إن لم يكونوا الضَّوءَ في الظلماءِ

***

15.ثورة تشرين والعنف السياسي
21.كلنا يعلم بأن انتفاضة تشرين كانت ثورة وعي وكل شبابها كان واعيًا ومثقفًا .. كشاعر برأيك من جنى ثمار ثورة شبابنا الثائر .. أو حاول سرقتها، أو حاول أن يثبط من عزيمتهم وتحريف مسارها ؟
ثورة تشرين مستمرة ومن يحاولون استغلالها لصالحهم كثر سواء كانوا عراقيين أو أجانب كحال أي ثورة قامت في التاريخ، فالثورات هدف لكل صياد متربص يتلوّن بلونها تارة، ويحاربها تارة أخرى.
ثمرة ثورة تشرين لم تنضج بعد وأول من ينتظر نضوجها ليقطفها هو الاحتلال الأمريكي الذي يحاول تصوير نفسه كمؤازر للثورة ومتعاطف معها وكأنه يحاول حمايتها.
إيران من خلال أذرعها تحارب الثورة علنًا، مع أنها تزج ببعض هذه الأذرع إلى داخل الثورة زاعمةً أنها جزء منها فإن انكشفت مؤامرتها استدارت لتضرب الثوار وتقمعهم بالنار والحديد.
كما أن هنالك أشخاصًا تجاوز طموحهم حدوده لكي يصبح طمعًا بالتسلق على أكتاف الثوار، بل على أجساد الشهداء ودمائهم للوصول للسلطة. هؤلاء جاءوا مع الاحتلال وخدموه قبل وبعد وقوعه وتسنموا المناصب أو نالوا مقاعد في برلمان الزور واليوم يتحدثون وكأنهم مناضلون أو مكافحون أو مجاهدون منقذون مخلِّصون مخلصون للعراق وقضيته وشعبه الذي كان ضحيتهم في الأساس.
لقد قسا الجميع على هذه الثورة التي كان يمكن لها أن تغير واقع العراق من أسوأ حال إلى أفضل حال لو كُتب لها النجاح فهي ثورة وعي وتحطيم للأوثان الجاثمة على الصدور منذ زمن بعيد.
نظام يدعي الديموقراطية تفنن في قتل وسجن ونفي وتجويع أبناء محافظات عراقية بحرب طائفية قذرة وبمساعدة المحتل الأمريكي البريطاني ونفس النظام يقتل ويسجن ويشرّد ويجوّع أبناء محافظات أخرى كان يزعم أنه يمثلها ويحميها؛ وهذه المرة تحت ظلال صمت وتغافل المحتل الأمريكي الذي ادعى جلبه للحرية والديموقراطية للعراق.
ثورة شباب العراق مظلومة يحاربها طغاة وتجار حروب وأدعياء دين وساسة فاسدون ودول كارهة للعراق وأخرى خائفة من نهضته، بينما يتفرج أبناء الشعب بأغلبيته وينتظر أن يصنع الثوار لهم المعجزة دون أن يهبوا لنصرتهم والوقوف معهم لأجل الخلاص من مستنقع الاحتلال النتن الذي تصول فيه ذيوله وتصول.

***

22.أنت ضد العنف والمناخ السياسي عنيف بطبعه مع الثوريين والثورة؛ هل اعتبرت نفسك ثوريًا يتبنى اللاعنف لمساندة ثورة تشرين من خلال شعرك؟

للعنف الثوري توقيتاته وثورة تشرين سلمية وتكمن قوتها في سلميتها التي أربكت الطغاة ولم تعطهم المبرر لتفعيل قانون 4 إرهاب سيء الصيت على الثوار الذين تسلحوا بوعيهم وثباتهم ودمائهم التي نزفت لتغسل عار الخونة والظالمين.
نعم وقفت مع سلمية الثورة وحذرت من المندسين الذين حاولوا حرف مسارها وتوريط الثوار بمعركة خاسرة ضد دبابات وطائرات النظام التي ذقنا ويلاتها في مدينتي – الفلوجة – كما ذاقها أبناء الموصل ومدن عديدة ثارت على الاحتلال وذيوله.
أما الشعر فلقد انهمر مني كانهمار عرق ودموع ودماء الثوار الأبطال فكان ناصحًا ومحرضًا على الثبات وراثيًا للشهداء وموثّقًا لبطولاتهم وظلم من قتلوهم.
كتبت للثورة والثورات (تشرين وما سبقها) ما أخطط لجعله ديوانًا ضخمًا يوثق ويذكِّر ويؤرخ لشباب وشابات كشفوا زيف المزيفين وهزّوا عروش الظالمين ولم يخشوا سطوة الطغاة والجبارين؛ ولا فضل مني ولا منة، فالفضل لمن قدموا أرواحهم ونزفوا دماءهم من أجل عراق حرٍّ معافى.

قلبي على بَغدادَ تَفتَحُ بابَها = لِتَلُمَّ في الحَوشِ العَتيقِ شَبابَها
وَتَضُمَّ مَن نَهَضوا بِرايَةِ عِزِّها = مُتَوَثِّبينَ تَعَلَّقوا أَهدابَها
مُتَوَحِّدينَ لِيَفتَحوا ميزابَها = وَيُطَهِّروا بِدمائِهِم أَثوابَها
مُتَدَرِّعينَ بِحُبِّها وَحنانِها = وهيَ الَّتي تُؤوي لَها أَحبابَها
ثاروا على الطُّغيانِ يَجْثُمُ فَوْقَها = وَتَقاسَموا أَن يَهزِموا (أَحزابَها)
مُتَسَلِّحينَ بِسِلْمِها وَسُمُوِّها = شَهَروا القُلوبَ لِكَيْ تَكونَ حِرابَها
زَأَروا لُيوثًا تَستَفِزُّ عَدُوَّها = تودي بِهِ إِن كَشَّرَت أَنيابَها
مِن بَصرَةِ الثُّوّارِ كانَ نِداؤهم = أَن تَستَعِدَّ لِتَسْتَرِدَّ إِهابَها
عَجَبًا، وَكَيْفَ الماءُ يَجري صاعِدًا = عَذْبًا يُمَلِّئُ دَفقُهُ أَكوابَها؟
هَلْ آنَ عُرسُ المَجْدِ يا أُمَّ النّدى =والشَّمْسُ أَنهَت عَن سَماكِ غِيابَها؟
وَعَروسُنا عِشتارُ تَبلَعُ ريقَها = وَتُعِدُّ لِلْيَوْمِ العَظيمِ خِضابَها؟
إِنّي أَرى دَمْعًا يُكَفكَفُ راغِمًا = وسَماءَ تُمّوزٍ تَلُمُّ سَحابَها
وَمَشاعِلًا في لَيلِ ظُلْمٍ مُظلِمٍ = وَمَجَرَّةً تُلقي عَلَيْهِ شِهابَها
تَلِدُ النَّهارَ بِأَعْيُنٍ لَمْ تَنكَسِرْ = وتُعيدُ طَيْرًا شَتَّتوا أَسرابَها
تِلْكَ الحُشودُ مِنَ الأُسودِ تَقاطَرَت = لا تَستَطيعُ ضِباعُهُم إِرهابَها
هِيَ وَثبَةٌ لِلْحَقِّ يَدهَمُ باطِلًا = عَرَفَت قُلوبُ الثّائِرينَ ثَوابَها
هِيَ صَوْلَةٌ لِلْفَجْرِ آنَ أَوانُها = وَيَدُ السَّماءِ تَمُدُّها أَسْبابَها
قارونُ مُرتَعِدٌ بِيَوْمِ حِسابِهِ = والأَرضُ مَدَّت لِلسَّماءِ حِسابَها
نادَتْ بِعالي الصَّوْتِ حِزمَةَ وُلْدِها = والحُرُّ مِنهُم بِالدِّماءِ أَجابَها
لَبَّيْكِ يا أُمّاهُ دونَكِ أَشجُعٌ = كَسَروا قُيودًا حُمِّلوا أَوصابَها
رِسَفوا دُهورًا في مَخالبِ ذُلِّها = واليَوْمَ أَلقَوا لِلَّظى أَصلابَها
بَغدادُ يا نَبْعَ الحَياةِ وَدَرَّها = تَهْمي لِكُلِّ العالَمينَ رِضابَها
في القَحْطِ تُلفيها تُؤَجِّجُ نارَها = لِيَرى الجِياعُ مِنَ البَعيدِ رِغابَها
تُقري الغَريبَ المُستَفيءَ لِنَخلِها = وَتُسيغُ لِلصّادي الشَّريدِ شَرابَها
عودي لِمَن عَرَفوكِ دُرَّةَ أُمَّةٍ = رَدَّتْ لِأَصْلِكِ بِالنَّدى أَنسابَها
عودي فَإِنَّ الأَرضَ بَعدَكِ أَقفَرَت = وَعَلا الدُّخانُ فَضاءَها وَتُرابَها
ها هُم بَنوكِ سُيوفُهُمْ عَرَبِيَّةٌ = كُلٌّ لَها كَفٌّ تَزينُ قِرابَها

***
16. الطغاة الجدد في حكومة الإسلام السياسي
23.الطغاة الجدد في حكومة الإسلام السياسي في الانتخابات المزعومة القادمة، هل سيكون لهم مرور عبر صناديق الاقتراع على إنهم أحد معايير الديمقراطية؟ لِمَ لايكون لفئات الشعب حصة في الانتخابات القادمة لمن جاهد في الساحة حتى في أزمة كورونا؟

الانتخابات نعمة للشعوب لأنها تمكنهم من اختيار حكامهم وتضع في أياديهم سلاحًا يهددون هؤلاء الحكام به وهو سلاح الطرد والاستبعاد في حال الفساد أو فقدان المصداقية أو حتى الفشل النسبي في الخدمات.
لكن الانتخابات المزورة تعطي عكس النتائج المرجوة فهي تمكن الفاسدين والمزورين وحاملي السلاح الخائن من الوصول لسدة الحكم برداء يبدو شرعيًّا لمن يجهل مجريات الأمور.
هنا علينا أن نرفع اصواتنا بالمطالبة بتوفير انتخابات شفافة ونزيهة إلى أن يتحقق هذا المطلب وإلا فمقاطعة الانتخابات أولى لكي يبقى الحكام بلا شرعية كما هي الحال طوال سبعة عشر عامًا من حكم الاحتلال وتابعيه.
في الحكم لا توجد حصص فهو أما للشعب أو للطغاة وعلى الشعب أن يواصل كفاحه حتى ينال حقوقه كاملة غير منقوصة.
هؤلاء الذين لازموا الساحات حتى في أشد الظروف فتكًا هم من يستحقون الحياة.

