أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد الساعدي - التآلف اللغوي في بناء النص حسب نظرية التحليل والارتقاء















المزيد.....


التآلف اللغوي في بناء النص حسب نظرية التحليل والارتقاء


سعد الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 6721 - 2020 / 11 / 2 - 03:47
المحور: الادب والفن
    


المُستَخلص: في هذه الورقة البحثية يحاول الباحث تحديد بعض العناصر المهمة في النص كمُحدِّدات توافقية توضح كيفية وجود نصٍّ تتآلف لغته وتتسق بانسجام تام كما تراها نظريته النقدية الجديدة المسماة: نظرية التحليل والارتقاء، مدرسة النقد التجديدية وذلك من خلال لغة النص التي جاء بها، المعاني المتدفقة منه، وما يخرج من صور جمالية يشكلها النص ويضعها أمام المتلقي عبر الجو العام للغة الاتصالية اضافة للاستعانة ببعض آراء العلماء والباحثين. ثمَّ يضع الباحث تصوُّر تعريفي للنص، و كيف يمكن للناقد تحديد معالم التآلُف والانسجام النصي، وأنَّ النص هو عبارة عن لغة ابداعية مكتملة البناء والمعنى، جاءت من مبدع خلال فكرة متأثرة بحدث خاص أو عام، نابعة من هواجس نفسية، والطريقة التي يكون فيها للناقد الدور الفعال في كشف النص من جميع جوانبه كحقيقة قابلة للبحث والتحليل.

الترابط والتشكيل التآلفي للنص :
ترى نظرية التحليل والارتقاء أنَّ الفكرة أسبق من الكتابة، واللغة أسبق من الدلالة، والدلالة الجزئية تتشكل من اتساق عام يعطي المعنى الكلي على اعتبار تحليل مضمون الرسالة الاتصالية لدلالة كلية ماهيتها جوهر النص حين تحليله وليس حصيلة ناتجة عن لغات وثقافات أخرى كما يرى رولان بارت: " أن النص عملية إنتاجية تتشكل من أصداء اللغات والثقافات الأخرى، وأنه نسيج توليدي تتدخل فيه الذات المبدعة". ١
بينما نرى أنَّ الذات المبدعة هي الفاعل الأول، والمحرك التوليدي الاساس بامتلاك الموهبة وقدرة البعث والاشتقاق، وتشكيل ألوان الابداع بوجود المؤثرات أو لا، اضافة لخلق بؤر نصية جانبية أو عامة كجزء متمم لفكرة الموضوع من خلال لغة النص؛ تساعد بإحالة المتلقي لجوانب عديدة في النص، أهم من يقف عندها هو الناقد، وربما يكون هو الأفضل بتحديد المسار الحقيقي لدلالة النص.
هناك بعض القواعد العامة للنص وضعها درسلر وبوجراند كمعايير سبعة للروابط النصية بها يتحقق النص وهي:
"الربط النحوي: ويُعنى بربط مكونات النص السطحي، ثم التماسك الدلالي: وهي الوظائف التي تتشكل من خلالها مكونات عالَم النص. والقصدية: هدف النص، المقبولية: وتتعلق بدور المتلقي وقبوله بترابط النص، الإخبارية: أي توقع المعلومات الواردة فيه أو عدم توقعها، الموقفية: وتتعلق بمناسبة النص للموقف، والتناص: أي تبعية النص لنصوص أخرى أو تداخله معها ولا يشترطان توفر كافة العناصر في كل نص" ٢
في حين ترى نظرية التحليل والارتقاء أنَّ عنصرين مهمين غفلتها أغلب المناهج النقدية عن النص كمعيار مهم من معاييره وهما:
فلسفة النص: التي تعني الفكرة الأصلية التي يتبناها الناصّ، وطرح قضية تصوُّرية نابعة من ذات النّاص للعلن، وبمعنى أدق: هي فلسفة النّاص الشخصية في الحياة، والتي منها تتحدد مفاهيمه ومقاصده ودوافع كتابته.
