أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - أغزوا تغنموا بنات الأصفر















المزيد.....

أغزوا تغنموا بنات الأصفر


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6687 - 2020 / 9 / 25 - 20:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هذا من أشهر الأحديث المنسوب للنبي من طرف الشيوخ لتشجيع الجنود على الحرب بقصد النكاح والسبي والجنس ونصه كالتالي "اغزوا تبوك ، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم"، وبنات الأصفر هم نساء أوروبا والشام الذين كانوا يقعون تحت الحكم الروماني ، أما قصة الحديث فبدأت من الشيخ أبو بكر البزار في مسنده والمتوفي عام 292 هـ الذي عاصر البخاري ومسلم وابن حنبل وشهد أولى بدايات عصر التدوين..

كتاب البزّار ليس من الكتب الستة ولا التسعة، وبالتالي فهو في الدرجة الثالثة من مصنفات الحديث من حيث السند، وبعد موت البزار جاء الطبري ليروي الحديث في تفسيره بتوسع ومنهجية تدوين كل ما يقله الناس في الشارع والمساجد دون تفكير، ثم الطبراني الذي زار بغداد فسمع هذا الحديث وسجله في موسوعته الحديثية "المعجم الكبير" الواقعة في 25 جزء وهو من أكبر كتب الحديث على الإطلاق ، ويعد الطبراني المتوفي عام 360 هـ نقطة انطلاق لنشر الروايات الموضوعة والشائعات التي تلقفها من بعده دون تمحيص.

والحديث يقول باختصار:

" أن النبي دعا لحشد الجنود لغزوة تبوك فتخلّف بعض الناس وطلبوا القعود، فجاء أحدهم وهو "جدّ بن قيس" يطلب الإذن من رسول الله (بالقعود) يعني عدم القتال، فقال الله النبي (هل لك في بنات الأصفر؟) وفي رواية أخرى (أغزوا تغنموا بنات الأصفر) فقال له جدّ بن قيس " إئذن لي ولا تَفتنّي"..انتهى

وهنا الراوي قال عدة أشياء:

1-الرسول يفتن الصحابة بنساء أوروبا والشام ليُرغّبهم في قتال الروم..!
2- الصحابي يعرف أن النبي أراد أن يفتنه فنهاه عن ذلك..!
3- في رواية البيهقي عذر مقبول لجدّ بن قيس وهو "أنني ذو ضيعة وعلة بها عذر" يعني مسئول عن أرض ومال وعيال، فلو قُتلت ستتشرد أسرتي الذين ليس لهم أحد غيري، فلو أردت القتال بمالي فخذه ودعك مني..
4- الرسول لم يقبل عذر الصحابي، ورغّبه في نساء الروم لكي تزيد ثروته وجواريه بقوله "تجهز فإنك موسر لعلك تحقب بعض بنات الأصفر" (سنن البيهقي الكبرى 17870)

الشيوخ لكي يصححوا تلك الرواية قالوا أنها نزلت في قوله تعالى "ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" [التوبة : 49] وأن من قال ذلك هو منافق محسوب على الصحابة اسمه "جدّ بن قيس"..وهذا خطأ علمي من عدة نواحي:

الأولى: أن سياق آيات سورة التوبة من الآية 46 حتى 49 يقول بأن فتنة القاعدين أكبر لو خرجوا مع الجيش ، وأن الله كره انبعاثهم وحذّر النبي منهم..فكيف يجادلهم الرسول لاحقا ويأمر أحدهم بالخروج وبدعوى النساء؟!..مفروض النبي عارف حقيقتهم وأن خروجهم خطر فكيف يُصرّ على خروج جدّ بن قيس وهو يعلم خطورة ذلك ؟؟!

الثاني: جدّ بن قيس لم يكن منافقا بل صريحا جدا حين تفاوض للقتال بأمواله،وأنه ضعيف أمام النساء، بدليل قول الطبري في تفسيره: " قد علمت الأنصار أني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي" (تفسير الطبري 11/ 492) وفي موضع آخر يقول جدّ بن قيس: "لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، فإني بالنساء مغرم، فأخرج وآثم بذلك" (11/ 491) فهل المنافق يكون صريح لهذه الدرجة أنه مغرم بالنساء وأنه ضعيف أمام جمالهن فيُفتن؟..وهل المنافق يمكن أن يجاهد بأمواله؟..أليس في القرآن قوله تعالى "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة "[النساء : 95] والآية دليل صريح على أن جدّ بن قيس لم يكن قاعدا بل مجاهدا بأمواله..