***
17. نرجسية الشعراء
24.هل غاب الحوار بين الشعراء والشعراء وبين أرواح كُتاب وإعلاميّي الوطن؟

كلّا، فالشعراء يتحاورون ويتزاورون ويتشاركون المنابر في الأمسيات الأدبية إضافة لتواصلهم على وسائل التواصل الاجتماعي بتبادل التعليقات والتعبير عن الاعجاب. هنالك تواصل وهنالك أيضًا تحاسد وتباغض ومحاولات تسقيط وتسفيه وانتقاص قيمة!
لقد وجدتُ الأكثر نزاهة في هذا الباب بين المبدعين الحقيقيين الذين يفرحون لقراءة نص جميل لغيرهم وإن اعتمل فيهم شعور بالغيرة الغريزية عند بعضهم. نجد عند هؤلاء الكبار ضمائر حية وقلوبًا مُحبّة لا يقتلها حب النفس والتفوق.
وأظن ما سبق ينطبق على الأدباء جميعًا فالجميع مبدعون بدرجة أو أخرى.
إن الشاعر متهم بتضخم الـ (أنا) وبالنرجسية وقد يصح ذلك عند بعض الشعراء، لكنه في النهاية إنسان يتفاعل مع غيره بحسب تربيته وثقافته التي تختلف من شاعر لآخر. إنني أعتبر ما يقوم بع بعض الشعراء والأدباء من محاولات لتقزيم غيرهم مسألة أخلاقية في المقام الأول؛ كما أراها متعلقة بالثقة بالنفس، فمن يثق بنفسه وإبداعه لا يحاول تقزيم غيره لكي يبدو هو كبيرًا.
أما الإعلاميون في بلادنا وقنواتنا الفضائية وصحفنا فغالبيتهم العظمى منتفعون لا يمتون للإعلام بصلة. هم لا يحبون إلا جيوبهم وملذاتهم ولا يكترثون لقيمتهم الإنسانية. لذلك نجدهم أصدقاء الآن وأعداء بعد لحظة ثم يعودون للصداقة المزعومة، وكل ذلك تبعًا لمصالح رخيصة لا تمت للمهنة الراقية بصلة.

قلت في قصيدة (باعُ الشِّعرِ)
للشعرِ باعٌ لا يُنالُ مداهُ = مهما تمكَّنَ شاعرٌ بخُطاهُ
كُلٌّ لهُ قَدَرٌ وقَدْرٌ حاكِمٌ = ومُقَدَّرٌ في العالمين صداهُ
وقريحةٌ مرسومةٌ بعنايةٍ = وقريحةٌ مرسومةٌ لسواهُ
يا قافزًا يحدو به خيلاؤهُ = ويرى التفرُّدَ ساكنًا نجواهُ
أقصِر، فلَستَ ببالغٍ ما ترتجي = بتنطُّعٍ وتزَلُّفٍ تغشاهُ
واتبعْ خطى الماشين في درب الهُدى = تجِدِ الذي ترجوهُ في ممشاهُ
إنّي رأيتُ الشِّعرَ جُبَّةَ ناسكٍ = للمُتَّقينَ بلفظهِ ورؤاهُ
ووجدتُ شيطانًا يصوغُ حروفَهُ = للمارقينَ وشرُّهُ يغشاهُ
فاختَر لنفسِكَ ما يليقُ ولا تَحِدْ = عَمّا هُديتَ له وفُز بسماهُ
إنَّ الذي باع الضلالة بالهدى = زلَّت به لجهنَّمٍ قدماهُ

***
18. عقلنة الكتابة
25.لمن تكتب، ومن تخاطب، ولِمَ تكتب؟
سؤال واسع أحاول اختصار إجابته بالآتي:
أكتب لنفسي التوّاقة للإبداع والتي لا تستريح حتى أضع لواعجها وأحلامها وأخيلتها على الورق ثم أنقله للناس وأظن ذلك محكومًا بالغريزة البشرية المحبة للمشاركة والظهور وحب التواصل مع الآخرين.
وأكتب لوطني الذي منحني للعالم بعد أن منح لي ما أمتلك وما أعطي. هذا الوطن العظيم الذي تغنيت بأناشيده وتنقلت بين مدنه وقراه وبواديه وهتفت لجيشه المدافع عنه ودعوت له في كل محنة ووقفت منافحًا عنه في كل عدوان ارتُكب ضده. وأنشدت مع رجاله ونسائه وأطفاله أناشيد الفرح عند كل نصر.
وقفت مع وطني الذي هاجمته الغربان جالبة معها الأشرار من أقطار الأرض فدمروا وقتلوا ونهبوا وسجنوا وأفسدوا في الأرض شرَّ فساد.
وقفت مع المقاومة التي مرغت أنف المحتلين في تراب الهزيمة والخذلان فاندفق شعري طوفانًا من الثورة والعنفوان.
وكذلك وقفت مع الانتفاضات المتلاحقة ضد النظام الفاسد وآخرها ثورة تشرين 2019 المباركة التي كتبت لها وللمقاومة مئات قصائد المؤازرة ورثاء الشهداء وحث العراقيين على الوحدة والوقوف مع أبنائهم وبناتهم في ثورتهم المباركة.
كتبت النَّسيب الرقيق ودوَّنت الآهات التي سببتها الغربة وصدحت بالاشتياق للوطن والأحبة.
هجوت البخلاء والظالمين والفاسدين.
وناجيت ربي وامتدحت رسوله الكريم.

وفي جواب لي على أحد السائلين قلت في قصيدة (كتبتُ كلَّ شيء):

كتبتُ كلّ شيء
أسرفتُ في الثناء
والهجاء
والرثاء
والغزل
كتبتُ للأطيار
والأزهار
والأقمار
والفخار
والفشل
لكنّ حرفًا في الشفاه لم يزل
مهمهمًا
متمتمًا
يلجمه الخجل
ولن أبوح
ولن أريح
لن أحرّر النداء
سأحرق الدفاتر الرعناء
بكل ما فيها من الشعور
والنشيج
والنساء
من كان يرتجي الشموخ
فليعرج إلى السماء
على جناح كبرياء
وليفترش رؤى الأمل
ويزرع الضياء
في المقل
وحينها
يقول إنه وصل

أما لمَ أكتب فجوابي هو لأني خُلقت لأكتب وإن لم افعل لصرت مجرد مخلوق لا يجيد شيئًا، مع أني مُجيد في التجارة والصناعة والزراعة ولا أجني من شعري مالًا ولا امتيازات. أحس أن الكتابة هي حصني ومحرابي ووطني المقيم في داخلي.
الكتابة هي الحياة وهي النجاة وهي سبيل الوصول إلى القلوب والمطرقة التي تضرب رؤوس الشياطين والسندان الذي يتلقى ضربات الحاقدين.
أكتب لأن الكتابة رئة حين يغيب أوكسجين الحياة.
والكتابة هي العالم الآخر الذي أسافر إليه دونما حاجة لجواز سفر وتأشيرة دخول.
والكتابة هي الرسالة – أو الرسائل – التي تبلغ نبض القلب لمن نحب.
وهي الرسالة – أو الرسائل – التي تبلغ جمهوري ما توصل له عقلي من فكر.

