أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجواد سيد - المصادر الأصلية للقرآن -كلير تيسدال - الفصل الثالث - مؤثرات الصابئة واليهود - ترجمة عبدالجواد سيد















المزيد.....



المصادر الأصلية للقرآن -كلير تيسدال - الفصل الثالث - مؤثرات الصابئة واليهود - ترجمة عبدالجواد سيد


عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)


الحوار المتمدن-العدد: 6421 - 2019 / 11 / 27 - 22:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


المصادر الأصلية للقرآن- كلير تيسدال- الفصل الثالث- مؤثرات الصابئة واليهود- ترجمة عبدالجواد سيد
عندما ظهر محمد كنبى، ورغم أن العرب كان لديهم كثير من الأفكار والممارسات الدينية الثابتة ، فلم يكن لديهم كتاب يحتوى على وحى مقدس، يمكن لمحمد أن يلجأ إليه فى إدعائه أنه مفوض لإعادتهم مرة أخرى لعقيدة أجدادهم الأكثر نقاءً. ومع ذلك فقد سكن الجزيرة العربية بعض الجماعات التى إمتلكت مايمكن إعتباره كتباً موحى بها، ولذلك فقد كان من الطبيعى أن يشعر محمد وأتباعه بالإهتمام والإحترام لأفكار وشعائر هذه الجماعات الدينية المختلفة. إن تعبير أهل الكتاب المذكور فى القرآن ، والمحدد خاصة لليهود ، وللمسيحيين أيضاً، هو دليل على ذلك. إن الجماعات الأربع التى كانت تمتلك كتباً دينية فى الجزيرة العربية فى ذلك الوقت هى ، اليهود والمسيحيين والزرادشتيين والصابئة. إن كل هذه الجماعات مجتمعة مذكورة فى الآية رقم 17 من سورة الحج رقم 22( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد). وسوف نرى أن كل من هذه الجماعات كان لها تأثير كبير على الإسلام الوليد، ولكن تأثير الصابئة كان هو الأقل. ولذلك فسوف نبدأ بالحديث عن المعروف عن هذه الطوائف ، والمذكورة مرة أخرى فى الآية 59 من سورة البقرة رقم 2.
إن معرفتنا بالصابئة معرقة قليلة ، لكنها كافية لغرضنا هنا. وقد عرفها أبو عيسى المغربى ، وهو أحد الكتاب العرب الأوائل، والذى نقل عنه أبو الفدا تعريفه للصابئة بقوله(السريان/ السوريون/ هم أقدم الأمم ، وقد تكلم آدم وأبنائه بلغتهم ، إن الصابئة هى جماعتهم الدينية، وقد قالوا بأنهم قد تلقوا عقيدتهم من سيث وإدريس (أخنوخ)، ولديهم كتاب يعزونه إلى سيث، يطلقون عليه إسم (صحف سيث). وقد سُجل فى الكتاب تصورات أخلاقية جيدة مثل الأمر بقول الحقيقة، والشجاعة، ونصرة الغريب، وهكذا، وقد ذكرت الممارسات الشريرة أيضا، مع الحض على الإمتناع عنها. وللصابئة شعائر دينية معينة، ومنها سبعة أوقات ثابتة للصلاة، خمسة منها توازى الصلوات الخاصة بالمسلمين ، والسادسة صلاة عند الفجر ، والسابعة صلاة يأتى وقتها عند نهاية الساعة السادسة من الليل. وصلاتهم ، مثل صلاة المسلمين ، تتطلب تركيزاً شديداً لايمكن للمتعبد خلاله أن يسرح بذهنه إلى أى شئ آخر. وهم يصلون على الميت بدون ركوع أو سجود ، ويصومون ثلاثين يوماً ، وإذا ماكان الشهر القمرى قصيراً ، فإنهم يصومون لمدة تسعة وعشرين يوما فقطً. ومع نهاية صيامهم يقيمون إحتفالات الفطر، والتى تعنى التوقف عن الصوم عند نهاية الشهر القمرى ، بطريقة تجعل إحتفال الفطر يحدث مع دخول الشمس إلى برج الحمل ، وقد إعتادوا أن يصوموا من الربع الأخير من الليل حتى غروب قرص الشمس، كما كانوا يحتفلون بوقت نزول الكواكب الخمس إلى قصور مليكهم ، زحل ، المشترى ، المريخ ، الزهرة ، وعطارد ، كما إعتادوا على تقديس كعبة مكة.
ومن هذه الرواية يمكن أن نرى بوضوح أن المسلمين قد أخذوا من هذه العقيدة الغامضة كثيراً من ممارساتهم الدينية، والتى إعتقدوا أن محمد قد علمهم إياها بوحى من الله ، من خلال الملاك جبريل. وعلى سبيل المثال ، فإن صيام المسلمين فى رمضان يستغرق شهراً ، من شروق الشمس حتى مغربها ، رغم أن اللحظة الفعلية التى يبدأ وينتهى بها اليوم ، مأخوذة من اليهود ، كما سوف نرى. وفى فارس وبعض البلاد الأخرى، كان يُضرب مدفع عند الفجر وعند الغروب ليعلن عن بداية ونهاية صيام كل يوم أثناء الشهر المقدس. ومازال المحمديون يحتفلون بعيد الفطر عند نهاية الشهر. وكما نعرف، فلديهم خمس أوقات محددة للصلاة كل يوم، موازية لصلوات الصابئة ، كما أن الركوع والسجود إلزامى فى عبادة محمد، ولكن ليس أثنا صلاة الجنازة، كما هو الحال فى صلوات الصابئة . وقد ذكرنا كيف أن المسلمين مازالوا يقدسون الكعبة تقديساً كبيراً، كما كان الصابئة يفعلون. وبالطبع فإنه من الممكن أن كل هذه الممارسات كانت معروفة لقبيلة قريش ، تماماً كما كانت معروفة للصابئة . إن إفتراض أن كثيراً من هذه العادات الدينية قد أخذها محمد عن الصابئة ، وأن عقيدتهم بشكل عام ، ربما نظراً لقدمها السحيق ، كان لها تأثير كبير على الإسلام عند تأسيسه ، تؤكدها حقيقة أنه عندما أعلن بنو جذيمة فى الطائف ومكة لخالد بن الوليد عن تحولهم إلى المحمدية ، فقد صرخوا قائلين(لقد صبأنا).
لقد أفترض أن الصابئة كانوا فئة شبه مسيحية ، وقد عرفهم آخرون بالمندائيين ، الذين تقدم عقيدتهم خليط غريب من الاأدرية والوثنية البابلية، ولكنها مع ذلك قد أخذت بعض العناصر من المجوسية واليهودية والمسيحية ، رغم أنها وبشكل عام ، كانت ضد المسيحية كنظام. ويستقى المندائيون إسمهم من مندى، وهو الأهم فى نظرية الفيض ، أوالأيون ، التى يؤمنون بها ، والذى يسمى فى كتابهم المقدس بالسدرا رابا ، الذى أظهر نفسه فى سلسلة من التجسدات ، كانت الثلاثة الأولى منها فى شخص قابيل وسيث وأخنوخ ، والأخيرة كانت فى شخص يوحنا المعمدان ، وقد منح الأخير المعمودية ليسوع المسيح ، والذى رجع فى النهاية إلى مملكة النور، بعد صلبه ظاهرياً. إن هذه الفكرة الأخيرة تتردد فى القرآن فى الآيات 157-158 من سورة النساء رقم 4 ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وماقتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين إختلفوا فيه لفى شك منه مالهم به من علم إلا إتباع الظن وماقتلوه يقيناً ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً)، وسوف يلزم الإشارة إليها مرة أخرى فيما بعد. إن معرفتنا المحدودة بالصابئة، والشك فيما إذا كان المندائيين يمكن أن ينسبوا إليهم، قد جعلت من المستحيل أن نقرر، إذا ماكان تأثيرهم على الإسلام ، كبيراً أو محدوداً.
ونأتى الآن إلى اليهود، والذين أخذ منهم محمد الكثير، بحيث يمكن وصف عقيدته بأنها مجرد شكل هرطقى من اليهودية المتأخرة، ففى زمن محمد لم يكن اليهود كثيرى العدد فقط، ولكن كانوا أقوياء فى أجزاء عديدة من الجزيرة العربية أيضاً. ومما لاشك فيه أن كثيراً منهم قد إستقر فى هذه البلاد عبر عصور مختلفة، أثناء فرارهم من غزاتهم الكثيرين ، كنبوخذ نصر، وخلفاء الإسكندر الأكبر، وبومبيوس ، وتيتوس ، وهادريان ، وآخرين ممن إكتسحوا ودمروا فلسطين. ولقد كانوا كثيريين فى مجاورات المدينة ، بشكل خاص، وهى المدينة التى إمتلكوها بالسيف ، فى زمن ما. وفى زمن محمد كانت القبائل اليهودية الثلاث الكبرى ، بنو قريظة ، وبنو النضير ، وبنو قنينقاع ، التى إستقرت فى مجاورات المدينة ، على قدر كبير من القوة ، لدرجة أن محمداً ، وبوقت قصير بعد وصوله هناك حوالى سنة 622م ، عقد معهم تحالفاً هجومياً دفاعياً، كما كان هناك مستوطنات يهودية أخرى فى مجاورات خيبر ووادى القرى، وعلى سواحل خليج العقبة. ولاشك أن حقيقة إمتلاك اليهود لكتب مقدسة، وأنهم كانوا من نسل إبراهيم ، الذى كانت قريش وقبائل أخرى يعتبرونه جدهم الأكبر، قد أعطى للإسرائيليين ثقلاً ونفوذاً، ومن ثم فقد كان من الطبيعى أن تتعرض الأساطير العربية المحلية لعملية إنصهار مع تاريخ وتقاليد اليهود، وبعملية تعديل بسيطة ، أصبح تاريخ فاسطين ، هو تاريخ الحجاز. وهكذا تم تقديس أرباض الكعبة بصفتها مشهد محنة هاجر، كما قُدس بئر زمزم بصفته مصدر خلاصها ، وهكذا أصبح الحجيج يهرعون بين الصفا والمروة إحياءً لذكرى هرولتها بحثاً عن الماء ، كما أصبح إبراهيم وإسماعيل، هما اللذان بنيا الكعبة، ووضعا بها الحجر الأسود، وأسسا الحج إلى عرفة ، لكل جزيرة العرب. وكتقليد له ، كان رمى جمرات الحجيج ، وكأنها ترمى على الشيطان ، كما كانت الأضحيات التى تقدم فى منى، وكأنها إحياءً لذكرى التضحية البديلة، التى قدمها إبراهيم ، أى الحمل ، وهكذا، وبرغم أن الشعائر المحلية، كانت قليلة، على فرض أنها وجدت أصلاً ، فقد تغيرت بتبنى الأساطير الإسرائيلية، وأصبحت تُرى بشكل مختلف تماماً ، حيث إرتبطت فى المخيلة العربية بشئ من قداسة إبراهيم ، خليل الله. لقد كان تأسيساً على هذه الأرضية العامة ، أن إستعد محمد ، وأعلن على شعبه نظام روحى جديد ، كان يمكن لكل الجزيرة العربية التجاوب معه، لكنه إحتفظ بتقاليد الكعبة كما هى، والتى ورغم تجردها من كل التوجهات الوثنية ، فمازلت تغطى ، بكفن عديم المعنى غريب ، يلف توحيد الإسلام .
وقد جلب الإنتساب إلى الأجناس الإبراهيمية ، عقيدة خلود الروح والبعث من الموت أيضاً ، ولكن ذلك إرتبط بكثير من الأفكار الخيالية لتطور الفكر العربى أيضاً ، مثل تصور إنتقام الروح القتيلة كطائر يزقزق من أجل القصاص من القاتل، أو ترك جمل للموت جوعاً على قبر سيده ، بحيث يمكن أن يكون مستعداً لحمله مرة أخرى عند بعثه من الموت. كان هناك كثير من اللغة الإنجيلية فى إستخدام شائع أيضاً . إن الإيمان والتوبة والجنة والجحيم ، والشيطان وملائكته، والملائكة السماويين ، وجبريل المبعوث الإلهى، هى نماذج مأخوذة من المصادر اليهودية . وبالمثل كانت قصص سقوط الإنسان من الجنة، والفيضان، وتدمير مدن السهل ، قصصاً معروفة، بحيث يمكن أن يقال أنه كان هناك مادة غزيرة من الأفكار الروحية الخام ، جاهزة تحت تصرف محمد. ويخبرنا الكتاب العرب الأوائل ، أنه عند ظهور محمد ، كان اليهود فى إنتظار قدوم المسيح ، وأنهم قد إعتادوا تهديد أعدائهم بالإنتقام الذى سيوقعه بهم النبى المنتظر. وبالتأكيد فقد كان لذلك تأثيره فى دفع بعض العرب، وخاصة بنو الخزرج أهل المدينة، كما يخبرنا إبن إسحاق ، لقبول محمد ، كذلك النبى المنتظر.
أعلن محمد أنه كان مفوضاً إلهياً ، ليس لتأسيس عقيدة جديدة ، ولكن لدعوة الناس لعقيدة إبراهيم ، ولهذا فقد كان من الطبيعى بالنسبة إليه، أن يحاول كسب اليهود إلى جانبه. وقد حاول فعل ذلك فى المدينة، ولبعض الوقت، بدا وكأنه يملك فرصة معقولة من النجاح. إن إحدى الخطوات التى إتخذها فى ذلك الوقت تظهر هذا الهدف بوضوح، حيث إتخذ من أورشليم قبلة لعقيدته، بمعنى أنه قد أمر أتباعه بتقليد الممارسة اليهودية فى تولية وجوههم بإتجاه أورشليم عند الصلاة. وفى مرحلة لاحقة ، عندما إختلف مع اليهود ووجد أنه من الأفضل مراضاة العرب، فقد إختار مكة كقبلة، والتى إستمرت قبلة المسلمين حتى اليوم. وبمجرد وصوله إلى المدينة، وعندما لاحظ إنهماك اليهود فى أداء طقس يوم الغفران، فقد فرض نفس الطقس على أتباعه ، متبنياً حتى نفس الإسم (عاشوراء)، والذى كان يعرف به بين اليهود( ذكرى نجاة موسى من فرعون). وبلاشك فإن الأضحيات التى كانت تقدم فى تلك المناسبة، كان يقصد منها أن تحل محل الأضحيات التى إعتاد العرب الوثنيون تقديمها فى وادى منى أثناء الحج إلى مكة، ولم يكن حتى أبريل سنة 624 ، وبعد خلافه مع اليهود ، أن أسس محمد إحتفال عيد الأضحى ، والذى يفترض أنه كان يهدف إلى إحياء ذكرى تضحية إبراهيم بإبنه إسماعيل(إسحاق عند اليهود ، إسماعيل عند العرب). وحتى هنا يمكننا رؤية تأثير اليهودية على الإسلام. ومازال المسلمون يؤدون هذه الشعيرة حتى اليوم. وقد أطلق محمد الممارسة اليهودية فى تقديم أضحيتين فى يوم العيد ، واحدة عن قومه والأخرى عن نفسه ، رغم أنه قد عكس الترتيب اليهودى ، والذى بموجبه ، كان الحاخام الأكبر يقدم فى يوم الغفران ، أولاً لنفسه ، ثم لكل الشعب بعد ذلك. ففى هذه المسائل نرى المؤثرات اليهودية تعمل سواء من خلال تبنى محمد لشعائرها عندما أراد كسب اليهود، أو فى تغييرها عندما لم يعد هناك أمل فى ذلك. وفى الحالة الثانية فقد كان يعود إلى عادات العرب الوثنيين، بشكل عام .