الثالث: الفتنة المذكورة في آية سورة التوبة لا تتفق مع الفتنة المذكورة على لسان جدّ بن قيس في الروايات، وفي هذه يقول الإمام الزجّاج في معاني القرآن " قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ) أي لا تؤثمني بأمرك إِياي بالخروج، وذلك غير متيسر لي فآثم" (معاني القرآن وإعرابه 2/ 451) والمعنى أن لا تُشعرني بالذنب لمجرد أنني أخاف على عيالي وأموالي من الضياع..فهذا حقي الطبيعي ولكنك يارسول الله ستجعله ذنب عظيم وبالتالي أُفتَن في ديني، وهنا يكون الزجّاج أحدث مشكلة بنيوية في النص لكون هذه الفتنة المذكورة في سياق حَسَن وتبرير سلوك مقبول وطبيعي من إنسان يخاف على ماله وعياله، وهذا مختلف عن باقي سياق الآية " ألا في الفتنة سقطوا" وبذلك تظل الآية مُبهَمة لنا والروايات لا تكفي لإيضاحها بما يكفي.

ويبدو أن الإمام الماوردي انتبه لهذا الإشكال فخرج بالجمع الآتي:

" قوله تعالى {وَلاَ تَفْتِنِّي} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تكسبني الإثم بالعصيان في المخالفة , قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والزجاج. والثاني: لا تصرفني عن شغلي , قاله ابن بحر. والثالث: أنها نزلت في الجد بن قيس قال: ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مشتهر بالنساء , قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} فيها وجهان: أحدهما: في عذاب جهنم والثاني: في محنة النفاق وفتنة الشقاق" (النكت والعيون 2/ 370)

ومختصر كلام الماوردي أن هناك تعارض وإشكال جوهري في تفسيرات الشيوخ حول واقعة "جدّ بن قيس" وتفسير آية سورة التوبة بها مما يؤكد قولنا السابق أن رواية "أغزوا تغنموا بنات الأصفر" حُشِرَت حَشراً في التفاسير وألصِقَت بالقرآن لغايات سياسية واجتماعية غير أخلاقية لحشد الجنود فقط للغزوات من أجل النساء، والأرجح أن ذلك تم في أوائل العصر العباسي أو وُرِثَ من العهد الأموي على ألسن القادة في المعارك، وبما أن عزيمة الشعب انخفضت أو ثارت أسئلة عن حقيقة تلك المقولات ظهر البزار ومن عاشوا في عصره لتبرير المقوله ونسبها للرسول عن طريق ابن عباس.

الشيوخ أيضا لكي يهربوا من هذا المأزق ادعوا أن البزار لم ينفرد بتلك الرواية بل ذكرها "مقاتل بن سليمان" في تفسيره قبله ب 100 عام في القرن 2 هـ، قلت: أن تفسير مقاتل مروي في القرن 5هـ بعد موت مقاتل ب 300 عام، وصاحبه الحقيقي هو "القاضي أبو بكر محمد بن عقيل بن زيد الشهرزوري، والد "محمد" المترجَم له في تاريخ ابن عساكر (5/ 409) وكلاهما – الأب والإبن- توفيا في القرن الخامس الهجري الذي شهد أول ظهور لتفسير مقاتل، وهو القرن الذي شهد نهاية الإحياءة الأولى لعلم الحديث بوفاة الإمام البيهقي سنة 458 هـ..

ونفس الشئ ينطبق على تفسير "عبدالرزاق الصنعاني" الذي ذكر تلك الحادثة قبل البزار، وفي الحقيقة أن تفسير الصنعاني مؤلفه مجهول عاش في القرن 4 هـ ونقله رواية عن طبقتين عن الإمام "سلمة بن شبيب" المتوفي عام 244 هـ، والغالب على تفسير عبدالرزاق الإرسال والبلاغ لمجهولية المصنف الذي يقول حدثنا ولا يُعرّفنا بنفسه، والأرجح عندي أن رواية البزار في حديث "اغزوا بنات الأصفر" وصلت لأحد الرواه فعزاها للإمام الصنعاني في تفسيره مُسندةً إلى معمر والكلبي، والكتاب ككل هو تفسير جامع لرؤوس المحدثين كابن شهاب الزهري وقتادة والثوري والأعمش ..وغيرهم، وإن كان يميل في بعض جوانبه للمذهب الشيعي مما أوجد له بُغضاً في نفوس المحدثين والحنابلة وسلفية هذا العصر فأهملوه وقلّوا من الاعتماد عليه..