19. مبدأ الحوار المعرفي
26.وهل غاب مبدأ الحوار بين السلطة والشعب؟

- السلطة في العراق واحدة وإن تعددت المسميات واختلفت الوجوه والتصريحات، فلقد صُنِّعت هذه السلطة في أميركا وإيران لتكون تابعة خانعة للمحتلين وظالمة للشعب. أما الشعب فلقد اشتغلوا عليه على مدى السنين ليكون متشرذمًا فاقدًا للوعي خانعًا لا يطالب بحقوقه في أبسط صورها وقياساتها. كما طبّق الطغاة سياسة "فرِّق تسد" المعروفة فجعلوا مسميات الطائفية والعرقية وحتى القبلية تحل محل الوطنية والوحدوية والتعاونية.
وكل ذلك انكشف لمّا قاوم العراقيون الاحتلال وسارع ذيول هذا الاحتلال للاصطفاف معه ضد شعبهم، بل وبانت حقيقتهم كخدم وقتلة مجرمين وذيول رخيصة لأعداء الوطن. ولما انتفض العراقيون مطالبين بقلع العملية السياسية الظالمة والمدمرة انكشف الوجه القبيح لكل من كان يزعم وقوفه مع الوطن، بل وانكشف زيف ادعاءاتهم الوقوف مع طوائفهم!
إذن فالحوار مفقود بين السلطة والشعب ببساطة لأن السلطة عدوة الشعب وبذلك تحل المواجهة بديلًا عن الحوار إلى أن تتغير هذه السلطة لتكون حكومة وطنية تحاور مواطنيها وتخدمهم.
لي قصائد عديدة تتعلق برفض هذه السلطة التي نصبها الاحتلال ورعتها كل قوى الشر والظلام وقدمت لها شتى ألوان الدعم وتحضرني هذه القصيدة التي تذكرني بأحد الطغاة وهو على سطح بناية وإلى جانبه قناصون يطلقون النار على مواطنين كانوا يتظاهرون سلميًا في ساحة التحرير:

يا واقفًا فوق المنابر يخطبُ = أنظر لشعبٍ غاضبٍ يتوثّبُ
أنظر لمن حمل اللواء إلى العلا = وفؤادهُ متحرّقٌ ومعذّبُ
شعب العراق خنقتهُ وجلدتهُ = واليوم في ساحات عزٍّ يُصلَبُ
ضاقت به الدنيا فجاءك مرعدًا = أين الملاذُ؟ وأين منه المهربُ؟
شعبُ العراقِ إذا توثب ثائرًا = فالأرض من تحت الضلالة تغضبُ
وشبابهُ إن ثار في أعراقهم = حبّ الحياة تحزموا وتعصبوا
وإذا استبدّ الشوق في أكبادهم = كانوا براكينًا بغيظٍ تلهبُ
أبناءُ من صنعوا الحياة عزيزةً = لمّا بدت في موتها تتصلّبُ
ركبوا الصعاب إلى مرافئ مجدهم = واليومَ مركبهم أشدّ وأصعبُ
فاليومَ هم إذ يطلبون خلاصهم = رخصت حياتهمُ وعزّ المطلبُ
لن يرجعوا عن سيرهم مهما عتت = ريحُ الطغاة، فهدّدوا أو أرهبوا
سيكون ردّ الثائرين مزلزلاً = وهو العزومُ المستطير المرعبُ
سيكون للتاريخ منهم صولة ً = بدمائهم لمّا تدفّقُ تُكتَبُ
فاقمعْ حشودًا لم تزل عزماتها = يهفو لصرختها الفضاءُ الأرحبُ
غضبوا لمرأى النار تأكل دارهم = والخير يذوي والموارد تنضبُ
والغاشمون على الصدور تربعوا = ذا يستفزّ وذاك جورًا ينهبُ
حقّ الأيامى في المحافل مُجهَضٌ = والأرضُ من أصحاب حقٍّ تُسلبُ
ظلمٌ وطغيانٌ وحكمٌ جائرٌ = ودماء أبطالٍ كماءٍ تُسكبُ
أنّى لمن حملوا الحياة أمانة ً = أن يسكتوا والموتُ فيهم يضرِبُ؟
ها هم أتوك بما يسوئك من لظىً = لن يعتقوكَ فأين، أين المهربُ؟

***
20. شبح المستقبل
27. ما مستقبل المواطن في العراق؟ وما مستقبل الشاعر في السياسة؟
المواطن العراقي يعيش حاضرًا موجعًا وأوجع ما فيه هو أنه لا يرى بصيص أمل قريب، لكني متفائل بطبعي وأعرف قيمة الإنسان العراقي حين يثور فأرى أملًا فيه بعد الله تعالى.
المستقبل القريب سيء وربما يسوء أكثر مما هو عليه الآن، لكن الأمور ستتغير بعد ثلاث سنين والله اعلم.
العراق يحكمه من لا يعرف حدودًا للظلم، فبعض الظالمين في العالم تحدد ظلمهم ضوابط لا تسمح لهم بالتمادي وتضع لهم روادعَ تهدد حريتهم أو مصالحهم وديمومتهم في السلطة، ولكن دستور العراق الذي يحكم بموجبه الظالمون يسمح لهم أن يتمادوا إلى ابعد الحدود بلا رقيب أو حسيب. دستور رأسه النظام الطائفي والحزبي وجسده الفساد واللصوصية وذراعاه القتل والنهب وساقاه بلا جذور وطنية أو أخلاقية.
أما مستقبل الشاعر في السياسة فمقترن ببقاء الأوضاع على ما عليه الآن (وبذلك يستفيد أشباه الشعراء وأنصاف الأدباء)؛ أو انقلابها فيكون للشاعر صوت في بلاده لكن يبقى الشاعر النقي أقل بني البشر انتفاعًا ذاتيًّا.
تكون للشعراء حظوة حين تحتضنهم دولهم وتوفر لهم الأجواء وتكفيهم شر العوز والسجون والترحال بين مجهول وآخر وهذا أصبح حلمًا بعد أن سيطر العسكر والحمقى على السلطة فباتوا لا يبالون بالمبدعين إلا بقدر استفادتهم منهم بالمديح الكاذب.
لكن الشعر يبقى والكل إلى زوال.

-يقول محـمد الماغوط: هذا الزمان هو زمان التشييع والتطبيع والتركيع، زمن الأرقام لا الأوهام والأحلام.

يقسو هذا المبدع المتألق بسخريته وتهكمه، لكنه يقول الحقيقة المجردة. نعم، العالم مستمر بفعل ما يقول الماغوط ويحث الخطى لكل ذلك بسرعة وجدّ وينفق المليارات. لكن هل ينجح مع الشعوب؟ لا أظن لأن الشعوب تبقى حية وذات حراك متغير ومتفاعل ولا يمكن أن يدوم الحال مهما كان الضغط بالعصا والجزرة.
ونعم هو زمن الأرقام، بهيئته الظاهرة، لكن ما يسميه الأوهام (وهو هنا يتكلم بحرقة محسوسة) هو الخيال الجميل الذي يُقبل عليه العرب بشغف، وأما الأحلام فهي بذرة التغيير إلى وضع أفضل وهي أساس لكل بناء.
أنا متفائل أن الزمان سيدور دورته ليكون وضعنا أفضل ولا أنسى أن أذكّر بدورنا – افرادًا وجماعات – في صنع التغيير وإيقاف عجلة التدمير.
واحدة من أقدم قصائدي التي كتبتها وأنا بعدُ فتًى غض العود خاطبتُ بها العالم وهي قصيدة طويلة أقتطف منها:

يا عالم يا طوفانًا يجرف نفسه
يا عالم يا مجنونًا يحفر رمسه
خذ مني كفًّا تحميك
خذ مني روحًا تحييك
ويمرّ العالم لا يأبه بالكف المدودة
غبيًّا لا يفقه شيئًا
وأصمًّا لا يسمع مني – إن غنيت – الأنشودة
أشهرت سلاحي وشطرت العالم نصفين
يا عالم إني أبصر
يا عالم إني أسمع
أسمع
وأسترسل بمخاطبة العالم تقريعًا وثورةً على واقعه المرير.

***
21. مستوطنة الأحلام وسرية الأوهام والأرقام
28. هل عشت عالم الأحلام والأوهام والأرقام، وأي سنة جزمت بأنها من عوالم الأوهام؟
نعم عشت عالم الأحلام وما زلت أعيشه وأتقوّى به ليعينني على واقع قاسٍ ويلهمني الجمال فيما أكتب. إنه عالمي الجميل الذي أحياه وحدي حتى ينتج شيئًا أشاركه مع غيري في محاولة لتطريز اليأس بالأمل ورسم ملامح المستقبل بألوان السرور وإلقاء الضوء على ظلمات صنعها الظالمون.
أنا إنسان حالم مع أني لا أتخلى عن واقعية صارمة في التعامل مع الأمور، فالحلم هو أساس لبناء واقع جديد وهو ليس وهمًا نغرق فيه فنضيع.
قلت:
على ضفة الحُلْمِ أرسو
لِأَزْرَعَ قوتَ الفُؤاد
غِلالًا تُعَمِّر
والنَّبْعُ مِنّي قَريب
أَعُبُّ وَأَسقي
وَأَحْصُدُ ما كانَ مِنْ قَبْلُ زَرْعي
سَأَحنو، وَأَقسو
وَقَدْ حانَ وَقْتُ الحَصاد
سَأَعْبُرُ
قَبْلَ أَوانِ الغُروب
لأَطْلُبَ حَقّي
وأُعلِنَ شَوْقي
وما مِن سَبيلٍ
لِمَن شاءَ رَدْعي
على شَفَةِ النَّبْعِ أُلقي الرِّحال
أَعُبُّ الزُّلال
وَأَجني الغِلال
وَمَنْ جَدَّ عَزمًا
فما مِن مُحال
سيينعُ غَرسُ
ويَنْضُجُ عُرْسُ
ومِن دافِقٍ كالفُرات
يطيب النِّهال
**
وقلت:
أَنصَفتُ نَفسي
قصيدة
مكي النزال