وبالنسبة لنظرية محمد عن المرجعية الإلهية للقرآن ، فإن هذه الظاهرة تستعصى على التفسير تماماً. إن معظم النصوص القرآنية، التى تم التأكيد فيها على أن القرآن يتبع عالم أنبياء إسرائيل ، وأن هذا يشكل دليلاً قاطعا علىً أنه من عند الله ، تعود، وتبعاً للرواة ، للفترة الواقعة قبل وبعد الهجرة بوقت قصير. وفى هذا الوقت أدخل محمد إلى السور التى جاء بها ، كثيراً من الأساطير اليهودية، كما ستظهر دراسة السور المكية والمدنية المبكرة التالية ، ومع ذلك فسرعان ماوجد أن اليهود لم يكونوا مستعدين للإيمان به، رغم أنه قد وافق أهدافهم التظاهر، لفترة ما ، بتأثرهم وإعترافهم بإدعائه. وقد كان محتماً أن ينشأ الخلاف ، إن عاجلاً أم آجلاً ، حيث لم يكن من الممكن لأى يهودى حقيقى أن يؤمن بأن المسيح ، أو أى نبى كبير آخر، كان يمكن ظهوره من بين أبناء إسماعيل. ونحن نعلم كيف حدث الصراع ، وكيف ، وقد وجد محمد محاولة الإقناع غير مجدية ، أن إنقض فى النهاية على اليهود بمنطق السيف الذى لايقاوم ، سواء قام بذبحهم أو طردهم من المدينة. ولكن قبل ذلك الوقت، فقد كان قد أخذ عنهم الكثير، وحتى إذا لم نوافق مع بعض الكتاب، بأن عقيدة التوحيد بالله ، قد أخذها الإسلام من التعاليم اليهودية ، فلا يمكن أن يكون هناك شك فى أن إيمان محمد بتلك العقيدة الإسلامية، قد تأثر كثيراً بالذى تعلمه من الإسرائيليين. ويمكننا أن نتقدم لنرى أن كثيراً من القرآن مشتق مباشرة من الكتب اليهودية ، ومن التلمود وبعض الكتابات المتأخرة الأخرى بشكل أكثر من العهد القديم (المدراش بصفة خاصة)، فرغم أن اليهود العرب كانوا، بالتأكيد، يملكون نسخهم الخاصة، فلم يكونوا متميزين بالعلم، ولذلك فقد أعطوا القيادة، عملياً، لتقاليدهم الكهنوتية، أكثرمما أعطوها لكلمة الله. وعلى هذا فإنه ليس من المستغرب أن نجد قليلاً من المعرفة الحقيقية الخاصة بالعهد القديم فى القرآن، رغم أنه، وكما سوف نرى، يحتوى على كم كبير من الأساطير اليهودية. أنه من المستحيل أن نستشهد بكل الفقرات التى تثبت ذلك ، ولكنا سنحاول الآن ذكر بعض منها.
1-قصة قابيل وهابيل
لم يذكر القرآن إسمى هذين الإبنين لآدم ،رغم أن المفسرين أسموهما قابيل وهابيل. ولكنا نجد فى الآيات 27-32 من سورة المائدة رقم 5 ، هذا الكلام عنهما) وإتل عليهم نبأ بنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، قال لأقتلنك ، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ماأنا بباسط يدى إليك لأقتلنك ، إنى أخاف الله رب العالمين. إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك ، فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين ، فطوعت له نفسه قتل أخيه ، فقتله ، فأصبح من الخاسرين ، فبعث الله غراباً يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه ، قال ياويلى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فآوى سوءة أخى فأصبح من النادمين ، من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرئيل أن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً(.
إن أحد المحادثات الجدلية بين قابيل وهابيل بهذا الخصوص ، مذكورة فى الأساطير اليهودية، وتحديداً فى كل من ترجومة جوناثان الآرامية، وكذلك فى ترجومة أورشليم ، حيث يقول قابيل ، لايوجد عقاب للخطيئة ، كما لايوجد أى مكافأة للعمل الحسن ، ويجيبه هابيل مؤكداً ، أن الخير يكافئه الله ، كما يعاقب الشر. فيغضب قابيل للإجابة ويلتقط حجراً ويضرب به أخيه فيقتله. إن التشابه بين هذه القصة وبين تلك المذكورة فى بداية الإقتباس السابق من القرآن ليس ملفتاً للنظر، ولكن الملفت للنظر هو مصدر الباقى من الرواية القرآنية عن حادث القتل، وهو الأسطورة المروية فى الفصل 21 من سفر الحاخام بركى اليعازر، والتى يمكن ترجمتها كالآتى :
كان آدم جالساً يبكى منتحباً مع رفيقته على جثة هابيل ، وهم لايعرفون ماذا يفعلون ، حيث لم يكونوا على دراية بالدفن بعد. ثم ظهر غراب مات أحد رفقائه، فأخذه وحفر له حفرة ودفنه بها أمامهما ، فقال آدم سوف أفعل كما فعل الغراب، ونهض على الفور وأخذ جثة هابيل وحفر حفرة فى الأرض ودفنه بها.
عندما نقارن هذه الأسطورة اليهودية بالرواية المذكورة فى القرآن، سنرى أن الفارق الوحيد هو أنه فى هذه الرواية كان آدم هو الذى تعلم من الغراب كيفية دفن الجثة ، بينما فى رواية القرآن فإن قابيل هو الذى تعلم كيفية الدفن. ومن الواضح أيضاً أن الفقرة المذكورة فى القرآن ليست ترجمة حرفية من كتاب من الكتب اليهودية، ولكن الأرجح أنها إعادة إنتاج حر للقصة كما رويت لمحمد بواسطة بعض أصدقائه اليهود، والتى تذكر المصادر العربية المبكرة كثير من أسمائهم ، وقد يفسر هذا ذلك الخطأ الذى حدث فى القرآن بنسب عملية الدفن إلى قابيل وليس إلى آدم ، وهى ظاهرة سوف نلاحظها فى كثيرمن هذه المقتطفات القرآنية. إنه من الصعب أن تكون مثل هذه الفروقات من عمل محمد نفسه ، ولكن من الممكن أن يكون اليهود الذين رووها له قد تعلموها شفاهة هم أنفسهم، وأنهم هم، وليس النبى العربى ، الذين أخطأوا هذا الخطأ ، ولكن المؤكد أننا نستطيع هنا، وفى أمثلة كثيرة أخرى، إرجاع الرواية التى يقدمها محمد إلى مصادر يهودية كتابية أكثر قدماً،(وليس إلى وحى إلهى).
2-قصة خلاص إبراهيم من نار نمرود
لم توجد هذه القصة تفصيلاً فى أى آيات متتابعة من القرآن، ولكنها رويت بشكل متناثر فى عدد من السور المختلفة، ولذلك فقد وجد المحمديون أنه من المفيد جمع هذه الآيات ، وتشكيلها فى نص كلى متتابع بإضافة فقرات تربط بينها ، بالشكل الذى نراه فى كتب مثل كتاب عرائس المجالس (للثعلبى النيسابورى) أو قصص الأنبياء(لأبى الفدا إبن كثير). إن مثل هذه الفقرات الرابطة قد أستمدت من أحاديث محمد. وعندما نقارن القصة الشائعة والمقبولة من قبل المسلمين بالقصة المذكورة فى المدراش،سوف يتضح أن الأخير هو مصدر حديث محمد. ولكى يدرك القارئ ذلك فسوف نترجم القصة كما رواها كتاب محمد أولاً، وبعد ذلك نعود إلى القصة الأقصر والأقل بساطة التى رواها الكتاب اليهود، وبالنسبة للآيات القرآنية التى دخلت فى الرواية العربية، سوف نضعها هنا بين قوسين، وسوف نبدأ بمقتطف من أبى الفدا .
إعتاد آزر، أبو إبراهيم ، على صنع أصنام وإعطائها لإبراهيم كى يبيعها ، لكن إبراهيم تساءل ، من سيشترى ما سوف يضره ولن ينفعه ، وبعد ذلك عندما أمره الله تعالى أن يدعو قومه إلى التوحيد ، قام بدعوة أبيه ، لكن أبيه رفض الدعوة. ودعى إبراهيم قومه ، ووصل أمر دعوته إلى نمرود إبن كوش ، ملك البلاد ، فقبض نمرود على إبراهيم ، خليل الله، وألقى به فى نار عظيمة، لكن النار أصبحت برداً وسلاماً على إبراهيم ، وخرج منها سالماً بعد أيام ، وعندئذ آمن به بعض رجال من قومه. هذه هى أقصر رواية عربية نملكها عن حادث إبراهيم ونمرود، وسوف نتقدم لترجمة أهم جزء من الرواية والمذكور فى عرائس المجالس ، حيث نقرأ أن إبراهيم قد نشأ فى كهف بدون أى معرفة عن الإله الحق، وذات ليلة خرج وأبصر بهاء النجوم، فبلغ تأثره بهذا البهاء أن قرر الإعتراف بها كآلهته. وتمضى الرواية بعد ذلك ، رابطة أكبر عدد ممكن من آيات القرآن، التى تتناول هذا الموضوع ، على النحو التالى :
( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربى فلما آفل قال لاأحب الآفلين فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربى فلما آفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر، لإنه رأى ضوئها أعظم ، فلما أفلت قال ياقوم أنى برئ مما تشركون أنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً وماأنا من المشركين - سورة الأنعام) قالوا وكان أبوه يصنع الأصنام ، فلما ضم إبراهيم إلى نفسه، جعل يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها ، فيذهب بها إبراهيم ، عليه السلام ، فينادى من يشترى مايضر ولاينفع فلا يشترى أحد منه، فإذا بارت عليه ، ذهب بها إلى نهر، وضرب رؤوسها وقال إشربى كسدت ، إستهزاءً بقومه، وبما هم عليه من الضلالة والجهالة، حتى فشا عيبه إياها وإستهزاؤه بها فى قومه، وأهل قريته، فحاجونه فى دينه فقال لهم (أتحاجونى فى ألله وقد هدان ، إلى آخرالآيات حتى قوله عز وجل ، وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم - سورة الأنعام ) حتى حصبهم وغلبهم بالحكمة، ثم إن إبراهيم عليه السلام دعا أباه آزر إلى دينه فقال ياأبت لما تعبد مالايسمع ولايضر ولايغنى عنك شيئاً إلى آخره، فأبى أبوه الإجابة إلى مادعاه إليه، ثم إن إبراهيم عليه السلام جاهر قومه البراءة مما كانوا يعبدون وأظهر دينه فقال أرايتم ماكنتم تعبدون أنتم وآباكم الأقدمون فإنهم عدو لى إلا رب العالمين ، قالوا فمن تعبد أنت، قال رب العالمين، قالوا أتعنى نمرود، قال الله الذى خلقنى وهدانى فهو، إلى آخر القصة ، وفشا ذلك فى الناس حتى بلغ الطاغية نمرود، فدعاه فسأله ياإبراهيم أرأيت إلهك الذى أرسلك وتدعو الناس إلى عبادته يذكر من قدرته التى تعظمه بها على غيره، قال إبراهيم عليه السلام ربى الذى يحيى ويميت، قال نمرود وأنا أحيى وأميت، قال إبراهيم كيف تحيى وتميت، قال آخذ رجلين قد إستوجبا القتل فى حكمى فأقتل احدهما فأكون أمته ثم أعفو عن الآخر فأكون قد أحييته، فقال له إبراهيم عند ذلك، وإن الله يأتى بالشمس من المشرق إإتى بها من المغرب، فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئاً.
وتمضى القصة لتخبرنا أنه كان من عادة القبيلة التى ينتمى إليها إبراهيم أن تقيم إحتفالاً سنوياً كبيراً، كان يجب على جميع الناس خلاله أن يذهبوا إلى خارج المدينة (ربما يحتوى هذا على إشارة غامضة لعيد خيمة المعبد اليهودى)، وقبل مغادرة المدينة، تخبرنا القصة، أن المواطنين قد جهزوا بعض الطعام ووضعوه بين يدى الآلهة وقالوا( إذا كان حين رجوعنا فرجعنا وقد باركت الآلهة فى طعامنا أكلنا، فلما قام إبراهيم إلى الأصنام وإلى مابين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الإستهزاء ، ألاتأكلون ، فلما لم تجيبه، قال مالكم لاتنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين، وجعل يكسرهم بفأس فى يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر، فعلق الفأس فى عنقه ثم خرج، فذلك قوله عز وجل(فجعلهم جذاذاً إلا كبير لهم لعلهم إليه يرجعون- الأنبياء - فلما جاء القوم من عيدهم إلى بيت آلاهتهم ورأوها بتلك الحالة قالوا، من فعل هذا بآلهتنا إنه من الظالمين، قالوا سمعنا نبى يذكرهم يقال له إبراهيم هو الذى نظنه صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه فقالوا، فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذى فعل ذلك، وكرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فلما أحضروه قالوا له، أنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم، قال إبراهيم بل فعله كبيرهم هذا غضب من أن تعبدوا معه هذه الأصنام الصغار وهو أكبر منهم فكسرهن فإسألوهم إن كانوا ينطقون). قال النبى صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات كلها فى الله تعالى قوله إنى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله للملك الذى عرض لسارة هى أختى.