أمّا المعيار الثاني فهو سيكولوجية النص: الذي يحدد الحالة الشعورية للكاتب عبر إدراكه واحساسه بما موجود كحالة انعكاسية لما يعانيه ويعيشه هو والمجتمع الذي ينتمي اليه، أي ولادة حالة انبعاث جديدة متأثرة بدوافع كثيرة، وارهاصات أضْفَت صبغتها على النص.
في أحيان كثيرة نجد أنَّ الناقد يفسر ويحلل النص حسب مشتهاه وخلفيته الثقافية أو الفكرية، أو المنهج الذي يتبناه ويهواه متغافلاً ما جاء به النص حقيقة عند محاولة الاشتغال نقدياً. هذا المنهج كتقويم، لا يصل بوضوح للمعنى المقصود وما ينشده الناص بشكل عام، أو الفاعل المُنتِج بشكل خاص. فلكل عمل مقصد، معنى، وغاية أرادها صانعها، وحين إغفالها سيغفل الناقد عن أشياء مهمة، ويُحرَم الكاتب والمتلقي من أشياء مهمة أخرى، حيث سبق وتطرقنا لذلك في بحث سابق، وقلنا أنَّ الكاتب يُحرَم من حق أصيل في تجاهل المجهود، وكيفية تعكير صفو الرسالة الاتصالية التي انشأها لمّا يتغافل الناقد ذلك العمل حسب هواه، مبتعداً كثيراً عن النص حينما يفسّره بالكلمة ومعناها اللغوي، وليس تفسير المعنى المقصود من هذه الرسالة أو تلك، والوقوف عند مضمونها، أو مجموعة مضامينها.
هنا يجب الالتفات الى ضرورة التفريق بين المعنى والفكرة: " فالاسم له معنى، الفعل له معنى، الحرف له معانٍ، الجملة لها معنى، ولكن تتظافر وتتّحد البنى الأساسية في اللغة من فعل، اسم، حرف، وأية تقاسيم أخرى للشكل اللغوي، لتنسج النص اللغوي الذي يتكون في الأصل من اللفظة المفردة التي قد تشكل جملة مثل (إحفظوه)، ومجموع المفردات تتعالق على شكل جملة مترابطة أجزاؤها في تركيب نَحَوِي دلالي، وترتبط بدورها مع جمل أخرى، ويشعر القارئ وهو يقرأ أنَّ الجمل يقود بعضها إلى بعض، وتترابط بأدوات لغوية تعمل على تماسك أولها بآخرها وتستمر الجمل في التوالد ".٣
من بعد ذلك اجمالاً يجب تشكيل صورة المعنى بالألوان التي بين يديه، ليتيح إشعال مدركات المتلقي، أي بمعنى جعل أدراك المتلقي فاعلاً بالشكل الصحيح لما يرى من صورة واحدة هي المعنى العام، وليس صوراً متعددة مختلفة لمعانٍ متشتتة، كما سيجد الناقد حين يبحث في مرتكز الجمال الحقيقي وليس المُتَخَيَّل.