أَنصَفتُ نَفسي بَعدَ طولِ خِصامِ
وَمَنَحتُها قِسطًا مِنَ الأَحلامِ
*
وَفَّرتُ نُصحي واحتِدامَ تَشَوُّقي
وَعَزَفْتُ عَن خَوضي عَتِيَّ ضِرامي
*
وَمَلَأتُ أَكوابَ الحنينِ تَخَيُّلًا
وَقَلَوْتُ آهاتي وَنارَ هُيامي
*
لَم يَبْقَ من عُمُري الكثيرُ، وآنَ لي
أَن أَستَريحَ بِقابِلِ الأَيّامِ
*
وَأَطوفَ آفاقَ السَّعادَةِ مُشرِعًا
بَوّابَةَ الأَنفاسِ لِلأَنسامِ
*
لَن يستَطيعَ الحُزنُ لَيَّ عَريكَتي
أَو يَستَطيعَ الهَمُّ مَسكَ خِطامي
*
لَن يَستَبيحَ الوَهنُ رِفعَةَ هِمَّتي
أَو يَستَبِدَّ بِخُطوَتي إحجامي
*
أَنا واهِبُ التُّفّاحِ حُمرَةَ خَدِّهِ
وَمُلَوِّنُ الأَزهارِ في الأَكمامِ
*
وَمُرَوِّضُ الأَمواجِ وَقتَ جُموحِها
وَمُرَقِّقُ الصَّرَخاتِ في أَنغامي
*
أَرخى لِيَ الإعصارُ صَهوَةَ ظَهرِهِ
وسَمَت تُنادِمُني ذُرى الآكامِ
*
وَتَقاطَرَت أَسرابَ طَيرٍ أَحرُفي
رِسَمَت مَواكِبَها ظَليلَ غَمامِ
*
يا غَيْمَةً عَبَرَت تَجُرُّ جَفافَها
ما عُدتُ ذاكَ المُستَفَزَّ الظّامي
*
في القَلبِ أَنهارٌ تَمُدُّ قَريحَتي
بِرَوائِعِ الإِبداعِ والإلهامِ
*
وَتَفيضُ بِالأشعارِ حِبرًا أَخضَرًا
يَجري بِسُقيا الحِسِّ في أَقلامي
*
يا نَجمَةً مَرَقَت تَجُبُّ ضِياءَها
سَيَشُقُّ فَجرٌ مِن رِداءِ ظَلامي
*
والشَّمسُ مِن روحي تَبُثُّ شُعاعَها
لِيُضيءَ مَلعَبَ عَدوِها المُترامي
*
أَنا مَن أَتاهُ السِّحرُ يَجثو عِندَهُ
يَرجوهُ ذِكرًا في شَفيفِ كَلامِ
*
أَنصَفتُ تاريخي وَسِرتُ مُباعِدًا
عَن لَوعَةٍ وَتوَجُّعٍ وَسَقامِ
*
وَهَدَمتُ بابًا كُنتُ فيهِ مُرابِطًا
مُتَرَقِّبًا تَجتاحُني أَوهامي
*
لأُعيدَ في نَفسي سُمُوَّ عَزيمَةٍ *** مَزهُوَّةً، يَحدو بِها إِقدامي

عشت عالم الأرقام منذ صغري فأنا اشتغلت تاجرًا وصناعيًّا ومزارعًا وسياسيًّا ومخطِّطًا وصحفيًّا، والأرقام حاضرة في كل هذه الأعمال منذ الغرس حتى الحصاد.
ليس للأوهام زمن محدد فهي موجودة بجوار الواقع في كل سنة وشهر واسبوع ويوم، بل في كل لحظة.
واجبنا أن نرصدها في دواخلنا وفي مجتمعاتنا فنحاربها بالحقائق الدامغة لأن الأوهام عوامل تخريب ودمار.

***

22. الحبيبة المتخيلة واقع أم افتراض
29. هل كتبت قصيدة تستظل أفق انتظاراتها، وحلمها امرأة؟
لا أدري هل القصيدة تركن لأفياء الأنثى أم العكس! لكني أدري أن الحس المرهف للشعر يدفع الشاعر ليرى الأنثى جوار كل شيء جميل.
الأنثى مشاركة في شعري وأنا أخاطبها قائلًا: أنت الشاعرة وما أنا إلا مدوِّن لما تقولين بأسلوبي وخطي!
أما إذا كان الغزل هو المقصود، فربما نصف شعري غزل، وفي العديد من قصائدي أفعل ما فعله السابقون فأستهل شعري بالنسيب ثم ادخل في الغرض المقصود.
ولا بد من تكرار القول إن الأنثى ليست مادة للتسلية عند الشاعر الأصيل، بل هي الأم والزوج والحبيبة والصديقة وإن قفز الشاعر فوق ذلك فهي من نزواته التي عليه كبح جماحها وضبط مسارها كيلا تكون خادشة للحياء أو منافية للخلق الكريم.
بيد أن الشعر يتفلت من القيود بمساعدة متذوقيه الذين يطالبون له بالمزيد من الحرية والتحليق!
كتبت مرة قصيدة أستحي منك التي سأدرجها هنا فعاتبتني أكثر من أخت وصديقة قائلات: حتى في الشعر تستحي؟!
أستحي منك
قصيدة
مكي النزال
أستحي منك في الرؤى والخيال ِ = فأغطيك إن خطرت ِ ببالي
أتسامى على المشاعرِ خوفـًا = من شياطين ِ رغبة ٍ وانحلال
لست أنثى ً أريدها في حياتي = أنت ِ أسمى من المراد المُنال ِ
فتعاليْ إليّ طيف ملاك ٍ = ضيفة القلب من عيون المُحالِ
فيك شعري أصوغهُ ذا معان ٍ = مستهامًا بحومة الارتجال ِ
أتخطى إليك ِ بحرًا عتيدًا = محض روح ٍ تتوقُ للابتهال
صار شرقي لمغرب الشمس يرنو= وجنوبي يطير صوب الشمال ِ
شهق الشوق في دمي واستفزّت = أمنياتي بأن تكوني حلالي
لستُ أدري، أغارقٌ في ذهول ٍ = أم تنسّكتُ في جمال الجمال ِ
يا فتاة ً تغمدتْ ليل حزني = بابتسام ٍ كالشمس ِ وقت الزوال ِ
أنت عندي السماءُ شأنـًا وقدْرًا = ولروحي الظمأى فرات الزلال ِ
فأفيضي عليّ من غيث روح ٍ = عذبة ِ العطر، ودقها كاللآلي
سكتت، حين جئت عمري، جراحي = وتهادى رهوًا شراعُ انفعالي
وكأنّ النيران أضحت رمادًا = وهي من أشعلت سنيني الخوالي
لم أعُد ذلك المفارق أهلاً = والمعنّى بدارس الأطلال ِ
علـّمتني عيناك ِ صبرًا وحلمًا = وعفافـًا وروعة الآمال ِ
أنت زرعُ الإيمان في أرض كفر ٍ = ونداء الإيمان ِ وسطَ الضلال ِ
لم أزل أطرق الدروب وحيدًا = فيك سيْري وفي هداك امتثالي
راضيًا بالمصير ِ ما دمت قربي = تلهميني توثبي للمعالي
وليكن ما يشاءُ فيك صراعي = وليطلْ ما يشاء فيك نضالي
وليكن آخر الأمر أني = أتحدّى إليك ِ طعن النصال ِ
سألاوي الرياحَ جلدًا عزومًا = وأوشي بالصبر ِ ثوبَ الوصال ِ

***

23. فتنة الحرف في ساعة خدر، توق، جذوة، أم ساعة رحيل
30. ما ساعتك حين كتبت فيها ألق الشعر ولامست الحنايا؟ أكانت في ساعة حب، ساعة رحيل، ساعة لقاء، ساعة توق، ساعة جذوة، ساعة بزوغ، ساعة حصاد، ساعة اشراق، ساعة مغادرة، ساعة روح، ساعة خدر؟

لكل ساعة ممّا قلتم شعر يلائمها ويصف أحداثها ويؤرخ لها. ساعة الحب شاملة وقد تحمل في طياها كلما يليها (ساعة رحيل، ساعة لقاء، ساعة توق، ساعة جذوة، ساعة بزوغ، ساعة حصاد، ساعة اشراق، ساعة مغادرة، ساعة روح، ساعة خدر) فهذا العالم يدور حول الحب بألوانه المتعددة.
ما الحب؟
ترجم لي بلسان الشعر
قل:
هل هو نبضٌ في القلب؟
هل نسمةُ فجر؟
-أم عالم سحر؟
كيف تعاظم في هذا الصدر
فكان النار
وكان البحر؟
أو لست القائل: وأنا البحر؟
فاهدر يا بحر
خذني فوق الموج إليك
فأنت المد
وعجبًا
كيف يكون المد بلا جزر؟
حلّق
خذني فوق جناحك
حررني من قيد الأسر
فجر بركان الشوق
فنارك عتق
علمني العشق
أرشدني كيف أكون ربيعًا لا يفنى
كيف أكافح مثلك
كيف أطاول مثلك
كيف أصول وراءك يا صنو النمر
لوّن دنياي بأخضرك المتفرد بنضار السحر
خذني راهبةً تتوضأ بالطهر
طر بي فوق جناحك في الآفاق المحظورة
أنثى صقر

أما ساعة الرحيل فلكل عراقي ولكثير من العرب معها حكايات لا تنتهي ولا تنسى؛ فهو أما راحل يودع دياره إلى منفاه أو رحل عنه أحبته إلى العالم الآخر أو عبر الحدود. إن شعر العراقيين مشحون بأشجان الرحيل منذ (المقيَّر) وقصائد (الريل) وقبل ذلك وبعده.
الرحيلُ يا قيس
مهداة لأخي الأكبر الأستاذ قيس النزال
ألا يا قيسُ أتعبنا الرحيلُ=وصار مباعدًا عنا الوصولُ
مشينا والخطى نارٌ تـَلظـّى=ودربُ النأي منكفئٌ، خجولُ
رأينا النار تأكلنا حفاةً=ومن كلّ المُدى دمنا يسيلُ
تجهّمَنا القريبُ فصار فظـًّا=وبان من الورى خلقٌ هزيلُ
يظنـّونا هوَيْـنا من عليٍّ=فبُتنا في فلاتهمُ نميلُ
تشفـّى شامتٌ في بعض همٍّ=وطاول جذعَنا قزمٌ ضئيلُ
تناوشنا الردى من كلّ صوبٍ=ودارت كالرحى فينا الفصولُ
شربنا همّنا سمًا زعافًا=تغذّيناهُ إذ عزّ البديلُ
وحُمّلنا الأذى حتى كأنـّا=جـِمال ٌ لا تفارقها الحمولُ
يمرُّ العيدُ فالدنيا احتفالٌ=ونحن نئنُّ فالماضي ثقيلُ
وآتٍ لا يكادُ يبين حتى..،=يغيبَ بظلمةٍ فمُها ذهولُ
فيا من غرّبتكَ صروفُ دهرٍ=دع الأيام تفعل ما تقولُ
ونحن نقول قولتنا لشمسٍ=تعلـّمَ أن يرافقها الأفولُ
نصارعُ بالصلاة ضلالَ قومٍ=تناءت عن رؤوسهمُ العقولُ
فلاوينا الضلال بفيض عزم ٍ=وكنّا كالصواعقِ إذ نصولُ
نروم الحقّ في قولٍ وفعلٍ=طلابُ الحقّ ديدننا الأصيلُ
فطوبى للغريبِ بحشدِ حُمق ٍ=بأنّ الرُّشدَ من دمهِ هَطولُ