فلما قال لهم إبراهيم ذلك رجعوا إلى أنفسهم فقالوا، أنكم ظلمتم هذا الرجل فى سؤالكم إياه وهذه آلهتكم التى فعل بها مافعل حاضرة فإسألوها، وذلك قول إبراهيم عليه السلام (فإسألوهم إن كانوا ينطقون- سورةالأنبياء- فقال قوم مانراها إلا كما قال ، إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير، ثم نكسوا على رؤوسهم متحيرين فى أمرهم، وعلموا أنها لاتنطق ولاتبطش فقالوا، لقد علمت ماهؤلا ينطقون، فلما إتجهت الحجة عليهم لإبراهيم عليه السلام قال لهم، أفتعبدون من دون الله مالاينفعكم شيئاً ولايضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب قالوا، إحرقوه وإنصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) ، قال عبدالله بن عمران أن الذى أشار عليهم بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار رجل من الأكراد، قال شعيب الجبائى إسمه دينون فخسف الله تعالى به الأرض فهو يجلجل فيها إلى يوم القيامة قال، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه السلام حبسوه فى بيت وبنوا له بنياناً كالحظيرة وذلك قوله عز وجل (قالوا إبنوا له بنياناً فإلقوه فى الجحيم - سورة العنكبوت ) ثم جمعوا له من أصناف الحطب وأصناف الخشب ، ويمضى الكاتب الذى نقتبس منه ليروى كيف ألقى إبراهيم فى النار، وكيف خرج منها سالماً معافاً، ويختم روايته بقوله أن إبراهيم قد حُفظ من النار بقوله حسبى الله ونعم الوكيل ، وأن الله عز وجل قال يانار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم.
ونمضى الآن لمقارنة هذه القصة بالقصة التى وردت فى مدراش اليهود. كان تارح صانع أصنام ، وذات يوم خرج إلى مكان ما وأجلس إبراهيم ليتولى البيع مكانه ، ثم حضر أحد الأشخاص الراغبين فى الشراء، فسأله إبراهيم كم عمرك؟ فأجاب الرجل نحو خمسين أو ستين عام ، فقال له إبراهيم، ويل لهذا الرجل البالغ من العمر ستين عام ويرغب فى عبادة شئ عمره عدة أيام فقط ، فخجل الرجل من نفسه وخرج مبتعداً. ثم جاءت إمرأة تحمل فى يدها طبق من دقيق القمح وقالت له ، ضع هذا أمامهم ، فنهض إبراهيم وإلتقط عصا وحطم بها جميع الأصنام ، ثم وضعها فى يد أكبرهم حجماً، وعندما حضر والده سأله من الذى فعل بهم هذا ، فأجابه إبراهيم ، لقد جاءت إمرأة ومعها طبق من دقيق القمح وقالت لى ضعه أمامهم ، فوضعته أمامهم ، ولكن أضخمهم هذا قال ، سوف أأكل أولاً ، ثم قال الآخر هذا ، سوف أأكل أولاً ، فغضب هذا الضخم وإلتقط عصا وحطمهم جميعاً ، فقال له الأب ، لماذا تخبرنى بهذه الخزعبلات ، وهل يفهم هؤلاء؟ فقال له إبراهيم، ألا تسمع أذناك ماتقوله شفتاك؟ فقبض عليه تارح وسلمه إلى نمرود ، فقال له نمرود ، دعنا نعبد النار ، فأجابه إبراهيم دعنا نعبد المياه ، التى تطفئ النيران ، فأجابه نمرود ، دعنا نعبد المياه ، فقال له إبراهيم ، فإذا كان كذلك ، فدعنا نعبد السحاب الذى ينزل المياه ، فأجابه نمرود ، دعنا نعبد السحاب ، فقال له إبراهيم، ، فإذا كان كذلك دعنا نعبد الرياح التى تبدد السحاب ، فأجابه نمرود ، دعنا نعبد الرياح ، فقال له إبراهيم ، دعنا نعبد الإنسان ، الذى يقاوم الرياح ، فأجابه نمرود إذا كنت تجادلنى ، فلن أعبد شئ سوى النار ، وسوف ألقيك فى سعيرها ، ودع إلهك الذى تعبده يأتى ويخلصك منها . وألقى إبراهيم فى النار ، وخلصه الله منها.
وهكذا يبدو من الواضح تماماً أن الخرافة المحمدية مشتقة مباشرة من تلك اليهودية، رغم توسيعها بتفاصيل إضافية من مخيلة محمد الشعرية القوية، ولكنا هنا أيضاً نجد أن محمداً لم يعيد إنتاج رواية قرأها، ولكن رواية سمعها شفاهة من اليهود. إن تأثير الرواية على عقله يبدو واضحاً ، ليس فقط من التوسع فيها ، ولكن من العدد الكبير من المناسبات التى يشير فيه إليها فى أجزاء مختلفة من القرآن. ويبدو واضحاً أن القصة فى خطوطها العامة كانت معروفة جيداً فى زمنه ، من حقيقة أنه لم يفكر أنه من الضرورى روايتها كاملة. وتظهر كلماته فى القرآن أنه كان يعتقد أنها كانت معروفة تماماً ومقبولة تماماً من قبل جميع أتباعه. وربما كانت القصة شائعة فى الجزيرة العربية قبل زمنه ، مثل كثير من قصص إبراهيم الأخرى. إن هدفنا من الإستشهاد بالقصة كما ذكرت فى المدراش ، ليس لإن نثبت أن محمد قد نقلها منه ، ولكن لكى نظهر أن القصة فى تفاصيلها الرئيسية كانت شائعة بين اليهود فى زمن مبكر قبل زمن محمد ، وأن شكلها ذلك ، أو شكل مشابه آخر لها ، لابد أنه كان المصدر الذى أخذ منه العرب معرفتهم بهذه الخرافة. ومن المحتمل أيضاً أن محمد قد إستشار أصدقائه اليهود فى صحة القصة، وأنهم قد أخبروا أنها موجودة فى كتبهم ، مما أكد إعتقاده فى صحتها.
ومع ذلك فإننا نلاحظ أن إسم أبو إبراهيم فى القرآن هو آذر، وليس تارح ، كما هو فى سفر التكوين. لكن اليهود الشرقيين أحيانا يسمونه زاراح ، والتى ربما يكون الشكل العربى ، آذر ، قد حُرف منها ، أو مرة أخرى ، ربما يكون محمد قد تعلم الإسم فى سوريا ، حيث من الممكن أن يكون يوسيبيوس(المؤرخ الكنسى يوسيبيوس القيصرى حوالى 265-340م) قد إشتق شكل الإسم الذى يستخدمه محمد. وغالباً ما يكتب المحمديون الفرس المحدثون الإسم وينطقونه كما هو فى العربية ، ومع ذلك فالنطق الفارسى الأساسى هو أدهر ، تقريباً نفس الشكل الذى إستخدمه يوسيبيوس. وتعنى هذه الكلمة فى الفارسية النار، وكانت إسم الملاك المفترض رئاسته على هذا العنصر، أحد الملائكة الطيبة للإله أهورا مازدا. والواقع أنه ربما كان هناك نوع من المحاولة لتبجيل إبراهيم بين المجوس بربط أبيه بملاك النار الطيب (إزاد). ومع ذلك ، فربما نسطتيع إرجاع أصل أسطورة إلقاء إبراهيم فى النار إلى مزيج بسيط قام به بعض المفسرين اليهود ، كما سوف نشير فى حينه.
ولكن ، وقبل أن نقوم بذلك ، فربما يكون من المفيد أن نشير إلى طبيعة الجدل ، الذى يستخدمه المسلمون بشكل عام ، فى رفض الإقرار بأن تتبع مصدر هذه الأسطورة أو غيرها من الأساطير المشابهة فى القرآن يجردها عملياً من إدعائها بأنها وحى إلهى ، فهم يجادلون أن مثل هذه الحقائق، كتلك التى أوردناها ، تمثل دليلاً واضحاً على حقيقة عقيدتهم ، حيث يقولون بأن محمد لم يأخذ هذه القصة من اليهود ، ولكنه على العكس قد تلقاها بواسطة الوحى من خلال الملاك جبريل ، ولكن وحيث أن اليهود، وهم ذرية إبراهيم ،قد قبلوا بهذه القصة بمرجعية أحاديثهم ، فلابد من الإعتراف بأن شهادتهم تمثل تأكيداً قوياً لتعاليم القرآن بهذا الخصوص. ورداً على ذلك ، يكفى أن نقول أن الجهلاء فقط من اليهود هم الذين يعطون أى مصداقية لمثل هذه الخرافات ، حيث أنها لاتستند على أى شئ حقيقى من التراث اليهودى، فالروايات الصحيحة عن إبراهيم وجدت فقط فى التوراة ، وليس من الضرورى أن نقول أن هذه القصة الطفولية ليست موجودة هناك. وعلى العكس من ذلك، يبدو واضحاً من سفر التكوين، أن نمرود قد عاش بأجيال طويلة قبل زمن إبراهيم. حقيقة أن نمرود لم يذكر بالإسم فى القرآن ، ولكن إسمه يتردد ، كما رأينا ، فى قصة إلقاء إبراهيم فى النار، سواء فى الأحاديث المحمدية ، أو فى تفسيراتها القرآنية ، وكذلك فى القصة اليهودية المدراشية. إن جسامة المفارقة التاريخية هنا ، تساوى تقرير شخص جاهل بأن الإسكندر الأكبر قد ألقى بالسلطان العثمانى فى النار، دون أن يعرف مدى طول الفترة الزمنية الى تفصل الإسكندر عن عثمان ، ودون أن يدرك أن عثمان لم يعرف هذه المغامرة أبداً.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل قصة إبراهيم، وخلاصه من النار ،قد تأسست من مزيج جاهل قام به أحد المفسرين اليهود القدامى . ولكى نشرح ذلك علينا الإشارة إلى ترجمة جوناثان بن عزايل. لقد وجد هذا الكاتب أور الكلدان مذكورة على أنها المكان الذى سكنه إبراهيم فى البداية عندما دعاه الله لمغادرة الوطن والرحيل إلى أرض كنعان. وأور هى المدينة التى تعرف فى الوقت الحاضر بإسم المقير. إن كلمة أور أو أورو كانت تعنى مدينة فى اللغة البابلية القديمة، وهى تتكرر مرة أخرى فى إسم أور شاليم ، بمعنى مدينة إله السلام ، ولكن جوناثان لم يكن يعرف اللغة البابلية القديمة ، ولذلك فقد تصور أن كلمة أور لابد أنها كانت تعنى نفس معنى كلمة أور فى العبرية ، بمعنى الضوء، أو النار فى الآرامية ، ومن ثم فقد ترجم الآية 7من الفصل 15 من سفر التكوين على النحو التالى (أنا الرب ، الذى أخرجك من نار الكلدان)، بدلاً من الترجمة الصحيحة( أنا الرب الذى أخرجك من مدينة الكلدان) ، كما علق أيضاً على الآية 28 من فصل سفر التكوين رقم11 بقوله(عندما ألقى نمرود بإبراهيم فى النار، بسبب رفضه لعبادة أوثانه ، فلم يصرح الله للنار بإيذائه) وهكذا نرى أن كل القصة نشأت من تفسير خاطئ لمجرد كلمة واحدة ، كلمة أور، وأن القصة ليس لها أساس فى الواقع. وليس من المحتمل أن يكون جوناثان هو أول من أخطأ هذا الخطأ ، بل يحتمل أنه قد نقله عن آخرين ، ولكن ، وفى كل الأحوال ، فإن النتيجة واحدة.
إنه ليس من المستغرب، أن يخطأ جوناثان بن عزايل مثل هذا الخطأ ، ولكن الغريب حقاً، أن يقبل رجل يدعى الوحى الإلهى مثل هذه الخرافة على أنها حقيقة، وأن يدخل أجزاء منها فى أماكن مختلفة فى كتاب قرأه للناس على أنه وحى من الله بواسطة الملاك جبريل ، وأن يعلم أتباعه الإيمان بها ، وأن يعتبرالإتفاق بين القرآن وبين الكتب المقدسة اليهودية ، والذى إفترض خطأً أنها تحتوى على هذه الخرافة ، فى هذا الموضوع ، وفى مواضيع مشابهة ، دليلاً على أنه نبى مفوض من الله.
3- قصة زيارة ملكة سبأ لسليمان
فيما يخص أصل هذه القصة ، وكما رويت فى القرآن ، فليس هناك أدنى شك فى أنها قد أخذت ، وبتغيير بسيط للغاية ، من الترجوم الثانى عن إستر، والمطبوع فى ميكروث شيدولوث . ولابد أن محمد قد إعتقد أنها تشكل جزءً من الكتاب المقدس اليهودى ، وقد راقت سخافاتها ذوقه وذوق العرب بحيث أدخلها ، فى سورة النمل فى القرآن ، حيث رويت بالشكل الآتى :
(وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، حتى إذا أتوا على وادى النمل قالت نملة ياأيها النمل إدخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده وهم لايشعرون، فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعنى أن أشعر نعمتك التى انعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين، وتفقد الطير وقال مالى لاأرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين، فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إنى وجدت إمرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لايهتدون، ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والأرض ويعلم ماتخفون وماتعلنون، الله لا إاله إلا هو رب العرش العظيم، قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، إذهب بكتابى هذا فإلق إليهم ثم تول عنهم فإنظر ماذا يرجعون، قالت ياأيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم ، أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا على وأتونى مسلمين، قالت ياأيها الملأ أفتونى فى أمرى ماكنت قاطعة أمر حتى تشهدون، قالوا نحن أولو قوة وأولوة بأس شديد، والأمر إليك فإنظرى ماذا تأمرين ، قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون).
فلما جاء سليمان قال (أتمدونن بمال فما أتانى الله خير مما أتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون، إرجع إليهم فلنأنتينهم بجنود لاقبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون، قال ياأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين، قال عفريت من الجن ، أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين، قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفاً فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربى ليبلونى أاشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم،قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لايهتدون، فلما جاءت قيل أهذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين، وصدها وماكانت تعبد من دون الله أنها كانت من قوم كافرين، قيل لها إدخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال أنه صرح ممرد من قوارير قالت ربى إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان رب العالمين).
إن هذه القصة تحذف بعض التفاصيل المذكورة فى الترجوم المدراشى ، وتختلف عنها فى بعض النقاط. حيث تقرر الترجوم أن العرش المملوك للملك سلمان كان محاطاً بأربع وعشرين نسراً فوق العرش ، تلقى بظلالها فوق رأس الملك عندما يجلس هناك ، وتطير به الى أى مكان يريده، ومن ثم فإننا نرى الترجوم وهى تمثل النسور كأنها من تحمل العرش ، بيما يقرر القرآن أن أحد العفاريت هو االذى قام بهذه الخدمة مرة واحدة فقط ، ومرة عندما كان العرش خالياً. ولكن وفيما يخص ملكة سبأ والخطاب الذى أرسله لها الملك بواسطة الطير، يوجد تشابه مثير بين الكتابين ، بإستثناء أن الترجوم يسمى الهدهد المذكور فى القرآن بديك الصحراء، والذى هو نفس الشئ تقريباً، وسوف نقدم هنا ترجمة لفقرة من الترجوم المدراشى، من أجل المقارنة بالرواية العربية.
