أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس محمود - الى متى هذا -الهولوكست-؟!















المزيد.....

الى متى هذا -الهولوكست-؟!


فارس محمود

الحوار المتمدن-العدد: 6617 - 2020 / 7 / 13 - 13:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من الواضح في عراق اليوم ان للدهشة والاستغراب والصدمة ليس لها حدود. كلما تُصدَم بامر في غاية البشاعة واللاانسانية، ياتيك حدث اخر غيره ليبين لك كم كان قبله باهتاً! لقد غداً ادهاش الناس بالجرائم فن! فن لاتعرف من اين اتت كل هذه الحدود للقسوة والبشاعة والتفنن في البشاعة.
أب ساخط على زوجته التي لم تطلب سوى حقها في انها لاتنوي مواصلة الحياة معه، يقوم في الليل، في لحظة نومهم، لحظة هدوء وسكينة وراحة الاطفال واملهم بغد جديد، بايصاد الباب عليهم، ويضرم النار باطفاله وهم نيام! فيما تقوم عشيرة ما بقتل فتاة وترميها عارية في الشارع يغطي جسدها الغض "كارتون" فقط، وتهدد عشيرتها بالضرب لكل من يقترب لها لرفع جثتها من انظار المارة في الشارع!
أب يرمي ابنته ذات الستة سنوات من الطابق الثالث، ليرديها قتيلة في الحال. أب "غاضب" يرمي تؤامه الحديث الولادة في احد الانهار، أولاد يرمون أبيهم مبتور الساق في الشارع ولاسابيع، لا مال لديه ولا مأوى ولا... اب يغتصب يوميا زوجات اولاده الثلاثة وعلى امتداد سنين طوال دون ان يستطيعوا افشاء هذا الامر، أم ترمي توأمها ذات الستة اشهر في خزان مياه في هذا الجو القائظ.. وحرق الفتيات لانفسهن جراء ضغوطات البيت وتطاولات ذكور المنزل واهاناتهن وتعذيبهن المستمر..... و.... عشرات الحوادث من مثل هذه تجري يومياً في المجتمع! تجعلك تتسائل مالذي حل ويحل بهذا المجتمع؟!
ان الضحية الاولى لهذا الجنون المنفلت هم الاطفال، النساء و الفتيات، الفتيات اللائي في اوائل العمر، اوائل سنين التطلع والامل وسائر المشاعر الايجابية للبشر للحياة. اي اكثر اقسام المجتمع ضعفاً و"انعدام حيلة".
انه ليس بمجتمع، انه "الخبال" والجنون التامّين والسّافرين. انه انفلات اجتماعي واخلاقي وقيمي قل نظيره في تأريخ العراق. مالذي قلب اناس في مجتمع يتمتع لحد الامس بحدود من التمدن والرقي و"طول البال" الى هذا الخبل السافر والمنفلت؟! يطلق على الاولاد والبنات "فلذات كبد". مالذي جرى بحيث يتجرأ انسان ما وبدم بارد على "جز رأس" فلذات الكبد هؤلاء. والاكثر من هذا الخروج مرفوع الرأس، مكلل بالفخر امام ابناء محلته ومدينته؟! اليس هناك من يمسك بخناقه، اليس هناك من ينبذه شر نبذ؟! ألهذا الحد انتزعت من هذا المجتمع انسانيته؟! ألهذا الحد تحولت قلوب الناس الى صخور؟! الى هذا الحد انقطعت صلتهم بكل شيء انساني؟! للحيوان مشاعر واحاسيس، فرح وحزن، غضب واحباط، فكيف انتزعت من البشر؟!
من المؤكد ان ما يجري ليس حالات فردية، ولا جنون فردي، ولا قضية او معضلات فردية. انه جنون يغلف كل زاوية من زوايا المجتمع كله. ان اساس ما يجري موجود وقائم ينبش اظفاره في جسد المجتمع نفسه. ان اساس هذا التردي المادي والمعنوي هو دمار البنية الاقتصادية للمجتمع. لقد كّف المجتمع بمعنى ان يكون مجتمع عادي ومألوف.
انطلق هذا المسار من فرض الحصار الاقتصادي في وقته وتواصل ليومنا هذا بالحروب والاحتلال والسيناريو المظلم. اذ حذرنا كتيار الشيوعية العمالية في وقتها ان احد العواقب الاساسية للحصار الغاشم الذي هلل له كل القائمون على السلطة السياسية القائمة وابواقها الفكرية والاعلامية هو انه يدمر ركيزة المجتمع الاساسية، يفكك البنية الاقتصادية الداخلية للمجتمع، اللحمة الداخلية واللاصق الجامع والخيط الداخلي الرابط للمجتمع، ولن يبقيه كمجتمع من الاساس. يعاد المجتمع للوراء على مجمل الاصعدة (الحياتية والاجتماعية والقيمّية) ولا يبقى للبشر منفذ سوى السقوط في تلك القيم والتقاليد والصلات ماقبل المدنية، ماقبل مجتمع معاصر. وبالتالي انفلات كل الاخلاقيات والقيم والتقاليد الرجعية والمتخلفة والمعادية للانسان التي عفى عليها الزمن.