وأما ساعة اللقاء فيندر فيها الشعر، لكني كتبت فيه غير قليل ومنه:
في اللقاء المُتَلفَزِ كُنتِ معي
ومَهما فَعَلْتِ
فَأَنْتِ وَديعة
تُرى هَلْ رَأَتْكِ المُذيعة؟
تَدورينَ حَوْلي مُشاغِبَةً تارَةً،
وَأُخرى مُطيعة؟
هَلْ رَأَتْكِ بِعِيْنَيَّ
أَمْ في خَيالي؟
أَمْ في ابتسامي بِرُغمِ الغَضَب؟
رَأَيْتُكِ في عَيْنِها الحائرة
تُذيقينَها حَيْرَةً قاهِرة
كَأَنّي بِها تتَساءَلُ: من هذه الماكرة؟
وكَيْفَ أَراها وتغفَلُها (الكامرة)؟
تَوَقَّعْتُ أَن تَقطَعَ البّثَّ غاضِبَةً
أَوْ تَصيحَ بِمَنْ حَوْلَها:
أَخرِجوها..!
ولكِنَّها استسلَمَت في النِّهايةِ
حتّى استَراحَتْ
وصارت تُبادِلُكِ النَّظراتِ السَّريعة
وراحَتْ تُفَتِّشُ عَن مَخرَجٍ شارِحٍ لِلْخَديعة
وَلَوْ سَأَلَتني لَقُلْتُ وأَفْصَحْتُ عَن سِرِّنا في الحُلول
فَانْتِ هُنا وهُناك أَنا
وكِلانا مَعًا حيْثُ كُنّا
مَعًا
والمَسافاتُ ما بَيْنَنا خاسِرة
. **
وقلت في التوق:
تخشى عليّ التوق والوجدا = إن كان هجرانـًا ولا بُدّا
تدري بأني بعدها أذوي = وأذوبُ منتظرًا، ولا أهدا
هي طفلةٌ تحنو على صبٍّ = يزجي الشعور، فتحفظُ الودّا
ترقيه من أحداقها دمعًا = وتزيدهُ من قلبها و ِردا
تضفي على أشعاره سحرًا = فيُضيعَ في أبياته العدّا

وفي الحصاد قلت:
هذا حصاد غرائسِ الأمس = فتأمّلي ما كان من غرسِ
جدنا فجاد الزرع من ثمرٍ = فيه الحياةُ بحومة البأسِ
وجرى الفراتُ بسلسلٍ عذبٍ = يُضفي الرواء على ثرىً يُبْسِ
هو مهرجان ربيع قصتنا = فترنمي يا عذبة الجرْسِ
***

24. دهشة السطوة الشافية في لغة الشاعر
31. في الشعر ما سر لغة الشاعر مكي النزال؟

قال الناقد الكبير الأستاذ الدكتور عزمي الصالحي في جلسة عامة في اتحاد الأدباء الأردنيين:
لمكي النزال سطوة على اللغة وله لغته الخاصة به.
هذه الكلمات القليلة تجيب عن السؤال فليس لي وأنا الشاعر أن أصف لغتي بكلمات الثناء.
إن لغة الشاعر هي المكمل اللازم لموهبة الشاعر ليكون شاعرًا حقيقيًّا يشار له بالبنان، فإن صح قول الناقد أعلاه فأنا على خير في الشعر كثير. وهنالك شهادات أخرى لنقاد وشعراء ومتذوقين للشعر وقراء مواظبين تشير لما قاله الصالحي رحمه الله.
في بحثي عن مفردة لغة في حاسوبي وقعت على 361 من الملفات التي وردت فيها الكلمة وسأنشر هنا بعضًا منها لكي يكون الجواب شعرًا عسى أن يتلذذ به القارئ الكريم:
لغة جديدة
قصيدة مكي النزال
لغةٌ جديدة
مفتاحها همس النسيم
وفعلها لحنٌ رخيم
وحرفها نجمٌ بعيد
عجز اللسان
فلم يعبّر بالجديد عن الجديد
واخترتُ رسمًا بالمشاعر والورود
علّي أعبّرُ عن لواعجِ مستزيد
غاض البيان
وتفتّقت لغة الحنان
بشهقةٍ
وتدفّق العشقُ الصَّموتُ
برقّةٍ
من أعينٍ بعثت بشارات البريد
نظراتِ عيد

**
وهذه قصيدة من قديمي:
لغةُ العيون
قصيدة
مكي النزال
رُسُلُ الضياء
لغة العيون بليغةٌ فتكلمي
إن كان من قيدٍ على بوح الفمِ
رسل الضياء إلى القلوب زواجلٌ
يُوصلن ما يحملن دون توهّمِ
يا من حملتك في الفؤاد قصيدةً
بوحي فقد يؤذيك قيد تكتّمِ
صولي على صمتٍ يخيّمُ ظلمةً
ودعي المخاوف عنك حتى تسلمي
قولي: أحبك، توقظي إشراقتي
وبما يضوعُ من البخور تنعمي
وتألقي عمقَ السماء مليكةً
تأتيك طائعةً قوافل أنجمِ
همسُ العيون يشدني ويهزني
ويثيرني ويُفيضُ نهر ترنمي
مدّي إلى عينيّ جسرَ تواصلٍ
قولي بصمتٍ يا حبيبة، أفهمِ
لا تأبهي بالخوف يبرز نابه
واستسلمي لنداء قلبك تسلمي
حلوٌ مذاق البوح في أعذاقه
رُطبُ الجنان، تذوّقي وتطعّمي
فإذا دعاك الوصلُ سيري نحوهُ
فتزيني، وتألقي، وتهندمي
لا ترعوي، فاليوم عرسُ قصيدةٍ
عصماءَ تروي كل مفتتنٍ ظمي
تيهي على ملكات عصرك حرةً
عرفت إلى أي الممالك تنتمي
وهي التي في مهد روضٍ أُنجبت
وترعرعت في حضن قومٍ أكرمِ
رضعت نهود النور مذ ولدت به
ولعلها عن درّهِ لم تُفطَمِ
ركبت ظهور المجد فانطلقت بها ... ألقًا بجوف بهيم ليلٍ مظلمِ

***
25. التحليق في أفضية الخيال
32.ما الزمن الذي استغرقته في كتابة قصيدتك الطويلة "بنت قَوْمي"؟

كتابة قصيدة لا تأخذ مني الكثير من الوقت والمهم أن أكتبها بجلسة واحدة، لكن "بنت قومي" أصرَّت على العودة وكأنها تحاصرني في كل أوقاتي حتى امتدَّ وقتها قرابة الشَّهر!
معظم هذا الوقت قضيتُهُ في إعادة قراءتها فلعلَّ قافيةً تكررت أو فتحةً حلَّت محلَّ الكسرة أو ضادًا احتلَّ مكان ظاء، وكل ذلك وارد ساعة انهمار القصيدة وانشغال الشاعر بتحليقه في أفضية خياله.
وهذه هي المرَّة الأولى التي أكون فيها تحت هواجس الخطأ، أو لنقل المرَّة الأكثر توجُّسًا والسَّبب هو طول القصيدة وكثرة تنقُّل أبياتها بين غرض وآخر.

يقول الدكتور شكري غالي:" إن كتابة القصيدة الطويلة، قد مارسه الشعراء العرب سابقًا تحت اسم المطولات وهي ما تمثل الشعر الملحمي في الأدب العربي، وكان من مظاهر نبوغ الشاعر ومقدرته الأدبية صياغة قصيدة طويلة تتألف من أكبر عدد من الأبيات الشعرية ولها نفس الوزن ونفس القافية أيضًا".
فقد نشرت الديوان ورقيًا لكني لم أعلن عنه بسبب انشغال الناس بفايروس كورونا وما نجم عنه من إرباك في المجتمعات، كما نشرته على موقع أمازون ونال الصدارة فكان الكتاب الأكثر مبيعًا لعدة أيام لكن ولسبب أجهله توقف الموقف عن بيع الكتاب!
الآن نشرته على منصة أبجد وهي منصة عربية رائدة واتفقت مع المنصة أن نعرض الكتاب بثمن رمزي لكي يستطيع أكبر عدد من محبي الشعر أن يقرأه. وهناك سيجد قرائي الأفاضل ديوان (بنت قومي) منشورًا الآن.