ومرة أخرى، عندما كان قلب الملك سليمان جزلاً وهو يحتسى الخمر، أمر بإحضار ضوارى الحقول وطيور الهواء وزواحف الأرض والجن والأرواح وأشباح الليل لترقص أمامه، كى تظهر عظمته لكل الملوك الراكعين أمامه ، فإستدعاهم حجاب الملك بالإسم فإجتمعوا جميعاً ، بإستثناء المساجين والأسرى ، ومن يحرسهم. وفى تلك الساعة كان ديك الصحراء يمتع نفسه بين الطيور، ولم يعثر عليه. وأمر الملك بإحضاره بالقوة ، ورغب فى قتله. وعاد ديك الصحراء إلى حضرة الملك سليمان ، وقال له إستمع إلى سيدى ياملك الأرض، قرب أذنك وإسمع كلماتى ، ألم أستشر قلبى منذ ثلاثة أشهر وعزمت على أن لاأأكل ولاأشرب المياه قبل أن أرى كل العالم وأطير فوقه؟ وقلت أى منطقة أو مملكة لم تطع سيدى بعد؟ وياللهول فقد رأيت مدينة محصنة ، إسمها قيطورة ، تقع فى أرض شرقية. ترابها معبأ بالذهب، والفضة كالروث فى الشوارع ، وقد زرعت الأشجار هناك منذ البداية ، ومن جنة عدن يشربون الماء. وتسكن هناك حشود من الناس على رؤوسها أكاليل الغار. وفيها نباتات من جنة عدن القريبة منهم. يعرفون كيف يرمون بالقوس ، لكنهم لايذبحون به. وتحكمهم جميعاً إمرأة ، إسمها ملكة سبأ، فإذا مايسرك ياسيدى الملك، فسوف أستعد وأطير إلى قلعة قيطورة ، إلى مدينة سبأ ، وسوف أقيد ملوكهم بالسلاسل ، ونبلائهم بحلقات الحديد، وأحضرهم أمامك ياسيدى الملك.
سر هذا الكلام الملك، وتم إستدعاء الحجاب ،وكتبوا خطاباً وثبتوه بجناح ديك الصحراء.، فطار وإرتفع فى السماء وضغط على جناحيه ، وأصبح قوياً ، وحلق بين الطيور، وطاروا خلفه، ووصلوا إلى قلعة قيطورة ، إلى مدينة سبأ.وحدث أنه فى وقت الصباح أن ذهبت ملكة سبأ إلى شاطئ البحر للعبادة ، وحجبت الطيور الشمس، فوضعت الملكة يدها على ثيابها ومزقتها ودهشت وأرتبكت . وبينما هى على هذا النحو ، هبط إليها ديك الصحراء ، فرأته ورأت خطاباً مثبتاً فى جناحه ، ففتحت الخطاب وقرأته ، وكان به مايلى- منى ، أنا الملك سليمان ، السلام عليكم ، وعلى نبلائكم ، نظراً لإن الله قد جعلنى ملكاً على جميع ضوارى الحقول ، وطيور الهواء ، والجن والأرواح وأشباح الليل، وكل ملوك االشرق والغرب، والجنوب والشمال ، تعالى لتسألى عن صحتى ، وتنالى سلامى الآن ، فإذا كنت مستعدة للحضور ، فسوف أجعلك أعظم من كل الملوك ، الذين ينحنون أمامى ، أما إذا لم تكونى مستعدة للحضور، فسوف أرسل عليك الملوك والجيوش والفرسان.وإذا ماسألتى ماهى الملوك والجيوش والفرسان التى يملكها الملك سليمان، فإن ضوارى الحقول ملوك وجيوش وفرسان، وإذا ماسألتى أى فرسان، فإن طيور الهواء هى فرسانى وجيوشى من الجن والأرواح، وأشباح الليل هى جيوشى التى سوف تشنقك فى فراشك وداخل منزلك، وسوف تذبحك ضوارى الحقول، وسوف تأكل الطيورلحمك. وعندما سمعت ملكة سبأ كلمات الخطاب ، وضعت يدها على ثيابها للمرة الثانية ومزقتها وأرسلت تستدعى الكبراء والنبلاء ، وقالت لهم ، هل تعرفون ماذا أرسل لى الملك سليمان ، فأجابوها قائلين ، نحن لانعرف الملك سليمان ، ولانضع لمملكته أى إعتبار، لكنها لم تقتنع ولاحتى إستمعت إلى كلماتهم، وأرسلت وإستدعت كل سفن البحر وحملتها بالهدايا والجواهر والأحجار الكريمة ، وأرسلت إليه ستة آلاف صبى وصبية ، كلهم ولدوا فى نفس السنة ، وفى نفس الشهر، وفى نفس اليوم ، وفى نفس الساعة ، وكلهم بنفس الشكل وبنفس التكوين، وكلهم فى ثياب أرجوانية، وكتبت خطاباً وأرسلته معهم للملك سليمان، قالت فيه(إنه من قلعة قيطورة حتى أرض إسرائيل ، تستغرق الرحلة سبع سنوات ، لكنى ومن خلال صلواتك ودعواتك التى رجوتها منك ، فسوف أصل إليك فى نهاية ثلاث سنوات). وحدث فعلاً أن وصلت ملكة سبأ إلى الملك سليمان فى نهاية ثلاث سنوات ، وعندما سمع الملك سليمان بوصولها ، أرسل إاليها بنياه إبن جيهودا ، يستقبلها ، والذى كان مثل الفجر حين يستيقظ وقت الصباح ، ونجم البهاء فينوس ، الذى يشرق ثابتاً بين النجوم، وزهرة السوسن على حافة الماء، وعندما رأت ملكة سبأ بنياه بن جيهودا ترجلت من مركبتها، فقال لها بنياه، لماذا تترجلين من مركبتك، فسألته، ألست الملك سليمان، فأجابها ، لست الملك سليمان ، ولكنى أحد الخدم االذين يقفون أمامه ، فأدارت وجهها للخلف ونطقت بأحد الأمثال لنبلائها وقالت ( إذا لم يكن الأسد قد ظهر لكم ، فقد رأيتم ذريته ، فإذا لم تكونوا رأيتم الملك سليمان ، فقد رأيتم جمال أحد الرجال الذين يقفون أمامه).
وأحضر بنياه بن جيهودا ملكة سبأ أمام الملك سليمان، وعندما سمع الملك سليمان بوصولها ، قام وجلس فى منزل زجاجى ، وعندما رأت ملكة سبأ ذلك ، تصورت أن الملك يجلس فى الماء ، فرفعت ثيابها حتى تعبر الماء ، فلاحظ الملك وجود شعر على ساقيها ، فقال لها ، إن جمالك جمال إمرأة ، لكن شعرك شعر رجل ، والشعر جميل للرجال ، لكنه معيباً للنساء، فقالت له ملكة سبأ( سيدى الملك ، سوف أقول لك ثلاثة أمثال ، والتى إذا فسرتها لى ، سوف أعرف أنك رجلاً حكيماً ، وإذا لم تستطع ، فأنت مثل باقى الرجال ) وحل سليمان الألغاز الثلاثة ، فقالت له الملكة ، فليتبارك إلهك ، الذى أحبك ، وأجلسك على عرش مملكتك لتحكم بالعدل بين الناس، وأعطت الملك كثير من هدايا الذهب والفضة ، وأعطاها الملك كل ماترغب.
وفى هذه الرواية اليهودية، نرى ذكر بعض الأحاجى التى رغبت الملكة من سليمان أن يفسرها لها ، ورغم أن هذه المسألة غير مذكورة فى القرآن، فإنها مسجلة بالكامل فى الأحاديث ، ولإن ماذكره القرآن بخصوص خطأ الملكة بالرصيف الزجاجى بنبع عميق من الماء ، لايمثل رواية تامة للحدث كما جاءت فى الترجوم ،فإن بعض الكتاب المحمدين قد قاموا بإكمال التفاصيل.فعلى سبيل المثال ، فإننا نقرأ الآتى فى الصفحة رقم438 من عرائس المجالس(وكشفت عن ساقيها بحيث يمكنها أن تعبر الماء إلى سليمان ، فنظر إاليها سليمان، فكانت أجمل النساء من الساق إلى القدم ، بإستثناء أن ساقيها كانت مشعرتين ، وعندما رأى سليمان ذلك ، فقد صاح ليمنعها، قائلاً ، إنما هو قصر مرصوف بالزجاج)
وربما يعود ذكر الرصيف الزجاجى إلى إعادة صياغة مضطربة للبحر المذاب فى معبد أورشليم ، (سفر الملوك الأول ، الفصل السادس ، الإصحاح الثالث والعشرين) بينما تبدو كل العجائب الأخرى، خيالات يهودية واضحة. وتبدو كل الرواية اليهودية خرافية بشكل واضح ، بحيث أنه لأمر مثير للإستغراب أن يعتبرها محمد رواية حقيقية. ومع ذلك ، وإلى حد ما ، فإن بعض الأحداث المذكورة ، قابلة للتفسير أكثر من الأخرى ، فعلى سبيل المثال، فإن الفكرة المنتشرة فى الشرق حتى اليوم بأن سليمان قد سيطر على كثير من الأرواح الشريرة ، قد إشتقها اليهود من فهم خاطئ للكلمات العبرية ، سيدة وسيدات ، المذكورة فى سفر الجامعة، والتى يبدو أن المفسرين قد أخطأوا معناها ، والذى لايتكرر فى أى مكان آخر فى الكتاب المقدس، بحيث فسروها بأنها تعنى بعض الشياطين. ومن ثم فقد ورد الحديث عن سليمان فى كل من الأسطورة اليهودية وفى القرآن ، بأنه كان يمتلك جيوشاً من أرواح عديدة من الجن. إن قصة التاجر والجنى فى ألف وليلة وليلة هى نموذج آخر على نفس المعتقد، وإنه من الغريب أن نجد النبى محمد يبارى كاتب هذا الكتاب العجيب كراوى حكايات ، رغم أن مصدر القصة القرآنية معروف. ومع ذلك ، وبالتأكيد ، فقد تفوق محمد على منافسه فى السذاجة ، لإن الأخير، لم يعتقد، أنه قد إستقبل حكاياته العجيبة من السماء.
ويقدم لنا التسجيل الوارد فى سفر الملوك الأول، الإصحاح من 1-10، والمكرر فى سفر الأخبار الخامس ، الإصحاح من 1-9، الأساس التاريخى لكل الرواية، والذى لايخبرنا بأى عجائب عن سليمان ، ولاعن الجن والعفاريت والقصور الزجاجية ، ولكن مجرد حكاية بسيطة عن زيارة لسليمان ، قامت بها ملكة سبأ ، التى كانت جزءً مشهوراً من الجزيرة العربية.
(وعندما سمعت ملكة سبأ عن شهرة سليمان، وإيمانه، حضرت لتختبره بأسئلة صعبة. فحضرت إلى أورشليم فى قافلة عظيمة، بجمال تحمل التوابل وكثير من الذهب والأحجار الكريمة، وعندما حضرت أمام سليمان تناجت معه بكل ماكان فى قلبها، وأجاب سليمان على كل تساؤلاتها، ولم يخفى عنها شيئاً. ولما رأت ملكة سبأ كل حكمة سليمان، والمنزل الذى بناه، ولحوم مائدته، ومواضع خدمه ، وحضور وزرائه ومظهرهم، وسقاته ، وبهائه الشخصى وهو يصعد إلى المعبد، خارت قواها وقالت للملك منبهرة، لقد كان كلاماً صحيحاً ، ذلك الذى سمعته فى بلادى عن أعمالكم وحكمتكم، ومع ذلك ، فأنا لم أًصدق الكلمات حتى حضرت بنفسى ورأيت بعينى، فكان مارأيته من حكمة ونعمة، أكثر من شهرتكم التى سمعت عنها. فليسعد رجالك،و خدمك ، الذين يقفون دائماً أمامك، ويسمعون حكمتك. وليتبارك الله، إلهك، الذى أشرق داخلك، ليضعك على عرش إسرائيل، لإن الله قد أحب إسرائيل دائماً، لذلك فقد جعلك ملكاً لتحكم بالعدل ، وأعطت الملك مائة وعشرين تالنت من الذهب، وكمية ضخمة من التوابل والأحجار الكريمة ، لم يُهدى أحد مثلها أبداً).
ورغم أن كثيراً من الروايات الأخرى المذكورة فى القرآن قد إقتبست من الخرافات اليهودية، فليس هناك ضرورة للإستشهاد بها كلها تفصيلاً. وفى كل حالة يبدو محمد جاهلاً بتاريخ الأنبياء الحقيقى ، كما روى فى الكتب القانونية للعهد القديم. ويعود ذلك، بلاشك، إلى أن يهود الجزيرة العربية لم يكونوا مثقفين، وكانوا على معرفة أكبر بخرافات التلمود(والمدراش)من معرفتهم بالكتاب المقدس. وقبل أن نمضى لمناقشة مزيد من المواضيع الهامة، لابد أن نعالج قصة هاروت وماروت، الملكان اللذان إرتكبا الخطيئة فى بابل. إن لهذه الأسطورة أهمية كبيرة ، كما يمكن لنا أن نتتبعها فى مصدرها اليهودى مبدئياً ، ثم يمكن لنا أن نتبين بعد ذلك، أنها مختلطة المصدر، وسوف نرويها أولاً كما وردت فى القرآن والأحاديث، ثم نشير إلى الأساطير اليهودية وغير اليهودية التى إشتقت منها.