ومختصر هذه الرواية أنها ظهرت على ألسن الناس في النصف الثاني من القرن 3 هـ، فلم يعلمها أصحاب الكتب الستة، أو ربما علموها وكتموها لسبق شكوكهم أنها موضوعة، ودوافع ذكر الرواية لتبريرها ولكي تخرج من دائرة الإشاعات لدائرة المقدس الروائي، فهي كما يبدو من مقولات أحد القادة العسكريين في ميادين القتال والغزو لترغيب الجنود في الحرب بدعوى النكاح والجنس..خصوصا مع بنات الأصفر الذين عُرِفوا بأجمل نساء الأرض حينذاك ، ومع توقف الغزوات وبقاء المقولة خالدة في أذهان الناس جاء من ينسبها للمقدس على الأقل ليرفع الحرج عن السابقين أو يعطي المشروعية الدينية لغزوات الأسلاف، ولم يكونوا على دراية – وقتئذ – بأن الحديث يطعن في الرسول بشكل مباشر، وأحدث مشكلات كبيرة في تفسير النص القرآني – ذكرناها – وهذه دلالة على محدودية عقل تلك الجماعة في هذا الزمن الذين رضيوا بتلك المحدودية وتقديم النقل على العقل في كل أحواله.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,079,922,725
- أصول قصة السندباد البحري
- كيف نفهم الوحي؟
- في عشق المراهقين والكبار
- قصتي مع أبي طالب عم رسول الله
- اليهودية ديانة تبشيرية كغيرها
- الدليل العقلي في الإيمان
- أكذوبة وأد العرب للبنات
- المعالم الحديثة للإرهاب الفكري
- الدين الوجودي والإيمان الأعمى
- متلازمة سيفر والسياسة التركية
- في ظاهرة الشيخ عبدالله رشدي
- كيف تتحول الدول للحُكم الديني ؟
- العرب كمشروع تركي إسلامي
- مستقبل العلمانية في تركيا
- أرض اليسار المأزوم
- صفحة من جرائم التاريخ..خالد ومالك بن نويرة نموذجا
- العثمانيون وخطايا التاريخ في آيا صوفيا
- جدلية التحرش بين المثقف والشيخ
- مقدمة في دواعش الفن المصري (5)
- مقدمة في دواعش الفن المصري (4)


المزيد.....




- إجلاء المئات من يهود إثيوبيا جوا إلى إسرائيل والآلاف ينتظرون ...
- الحكومة الفرنسية تشن حملة على المساجد بدعوى محاربة الانفصالي ...
- الصفدي يؤكد ضرورة وقف جميع الإجراءات الاستفزازية في المسجد ا ...
- إسرائيل تستقبل فوجا جديدا من يهود الفلاشا
- الأوقاف الاسلامية تدعو المصلين بـ -الاقصى- الالتزام بإجراءات ...
- توب 5: رد نتنياهو على أنباء زيارته السعودية.. ومشروع الكونغر ...
- الرئيس روحاني: بامكان ايران وتركيا تقليص الخلافات في العالم ...
- الإمارات تفتح المساجد لصلاة الجمعة اعتبارا من الغد
- أردوغان يدعو المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي لاهتمام أكبر با ...
- إصابات خلال قمع مسيرة رافضة للاستيطان في سلفيت


المزيد.....

- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي
- للقراءة أونلاين: القبر المحفور للإسلام - دراسة نقدية شاملة ... / لؤي عشري
- الفكر الإسلامي وعلم الكلام / غازي الصوراني
- الدين والعقل / سامح عسكر
- منتخبات من كتاب بهاءالله والعصر الجديد / دكتور جون اسلمونت
- فهم الدين البهائي / دكتور موجان ووندي مؤمن
- دين الله واحد / الجامعة البهائية العالمية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - أغزوا تغنموا بنات الأصفر