***
26.بحور الشعر
33.هل كل أبيات قصيدتك الطويلة من البحر الخفيف أم اضطررت لتستحدث وزناً لم يتطرق إليه الشعراء، وفي أي بيت كان ذلك من قصيدتك الطويلة ؟

لا أظن ابتكار وزن أو بحر جديد ممكنًا، فالخليل لم يبق ما يُجرَّب بعده، والبحر الذي قيلت عليه القصيدة (ويسمى بالخفيف) ليس خفيفًا بالمرَّة ويتجنبه معظم الشُّعراء. التزمت بالوزن والقافية طوال 333 بيتًا هي عدد ابيات القصيدة.
وأحب هنا أن أعقب على ما أوردتموه عن الدكتور شكري غالي فأقول: إن هذا تسطيح للشعر العربي الذي يبدو في مفهوم الدكتور نظمًا سقيمًا جافًّا أهم ما فيه طول القصيدة وانتظامها بوزن وقافية! إن القصيدة العربية القديمة هي عبارة عن لوحات مرسومة بالكلمات التي تربط بينها نوتات موسيقية عالية الانضباط، بيد أنها مرهفة الإحساس متنوعة الإيقاع الداخلي.
ولكثر ما في القصيدة العربية من سحر صار من لا يمتلكون ملَكَة الشعر يقولون إنه من وحي الجنّ الَّذين جعلوا لهم حيًّا أسموه عبقر!
إن القصيدة التي يصفها غالي هي لا شيء مهما كبر عدد أبياتها وانضبط وزنها وحُكِّمَت قافيتها، وهي بكل تأكيد ليست قصائد امرئ القيس وعنترة والمتنبي وأمثالهم من كبار شعراء الماضي العربي الأصيل ولا من قصائد مكي النزّال وعديد ممَّن عاصروه أو سبقوه من موهوبين، ولا اتواضع هنا فأقع في فخ الاستسلام لقول من لم يقرأ شعر العرب.

***
27.نمط القصيدة
34. ما نمط قصيدتك الطويلة وفق الأغراض الشعرية التي تناولتها ؛ أهي :
قصيدة غزل عفيفة أم صريحة .
أم قصيدة مدح لمميزات شخص والإعلاء من شأنه؟
أخبر جمهورك وجمهورنا عن فحوى القصيدة.

مطلعها كما شاهدناه وسمعناه في لقائك مع قناة الرافدين تقول فيه:

بــغــتــتـنـي بـــالـــنَّــومِ قــــبــلَ الأوانِ ... تــشــتـكـي عـــارضًـــا بــــــدا لــلـعِـيـانِ
هُـــرِعَــتْ تـســـــــــــــــتـريـحُ مـــن ثــقـلِ هَـــمٍّ ... مـــســتــقــرٍّ بــجــفــنـهـا الـــوســـنــانِ
تــتـفـادى مــــا راعَــهـا مـــن قـصـيـدي ... مِــــــن بَـــديـــعٍ مُــحــسَّـنَ الإلـــســانِ
فـــيــه مــــن (بــابــلٍ) بــهــاءٌ وســحــرٌ ... وحــكــيـمُ الــمَــقـالِ مِـــــن (لُــقــمـانِ)

ثم في مقطع آخر تقول:
لــــــم أشـــــأ أن أنـــــوح أو أتــشــكّـى ... لـــيـــس مــثــلــي بــالــنّـائـح الأنّــــــانِ
لـــــي بـــــلادٌ تُـــريــدُ مِــنِّــي حُــضــورًا ... وعِــــثـــارٌ فـــــــي دربــــهـــا أثـــنــانــي
أنـــا مِــمَّـن مــشَـوا طــريـق الـتـحـدِّي ... لــيـس لـــي فـــي اسـتـعـانتي ربّـــانِ
ثـــابـــتٌ كــالـجِـبـالِ أحـــمــلُ هـــمِّــي ... مـــؤمِـــنٌ، لا مــــــراءَ فـــــي إيــمــانـي
وأرى فـــــيـــــكِ فِــــطـــنَـــةً ووفــــــــــاءً ... ومـــــــــلاذًا بـــوســـعـــهِ إســـكـــانـــي
لـيـسَ عـيْـبًا إن قُـلـتُ: أُجـهِدتُ سـعيًا ... ومــسـيـري إلــــى الــــذُّرى أضــوانــي
لـــــمْ أشـــــأْ غـــيــرَ أن أكــــونَ قــريـبًـا ... حـــــــاذرًا مــــــا يــــــدوِّنُ (الــكــاتـبـانِ)
طامِحًا أنَّ خطوَتي تتخطّى ... غاضباتِ الدُّروبِ للرِّضوانِ
هـــــل يــعــودُ الــزَّمــانُ حــيــثُ بــدأنــا ... رحــلـةَ الـعُـمـرِ فــي الـرُّبـوعِ الـحـواني؟
فــــي أعــالــي الــفُـراتِ نـنـهـلُ عــذبًـا ... مــن فــراتٍ مـرقـرقٍ فــي (الـسَّواني)
وبـــطـــيّــارتــي يُــــعَـــلَّـــقُ قــــلـــبـــي ... حـــيـــن تـــغــزو الــفــضـاءَ بـالـخِـيـطـانِ
فــــــــرَحٌ كــــــــان لا يُــــبــــاعُ بــــمــــالٍ ... بَـــــــلْ يــــعـــمُّ الـــقــلــوبَ بــالــمَـجّـانِ
ثُــــمَّ يــمـضـي الــصِّـبـا لــعـمـرٍ جــديـدٍ ... مــثـلـمـا لـــــم نُـــقِــمْ بــعـهـدِ الــلِّـبـانِ
صـــرتِ تُـخـفـينَ رائـــعَ الـشَّـعـر عـنِّـي ... بحجابٍ من الحرير اليماني
وأنا اخترتُ من عراقي عقالي ... و(شــمــاغــي) مـــطـــرَّزٌ (حـــورانــي)

ثم تلتفت بنا لغرض سامٍ آخر في القصيدة في هذا المقطع:
لا تــخــافـي عـــلــيَّ، إنِّـــــي شــهـيـدٌ ... لــــــم يَـــــذُقْ بـــعــدُ لـــــذَّةَ الأكـــفــانِ
لـــمْ يَــمُـتْ بَــعـدُ كـالَّـذيـنَ اسـتـراحـوا ... مــــن صــراخــي الــمُـحَـرِّضِ الــطَّـنّـانِ
بَــيْـدَ أَنِّــي مــا زلــتُ أُعـلـي نـشـيدي ... مُــفــعَــمًــا بــالــصَّــهـيـلِ والــعُــنــفُـوانِ
وأُغَـــنِّــي، ولـــســتُ أخـــجَــلُ أَنِّـــــي ... مُـــبــدِعٌ فـــــي مــكـيـدتـي لــلأغـانـي
بُــحَّـةُ الــصَّـوتِ لـــم تــكُـن فيَّ عَـيْـبًا ... هــي روحــي الَّـتي شـدَت أشـجاني
أطــرَبَــت نـغـمـتـي الــنُّـفـوسَ ولــكــن ... صـــدَّعَــت جُـــــلَّ صـــامــت الــجــدران
داعـــبَــتْ كـالـنَّـسـيـمِ قـــلــبَ يــتــيـمٍ ... وانـــــبــــرَت لـــلــطُّــغــاةِ كـــالــبــركــانِ
في يــــــديَّ الـــحــروفُ أســـــرابُ نـــجــمٍ ... دائـــــــرٍ بــالــضِّــيـاءِ فـــــــي الأكــــــوانِ
تتخطّى شغــاف ليلى ولبنى ... وتجاوزتُ ما هذى (القيْســانِ)
وإذا جَــــدَّ للملاحم جِدٌّ ... دبَّ فيَّ الإيحاءُ من (حسّـــــــانِ)
صحتُ بالماءِ أن يكونَ لهيبًا ... في شراعِ المُغامـــــــــــــر القُرصــــــانِ
كلُّ بحرٍ لـــــهُ ارتفاعٌ ومدٌّ ... ولبحري إذا علا مـــدّانِ

ما قاله "ريلكه" هو الأقرب للصواب ولقد أنصف القصائد المطولة إلى حد كبير، وأُضيف لذلك قدرة الشاعر اللغوية التي ينبغي أن تكون على أعلى مستوى، وكما أسلفنا ملكته الشعرية ومدى قوتها.
في قصيدة "بنت قومي" استهللتُ بالنَّسيب ولم أكُ مقلِّدًا لمجرد التقليد، لكن الشعر يفرض نفسه إضافة لرغبتي في جذب القارئ الذي يحب الغزل والوجدانيات، لكن لا يمكن تسمية القصيدة بالغزلية.
كل ما أكتبه من غزل (وليس فقط ما أنشره) هو عفيف مترفِّع عن الوصف المجّ والإفصاح الفجّ والتحرش السَّمج. وأرى أن الشعر لم يوجد ليكون واسطةً للافتراس والخدش والتجريح وإنما وجد ليبثَّ رسائل إنسانية متعددة إحداها وصف الجمال بما يليق به من جمال.
وهكذا حصل في "بنت قومي"، فمئات الأبيات من الغزل كانت منضبطة كسابقاتها، بل وكان التغزُّل بالعفَّة والوفاء حاضرًا وبارزًا ولذلك لست خجلًا من أن يسمعه من أحبهم ويحبونني وأحترمهم ويحترمونني.