4- قصة هاروت وماروت
ذُكر هذان الملكان فى الآية 102 من سورة البقرة( وماكفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وماأنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت،ومايعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلاتكفر). وفى شرح هذه الآية نجد القصة التالية فى عروس المجالس، والتى قيلت بناء على مرجعية الأحاديث المحمدية. يقول المفسر أنه عندما رأت الملائكة الأعماال الشريرة للبشر، التى وصلت إلى السماء زمن النبى إدريس ، فقد وبختهم وتبرأت منهم وقالت ، إن هؤلاء الذين جعلتهم وكلاء فى الأرض ، هؤلاء الذين إخترتهم ، قد عصوك. فقال الله العلى القدير ، إذا ماأرسلتكم إلى الأرض ، وغرست فيكم ماغرسته فيهم ، فسوف تفعلون مثلما فعلوا. فقالوا ، معاذ الله ياربنا ، فإننا لايمكن أن نعصيك. فقال الله ، إختاروا إثنين من أفضلكم ، وسوف أرسلهما إلى الأرض ، وبناء على ذلك إختاروا هاروت وماروت ، اللذين كانوا من جيوش السماء ، ومن أكثر الملائكة تقوى. ويقول الكلبى ، إن الله العلى القدير ، قد قال إختاروا ثلاثة منكم ، فإختاروا عاز وهو هاروت ، وعزابى وهو ماروت ، وعزرائيل، وأن الله قد غير من إسمى الملكين الأولين عندما إنغمسا فى الخطيئة ، كما غير إسم إبليس ، الذى كان إسمه الأصلى عزازيل. ثم غرس فيهم الله الغرائز والرغبات التى غرسها فى البشر وأرسلهم جميعاً إلى الأرض ، وأمرهم أن يحكموا بالعدل بين الناس ، ومنعهم من الشرك والقتل والنجاسة وشرب الخمر.
وبالنسبة لعزرائيل، فعندما دخلت الرغبة إلى قلبه، فقد طلب العفو من ربه وترجى أن يأخذه إلى السماء ، فعفى عنه الله وأخذه إلى السماء، حيث تعبد لأربعين عاماً ثم رفع رأسه ولم يتوقف بعد ذلك عن إحنائها خجلاً من الله العلى القدير، أما بالنسبة للملكين الاخرين، فقد ظلا حيثما هما ، وإعتادا أن يحكما بين الناس أثناء النهار، وفى المساء يرددا إسم الله العلى القدير، ويصعدان إلى ىالسماء، ويذكر قتادة أنه لم يمر شهر حتى ضعفا أمام الإغراء ، لإنه فى أحد الأيام ، لجأت إليهم زهرة فى أحد القضايا ، وكانت واحدة من أجمل النساء، ويذكر على أنها كانت من فارس، وكانت ملكة فى بلادها، وعندما رآها الملكان، أسرت قلبيهما ورغبا فيها كلاهما ، لكنها رفضت ، وإنصرفت عنهما، ثم عادت إليهما فى اليوم التالى ، ففعلا كما فعلا من قبل، فقالت لا لن أمنح لكما نفسى، بدون أن تعبدا ماأعبد ، وتصليان لهذا الوثن وتقتلان وتشربان الخمر، فقالا ، لايمكننا فعل هذه الأشياء حيث حرم علينا الله فعلها، فإنصرفت عنهما مرة أخرى، ثم عادت فى اليوم التالى ومعها كأس من الخمر وحاولت إغرئهما ، فرغبا فيها ، فرفضت وإقترحت عليهما قبول ماعرضته عليهما فى اليوم السابق ، فقالا لها ، أن نعبد أحد غير الله فهذا شئ فظيع ، وأن نقتل فهذا شئ فظيع أيضاً ، وإن أسهل المحرمات الثلاث هو شرب الخمر، ومن ثم قبلا بشرب الخمر ، وغشيهما السكر ، وجامعا المرأة، وتصادف أن رآهم أحد الرجال فقاما بذبحه ، ويذكر الكلبى بن أنس أنهما قد عبدا الوثن. ثم حول الله زهرة إلى نجم. ويذكر على والسعدى والكلبى أنها قالت للملكين، أنكما لن تنالانى حتى تعلمانى الطريقة التى بها تصعدان إلى السماء، فأجاباها ، بأننا نصعد إلى السماء بإسم الله العظيم ، فقالت لهما ، لن تنالانى إلا إذا علمتمانى إياه ، فقال أحدهما لرفيقه، علمها إياه، فأجابه ، إنى أخاف الله ، فقال رفيقه، فأين هى إذن رحمة الله العلى القدير، ثم قاما بتعليمها الإسم العظيم، فنطقت به وصعدت إلى السماء، فحولها الله العلى القدير إلى نجم.
إن زهرة هى الإٍسم العربى للكوكب فينوس، وإن عدد المراجع الذى إستشهد بها على الأشكال المختلفة لهذه القصة لهو دليل كاف على أنها قد قبلت بين جمهرة المسلمين على أنها قد نقلت عبر الأجيال عن أحاديث نبيهم . ومع ذلك فهناك إشارات عديدة فى القصة تدل على أصلها اليهودى، وأحد هذه الإشارات هى فكرة أن أى إنسان يعرف الإسم الخاص لله، الإسم الذى لايمكن إعلانه ، كما يسميه اليهود، يمكن له أن يفعل أشياء عظيمة، وعلى سبيل المثال ، فإنه من المعروف جيداً، أن بعض الكتاب اليهود فى العصور القديمة كانوا يفسرون معجزات الله بالتأكيد على أنه كان يقوم بها بنطق هذا الإٍسم Tetragramation . وأيضاً فإن إسم الملاك عزرائيل ليس إسماً عربياً، بل إسماً يهودياً. إن لدينا دليل إضافى مباشر على الأصل اليهودى للقصة ، والمذكور فى المدراش يلكوت 47 ، فى الكلمات التالية:
(وسأل التلاميذ الأب يوسف، من هو عزايل ، فقال لهم ، أنه عندما عبد الناس الذين عاشوا فى زمن الطوفان الأصنام ، غضب الله العظيم غضباً شديداً ، وعلى الفور نهض منهم ملكان ، شمهازى وعزايل، وقالوا فى حضرته ، يارب العالم ، ألم نقل فى حضرتك ، عندما خلقت العالم ، ماهو هذا الإنسان ، الذى تهتم به كل هذا الإهتمام ، فقال لهم ، وفيما يخص العالم ، وماذا سيحدث له ، فقالوا له ، نعم يارب العالم ، فسوف نحكمه ، فقال لهم ، أنه واضح ومعروف لى ، أنكم إذا ماسيطرتم فى الأرض ، فإن الرغبات الشريرة سوف تسيطر عليكم، وسوف تكونوا أكثر حمقاً من أبناء الإنسان ، فقالوا له، إعطنا الإذن ، وسوف نسكن مع الخلق ، وسوف ترى كيف سنقدس إسمك ، فقال لهم ، إنزلوا إلى الأرض وإسكنوا معهم، وفوراً رأى شمهازى فتاة جميلة إسمها إستر، فثبت عيناه عليها وقال ، فلتكونى لطيفة معى ، فقالت له، لن أستمع إليك حتى تعلمنى الإسم الخاص لله ، والذى عندما تردده ، يمكنك الصعود إلى السماء ، فعلمها إياه ، فرددته وصعدت هى الأخرى إلى السماء ، وأكرمها الله العظيم وقال ، حيث أنها قد إبتعدت عن الإثم ، فلتسكنوها بين النجوم السبع ، حيث لا يمكن أن ترغبوا فيها أبداً بعد ذلك ، فأسكنوها الثريا. وسرعان ماإختلطا مع بنات الإنسان الجميلات ، ولم يستطيعا كبح رغباتهما ، فإتخذا الزوجات وأنجبا الأبناء ، الولاد والبنات ، وأصبح عزايل أستاذاً لكثير من أنواع حلى وزينة النساء ، التى جعلت الرجال ، ميالين للتفكير فى الإثم. ويجب أن نلاحظ أن عزايل المدراش هو عزرائيل الأساطير المحمدية.
إنه من المستحيل على أى إنسان أن يقاوم إدراك أن القصة المحمدية مشتقة من القصة المدراشية ، ومع ذلك فهناك بعض النقاط الهامة فى الشكل المحمدى لهذه الخرافة، والذى يتطلب الإهتمام قبل فحص السؤال ، من أين تعلم اليهود أنفسهم هذه القصة الخرافية ؟ إن أحد هذه النقاط يكمن فى أصل إسمى هاروت وماروت، حيث يقال أن هذين الملكين، هاروت وماروت، كان لهما إسمين أصليين آخرين ، هما آزاد وأزابى ، وأن الإسمين الأخيرين قد تشكلتا من جذور مرتبطة باللغتين العبرية والعربية. ومع ذلك ، فإننا نجد فى المدراش، أن الملاكين اللذان إرتكبا الخطيئة المشار إليها يسميا، شمحازى وعزايل، وذلك بينما تقول الأسطورة العربية أن عزرائيل ، وبالرغم من أنه لم ينزل من السماء ، قد صاحب هاروت وماروت كعضو ثالث فى المجموعة ، ثم رجع بعد ذلك إلى السماء دون أن يرتكب خطيئة حقيقية. وهو الآن يعتبر بين المسلمين كملاك الموت، وهو الدور الذى يلعبه صمائيل بين اليهود. وتقول الأسطورة العربية أن إسمى هاروت وماروت لم يعطيا لهذين الملكين إلا بعد أن إرتكبا الخطيئة. إن المعنى المتضمن فى ذلك يصبح واضحاً عندما نكتشف أن الإسمين هما لإلهين أرمينين قديمين، كان الأرمينيون يعبدونهما قبل تحولهما إالى المسيحية فى القرنين الثالث والرابع الميلاديين ، حيث كانا يسميان بهوروت وموروت، وقد ذكر كاتب أرمينى حديث، الدور الذى كان يفترضا أنهما يؤدياه فى الميثولوجيا القديمة لبلاده بهذه الكلمات:
(فبلا شك ، كان هوروت وموروت ، بين مساعدى الإلهة سباندرا ميت ، آلهة جبل ماسيس - جبل أرارات - وكذلك أمين ابنج ، وربما آلهة أخرى أيضا مازلت غير معروفة لنا. لقد كانت هذه الآلهة هى الآلهة الخاصة بخصب ونماء الأرض، إن الآلهة سباندرا ميت هى إلهة الأفيستا، سبنت أرميتى ، الملاك الأنثى الكبير المشرف على الأرض وحارس النساء الفاضلات. ويبدو هوروت وموروت فى الأفيستا كهورفات أو هورفاتات وأميريتات ، آلهة الوفرة والخلود والتى تشكل الآلهة الخامسة والسادسة من الأمشاباند - أرنيشا وسبنتا - ألهة الوفرة والخلود، والتى تلعب دور المساعد الرئيسى لأهورا مازدا، خالق كل الأشياء الجميلة. وفى الأفيستا يبدو هورفاتات وأميريتات كرفيقين غير قابلين للإنفصال ، مثل هوروت وموروت فى الميثولوجيا الأرمينية. ويشرف الأخير على كل المملكة النباتية. وقد حُرفت هذه الأسماء فى اللغة الفارسية الأحدث إلى كورداد ومورداد ، وأعطى هذين الملكين الطيبين إسمهما للشهر الثالث والخامس من السنة. وتبدو الكلمات ذا أصل آرى بحت، وتأتى فى شكلها المناسب فى السنسكريتية - سرفاتا وأمريتا - وتأتى الأولى فى شكل سرفاتاتى فى الفيدا. وتمثل الأسطورة الآرية تلك الآلهة المانحة الخصب للأرض فى شكل الآلهة سبنتا أرميتى، التى تشرف على كل أشكال النماء. لقد كانت كائنات مقدسة وكان نزولها إلى الأرض بناء على مشيئة أهورا مازدا ، كما كان الحال فى الأسطورة المحمدية ، لكن تنفيذ هذا النزول لم يرتبط بأى فكرة عن الخطيئة. وبإقتباس أسمائهما من الميثولوجيا الأرمينية والفارسية القديمة - هاروت وماروت - فقد ربطهما محمد ، أو محدثه ، بالملكيين الخاطئين فى الميثولوجيا اليهودية المدراشية ، شمحازى وعزايل ، وكما سوف نرى فى الوقت المناسب، فقد أخذ محمد كثيراً من المعلومات من المصادر الفارسية واليهودية، و قد كان هناك تشابه كافى بين أصل الأسطورتين المستقلتين ، جعله يعتقد أنهما شئ واحد، ومن هنا جاءت الظاهرة الغريبة لظهور إثنين من الجن الآريين ، وكأنهما الفاعل الرئيسى فى مشهد مقتبس من التلمود والمدراش.
5- قصة جبل سيناء
لن نستطيع أن نذكر بنفس التفاصيل الكاملة ، كل النقاط الأخرى ، التى إستعار فيها القرآن من الأساطير اليهودية. إن فحص ماذكر فى القرآن بشأن يوسف وداود وشاؤول (طالوت)، على سبيل المثال، سوف يظهر كيف أن هذه الروايات تختلف بشكل كبير فى رواية الكتاب المقدس عن هؤلاء الأشخاص، ففى معظم هذه الأمثلة ، إن لم يكن فيها كلها ، فإن السبب فى هذا الإختلاف عن رواية الكتاب لمقدس يكمن فى حقيقة أن محمد قد إتبع الأساطير اليهودية المعروفة فى عصره، بدلاً من التاريخ الحقيقى لهؤلاء الرجال، كما ورد فى النص المقدس. وأحياناً كان يسئ فهم تلك الأساطير، وأحيناً كان يتوسع فيها من خياله أو من مصادر أخرى. لكن الأساطير التى عالجناها بشئ من الإسهاب، سوف تخدم كنماذج لكل الأساطير المشابهة. ونتقدم الآن للتعامل مع أمثلة أخرى يبدو فيها أخذ القرآن من الأساطير اليهودية واضحاً.
تقول الآية رقم 171 من سورة الأعراف رقم 7 ،( وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ماأتيناكم بقوة وإذكروا مافيه لعلكم تتقون). ويفسر جلال الدين ، وغيره من المفسرين المحمديين هذه الآية بإخبارنا أن الله قد رفع جبل سيناء من أساسه وجعله فوق رؤوس بنى إسرائيل فى الصحراء ، مهدداً بجعله يسقط عليهم ويسحقهم، إذا لم يقبلوا بالوصايا المذكورة فى قانون موسى، هذه الوصايا التى رفضوا إطاعتها قبل ذلك بسبب قسوتهم، ولكنهم عند سماع هذا التهديد قبلوا بوصايا موسى- قانون موسى، ثم نطق الله باقى الكلام المذكور فى الآية المستشهد بها أعلاه ، إن نفس الأسطورة مشار إليها فى سورة البقرة رقم 2 الآيات من 60-87 والآية 63 تحديداً( وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة وإذكروا مافيه لعلكم تتقون).
إن أصل الأسطورة يوجد فى الرسالة اليهودية التلمودية (أبودا زارا) حيث أخبرنا أنه فى تلك المناسبة، قد مثل الله وهو يقول لبنى إسرائيل، لقد غطيتكم بالجبل كجفن العين، كما ورد أيضاً فى رسالة السبت التلمودية رقم 88، إن هذه الكلمات تعلمنا أن الله، تبارك وتعالى، قد جعل الجبل فوقهم كوعاء، وقال لهم، إذا ماقبلتم بالوصايا أحسنتم، وإلا لجعلت الجبل لكم قبراً.