ما ينبغي معرفته؛ أنَّ الفكرة كونها مُخطط العمل الأول تأتي حين "ينبري العقل البشري لِترتيب الفكرة يوضحها ويبسطها ويستخدم الأدلة والبراهين والأفكار الجزئية على شكل مقاطع تخدم الفكرة الأساسية بقوالب لغوية مختلفة، تعتمد في جودة سبكها على مقدرة ابن اللغة (المُنتِج) وتمكُّنِه من أساليب لغته، فنجد النص البليغ بدرجاته وحسب الشريحة التي يريد مخاطبتها، واللغة العربية من المرونة بمكان، إذ يمكن استعمال المستوى البسيط في إطار فصاحة اللغة إلى أعلى مستوى في مخاطبة المثقفين." ٤
من تحصيل المعنى العام تتولد "العلاقة بين العبارات من جهة، وبين الاشياء والمواقف في العالم الخارجي"٥ عبر بُنى نصية صغيرة (فعل، اسم، وحرف) تتعالق وتتّسق بانسجام متقن مع بعضها لإنتاج نص متكامل تام المعنى، أو العكس اذا جاء النص مشتت البنى، مُبتعد كلياً عن الأسلوبية الفهمية، مع أنه يحمل تمامية القواعدية النحوية واجبة البناء، كما يرى تشومسكي نعوم فيقول: "أن نظام القواعد مستقل عن المعنى" اضافة الى أنه: " يقوم بتوليد جميع جُمَل لغة معينة، ولا يولِّد جُمَلاً لا وجود لها في تلك اللغة" ٦ وبنى تشومسكي نظريته في النحو على أساس الشكل دون الدلالة، في حين ترى نظريتنا "التحليل والارتقاء" ما يخالف ذلك في أنَّ أي جزء من النص يحمل دلالة معينة، وبمجموع تلك الدلالات استناداً للغة يتشكل المعنى لأنَّ: "المعنى الجوهري في كل جملة، هو السبب المُولِّد لدلالات أخرى وجمل عديدة ترتبط بالمعنى الجوهري بخواص تجميعية، وأنها سبب في دفع معانٍ جديدة من الأعماق إلى السطح" .٧
ويرى الجرجاني أيضاً وهو يتناول المعنى صورة جديدة فيقول: "وأنت إذا أردت الحقَّ لا تطلب اللفظ بحال، وإنما تطلب المعنى، وإذا ظفرتَ بالمعنى فاللفظ أمامك وإزاء ناظرك" .٨
ويرى البحيري هنا جملة مهمة في تحديد ماهيّة المعنى من: " أنَّ اللفظة يتحدد معناها الدقيق في سياق الجملة أو النص من الارتباط بفكرة النص الأساسية (الدلالة الجامعة)، وليس من الضروري أن تسهم البنية السطحية في إبراز العلاقات بين أجزاء النص، ولكن فهم البنية العميقة للنص تمكن من التعرف على كل عناصر الربط" .
من ذلك يكون الفهم العام للمعنى منبثقاً من الجوهر، لا من الظاهر الشكلي، اضافة الى دلالته الكليلة التحليلية من السياق المنسجم دلاليّاً لأنَّ: "مدار البنية العميقة التي تحفظ للنص ترابطه هي الدلالة الجامعة، وقد يبدو النص في ظاهره مشتتاً، ولكن النظرة فيه بعمق دلالي تكشف الترابط فيه، إلاّ أنَّ النص الذي يتكون من موضوعات نصية متعددة يجب أن تتوفر له روابط اتساق لغوية"؛ فيها ومنها يتحدد المعنى.
وترى نظرية التحليل والارتقاء أيضاً أن دلالات النص ومعانيه لا تنبثق من الداخل فقط دون رجعة كما تشير لذلك بعض المناهج النقدية، إنما تعود اليه وفق شكل العلاقات العام لأنَّ: " النص لا يقتصر على العلاقات الداخلية، بل يمتد ليضمَّ المعاني الخارجية، فربما يضمُّ النص مجموعة أو مجموعتين أو أكثر من المعاني الإضافية أو الإشارية أو الإحالية أو التداولية وغيرها.٩

تشكيل التآلف الجمالي:
ذكرنا سابقاً أنَّ مع اللغة التي كُتب بها النص، والمعنى العام الذي غلَّف بناءه؛ تبقى الصور الكلية من مجموعة أجزاء متجمعة؛ على الناقد إما جمعها كليّة بهيكل واحد، أو تفصيلها بشكل جديد يضفي على النص جماليته التامة، وهذا الذي يمكن تسميته التشكيل الجمالي أو مرتكز الجمال في النص طالما توجَّه اليه الناقد كنصٍّ ابداعي اختاره ووقف عنده.