***
28. أواره مداد القلب
35. أعرف بأن بحر مدادك لن تنفد كلماته، وشهدت مؤخرًا كتابتك لمعلقة من 333 بيتًا؛ لكن لو تغيّب عندك الدفق الشعري هل ستجد ضالتك مع الألوان لترسم مشاعرك بالفرشاة بدلًا عن الكتابة بالقلم؟

ستكون لنا وقفة مع القصيدة الطويلة التي ذكرتِ وسوف نهدي قراءك الراقين شيئًا نرجو ان يروق لهم في حينه.
أحكم على نفسي قائلًا: لست موهوبًا بالرسم فحدود رسماتي هي النخلة والبيت الريفي والنهر والبطة والمئذنة، لكني رسمت أشكالًا (شعرية) رمزية في بدايات شبابي كان عمادها رسم العين والهلال والنجمة ونوتات موسيقية عشوائية (فأنا لا أعرف شيئًا عن النوتة الموسيقية).
وبالرغم من ذلك فأنا أحترم الفنانين المجيدين وأتذوق نتاجاتهم الإبداعية وأعطي رأيي (حين يُطلب) كمتذوق لا يقحم نفسه في ما لا يفهم ولكل فن أهله سواء كانوا مبدعين أو فنانين.
إن فن الرسم عالم كبير مارسه الإنسان منذ بدايات وجوده وهو فن يسحرني على جدران الأهرام وفي آثار بابل وأكد كما سحرني في روما والفاتيكان.
في ديواني الذي سيصدر قريبًا (وهو موضوع سؤالكم أعلاه) وظفت لوحات فنان عراقي قدير وصاحب موقف هو المبدع (أوميد عباس) وهو الذي رسم مئات اللوحات حول الوضع البائس في عراق اليوم.
وختامًا أقول إني أتمنى لو تعلمت الرسم ومع ذلك فعزائي هو أني أرسم بالكلمات ما لا أجيد رسمه بالفرشاة.

***
36. ما عمر مرحلتك الشعرية، وكم من الدرسات النقدية التي قيلت في شعرك؟
أنت هنا تكشفين سر سنّي وسأجاريك في ذلك راضيًا، فعمري الشعري شارف على الخمسين عامًا بحلوها ومرها. خمس عقود تجولت فيها بين الدول وبين مدن عراقي العظيم وكان لي في كل مكان أزوره بصمة شعرية (عدا ألمانيا والفاتيكان اللتين لم أكتب فيهما ولهما شيئًا).
الدراسات في عصر الإنترنت نوعان أولهما ما يرد في المنتديات ثم وسائل التواصل الاجتماعي من ردود فيها الكثير من النقد وحصلت فيها على هذا الكثير النافع بالرغم من اختصاره.
النوع الثاني هو الدراسات الكلاسيكية المطولة وهي نوعان أيضًا: الأول تناول الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) لشعري وهذه كانت ستحصل مرات عديدة، لكن الدارين اصطدموا برفض الجامعات – ومن ورائها أجهزة مخابرات بلدانها – لأن يكون شعري موضوع دراسة، والقارئ الحصيف يفهم السبب وراء ذلك.
أما النوع الثاني من الدراسات فهو مقبول عددًا ومبعث مسرة لي نوعًا. أهم تلك الدراسات كانت للدكتورة مشاعل العبد الله من الكويت والبروفيسوران عبد الحق الهواس من سوريا وأدهم الشبيب من العراق والدكتور الشاعر القدير أحمد شلبي من مصر والدكتور خليل إبراهيم مضحي الكبيسي من العراق والشاعر القدير حارث الأزدي من العراق.
ونعود دومًا للديوان الجديد الذي يتضمن قصيدة واحدة هي (بنت قومي) والذي يعكف على دراسته الآن عدد من النقاد الأفاضل.

***
37.أغلب الشعراء تتأثر تجربتهم الشعرية بشعراء الكلاسيك أو بالفكر المعرفي المعاصر أو ببعض أفكار الفلاسفة .. الشاعر مكي النزال بمَ تأثرت تجربته الشعرية؟

يتأثر الشاعر بكل ما يحيطه من مخلوقات وأفكار وأحداث؛ ولا أجد نفسي منحازًا للون أو فكر أو فلسفة بعينها. لا بد أني تأثرت بكل هذا وأكثر حتى نضجت تجربتي وصارت لي لغة خاصة بي وكذلك فكر هو لي وفلسفة لا يشاركني فيها أحد.
ربما أكثر ما تأثرت به من الشعر هو ذلك المغنى بصوت أم كلثوم ونجاة الصغيرة وفريد الأطرش ومحمد القبانجي وناظم الغزالي؛ فامتزاج الشعر بالموسيقا بالصوت البشري يصنع حالة من التأثير ذات ثلاثة عوامل كل منها قوي فكيف إذا امتزجت؟
كذلك أحببت ما درست من شعر في المدرسة (وهو قليل لأني درست في الفرع العلمي) وأذكر منه قول بشار بن برد:
يا لَيلَتي تَزدادُ نُكرا
مِن حُبِّ مَن أَحبَبتُ بِكرا
حَوراءُ إِن نَظَرَت إِلَيكَ سَقَت
كَ سَقَتكَ بِالعَينَينِ خَمرا
وَكَأَنَّ رَجعَ حَديثِها
قِطَعُ الرِياضِ كُسينَ زَهرا
وَكَأَنَّ تَحتَ لِسانِها
هاروتَ يَنفُثُ فيهِ سِحرا
وَتَخالُ ما جَمَعَت عَلَي
هِ ثِيابَها ذَهَباً وَعِطرا
وَكَأَنَّها بَردُ الشَرا
بِ صَفا وَوافَقَ مِنكَ فِطرا
جِنِّيَّةٌ إِنسِيَّةٌ
أَو بَينَ ذاكَ أَجَلُّ أَمرا
وَكَفاكَ أَنّي لَم أُحِط
بِشَكاةِ مَن أَحبَبتُ خُبرا
إِلّا مَقالَةَ زائِرٍ
نَثَرَت لِيَ الأَحزانَ نَثرا
مُتَخَشِّعاً تَحتَ الهَوى
عَشراً وَتَحتَ المَوتِ عَشرا
تُنسي الغَوِيَّ مَعادَهُ
وَتَكونُ لِلحُكَماءِ ذِكرا
ومن المؤكد أني أحببت شعر عنترة وأبي تمام والمتنبي وامرئ القيس وطرفة ابن العبد، ومن المعاصرين بدر شاكر السياب وعبد الرزاق عبد الواحد والبردوني؛ ومن الجيل الذي يليهم عدد لا بأس به من الشعراء وقليل من الشواعر وقاطعت بعض قصائدهم متفاعلًا معها ومحبًّا لها.
التأثر الإيجابي هو أن يقدح الشعر الجيد شرارة في داخل الشاعر تكون مختلفة وربما بعيدة كل البعد عمّا قرأ أو سمع، لكنها فتحت بوابة ما من بوابات الإبداع. أما السلبي (وهو الغالب على مر العصور) فهو أنَّ من يدّعي الشعر يقتبس اشعار غيره مع تغيير هنا وتشويه هناك كيلا تبدو خزعبلاته شبيهة بالأصل فينكشف عنه غطاء السرقة!

***
29. التقنيات التوظيفية ونسبة التدوير
أبرز التقنيات التوظيفية التي أثرت في طول القصيدة وقيمتها، كالتقنيات الإيقاعية، وتقنيات الحيل السردية، والتقنيات الرؤيوية، والتقنيات السينمائية، وتقنيات التناص، وتقنيات التشكيل البصري والتجريب.

38. هل وظفت التقنيات أعلاه في قصيدتك الطويلة ؛ وهل بدا الخطاب الشعري فيها ذا طابع يتصف بالمباشرة، أم تحول إلى خطاب نقد شعري انصب في نقد المحاور الاجتماعية والسياسية والتقاليد، على أمل أن يكون خطاب بعث وتجديد فكري يوازي البعث والتجديد الذي تحتاجه الأمة في نواحيها كافة؟ .

بدأت القصيدة لها؛ الأنثى التي استهلَّ بها ولها الأولون قصائدهم وكانت عندهم مسمّاة معلومة وعندي مجهولة الاسم معروفة الهوية.
"بنت قومي" التي قد تكون بنت بيتي أو حيّي أو مدينتي أو قبيلتي أو وطني أو أمتي!
استهلال حميد جاذب للقارئ والمتلقّي مرطِّب للأجواء معطِّرٌ للمشاعر مقاربٌ للأحاسيس ممهِّدٌ للأغراض.
لا أُسمي الشعر نقدًا أو شرحًا فالشعر لغة فيها كل شيء، سيما وأن القصيدة من أطول القصائد في التاريخ.
كتبت هنا كثيرًا وشطبت ما كتبت لأني وجدت نفسي وقد اندفعت بما يشبه التفاخر!
"ثلاثمئة وثلاثة وثلاثون بيتًا من الشعر في قصيدة جديدة، (أَسمِها ملحمة أو معلَّقة أو ما تشاء)، قد تُرضي المتلقي أو تثير استغرابه، لكنها بكل تأكيد ظاهرة تستحق الاطلاع إن لم نقل الاهتمام بل والاحتفال"
هكذا قال ذوّاقة الشعر الصديق حسن شملي من لبنان مشاركًا في مقدمة الكتاب وقال الأستاذ الدكتور الشاعر والناقد عيد الحق الهواس والأستاذ الدكتور أدهم الشبيب فيها الكثير وهما يعدّان دراستين موسعتين عنها.
عدد (الخبراء) الذين قرأوا القصيدة محدود وهم بين ناقد وشاعر ومتلقّي وقرأت جزءً منها في لقاء متلفز على قناة الرافدين.

من منهجية الخليل : "كل وزن يخرج على محكم ساعة البحور فهو مخالف للذائقة العربية في هيئتها السوية كما صورها الخليل"
قرأت عن البيت المدوّر هو البيت الذي اشترك شطراه في كلمة واحدة أولها في نهاية الصدر وآخرها في بداية العجز..