ربما يكون من الضرورى أن نقول انه لايوجد شئ يشبه تلك الخرافة فى التوراة، وأنها قد نشأت عن خطأ أحد المفسرين اليهود ، الذى أساء فهم كلمات الكتاب المقدس. فلقد أخبرنا فى سفر الخروج أنه عندما نزل موسى من الجبل بلوحين من الحجارة بيديه، فقد رأى الإسرائيلين يعبدون العجل الذهبى الذى صنعوه بأنفسهم. وفى غضبه لهذا المشهد المشين ألقى بالألواح الحجرية من يديه وكسرهما أسفل الجبل أو تحت الجبل. وفى كلا الحالتين فإن العبارة تعنى قدم الجبل. لكن يهود العصور التالية، السذج المحبين للعجائب، إختاروا أن يسيئوا فهم العبارة، ومن ثم تم إختراع أسطورة وضع الجبل فوق رؤوس الرجال، لتفسر كلمات تحت الجبل. ومع ذلك فإن قصة الإمساك بجبل فوق رؤوس الرجال تتشابه بشكل عجيب مع أسطورة هندوسية ترتبط بالساسترا السنسكريتية ، حيث يقال أن الإله كريشنا، وفى رغبته فى حماية شعب مدينة جوكولا، مسقط رأسه، من عاصفة مطرية شديدة، فقد سحب من قاعدته الصخرية جبل يسمى بجوفاردانا، والذى كان يمثل أكبر الجبال، وعلى مدى ىسبعة أيام وسبع ليالى ، قام بتعليقه على أطراف أصابعه فوق رؤوسهم كأنه مظلة. إننا لايمكن أن نفترض أن اليهود قد إستعاروا تلك القصة من الهندوس، ولكنه من الواضح أن محمد قد أخذ القصة المشار إليها فى القرآن من مصدر يهودى، بينما كان اليهود قد قبلوا بالقصة أو إخترعوها من التفسير الحرفى والغير طبيعى لعبارة أسفل الجبل.
ومع ذلك، فإن تلك ليست هى العجيبة الوحيدة التى يرويها القرآن، فيما يخص ماحدث أثناء إقامة الإسرائيليين فى صحراء سيناء، وليست أقل غرابة مما أخبرنا به عن العجل الذى صنعوه للعبادة أثناء غياب موسى. فقد أُخبرنا فى سورة طه، أنه عندما عاد موسى ووبخهم على هذا، قالوا له (ماأخلفنا موعدك ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها - فى النار- وكذلك ألقى السامرى، فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار، فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى. وتقول ملاحظة الجاليلى - السامرى - أن العجل قد صنع من لحم ودم ، ولذا فقد أصبح يمتلك القدرة على الخوار، لإن الحياة قد منحت إليه من خلال حفنة تراب ، من الأثر الذى تركه حافر حصان الملاك جبريل، والتى جمعها السامرى ووضعها فى فم العجل ، تبعا للآية 96 من نفس سورة طه، التى تقول ( قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لى نفسى).
إن هذه الأسطورة تستغفل اليهود أيضاً ، كما هو واضح من المقتطف التالى الذى ترجمناه من النص 45 من فصول الحاخام عيزرا المدراشية، والذى يقول، وخرج ذلك العجل يخور، ورآه الإسرائيليون، وقال الحاخام يهودا أن شمايل كان مختباً داخله، وكان يخور كى يخدع إسرائيل. ولابد أن فكرة أن العجل كان قادراً على الخوار قد أتت من إفتراض أنه برغم صناعته من ذهب ، تبعاً لسفر الخروج، فقد كان حياً، حيث كان قادراً على الخروج من النار. وهنا نرى مرة أخرى إن إستخدام التعبير المجازى عندما يؤخذ حرفياً يؤدى إلى ظهور أسطورة لتفسيره. لقد ذهب المفسر المحمدى، فى شرح عبارة - عجلاً جسداً - فى القرآن على أنها تشير على أنه كان من دم ولحم ، مجرد خطوة إلى الأمام ، وقد فعل ذلك ليشرح ، كيف كان يمكن للعجل أن يخور. ويبدو أن محمد قد فهم معظم الأسطورة اليهودية بشكل صحيح، لكن كلمة صمايل أربكته، وغير مدرك لإن تلك الكلمة هى الإسم اليهودى لملاك الموت ، وربما أيضاً لتشابه النطق مع كلمة سامرى ، فقد وقع فى ذلك الخطأ ، لإنه كان يعلم أن اليهود كانوا أعداءً للسامريين، ومن ثم فقد تصور أنهم قد نسبوا صناعة العجل لواحد منهم. وبلاشك فقد تأكد له ذلك الإعتقاد من بعض الروايات الغير صحيحة التى سمعها بأن جيروبوم، ملك ماأصبح يعرف بعد ذلك بسامريا، قد جعل إسرائيل ترتكب الخطيئة ، بقيادتهم نحو عبادة العجول التى صنعها وأقامها فى دان وبيت إيل ،(سفر الملوك) ولكن حيث أن مدينة سامريا لم تكن قد بنيت بعد، أو على الأقل سميت بذلك الإسم، إلا بعد مئات من السنين من وفاة موسى، فإن إستخدام ذلك الإسم فى غير زمانه يبدو مضحكاً ، وقد يبدو مذهلاً فى أى كتاب آخر غير القرآن ، الذى تظهر فيه بإستمرار كثير من مثل تلك العجائب. فهنا، وكما هو الحال فى كثير من الأمثلة الأخرى، فإن جهل محمد بالكتاب المقدس، ومعرفته بدلأ من ذلك بالأساطير اليهودية (المدراشية )، يبدو شديد الوضوح ، وإنه من غير الضرورى أن نشير إلى أن صانع العجل الذهبى فى الكتاب المقدس هو هارون، وليس صمايل ولا السامرى.
ومرة أخرى فى سورة البقرة رقم 2 ، الآيات 54-55، أخبرنا بأن الإسرائيليين قالوا ،( ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتككم لعلكم تشكرون). إن هذه الخرافة مأخوذة أيضاً من اليهود ، حيث أخبرنا فى رسالة السنهدرين ، الفقرة 5 ، أنهم قد ماتوا عند سماعهم الصوت الإلهى (فى الرعد) ولكن الله نفسه توسط لهم ، وتم ردهم إلى الحياة. وإذا كان من الضرورى البحث عن أى أساس لمثل هذه الخرافة ، فربما نجدها فى كلمات العبرانيين فى الفصل 19 من سفر الخروج، و الفصل 25 من سفر تثنية الإشتراع ، لاتدع الله يتحدث إلينا خشية أن نموت.
6- قصة اللوح المحفوظ
يعتقد جميع المسلمين، أن القرآن قد كُتب فى لوح محفوظ، بزمن طويل قبل خلق العالم، وإن هذا الإعتقاد يتماشى مع ماهو مذكور فى الآيات 21-22 من سورة البروج ،( بل هو قرآن مجيد ، فى لوح محفوظ)، ولكن من الغريب أنهم لايعتقدون أن المزاميز هى من نفس القدم ، رغم ماذكر فى الآية 105 من سورة الأنبياء،( ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحين). والمرجع هنا هو الآيات الحادية عشر والتاسعة عشر من سفر المزامير، وهو النص الوحيد المقتبس بالإسم من العهد القديم فى القرآن، وذلك رغم وجود نحو 131 آية فى القرآن تذكر فيها القوانين والمزامير والأناجيل، بإحترام وتوقير، على أنها كتب منزلة من الله لأنبيائه ورسله. وقد يبدو واضحاً لمعظم الناس أنه لايمكن الإقتباس من كتاب أو الإشارة إليه كمرجع قبل أن يوجد فعلاً، وعلى ذلك فإن أسفار الكتاب المقدس لابد أنها كانت موجودة قبل القرآن، وبالطبع فنحن نعرف من التاريخ أن هذا هو الواقع فعلاً، فكيف يمكن إذن أن يقتبس القرآن المخلوق فى اللوح المحفوظ قبل خلق العالم، من كتاب وجد بعد خلق العالم؟، ويبدو أن هذا التناقض ليس له أى إعتبار لدى المسلمين، الذين مازالو متعلقين بإيمانهم بأن القرآن خلق فى اللوح المحفوظ قبل خلق العالم. و بناء على ذلك فسوف نتقدم فى بحثنا لإستكشاف ماذا يقول تراثهم فى تفسير تلك الآية، وسوف نجد الإجابة فى مثل تلك الروايات الموجودة فى الصفحة 3-4 من قصص الأنبياء، والتى تروى الطريقة التى خلق بها الله كل الأشياء وتقول:
(ومن تحت العرش، أو فى السماء العليا ، خلق الله درة، ومن تلك الدرة خلق اللوح المحفوظ،، وإرتفاعه رحلة سبعمائة سنة، وعرضه رحلة ثلثمائة سنة، مرصعاً بالياقوت الأحمر، ثم بقوة الله تعالى صدر الأمر إلى القلم إكتب علمى فى خلقى ومايجرى إلى يوم القيامة، فكتب أولاً فى اللوح المحفوظ، بسم الله الرحمن الرحيم، أنا الله لا إله إلا أنا، من يخضع لقضائى ويصبر على ماأبتليه، ويشكر على نعمى، كتبت إسمه ورفعته مع الصادقين، ومن لم يرض بقضائى ويصبرعلى ماأبتليته، ويشكر على نعمى، فليبحث عن رب غيرى، وليخرج من تحت سمائى، وبناء على ذلك سجل القلم علم الله تعالى فى خلق كل شئ أراده إلى يوم القيامة، حتى الدرجة التى تتحرك بها ورقة الشجر أو تنزل أو تصعد، وكتب كل مثل هذه الأشياء، بقدرة الله تعالى) ملحوظة/ يختلف النص الذى ترجمه المؤلف هنا بشأن اللوح المحفوظ عن النص الأصلى المذكور فى قصص الأنبياء لأبى الفدا إبن كثير، ولعله جمعه من فقرات متفرقة، وليس من الفقرات المباشرة الخاصة باللوح المحفوظ التى وردت فى قصص الأنبياء والتى تقول( إن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور لله فيه كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل مايشاء/المترجم).
والواقع أن قصة اللوح المحفوظ مأخوذة من اليهود أيضاً، ففى سفر تثنية الإشتراع الفصل 10 الإصحاحات من 1-5، قد عرفنا أنه عندما قام موسى، وبناء على أوامر الله، بعمل لوحين من الحجر مماثلين لذلك الذى حطمه، فقد كتب الله عليهما الوصايا العشر، وأمر موسى بأن يحفظهما فى تابوت من خشب السنط. إن كلمة اللوح العبرية، والمستخدمة هنا، تتطابق تماماً مع الكلمة العربية لوح ، ففى سفر الملوك الأول، الفصل 8 الإصحاح 9 ، وكذلك فى سفر العبرانيين الفصل 9 الإصحاح 3-4 ، نعلم أن هذين اللوحين قد حفظا فى تابوت العهد، الذى صنعه موسى بناء على أوامر الله. إن هذه هى الرواية التى تتداخل فيها قصة لوح محفوظ مع وصايا الله، والذى ظهر تدريجياً بقدرته بين اليهود، وبعد ذلك بين المحمديين، ومن لغة آيات سورة البروج رقم 21-22 التى ترجمناها أعلاه، يبدو من الواضح أنه قد وجد فى عقل محمد ، ليس لوح واحد فقط، ولكن على الأقل لوحين محفوظين، لإن الكلمة تأتى فى النص العربى كلوح محفوظ وليس اللوح المحفوظ ، كما يبدو فهم المحمديين لها حتى اليوم، وعلى ذلك فلابد أن هذا يعنى إشارة إلى اللوحين الذين أعدهما موسى وحفظهما فى تابوت العهد، ولإن هذين اللوحين قد حفظا فى معبد الخيمة، التى مثلت حضور الإله بين شعبه، فمن الطبيعى أن نتحدث عنهما بصفتهما محفوظين فى حضرة الإله، ومن هنا يأتى أصل خرافة أن اللوحين كانا محفوظين فى السماء، ولا يصبح من الصعب إستنتاج مصدرها القديم من هذا المعتقد.
ولكن لماذا يؤكد محمد أن القرآن قد كتب على احد هذين اللوحين ، للإجابة على هذا السؤال لابد لنا من الرجوع لليهود مرة أخرى لنعلم ماذا كانوا يعتقدون فى زمن محمد وقبل ذلك، فيما كتب على هذين اللوحين، اللذين كانا قد تم حفظهما فى تابوت العهد. فبرغم حقيقة أن سفر الإشتراع يقرر صراحة أن الوصايا العشر هى كل ماكتب فقط على هذين اللوحين، فقد إنتشر الإعتقاد بعد ذلك بأن كل كتب العهد القديم، وكذلك كل التلمود(شرح العهد القديم)، قد نقشت عليهما، أو على الأقل ، كتبت بجوارهما، وعندما سمع محمد اليهود يؤكدون ذلك فيما يخص كتبهم المقدسة، فقد كان من الطبيعى بالنسبة له أن يؤكد أن وحيه أيضاً كان مكتوباً على أحد هذين اللوحين ، لإنه بغير ذلك، وكما فكر، فقد كان من الصعب أن يدعى درجة من المرجعية الإلهية، تساوى درجة العهد القديم. وإنه من المحتمل، وفى عدم فهمهم لما تشير إليه عبارة لوح محفوظ ( اللوح اليهودى)، فقد إخترعوا تدريجياً كل القصة العجيبة عنه، والتى إقتبسناها هنا- من أبى الفدا.
ولكى نؤكد ماإعتقد فيه اليهود بشأن محتويات اللوحين، يجب أن نراجع رسالة البركة من التلمود البابلى، الورقة 5 ، العمود 1، فهناك يمكن أن نجد ماقاله الحاخام شمعون بن لاجش( وسوف أعطيك لوحى الحجارة والشريعة والوصايا التى كتبتها، حتى تعلمها لهم - الخروج ، الفصل 24 ، الإصحاح 12 )، فاللوحين هما الوصايا العشر، والتوراة هى التى تتلى، والوصايا هى الموجودة فى المشنا ، والتى كتبتها هى أسفارالأنبياء وأسفار الحكمة، والتى يمكن أن تعلمها لهم هى الجمارا، وهى مراجعة للمشنا، إن هذا يشير إلى كل ماأعطى لموسى فى سيناء.