لم تعد اليوم النظرة لجمالية النص – عبر صورها المتعددة- وحدها الكاشف الحقيقي في التحليل كما هو العهد سابقاً حين كان ينظر للجمال بأنه العامل المهم الاساسي في بناء التشكيل النصي، وعلى ضوء ذلك يُدْرَس النص أو أي عمل مُنتَج، ومن هناك استخراج بواطن خفية يعدّها النقاد أنها الجوهر التام لما جاء به مُنشِئ العمل؛ بل أصبح الجمال أحد أطراف العملية النقدية استناداً للغة مُختارة وفق سياقات وانساق بانسجام تام تحمل سيميائية غزيرة المعاني تتحد جميعها بإعطاء صورة واضحة نقدية يشتغل عليها الناقد التجديدي عبر تطويق النتاج بأطر مُعَدَّة ومُحدَّدَة مسبقاً لفهم فلسفة العمل والسيكولوجية الكائنة من أجل توليد ابستمولوجيا عامة تظهر إما بالتدريج، أو كتدفق يتصاعد ويكتمل بكتلة تعريفية كاشفة حقيقة العمل ودوافع انبعاثه؛ يتمكن بها المتلقي الجديد "القارئ، السامع، أو المشاهد" وليس المتلقي الأول "الناقد" من الوقوف بصورة جلية على تلك الحقيقة والانبهار بها طالما حمل ذلك النتاج صفة الابداع.
إنَّ مساحة النص الجمالية بظهورها العام بعنصري اللغة ودلالة الاشارة اللاحقة تعطي توسعة في الدلالة تقبل التأويل والتعدد الفهمي، لأنها تضيف للنص الوضوح الحقيقي الذي بدوره يطلق العنان لإدراك وتصوُّر الصور الجمالية بالمجمل.
ينطبق ذلك على أي عمل آخر غير المكتوب أيضاً، أما لو ضاقت مساحة الصورة، سواء المُتَخيَّلَة أو الواقعية أمام العيان، فإنها تؤدي الى زيادة التشويش والتشظي في حال عدم فهم المتلقي لما يريده المُنتِج، لاسيما في الدلالات الغامضة الخالية من مواقع الانسجام التناسقي بتفكُّك روابط الأجزاء مع بعضها؛ فمثلاً عند النظر الى لوحة تشكيلية خلفيتها جميعها بيضاء يخترقها خط متعدد الألوان فقط من الأعلى الى الأسفل؛ هنا يكون الناظر أمام حالتين: إما يفسرها حسبما يشاء، أو تنعدم لديه رؤية التفسير وتتيه مجالات التصور في مخيلته، وبذا يخرج العمل عن أداء وظيفته بتحريك عوامل الادراك والغاية المقصودة، لأنَّه أصبح خالي الدلالة عند ذاك الشخص أو غيره، في حين لو جاء ناقد وفسّر حسب ذوقه وقال مثلاً: إنَّ اللون الأبيض هو دلالة على النقاء، والخط الملون هو يوميات الحياة التي نعيشها؛ عندها وَجَد الناقد مسوغ التفسير والتحليل كما يصوره إيحاء اللوحة لديه، لكن أين سيكون الإشكال لو قال راسم اللوحة مثلاً أنه قصد باللون الأبيض كفن الميت، وقصد بالخط الملون المُتخلِّل اللوحة بأنه أعمال الانسان من حسنات وسيئات!
هنا يقع كسرٌ للتوقعات، وهو نفس الإشكال الذي يقع مع النص الخالي من دلالة عامة اذا جاء بعبارات متقطعة، وجمل غير مفهومة، رغم تمام بنائها القواعدي المنضبط، لكنها تفتقر للاتساق المتقن، لأنَّ المتلقي يصُعبُ عليه التقاط الاشارات المطلوبة في العمل والتي أرادها صانع العمل. هنا تكون الإحالية في تشكيل الصور الجمالية مشتتة أيضاً، وغالباً يكون ذلك حين تأتي طريقة الكتابة بقصدية ترميزية أثارها الكاتب لسبب ضروري يراه، وقد يضْعَف ذلك العمل بلا دراية من صاحبه طالما هناك لغة مبهمة هي مَنْ تُحيل المتلقي لمعرفة انفصام العلاقة بينها وبين الاشارة القادمة من مضمون الدلالة أو صراحتها لأنَّ اللغة هي من تجسد الفكرة، والدلالة تشير للعلاقة بينهما، وفي حال توافق العنصرين (اللغة والدلالة) سنرى خروجَ نصٍّ مترابط الاجزاء يُنتِج للمتلقي الصور الجمالية المطلوبة.