مدنية المجتمعات وتقدمها السياسي والاجتماعي ومايرافق ذلك من حريات وحقوق وغيرها مرتبطة بشكل اساسي ومباشر بظهور مجتمع صناعي والصناعة والعامل. عراق ماقبل العقود الاربعة الاخيرة، رغم كل الحرمانات، والاستبداد السياسي وانعدام الحريات وغيرها، هو عراق الصناعة والمدنية والمكاسب الاجتماعية. اذ رافق دخول الصناعة دخول القيم والتقاليد والافكار والدعاوى التحديثية والعصرية والمدنية والتنويرية. ان مجتمع اليوم يبدو وكأن لا صلة له بمجتمع الامس جراء اجندة ومشاريع قوى معادية لمدنية المجتمع ومكاسبه!
لهذا حين يقوم الحشد والعصائب وجماعات الاسلام السياسي الشيعي على سبيل المثال بتفكيك وتهريب وبيع مصفى بيجي، احد اهم المصافي العملاقة والقديمة في المنطقة وليس العراق فحسب، فان ما تتوخاه ايران او هذه الاحزاب من نهب ثروات واموال طائلة لا يعدو شيئا امام غاية اكبر بكثير الا وهي تدمير الاسس والمرتكزات الصناعية في المجتمع، وبالتالي، الامعان في دفع المجتمع بعيدا عن التصنيع والعامل وقيمهما، وبالتالي دفع المجتمع في التقاليد المتخلفة والقرووسطية، واسر المجتمع في افكار الدين والطائفة والعشيرة وغيرها. يقومون بهذا حتى يبقون المجتمع يغط اكثر واكثر في التخلف، الجهل، الافكار الغيبية. حتى تبقى الملايين في تيه "الزيارات" و"المراقد" والطائفية والنذور و"الحروز" والمشايخ ورجالات الدين، وبالتالي، فريسة الاحزاب السياسية الدينية والطائفية والمراجع والحوزة وغيرها.
من جهة اخرى، فان قوى الاسلام السياسي المليشياتية الطائفية بشقيها السني والشيعي، وتعقباً لمصالحها السياسية في السلطة والحكم والثروة، دفعت بهذه المنظومات المتخلفة وغذتها ومولتها ورشتها بمكانة سياسية واجتماعية واقتصادية بهدف جر كل من هذه القوى لهذه المنظومات المتهرئة وشيوخها خلفها بالاخص ابان الانتخابات.
يرافق هذا ضرب المؤسسات العلمية والدراسية واستسخاف الشهادات والتعلم والدراسة والثقافة، ويكون مصير حملة الشهادة وعمر من الكدح الدراسي وسهر الليالي هو طابور البطالة بدون اي عون اجتماعي او ضمان بطالة حتى وقرار السلطة بايقاف اي توظيف او تعيين ..والخ من هذه السياسات.
وعلى الصعيد الطبي والصحي، انعدام الخدمات وتخلي الدولة التام عن مسؤوليتها تجاه المجتمع، وبالاخص مع تفاقم فايروس كورونا، فان النتيجة العملية هو الامعان في فرض التدهور والتراجع الاجتماعي والثقافي والفكري والعلمي على صعيد اجتماعي واسع، هذا التدهور الذي لهذه القوى المليشياتية مصلحة بينة في بقاءه..
ان كل الارضية مهيئة بشكل خصب لشيوع هذه الافكار والممارسات والتقاليد المعادية للانسان، اي ظروف مجتمع الحروب والحصار والسيناريو المظلم الذي افقد الرابط الداخلي للّحمة المجتمع وابقائه ك"مجتمع". ان هذا لاينكر دفاع ومقاومة مدنية المجتمع، كشيء اجتماعي واقعي، بني في ظل عقود من المدنية والعلمانية وافكار الحرية والمساواة، عقود من التطلع الانساني للمجتمع للسير في ركب الحداثة والعصرية والتقدم والمنجزات العالمية.
ان المسؤول عن كل الجرائم التي ترتكب بحق النساء والفتيات والاطفال، كل الاعتداءات الجارية على الاطباء والممرضين وتهديدات العشائر لهم، كل التدهور العلمي والامية والجهل والتخلف هي الاوضاع التي خلقتها اوضاع الحروب والحصار والاحتلال والسيناريو المظلم والمستنقع الكالح الذي دفعت اليه كل القوى البرجوازية العالمية والاقليمية والمحلية، امريكا والغرب والقومية العربية الفاشية والبعث وقوى الاسلام السياسي الطائفية ومليشياتها الاجرامية.
ان ارساء مجتمع جديد، مجتمع لامكان فيه لكل هذا الهولوكوست بحق الفتيات والنساء والاطفال، يستوجب كنس كل هذه القوى من حياة المجتمع، واسترداد المجتمع منها ومن اجنداتها وممارساتها وقيمها ومنظوماتها الفكرية والسياسية. ان لهذه القوى مصلحة اساسية في بقاء هذه الوضعية. فما يهمهم هو تراكم ارباحهم، ونهبهم وثرواتهم ورساميلهم تتعاظم بشكل خرافي، بشكل لم يكن يحلموا به يوما ما. بقاء هذه الوضعية تدمر كل المتعطشين لمجتمع اكثر انسانية ورفاه، لمجتمع للقيم الانسانية معنى ومكانة. كل المتطلعين الى غد مشرق لنا ولابنائنا وللاجيال القادمة، اصحاب المصلحة الاساسية في كنسهم وكنس اوضاع الهولكوست هذه والظروف التي خلقوها هم ولهم مصلحة واضحة في بقائها واستمرارها.