إن كل يهودى مثقف فى الزمن الحالى يعرف أننا لابد أن نرفض هذا التفسير السخيف للنص المستشهد به هنا، لإنه يعرف أن المشنا قد جمعت حوالى سنة 220م ، والجمارا الأورشليمية حوالى سنة 430م، والجومارا البابلية حوالى سنة 530م ، ولكن ولإن المسلمين لم يكونوا يعرفوا ذلك ، يبدو أنهم قد قبلوا ذلك التاكيد ضمنياً على أنه حقيقة، وضموه إلى قرآنهم أيضاً. ومن أجل إكمال الدليل على أن أسطورة اللوح المحفوظ الذى كُتب عليه القرآن، مأخوذة من مصدر يهودى، يبقى فقط أن نقرر أنه قد ذُكر فى كتاب أقوال الآباء اليهودى - بوركى أفوت - أن لوحى الشريعة ، قد خُلقت ، مع تسعة أشياء أخرى، فى وقت خلق العالم، عند الغروب قبل أن يبدأ السبت الأول.
7- قصة جبل قاف
إنه من المعروف جيداً أن جبل القاف الخرافى يلعب دوراً كبيراً فى أساطير محمد ، فالسورة القرآنية رقم 50 تسمى بسورة القاف، وتبدأ بنفس الحرف، ومن ثم يفترض أن إسمها يشير إلى الجبل موضوع الأسطورة. وقد قبل المفسر العباسى هذا التفسير، وإستشهد بتراث يعود إلى أبن العباس فى تأكيد ذلك. يقول إبن العباس( القاف هو جبل عظيم يحيط بالأرض، ومنه يأتى إخضرار السماء، وهو الذى يقسم به الله) وقد فسر عرائس المجالس ذلك بشكل أكبر فى هذه الكلمات ( لقد خلق الله العلى القدير جبل عظيم من الزمرد، ومنه يأتى إخضرار السماء، ويسمى بجبل القاف، وهو يطوق كل الأرض، وهو ذلك الذى يقسم به الله حيث يقول ، والقاف والقرآن المجيد). وقد روى فى قصص الأنبياء، أن عبدالله بن سلام سأل محمد يوماً، ماهى أعلى قمم الجبال فى الأرض، فأجاب محمد ، جبل القاف. وفى إجابته على الإستفسار التالى، عما يتكون منه هذا الجبل، أجاب محمد من زمرد أخضر،ومنه يأتى إخضرار السماء، وفى إعتقاد المستفسر بأن نبى الله قد تحدث بالحقيقة فى هذا الأمر، سأل، وماهو إرتفاع جبل قاف، فأجاب محمد، أنه رحلة خمسمائة عام، فسأل عبدالله، وماهو محيطه، فأجاب محمد، رحلة ألفى عام، ولسنا فى حاجة للخوض فى كل التفاصيل الأخرى التى وصلت إلينا عن هذه السلسلة الجبلية الخرافية،والتى تمتلئ بها الأساطير الإسلامية.
وإذا ماسألنا عن أصل قصة وجود مثل هذه السلسلة من الجبال، فإننا يمكن أن نجد الإجابة فى إشارة إلى كتاب الحجيجاه اليهودى، الباب11 ، الفصل 1 ، فهناك وفى تفسير الكلمة العبرية النادرة إلى حد ما ، توهو ، المذكورة فى سفر التكوين 1-2 بمعنى الفضاء والفراغ ، قد كُتب ، توهو هو الخط الأخضر الذى يحيط بكل العالم، والذى منه ينبثق الظلام، إن الكلملة العبرية التى نترجمها هنا بالخط تعنى قاف ، وعندما سمعها محمد وأتباعه، وحيث لم يكونوا يعرفون أن قاف تعنى خط ، فقد فكروا، وبدون تردد ، أن الذى يقال أنه كان يحيط بكل العالم، والذى منه ينبثق الظلام ، لابد أنها سلسلة ضخمة من الجبال تسمى قاف. إنه ليس من الضرورى أن نقول أن الجغرافيين قد إستكشفوا كل العالم بدون أن يكتشفوا حتى الآن هذه السلسلة الجبلية الموصوفة فى أحاديث محمد.
8- قصة السماوات السبع
ذُكرت السماوات السبع فى سورة الإسراء رقم 17 ، الآية 44 ، كما ذُكرت الأبواب السبع للجحيم فى سورة الحجر رقم 15، الآية 44 ، وهذان النصان ، مشتقان من التراث اليهودى، وقد ذكر النص الأول فى كتاب الحجيجاه، الباب 9 ، الفصل 2 بينما ذُكر النص الثانى فى كتاب الزوهر، فصل 2 ص 150 وإنه من الملفت للنظر أن هذه الأساطير اليهودية نفسها تعود إلى الهندوسية والفارسية ، حيث كان الهندوس يعتقدون أنه تحت سطح الأرض توجد سبع طوابق أصغر، وفوقها سبع طوابق أعلى، ترتكز كلها على أحد رؤوس حية عملاقة تسمى سيشا، لها ألف رأس. وتتطابق السماوات السبع مع مدارات الشمس والقمر وكواكب المريخ وفينوس ومارس وجوبيتر وساتورن، والتى كان يفترض فى زمن محمد أنها تدور حول الأرض. وتبعاً للحديث المحمدى فإن الأرض وطوابقها السبع كانت ترتكز بين قرنى ثور يسمى كاجوثا، كان له 4000 قرن، يبلغ طول كل منها رحلة خمسمائة سنة من كل الجهات، كما كان له كثير من العيون والأنوف والآذان والأفواه والألسنة ، بنفس عدد القرون، وكانت قدمه تقف على سمكة ، كانت تسبح فى أعماق المياه لرحلة أربعين عام، وكذلك رواية أخرى تقول بأن الأرض كانت ترتكز فى المقام الأول على رأس أحد الملائكة وأن قدم ذلك الملاك كانت ترتكز على صخرة ضخمة من الياقوت يرفعها الثور. إن فكرة الربط بين الأرض وبين ثور ربما تكون ذات أصل فارسى آرى ، وإن الأسطورة التى تمثل الأرض كأنها تتكون من سبع طوابق فربما تعود الى الرغبة فى تشبيهها بالسماء فى هذا الخصوص. ومع ذلك فربما تكون قد نشأت عن سوء فهم للنص الفارسى الآرى المذكور فى الإفستا، بأن الأرض تتكون من سبع أقاليم كبرى يشار إليها الآن بالمناخات السبع، حيث يقال فى اليشت/الإفستا باب 19 فصل 31 ، أن يماكاشيتا أو جشميد، قد حكم الأرض ذات الأقاليم السبع. ومرة أخرى يتطابق هذا مع مع نص الديفيبا، علم الكون الهندوسى، للجغرافية الهندوسية ، رغم أنه من الخطأ التصور أنها كانت تقع تحت بعضها البعض ، فيما عدا أن الأولى من الأقاليم السبع كانت هضبة جبلية عالية، بينما كانت الهضاب الأخر أقل إرتفاعاً.
9- قصة عرش الله
ذُكر فى سورة هود رقم 11 الآية 9 وفى الإشارة إلى عرش الله ، أنه قبل خلق السماوات والأرض ، كان عرشه على الماء ، فى الهواء، بنفس الشكل الذى علق به المفسر اليهودى الشهير راشى على ما ورد فى سفر التكوين، الفصول 1-2، بأن عرش المجد إنتصب فى الهواء ، وطفى على الماء.

10- قصة مالك رئيس جهنم
يذكر كُتاب محمد أن الملاك مالك ، المذكور فى سورة الزخرف رقم 43 الآية 77 ، هو رئيس الملائكة التسعة عشر المكلفين بحراسة الجحيم، وبنفس الشكل يشير كُتاب اليهود كثيراً إلى أمير للجحيم، لكن المسلمين قد إقتبسوا إسم مالك من الإسم (مولك) وهو إسم أحد الآلهة المذكورة فى الكتاب المقدس، والتى كان الكنعانيون يعبدونها فى الماضى، ويحرقون لها القرابين البشرية تعظيماً. وقد كانت الكلمة فى العبرية كما هى فى العربية، إسم فاعل ، وتعنى الحاكم.
11- قصة الأعراف
ذكر فى سورة الأعراف رقم 7 الآية 46، أنه يوجد حاجز بين السماء وجهنم يسمى بالأعراف، والذى إكتسب إسمه فى الواقع من إسم السورة المذكورة، كما يقال عنه حجاب، ويعيش فيه رجال. أن هذه الفكرة مأخوذة من المدراش - فى تفسير الفصل 7 من سفر الجامعة إصحاح 14 ، حيث ذُكر أنه عندما سئل الحاخام يونان عن المسافة الواقعة بينهما(أى بين السماء وجهنم) قال حائط،، وعندما سئل الحاخام أخا قال ، مسافة شبر، كما قال الربانيون أنهما قريبين من بعضهما البعض، بحيث يمكن للضوء أن ينفذ من أحدهما إلى الآخر. والواقع إن أصل الفكرة كلها ربما تعود إلى الإفستا الزرادشتية الفارسية ، حيث ذُكرت هذه المساحة الفاصلة بين السماء وجهنم بإسم ميسوانوجاتس، وعلى أنها المكان المخصص لأرواح هؤلاء الذين تساوت أعمالهم الطيبة بأعمالهم السيئة. ويسمى نفس المكان فى البهلوية ميسواتاجاس. ويعتقد الزرادشتيون أن المساحة بين السماء والجحيم ، هى نفسها المساحة الفاصلة بين النور والظلمة. إن فكرة وجود مكان مخصص لهؤلاء الذين تساوت أعمالهم الطيبة بأعمالهم السيئة، قد إنتقلت إلى عقائد أخرى أيضاً.
12- قصة الشيطان
وقد ذُكر فى سورة الحجر رقم 15، الآية 18، وفيما يتعلق بالشيطان، أنه والملائكة الساقطين الآخرين، قد حاولوا إسترقاق السمع ، بالتصنت على أوامر الله المعطاة للملائكة فى السماء. إن نفس الفكرة مكررة فى سورة الصافات 37 ، الآية 8 ، وسورة الملك 67، الآية 5. ويعود هذا الإعتقاد إلى اليهود أيضاً، كما هو مذكور فى كتاب الحجيجاه ، باب 6، فصل 1، ، حيث قيل أن الشياطين قد تصنتوا من خلف ستار، كى يعرفوا عن أحداث المستقبل. ويصور القرآن ، الشهب وهى تضربهم بواسطة الملائكة، وتشتت شملهم.
13- قصة جهنم
وفى سورة القاف رقم 50، الآية رقم 30، عند الحديث عن يوم القيامة، يمثل الله وهو يقول لجهنم، هل إمتلأت وتقول هل من مزيد؟ إن هذا فى الواقع هو صدى مانقرأه فى كتاب أوثيوث ، للحاخام عقيباه، عن رئيس جهنم وهو يقول، إعطنى طعام كل يوم حتى أشبع.
14- قصة طوفان نوح
وقد ذُكر فى سورة هود رقم 11 الآية رقم 40، وأيضاً فى سورة المؤمنين رقم 23 الآية رقم 27، أنه فى زمن نوح، قد فار التنور، ولاشك أن هذا يشير إلى النص اليهودى، المذكور فى الفصل 16، الفقرة 2 من كتاب روش هاشاشناه ، والفصل 108 من رسالة السنهدرين، بأن جيل الطوفان قد عوقب بالماء المغلى. إن كل القصة المذكورة فى القرآن، وكذلك الطريقة التى سخر بها غير المؤمنين من نوح، مأخوذة بالكامل من الفصل المذكور فى رسالة السنهدرين، ومن شراح يهود آخرين. وربما بسبب عدم إدراك ذلك، فإن تعليق جلال الدين على سورة هود المذكورة يقول، بأنه كان فرن خباز ذلك الذى فار، وأن ذلك كان إشارة الى نوح، بأن الطوفان كان على وشك الحدوث.
والواقع أننا إذا إحتجنا لمزيد من دليل على التأثير الكبير للتراث اليهودى على الإسلام، فإنه تكفينا الحقيقة الهامة بأن القرآن، ورغم إفتخار المسلمين بأسلوبه وأصالة لغته، كمعجزة ودليل على أصله الإلهى، يحتوى على بعض الكلمات الغير عربية على الإطلاق، ولكنها مأخوذة من العبرية والآرامية، ورغم أنها قد تكون مشتقة من جذور واحدة للغات الثلاثة، فإنها لم تتكون تبعاً لقواعد اللغة العربية، فى نفس الوقت الذى نجدها دائمة التكرار فى العبرية والآرامية، تبعاً لقواعد هاتين اللغتين. إن كلمة الجنة مأخوذة من العبرية المتأخرة، لكنها أتت من الفارسية القديمة، وهى تتبع هذه اللغة، كما تتبع اللغة السنسكريتية، وهى غريبة على العربية، بنفس القدر التى تعتبر فيه هذه الكلمة غريبة على اليونانية. وغالباً ماوجد شراح محمد أنه من المستحيل معرفة المعنى الدقيق لمثل هذه الكلمات، بسبب جهلهم باللغات التى أخذها منها محمد. و لذلك فعندما نعرف معانى هذه الكلمات نجد أنها تناسب السياق المذكورة فيه ، فمثلاً ، فإنه من الخطأ الشائع أن نتصور أن كلمة ملكوت تعنى مسكن الملائكة، لإنها ليست مأخوذة من كلمة ملك، لكنها الطريقة العربية لكتابة الملكوت العبرى، الذى يعنى مملكة السماء.
15- قصة صوم رمضان
إن تأثير أسلوب العبادة اليهودية على العبادات المحمدية، ليس أقل أهمية من المؤثرات الأخرى . ربما يكون من الخطأ أن نفترض أن محمد قد أخذ من اليهود عادة الصلاة بغطاء للرأس، وبفصل الرجال عن النساء فى المسجد، بينما سمح لهم بمشاركة الرجال فى الصلوات العامة، وكذلك عادة خلع الأحذية، حيث من الممكن أن ترجع هذه العادات الى عادات العرب أنفسهم، وعادات الشعوب السامية، منذ العصور القديمة، مع ذلك فمن المحتمل أكثر أن الوضوء للصلاة مأخوذ عن اليهود، كما أن عادة الصلاة بإتجاه قبلة أورشليم، وكما رأينا قد تبناها محمد لفترة قصيرة تقليدأ لليهود، رغم أنه قد إختار مكة فى النهاية كقبلة بديلة. ونعرف أيضاً أن عادة شهر الصيام قد أخذت من الصابئة ليس من اليهود، ولكن فرض الصيام وتحديد وقته، كأحد أركان العبادة، مأخوذ من أصل يهودى، ففى سورة البقرة رقم 2 الآيات 183-187 حيث يؤمر بالصيام ، يقول القرآن، وكلوا وإشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصلاة إلى الليل كما ذكر تماماً فى شروحات المشناة.