وينجح باعث العمل حين يجعل المتلقي يثق بأنَّ ما يراه أمامه يستحق التأمّل والوقوف عنده، لا يجب المرور عليه فقط، ومن ثَمَّ تغافله وتناسيه، لذك نجد أحياناً تكرار بعض الكلمات لخلقِ حالة تذكيرية كتوضيح دلالي أكثر، وتبنّي معرفة الصورة الجمالية العامة في ذلك الاشتغال. السؤال هنا: كيف ينجح المُنْتِجُ بذلك؟
ينجح اذا ابتعد عن تشكيل مُلابساتٍ تجرُّ وراءها خيبة أمل لدى المتلقي في عدم فهم القصد الحقيقي الذي أراده المُنتِج، ولكن أنَّى يَعرفُ ذلك وقد ألقى عمله وابتعد؟ ببساطة: حين يتقنُ المُنتِجُ أدوته الاشتغالية المُتأكِّد منها خلال اللغة المفهومة لا العبثية، بما تعطيه من معانٍ واسعة قابلة للتأمل والتحليل وتعدد القراءات، وخَلْق الصور الجمالية المتنوعة، وبذا سيكون واثقاً أنَّ ما طرحه سيلقى قبولاً حتى ولو بأقل النتائج وبلا خسائر، اضافة لوجود من يتصدى للنقد بشكل موضوعي. المقصود بالخسائر هنا بمعنى ابتعاد المتلقي عن العمل الذي وجده، أو تهميش النقد له وتكسيره من قِبَل ناقد ما، كلُّ وظيفته ازدراء ما يجد، إلاّ من يستهويهم هو فقط دون غيرهم!
هذا ما تحاول نظرية التحليل والارتقاء الوصول اليه ضمن منهج مرتكزات التحليل جميعها أو بأغلب فروعها التشخيصية التي لابد للناقد التجديدي معرفتها بالتفصيل كي يحقق هدفه وغايته النبيلة حين يخوض غمار تجربة جديدة مختلفة عن ما تعارف عليه السابقون.
كل ذلك من أجل عدم فشل رسالة الناقد الاتصالية، لأنها إنْ اشتغلت بعيداً عن الواقع؛ سيتحقق ذلك ولا تعطي الغرض المطلوب، ويمكن تسمية النقد بلا نقد أصلاً، ويختلط الابداع مع اللاابداع، وتحل فوضى اللغو بدلاً عن وجود جمال تبغيه اللغة المتشعبة بمعاني مفرداتها. بمعنى أكثر دقة وحيادية؛ وجود ناقد فاشل؛ لتتحقق المقولة القديمة على كل النقاد بأنهم كتاب فاشلون، وهذه كارثة تقع على رأس النقد والناقد الأصيل المبدع.
ويمكن اعطاء وصف مختصر للنص (أو أي عمل) يحمل الصورة المطلوبة التي يسعى اليها الكاتب بأنه: " اكتمال الدلالة الجامعة باستخدام الشكل اللغوي المناسب، ابتداء من الجملة النصية، على تخير من الألفاظ، إلى المقطع النصي، إلى الموضوع أو الموضوعات، ثم النص بتمام الفكرة."
خلاصة القول؛ إنَّ النص الخالي من لغة حية مؤثرة ابداعياً، غريبة المعنى، أو منها جاء نص غريب المعنى، لن يجد الناقد ما يستحق النقد، ولا يجب عليه اتعاب نفسه في البحث والتحليل من أجل إيصال رسالة خاوية للمتلقي في محاولة اقناعه، أو التأثير عليه بتبنّي نصٍّ معين. هنا تكون وظيفة الناقد ليست نقدية، بل وظيفة دعائية لا غير، ولا يرتجى منها خدمة الأدب ودعم مسيرة الثقافة الانسانية عموماً، لأنها خرجت عن سياق الأداء، وعن الحقيقة المطلوبة، وشرحنا ذلك بالتفصيل في بحوث عديدة توضِّح المهام المطلوبة كعمل موضوعي في أساسه.

الاستنتاج التحليلي:
ترى نظرية التحليل والارتقاء، مدرسة النقد التجديدية، أنَّ اتساق النص بشكل عام يختلف عن ما جاءت به المدرسة الانكليزية وما دعا اليه "هاليداي" بنظريته بتحليل الخطاب كحركة لغوية حداثوية تتسابق مع المدرسة اللغوية الامريكية بذلك من أن الاتساق هو التماسك النصي بترابط عناصره؛ بل نراه أنَّهُ ترابط شمولي متآلف في مرتكزات التحليل: اللغة، المعنى، والجمال.