#فارس_محمود (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطة -سلام- ام غطرسة سافرة؟!
- حتى لانقع فريسة الوهم مرة اخرى...!!
- حول حملة تركيا!
- -يوم القدس- الذي لا صلة له بالقدس!
- أللقتلة حق بان يقرروا مايجب او ما لا يجب ان يكون عليه المجتم ...
- ظواهر جديدة، يجب ان توأد فوراً!
- حول اتهام لا اساس له!
- كلمة حول الانشقاق الجاري في الحشد الشعبي!
- مجزرة بحق النساء يجب ان تتوقف فوراً!
- مرحلة جديدة، وامكانية عالم اخر!
- -كبار السن- وفاشية -البقاء للاصغر سناً-!
- -اضطهاد المراة- ضرورة طبقية راسمالية!
- حول -جرة اذن- مقتدى الصدر - تكتيكان... وهدف واحد!
- خطاب قديم... وعبرة راهنة!
- مَنْ -تجاوز- على مَنْ؟!
- محطات من تاريخ الحزب الشيوعي العمالي العراقي - تاريخ حافل با ...
- ليس بوسع الف -فضيلة- ان -يقمطوا- مجتمع متوثب للحرية!
- حوار مع رفيق حول ماهية الحشد الشعبي وامور اخرى!
- تعاطف مع الضحايا ام امتياز للاسلام السياسي؟!
- اوضاع المراة.. وضرورة حركة نسوية مقتدرة!


المزيد.....




- رئيس الاستخبارات الصربية: بلغراد تتعرض لضغوط خارجية
- الفرنسيون يبدأون تسليم أسلحتهم غير المرخصة إلى الشرطة
- رصد ظاهرة لثقب أسود يبتلع نجماً ويخرج دفقاً مضيئاً
- تقرير: نيويورك المدينة الأكثر غلاء في العالم
- حادث عنصري جديد في قصر باكنغهام والأمير ويليام يعلق
- نجيب ساويرس يكشف عن نيته إقامة مشروع ضخم في الإمارات (فيديو) ...
- لافروف: لن نناقش مسائل الأمن مع أوروبا إلا على أسس جديدة
- قمة ماكرون وبايدن.. هل تنجح في مواجهة روسيا وتحدي الصين؟
- روسيا تختبر منظومة جديدة مضادة للصواريخ والأهداف الجوية
- بوتين: يجب الاستفادة من ظروف العقوبات لتحفيز الصناعات


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس محمود - الى متى هذا -الهولوكست-؟!