16-قصة الصلوات الخمس
يؤمر المسلمون فى كل بلد يتواجدون فيها، بأداء الصلوات الخمس حين يحين وقتها المحدد تبعاً لتقييم البلد الذى يتواجدون فيه، وفى نفس المكان الذى يتواجدون فيه ، سواء كان فى المنزل أو فى المسجد أو فى الشارع، ويقوم كثيرون منهم بتنفيذ ذلك فعلاً، وخاصة فى الأماكن العامة. وتبدو هذه الممارسة اليوم مقصورة عليهم ، ولكن إذا أردنا التحرى عن أصلها، فلابد لنا مرة أخرى من الرجوع إلى اليهود. فهؤلاء الذين عاش منهم فى الجزيرة العربية فى زمن محمد كانوا من أتباع، أو من أحفاد اليهود الفريسيين فى الواقع، هؤلاء الذين تم وصفهم فى الإنجيل بتفريغ معنى كلمة الله من خلال عاداتهم المتشددة فى الدين. وفى زمن المسيح، كان هؤلاء الفريسيون يلامون على حبهم للوقوف والصلاة فى المعبد وفى أركان الشوارع، من أجل كسب مزيد من الإحترام لتقواهم بين الناس. إن التشابه بين ممارسات الفريسيين فى العصور القديمة وبين ممارسات المسلمين فى الأزمان الحالية، شديد الوضوح، ولإن محمد كان يعرف أنهم من أحفاد إبراهيم ومن أهل الكتاب ، فقد أخذ عنهم بدون تردد، رغم أنه ظل يخبر أتباعه أن جبريل هو الذى علمه كل شئ.
17- قصة الزيجات الشرعية الأربع
فى سورة النساء رقم 4 الآية 3 ، وضع محمد قاعدة تحديد الزيجات الشرعية فى وقت واحد بأربعة فقط، ويقول المفسرون أنه قبل ذلك التحديد كان يحق لأتباع محمد أن يملكوا عدد أكبر من الزيجات الشرعية، مع ذلك،فهذه القاعدة لم تنطبق على محمد نفسه، الذى كان يحق له أن يتمتع بما يشاء من الزوجات الشرعيات، وكما نعرف من سورة الأحزاب رقم 33 الآية 50 ، أن ذلك كان بمثابة إمتياز خاص له. إن نص آية الحظر رقم 3 فى سورة النساء يقول (وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فإنكحوا ماطاب لكم من النساء، مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم الأ تعدلوا، فواحدة أو ماملكت إيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا). وقد تم تفسير ذلك النص، ومنذ ذلك التاريخ، على أنه نهى عن ملكية أكثر من أربع زوجات فى وقت واحد، بحد أقصى، مع التمتع بحق تطليق إحداهن، أو كلهن والزواج مرة أخرى، للحفاظ على نفس العدد المحدد بأربعة بحد أقصى. وعندما نتحرى عن المصدر الذى أخذ منه محمد هذا التشريع ، ولماذا إختار أربعة زوجات كحد أقصى مسموح به فى وقت واحد، سنجد أنه يعود أيضاً لليهود، حيث تقرر أحد التشريعات اليهودية صراحة أن الرب يقول أن الرجل يمكنه أن يتزوج كثير من النساء، إذا كان يستطيع إعالتهن، ومع ذلك ، فإنه قد نصح الرجال الحكماء بأن لايتزوجوا أكثر من أربع زوجات.
وفى الرد على الجدل المتضمن فى هذا الفصل، وفى الفصول التالية، لايملك المحمديون سوى إجابة واحدة، فبالإضافة على التأكيد بأن القرآن ليس كلام محمد ، ولكن كلام الله نفسه ، فهم يخبروننا أن محمد كان رجلاً جاهلاً بالقراءة والكتابة، ومن ثم فلم يكن قادراً على دراسة العبرية والآرامية، والكتب الأخرى التى أوضحنا أنه قد أخذ عنها، بشكل مباشر أو غير مباشر،معظم مايظهر الآن فى القرآن. إن رجل غير متعلم، وكما يقولون ، لايمكن له أن يتعامل مع كل هذا القدر الهائل من الآداب ، الموضوع معظمها فى لغات لم يكن يعرفها، والتى لايعرفها حتى اليوم ، إلا عدد قليل من الباحثين.
إن هذا الجدل يرتكز على إفتراضين، أولهما أن محمداً لم يكن يستطيع القراءة ولا الكتابة، والثانى هو أنه فقط بواسطة القراءة، كان يمكنه التعرف على تراث وأساطير اليهود، والمسيحيين، والزرادشتيين، وآخرين ممن وجدوا فى زمانه. لكن هذين الإفتراضين يفتقدا إلى الدليل. إن أحد المحاولات لتأكيد الزعم الأول، هى ماجاء فى الآية رقم 157 من سورة الأعراف رقم 7 ، والتى وُصف فيها محمد بالنبى الأمى، والتى يترجمها المسلمون بالنبى الغير متعلم. وبهذا الخصوص فقد أوضح الحاخام إبراهيم جيجر، أن المعنى المقصود للكلمة فى هذه الآية، هو النبى الوثنى ، أو الغير يهودى. إن هذا التوضيح تؤكده حقيقة ماجاء فى الآية رقم 20 من سورة آل عمران رقم 3 ، بأن النبى قد أمر بأن يتحدث إلى الأميين وإلى أهل الكتاب( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن إتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد إهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) والتى تدل على أن العرب بشكل عام،كان يشار إليهم بالأميين، وبالإضافة إلى ذلك، ففى الآية رقم 27 من سورة العنكبوت رقم 29، وفى الآية رقم 16 من سورة الجاثية رقم 45، قد تم التقرير بوضوح أن المركز النبوى قد وُهب لذرية إسحاق ويعقوب ، وليس لذرية إسماعيل، وبناء على ذلك فقد ميز محمد نفسه بالنبى الوثنى، مختلفاً فى هذا الخصوص عن باقى الأنبياء المنحدرين من ذرية إسحاق. والواقع أنه لايوجد دليل قاطع على أن محمد كان جاهلاً بالقراءة والكتابة، رغم أننا لسنا مضطرين، كما تصور البعض ، لإن نستنتج أن النمط المتميز للقرآن هو دليل على أن محمد قد كتب معظمه بعناية ، ثم درس السور المختلفة ، قبل أن يحفظها عن ظهر قلب، ويتلووها على نساخه، حيث أن ذلك كان يمكن أن يحدث، بدون ملكية القدرة على القراءة والكتابة.
ولكن حتى لو سلمنا، وعلى سبيل الجدل ، أن القراءة والكتابة كانت فنون غير معروفة لمحمد ، فإن هذا التسليم لن يؤثر، وبأقل درجة ، فى حقيقة أنه قد أخذ الكثير من المصادر اليهودية وغيرها من المصادر الأخرى ، وحتى إذا ماكان يستطيع قراءة العربية، فمن غير المحتمل انه كان دارساً للآرامية والعبرية، وللغات أخرى. إن المقارنات التى رسمناها هنا بين بعض الفقرات فى القرآن ، وتلك المشابهة لها فى كتابات يهودية مختلفة هى قريبة لدرجة تكفى لإظهار المصدر النهائى لكثير مما ورد فى القرآن. ولكن لايوجد حتى فى حالة واحدة ترجمة مباشرة لآيات القرآن من أى من هذه المصادر. إن الأخطاء الكثيرة التى تحدث فى القرآن تظهر لنا أن محمد كان ينقل عن مصادر شفوية ، وربما عن رجال لا يملكون القدر الكافى من المعرفة الكتابية أنفسهم. إن هذا يلغى إفتراض المسلمين الثانى. فمما لاشك فيه، ولكثير من الأسباب الواضحة، فقد كان من المستحيل على محمد الإطلاع على عدد كبير من الكتب الآرامية والزرادشتية والإغريقية، لكنه لم يكن مستحيلاً عليه أبداً ، أن يتعلم من الأصدقاء اليهود والفرس والمسيحيين، القصص والخرافات والأحاديث المعروفة آنذاك. ولقد إتهمه أعدائه، فى زمانه، بتهمة إستعانته، بمثل هؤلاء الأشخاص فى تصنيف القرآن، وكما نعرف ذلك سواء من القرآن نفسه، أو من إعترافات إبن هشام وغيره من المفسرين. إن بعض من ذكروا على أنهم قد ساعدوا محمد فى تصنيف القرآن هو اليهودى المذكور فى الآية رقم 10 من سورة الأحقاف رقم 46، كشاهد على التوافق بين القرآن والكتب اليهودية المقدسة. وقد ذكر المفسران، العباسى، وجلال الدين فى ملاحظاتهما على هذه الفقرة، أن المقصود بالإسرائيلى المذكور فى الآية المذكورة، هو عبدالله بن سلام، والذى كان، وإذا صدقنا بما جاء فى روضة الإيهاب، كاهناً يهودياً، قبل أن يتحول إلى الإسلام. وفى الآية رقم 5-6 من سورة الفرقان رقم 25، نعرف أن أعداء محمد قد قالوا، أن آخرين قد ساعدوه فى تصنيف القرآن، كما قرروا أنه فقط قد سجل أساطير الأولين، والتى كانت تملى عليه بواسطة شركائه، ليلاً نهاراً. ويذكر االعباسى أن الأشخاص المشار إليهم هم عبد مسيحى إسمه جبر، وياسر المعروف بأبى فكيهة، وشخص يونانى إسمه أبو تقبيحة، وفى الآية رقم 103 من سورة النحل رقم 16، قدم محمد إجابة غير دقيقة على تلك التهمة، بأن لغة الرجال المذكورين كانت لغة أعجمية، بينما القرآن قد صنف فى لغة عربية خالصة( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان حال الذى يلحدون إليه أعجمى، وهذا لسان عربى مبين)، حيث أن هذه الإجابة لم تحاول دحض المعنى الواضح للتهمة، والتى لم يكن المقصود بها أسلوب اللغة المستخدمة، ولكن القصص المذكورة فى القرآن، والتى تعلمها منهم محمد. ويذكر العباسى شخص مسيحى آخر إسمه كنعان/قابيل/ بينما يؤكد جلال الدين على أسماء جبر وياسر. ويذكر آخرون أسماء مثل سلمان الفارسى، تابع محمد المعروف، وصهيب، والراهب عداس. وربما نلاحظ أيضا أن عثمان، وخاصة ورقة، إبن عم خديجة، زوجة محمد الأولى، كانوا على معرفة بالمسيحية واليهودية لذلك الزمن. وأن هؤلاء الرجال قد كان لهم تأثيراً كبيراً على حياة فى سنواته المبكرة كنبى، وربما حتى قبل ذلك. ولقد كان زيد، إبنه بالتبنى، سورياً، تبعاً لإبن هشام، ولهذا فلابد أنه كان قد إعتنق المسيحية قبل أن يعتنق الإسلام. وسوف نرى أن هناك أشخاص آخرون كانوا بين أصدقاء محمد، والذى ربما يكون قد حصل منهم بسهولة على معلومات عن المعتقدات اليهودية والمسيحية والزرادشتية. ومع ذلك ، فإن الفقرات المأخوذة من مثل تلك المصادر قد تم التمويه فى صياغتها بحيث أصبح من الممكن أن لايدرك أصحابها ، والذى كان محمد يستفسر منهم عن تلك العقائد، قدر الخداع الذى كان يمارسه محمد، وأنهم قد تصوروا أن تلك الآيات كانت موحى بها إليه فعلاً، لتؤكد حقيقة الأديان المتتابعة، على الأقل حتى ذلك الزمن. وعلى ذلك يكون محمد قد وظف تلك المعلومات التى حصل عليها من هؤلاء الرجل ببراعة خدعتهم ، لكنها لم تستطع خداع إعدائه ، ومن ثم، وفى يأسه من إسكاتهم ، فقد إنقض عليهم بالسيف.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب الأهلية اللبنانية - ذكريات ومؤشرات
- جامعة دمنهو ومقالى المغدور
- حراك مصر والسودان وحزب فرعون
- الأستاذ طارق حجى - رؤية غير محايدة
- تاريخ الإسلام بين الوعى الزائف والصهر القسرى
- الشرق الأوسط بين الصفويين والعثمانيين والوطنيين المزعومين
- فى الرد على يوسى كلاين هاليفى- رسائل إلى جارى الفلسطينى - عب ...
- سجون مماليك يوليو-من محمد نجيب إلى محمد مرسى
- توماس جيفرسون ، مسيح العالم الجديد
- الربوبية بين الكفر والإيمان
- إنتخابات الرئاسة الإندونيسية ومعركة الديموقراطية
- مصر المسيحية - تأليف - إدوارد هاردى - ترجمة -عبدالجواد سيد
- شم النسيم - عيد الفرح والخلود
- تاريخ مصر فى العصور الوسطى - تأليف ستانلى لين بول - ترجمة عب ...
- مصر الحديثة وصراع الهوية
- تعديلات الدستور وأغلال العثمانيين والمماليك
- المرأة السعودية ، صراع الحرية والتغيير
- رسائل العام الجديد
- تداعيات التاريخ والصراع فى اليمن
- إغتيال خاشقجى والعالم والمملكة السعودية


المزيد.....




- ما الذي يمكن أن يتعلمه الإسلاميون العرب من الإرهابيين الروس؟ ...
- إقبال بركة تكتب:د. فؤاد زكريا والحركات الإسلامية (2)
- شيخ الأزهر يوجه دعوة إلى المجتمع الدولي بشأن أزمة سد النهضة ...
- قائد الثورة الاسلامية آية الله خامنئي يلقي خطابا مهما مساء ا ...
- الإمارات تتكفل بإعادة إعمار كنيس يهودي استهدفته المقاومة الف ...
- ألمانيا تطلق برنامجا لإعداد أئمة محليين لتقليص نسبة رجال الد ...
-  شيخ الأزهر يصدر بيانا جديدا بشأن -سد النهضة-
- شيخ الأزهر يوجه دعوة إلى المجتمع الدولي بشأن أزمة سد النهضة ...
- شيخ الأزهر يعلق على قرار السعودية حول تنظيم الحج هذا العام
- لابيد يستنكر هتافات -الموت للعرب- في -مسيرة الأعلام-: ليست ي ...


المزيد.....

- كشف اللثام عن فقه الإمام / سامح عسكر
- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجواد سيد - المصادر الأصلية للقرآن -كلير تيسدال - الفصل الثالث - مؤثرات الصابئة واليهود - ترجمة عبدالجواد سيد