وترى نظرية التحليل والارتقاء أيضاً أنَّ مجموعة من المنسِّقات "العناصر المحدِّدة" وحدها غير كافية بإعطاء المفهوم والتحليل التام للنص خلافاً لما مُتَعارف عليه الذي يقول عنه الخطابي بأنَّه: "الإحالات الى الضمائر، والاشارة، والحذف، والاستبدال، والوصل، والاتساق المعجمي" لأنَّ كل ذلك ليس بالمجمل ما يضفي على المفهوم صيغته النهائية التحليلية. بل هي مجموعة جزئيات تشكل نصّاً تُعرف قيمته ودلالات معانيه ومبانيه بجميع المساحة المشتركة بلا فجوات بين اللغة والمعنى والجمال؛ يحيط كل ذلك الجو الاتصالي العام حتى وإنْ كانت الرسائل مشفّرة بين المرسِل والمستقبِل القادر على فكِّ تلك التشفيرات، وربما لم يتطرق باحث لذلك من قبل بربط مفهوم الاتصال والاتساق والتآلف بكيفية تحليل النص.
هنا يبرز التخليق الابداعي بمداه الواسع المنسجم المتَّسق شكلاً ومضموناً، وهو ما يضفي صفة الابداع على العمل المُنبَعِث، وصفة المبدع على الباعث. بينما يرى البعض شكلاً مغايراً في توفُّر عناصر الاتساق التي أشار اليها الخطابي حيث أنَّ: " توفر عناصر الاتساق النصية تضعف التأويل في النص، وتقلل من دور المتلقي في تشكيل النص أو الخطاب مرة ثانية" .
وتحدد نظرية التحليل والارتقاء بدقة أكثر وضوحاً: إنَّ التآلُف اللغوي للنص (الانْبِعاث) وانسجامه من خلال ترابط مرتكزاته الثلاث يُكثِّف الدلالة، ويوسع مديات ادراك المتلقي (الناقد والمشاهد) اضافة الى امكانية دِقَّة الوصول للمغزى الحقيقي وهدف الانبعاث المُنتَج بوجود العنصر الاشاري المفرد أو المتكرر في ذلك الانبعاث، سواء جاء عن طريق النص، أو الحركة، أو التعدد اللوني وما شابَهَ ذلك من مُحدِّدات عناصر البناء.
ولو تبادر الى الذهن السؤال التالي: كيف يمكن للناقد تحديد معالم التآلُف والانسجام النصي؟
يمكن هنا الاستعانة بما قاله جون ماري سشيفر كإيضاح تعتمده النظرية فيه توسعة لتخطي الإشكال فيقول: "يضمن الانسجام التتابع والاندماج التدريجي للمعاني حول موضوع الكلام، وهذا يفترض قبولاً متبادلاً للمنظورات التي تحدد صورة عالَم النص المُصَمَّم بوصفه عالَماً عقلياً"١٠ ثم يضيف موضحاً التفسير بطريقة أكثر سهولة للمتلقي – الذي يعنينا الناقد- وهو يقف عند النص: "مفسِّرُ النص يدخل بتطبيقه استراتيجيات متباينة النظام الى المعلومات المأخوذة من النص، ويملأها بمعرفة قائمة من قبل" وبذا لا تبقى هناك معضلة أو إشكالية بحاجة لتحديد عناصر قد يشوبها التباين، ما تؤدي لتشتت المتلقي، والتشويش على الرسالة الاتصالية بشكلها العام.
اذن يمكن وصف النص بأنه: لغة ابداعية مكتملة البناء والمعنى، جاءت من مبدع خلال فكرة متأثرة بحدث خاص أو عام، نابعة من هواجس نفسية، لترسم صورة أو صوراً متعددة أمام المتلقي بألوان تنطلق للخارج من أجل المساهمة في بناء التواصل الانساني عبر مسيرة الزمن، يتسع لها المكان بلا فواصل وحدود.