***
39.عدد أبيات قصيدتك الطويلة 333 بيتًا ، فكم من أبياتها مدورة وكم نسبتها، أم أن نسبة التدوير في الأبيات هو متضمن في النص؟.

عدد الأبيات المدورة هو صفر لأني لم أجد ضرورة للتدوير مع أن معظم الشعراء المجيدين دوَّروا كثيرًا في الخفيف حتى كان أكثر بحر يرد فيه التدوير.
لقد جاءت القصيدة منسابة كما ستجدونها دونما حاجة للتدوير مع أن العديد من الإحصائيات التي قام بها باحثون مختصون تشير إلى أن أكثر بحر استخدامًا للتدوير منذ الشعر الجاهلي هو بحر الخفيف!
وأختم جوابي بكلام سيد الخبراء في العروض وهو الأستاذ الدكتور عمر خلوف الذي قال:
ما دامت القصيدة تسير وفق مرادك دون تدوير فلا أظن عدمه مثلبة؛ إنما طبيعة هذا البحر هي التي أعطت التدوير فيه قبولًا لدى الشعراء. وما أظن أحدهم تقصده لأنّه ميزة، ولا تقصد عدم إيراده لأنه مثلبة.

***
30. بنت قومي معلقة العصر
ديوان شعر يتكون من قصيدة واحدة عدد أبياتها 333 (على بحر الخفيف) اختلف النقاد في تسميتها فمنهم من قال معلقة وملحمة وآخر قال هي بانوراما وشاعر أسماها طرديَّة. ستتنقل بك القصيدة بين عوالم الدهشة وتطوف بك بين البلدان والأماكن والأزمان في التفاتات متعاقبة وكأنك تجلس لتقرأ في أماكن وأزمنة متعددة وعن مواضيع ملوّنة وتحلِّق في أفضية متباينة. هي أول قصيدة يشهد لها نقاد من العراق وسوريا ولبنان ومصر قبل أن تُنشر، فلقد تلقفوا البشرى من الشاعر ساعة اكتمال ولادتها فأطلقوا عليها التسميات وتناولوها بالدراسات التي ستصدر هي الأخرى قريبًا. في القصيدة سحر بابل وحكمة لقمان وبغداد في عنفوان عزِّها؛ والغزل العفيف؛ والحنين للوطن والوقوف بوجه احتلاله؛ والإيمان بالله والسعي لملاقاته شهيدًا؛ والفروسية والعودة للجذور في غرب العراق حيث النواعير والعديد من الأغراض في عشرات الصور الجديدة التي تسجَّل للشاعر والتي لم يسبقها إليه أحد. في هذا المقطع القصير يجد المتلقي بعض ضالته ليتبن موقف الشاعر المبدئي من الاحتلال الأجنبي لبلاده وبلغة شعرية ينفرد بها الشاعر فهي لغته وبصمته:

أطرَبَت نغمتي النُّفوسَ ولكن = صدَّعَت جُلَّ صامت الجدران
داعبَتْ كالنَّسيمِ قلبَ يتيمٍ = وانبرَت للطُّغاةِ كالبركانِ
ولديَّ الحروفُ أسرابُ نجمٍ = دائرٍ بالضِّياءِ في الأكوانِ
كان ذنبي الوقوفُ في وجه ريحٍ = قلعَت نخلَ سيِّدِ الأوطانِ
لم أَقُل للطُّغاةِ: إنِّي بريءٌ = بل جريءٌ، مُقارفُ الذَّنبِ، جانِ
كنتُ أأبى الخضوعَ بين يديْهِم = سائلًا للحُنُوِّ والغُفرانِ
لم أكن قَطُّ خائفًا أو جزوعًا = وعدوِّي لم يستطع إيهاني
ورأيتُ السَّماءَ تدنو وتحنو = تتخطّى بدفئها سجّاني
تتحدّى السِّياطَ وهي شواظٌ = وتُلين الحديد في القضبانِ

وفي مقطع آخر يتحدث عن شعره وصداه وماهيته ومناهله:
ألهميني اختلافَ تصوير فنِّي = وجديدًا من باهر الألوانِ
واسمَعيني إذا شدوتُ قصيدًا = حفِظَتهُ مواكبُ الرُّكبانِ
و(ببغدادَ) حيثُ تسكنُ روحي = ردَّدَتهُ جموعُ إنسٍ وجانِ
يتغنّى بهِ مُريدُ (جُنيدٍ) = يتلوّى كالعاشق الولهانِ
ويُغالي بصدحهِ ذو جنونٍ = يتمشّى معْ والهٍ سكرانِ
عندَ (خضر الياس) يوقَدُ شمعًا = حيثُ يُمسي خرافةَ النُّسوانِ
يتعدّى إلى الرُّصافةِ كرخًا = ويُغنّى بمسرح (المرجانِ)
من فُحولِ (المَقامِ) يُسمَعُ رهوًا = يتعدّى مساحةَ (الصِّيوان)
يُسمِعُ القانتينَ في جَوفِ ليلٍ = ويُشيعُ الذُهولَ في الغيلانِ
(موصلي) تصطفيه مرسالَ حُبٍّ = لقلوب الثُّوّار في (ميسانِ)
حامِلًا للشَّمال راية سلمٍ = حافلًا في الجنوب بالأعوانِ
في ربوعِ (الأنبار) يُفدى ويُهدى = لبنات الخُدورِ والأكنانِ
وب(ذي قارَ) يرفعُ الصَّوتَ فخرًا = بانتصار الرِّجالِ من (شَيْبانِ)
ويُواسي في الشّامِ طفلًا يتيمًا = ويُناجي أصيلةً في (عُمانِ)
يتغنّى بإرثِ مَن هزّ(َروما) = وأهانَ العُروشَ في (ساسانِ)
هجر الشَّرق راغمًا قيصريٌّ = وبكى الفارسيُّ في الإيوانِ
وأشاع الضِّياءَ شرقًا وغربًا = في ديار (اليابان) و(الإسبانِ)
مَن لهُ المغربُ النَّضيرُ مقرٌّ = وهْوَ نورٌ (لمِصرَ) و(السُّودانِ)
إنَّ ما بُحتُ مِن مكامنِ سحرٍ = نقلتهُ الآفاقُ مِن (عَمّانِ)
وبفلُّوجتي الَّتي علَّمَتْني = هو شدوُ الأحباب والخِلّانِ

لن نفسد عليكم متعة الاستكشاف في أعماق قصيدة هي كالبحر الذي يظهر الجمال على وجهه بينما تخبئ أعماقه الجوهر الثمين وشعب المرجان؛ ونترككم مع معلقة وبانوراما وطردية وملحمة عصرها التي يصرّ الشاعر على إلغاء تسمياتنا ويسميها بتجرُّد: (قصيدة بنتُ قَومي).

الأستاذ الدكتور الناقد أدهم الشبيب/العراق
الأستاذ الدكتور الناقد والشاعر عبد الحق الهواس/سوريا
الأستاذ الشاعر حارث الأزدي/العراق
صاحب الذائقة الشعرية الرفيعة الأستاذ حسن شملي/لبنان




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,074,277,216
- التقنيات التوظيفية ونسبة التدوير- ثورة التجديد الشعري- مع ال ...
- نمط القصيدة - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي مكي الن ...
- بحور الشعر - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي مكي النز ...
- التحليق في أفضية الخيال - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر وال ...
- تعويذة شفق- من شوارد منقوعة على عزف منفرد
- دهشة السطوة الشافية في لغة الشاعر- ثورة التجديد الشعري- مع ا ...
- فتنة الحرف في ساعة خدر، توق، جذوة، أم ساعة رحيل - ثورة التجد ...
- شهقات على قارعة القلب
- الحبيبة المتخيلة واقع أم افتراض- ثورة التجديد الشعري- مع الش ...
- حكايا يتوضأ سحرها عند ناصية صانع الساعات الأعمى
- من شوارد منقوعة على عزف منفرد – ج2
- شوارد منقوعة على عزف منفرد
- مستوطنة الأحلام وسرية الأوهام والأرقام - ثورة التجديد الشعري ...
- شبح المستقبل - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي مكي ال ...
- مبدأ الحوار المعرفي - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي ...
- عقلنة الكتابة - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي مكي ا ...
- نرجسية الشعراء - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي مكي ...
- الطغاة الجدد في حكومة الإسلام السياسي - ثورة التجديد الشعري- ...
- ثورة تشرين والعنف السياسي - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر و ...
- أواره مداد القلب - ثورة التجديد الشعري- مع الشاعر والصحفي مك ...


المزيد.....




- -مودرنا- تتقدم اليوم بطلب للحصول على تصريح للقاح كورونا من إ ...
- إصابات كورونا تتجاوز المليون الحالة في دول الخليج
- كيف يمكن أن ترد إيران على اغتيال العالم النووي فخري زاده؟
- الصحة الفلسطينية تكرم وفد الأطباء الروس
- الوباء والواردات تهدد سوق السراجين بالاندثار
- المشتري وزحل يشكلان ما يسمى -كوكبا مزدوجا- في السماء لأول مر ...
- هزة أرضية شعر بها سكان عدد من المناطق في سوريا
- إيران تتهم إسرائيل و"مجاهدي خلق" بالضلوع في اغتيال ...
- "الجائحة" كلمة العام 2020 بحسب قاموس ميريام ويبستر ...
- من هو العالم النووي الإيراني المغتال محسن فخري زاده؟


المزيد.....

- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - فاطمة الفلاحي - ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ثورة التجديد الشعري– في بؤرة ضوء