أمّا في حال فقدان تلك الشروط لا يمكن اطلاق وصف عام على النص بأنه يحمل الابداع، لأن الباعث أو المُنتِج لم يعد يحمل هذه الصفة نتيجة عجزه عن الاتيان بكتلة تامة المعنى من لغة سليمة يتلقاها المتلقي الباحث عن الجمال اللغوي التصويري الحقيقي، وهنا يكون للناقد الدور الفعال في كشف النص من جميع جوانبه كحقيقة قابلة للبحث والتحليل الموضوعي ليعطيه حقه دون تقصير أو خللٍ كباحث منهجي يعتمد أصالة البحث وفق تقديم الحقائق.

المصادر:
1- سعيد حسن البحيري، علم لغة النص (المفاهيم والاتجاهات)، 1977، ط ،1مكتبة لبنان، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان
2- محمود الهواوشة، رسالة ماجستير بعنوان: أثر عناصر الاتساق في تماسك النص دراسة نصية من خلال سورة يوسف، جامعة مؤتة، 2008
3- رولان بارت، لذة النص، ترجمة منذر عياشي، ط ،1حلب، مركز الإنماء الحضاري، 1992
4- جون لاينز، اللغة والمعنى والسياق، 1987 ترجمة عباس صادق الوهاب، ط،1 دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد
5- فاطمة لحمادي، مفهوم التماسك النصي، مجلة اللغة والآداب، جامعة محمد خيضر، بسكرة، عدد 1 كانون
الثاني،2007
6- تشومسكي نعوم، البنى النحوية، ترجمة، يؤيل يوسف عزيز، ط 1مراجعة مجيد الماشطة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد
7- وليد محمد مراد، المسار الجديد في علم اللغة العام، 1986مطبعة الكواكب بدمشق
8- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، مكتبة القاهرة، دار الكتب العلمية، بيروت
9- جون ماري سشيفر، النص ضمن كتاب العلاماتية وعلم النص، ترجمة منذر عياشي، المركز العربي الثقافي، ط1، بيروت، لبنان، والدر البيضاء المغرب، 2004
10- محمد خطابي، لسانيات النص، مدخل الى انسجام الخطاب




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,228,153,841
- رواية حب عتيق تحصد المركز الثاني
- توظيف التساؤلات في تشكيل القصيدة التجديدية.. قراءة نقدية في ...
- حياة البائسين بين السوط، والجلاّد.. قراءة نقدية
- النص بين التهويل والتهميش، ودور الناقد
- شخصنة النقد الجدلي بين التجديدية والكلاسيكية موتٌ للإبداع أم ...
- اثر الفيسبوك في تنشيط الحركة الادبية
- هشيمٌ برذاذِ المرآيا..
- أهزوجةُ أوراقٍ قديمة
- قراءة في قصة شاعرة بعنوان ( بيان ) للدكتورة أحلام الحسن من ا ...
- مازالتِ الطرقاتُ تبحثُ عن حزن ..


المزيد.....




- نصوص مغايره .تونس: نص هكذا نسيت جثّتي.للشاعر رياض الشرايطى
- شظايا المصباح.. الأزمي يستقيل من رئاسة المجلس الوطني والأمان ...
- مهرجان برلين السينمائي الـ71 ينطلق الاثنين -أونلاين- بسبب كو ...
- نصوص مغايرة .تونس. هكذا نسيت جثّتي :الشاعر رياض الشرايطي
- لأسباب صحية.. الرميد يقدم استقالته من الحكومة
- رحيل الفنان الكويتي مشاري البلام.. أبرز أبناء جيله وصاحب الأ ...
- ماردين.. مدينة تركية تاريخية ذات جذور عربية عريقة
- بوريطة في لقاء عقيلة صالح: تعليمات ملكية لدعم حل الأزمة اللي ...
- شاهد: مئات المحتجين المناهضين للانقلاب يتظاهرون مجددا بالعزف ...
- مصدر طبي يتحدث عن تطورات الحالة الصحية ليوسف شعبان


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد الساعدي - التآلف اللغوي في بناء النص حسب نظرية التحليل والارتقاء